الرئيسية / صفحات مميزة / لماذا تصعب الثقة بواشنطن؟/ مصطفى كركوتي

لماذا تصعب الثقة بواشنطن؟/ مصطفى كركوتي

 

المصالح، عادة، هي التي تحكم العلاقات بين الدول. وهذه قاعدة قديمة منذ وُجِدَ البشر، لكنّ ثمة مقداراً من الثقة يبقى مطلوباً أثناء التعامل بين السياسيين لإدارة تلك المصالح ورعايتها. فمنذ إدارة الرئيس الراحل دوايت أيزنهاور وموقفها المعروف إزاء «حرب السويس» منتصف الخمسينات، لم تنجح الإدارات الأميركية اللاحقة في كسب ثقة العرب. ولعل إدارة باراك أوباما هي الأكثر نجاحاً في تخييب آمالهم، لا سيما في المسألة السورية.

واجه العرب، بخاصة «أصدقاء» واشنطن، في غير مناسبة، هذه المسألة. لكن موقف واشنطن من الحرب في سورية ترك هؤلاء الأصدقاء في حالة غير مسبوقة من الذهول. فالحرب المستمرة في دمويتها وتحوُّل أكثر من نصف السوريين لاجئين في دول الجوار أو نازحين داخل بلدهم، يجب أن يشكلا عبئاً أخلاقياً، إن لم نقل خطراً أمنياً، على ديموقراطيات العالم، بخاصة الولايات المتحدة.

صحيح، في السياسة لا توجد عواطف، بل المصالح فقط هي التي تحكم العلاقات، ولعل هذا ما يفسر ترك الأمور «نصف مطبوخة». فمع انتقال النفوذ في المنطقة من البريطاني التقليدي القديم إلى الأميركي الراهن، بقيت خيبات العرب على حالها وكان ذلك واضحاً طوال العقود الخمسة الماضية، وكانت أبرزها أثناء حرب الثماني سنوات الطاحنة بين إيران والعراق والتي أنهكت البلدين لكنها أبقت قيادتيهما العُنفِيَّتَين بطرق مختلفة باتت معروفة. وعبّر هنري كيسنجر يومذاك عن «سعادته» لأن إثنين من أكبر أعداء بلاده «يتطاحنان»، وعن «حزنه» لأن أحدهما «سيخرج منتصراً».

في حرب الخليج الثانية عام 1991 بهدف تحرير دولة الكويت، توقفت قوات الرئيس السابق جورج بوش الأب عند منتصف الطريق وهي تطارد قوات الرئيس صدام حسين، وتركت الأخير يواصل استبداد نظام حكمه لفترة 12 سنة أخرى. في حرب الخليج الثالثة، وإثر غزو العراق الكبير في 2003، بدأت إدارة الرئيس جورج بوش الابن في التحول التدريجي لتطبيق إستراتيجية جديدة تقترب من رؤية إيران الرسمية لما يجب أن يكون عليه عراق المستقبل.

فقد ساعدت واشنطن عملية تنصيب رجل طهران في بغداد، نوري المالكي، رئيساً للحكومة بدلاً من إياد علاوي العروبي التطلع. ومع انسحاب القوات الأميركية من العراق تبدو البلاد، ما عدا إقليم كردستان الذاتي الحكم في الشمال، تحت النفوذ الإيراني. ويتوقع أن يتعزز هذا الوضع بتنصيب المالكي لدورة ثالثة. فالغزو الأميركي للعراق المعزَّز بدعم بريطانيا توني بلير، جعل بغداد حليفاً قوياً لطهران بعدما كانت خصماً لدوداً لها في عهد صدام.

في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي تلقى السوريون «طعنة» في الظهر عندما غيَّرت الإدارة الأميركية سياستها الخارجية تجاه الرئيس بشار الأسد، باتجاه معاكس تماماً. ففجأة ألغت واشنطن خطتها القاضية بتوجيه ضربات صاروخية ضد مواقع وتحصينات قوات النظام الخاصة للحد من قدرتها على ضرب السوريين المدنيين.

ولو وُجِّهَت تلك الضربات لكان ممكناً تعديل ميزان القوى لمصلحة المعارضة السورية المعتدلة وتجمع «أصدقاء» سورية. ولكن بدلاً من ذلك، تحولت واشنطن بالكامل نحو طهران وأقفلت تماماً موضوع توجيه الضربة، وعلم «أصدقاء سورية» بهذا التحول من محطة «سي أن أن».

المقلق في الأمر أن إيران لم تعدّل سياستها الإقليمية، منذ فوز الرئيس «المعتدل» حسن روحاني في انتخابات العام الماضي. بل هناك بوادر غير مشجعة كإعطاء إيران الضوء الأخضر للسيد حسن نصر الله لإرسال ميليشياه إلى سورية، لمد يد العون لنظام فقدَ صلاحيته منذ لحظة استخدامه القوة العسكرية الباطشة ضد انتفاضة سكان درعا والمدن الأخرى في جنوب سورية عام 2011. وبات معروفاً أن تدخُّل قوات «حزب الله» وضربه قوات المعارضة الوطنية المنتشرة بين ربوع دمشق والحدود اللبنانية، ساهما بحزم في ميل كفة المواجهة لمصلحة النظام. حدث هذا ولا يزال تحت سمع واشنطن وبصرها من دون أن يصدر احتجاج ذو معنى ضد هذا التدخل.

أضف إلى ذلك أن ما يطلق عليه «ديبلوماسية النووي» ودفء العلاقات بين واشنطن وطهران، يثيران قلقاً بالغاً ومشروعاً في أوساط قادة المنطقة. فما قدمته الولايات المتحدة لإيران، جارَّةً وراءها أعضاء مجلس الأمن زائداً ألمانيا، صفقة كبيرة لم تقدم طهران بموجبها إلا القليل. ومصدر هذا القلق المشروع حصول إيران على ما تريد بسرعة مبكرة والبدء بتخفيف الضغوط الاقتصادية عليها. وهناك اعتقاد واسع في دول الجوار بأن صفقة واشنطن – طهران تركت لإيران ما يكفي من البنى التحتية التي تمكّنها من بناء قنبلة نووية في المستقبل. صحيح، قد يكون هناك بعض القيود، لكن الصفقة لا تنهي نشاط إيران النووي، بل تسمح لها باستمرار تخصيب اليورانيوم لمدة غير محددة.

ولا داعي كي نضيف أدلة أخرى، إذ يكفي الإصغاء إلى ما ردده أخيراً روبرت فورد، سفير أميركا السابق في دمشق. فالرجل يقول إنه لم يعد بمقدوره «الدفاع عن سياسة أميركا» تجاه سورية. وقد غادر فورد دمشق في شباط (فبراير) 2012 وبقي رسمياً سفيراً لبلاده حتى شهر مضى، فبات من الصعب عليه أن يحدد «أين نجحت سياستنا ما عدا إزالة نحو 93 في المئة من أسلحة الأسد الكيماوية، لكنه الآن يستخدم غاز الكلورين ضد معارضيه». وهو يضيف: «مع تصاعد تهديد التطرف الآتي من سورية لأميركا وحلفائنا، بات من الضروري التأكد مما إذا كنا نقدم الدعم الكافي لأصدقائنا في سورية. الأسد ما كان له أن يبقى في مركزه لولا الدعم الخارجي المباشر من روسيا وإيران وحزب الله».

الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...