الرئيسية / صفحات سورية / لماذا لا يعتذر بارزاني لشنكال؟/ هوشنك بروكا

لماذا لا يعتذر بارزاني لشنكال؟/ هوشنك بروكا

 

 

لا حاجة للتفصيل في جينوسايد شنكال الذي راح ضحيته حتى الآن أكثر من ثلاثة آلاف ضحية قتلت بسبب العنف أو ماتت بسبب الجوع أو الجفاف أو المرض، وأكثر من خمسة آلاف مختطف، وحوالي ألفين وخمسمئة إمرأة سبية، وما يقارب الأربعمئة ألف نازح ومشرّد في كردستان وتركيا وسوريا ودول أخرى. بعملية حسابية بسيطة وبلغة الأرقام سنرى أن حوالي 10 بالمئة من سكان كردستان، يواجهون كارثة إنسانية حقيقية، ناهيك عن أن مستقبل عشرات الآلاف من الأطفال والشباب، من الإيزيديين بخاصة والأقليات الأخرى مثل المسيحيين والشبك بعامة، مهدد بالضياع، بسبب أحداث العنف والنزوح والتشرد والظروف المعيشية والإجتماعية والنفسية القاسية، التي يعيشونها.

على الرغم من أن ما حصل ولا يزال يحصل لشنكال والشنكاليين، سببه الأساس هو إنسحاب المنظومة الدفاعية لحكومة إقليم كردستان ممثلةً بحزب رئيس الإقليم مسعود بارزاني، الحزب الديمقراطي الكردستاني، بإعتباره الحاكم الفعلي والوحيد في كردستان، منذ سقوط الديكتاتور في التاسع من نيسان 2003 إلى سقوط شنكال في أيدي تنظيم “الدولة الإسلامية” (داس)، في فجر الثالث من أغسطس الماضي، وعلى الرغم من اعتراف رئيس الإقليم وغيره من المسؤولين في الإقليم بحدوث “تقصير” وأخطاء”، وتأكيدهم المستمر على ضرورة “محاسبة المقصرين”، إلا أننا لم نسمع حتى الآن من رئيس الإقليم كلمة واحدة يؤكد فيها على “تورط” حكومة شنكال (الحزب، البيشمركة، الزيرفاني، الآسايش، الباراستن)، تحت قيادته في الأحداث. كل ما يقوله الرئيس بارزاني، هو أن هناك “تقصير” من جانب بعض المسؤولين والقادة الميدانيين في شنكال وقاطع دهوك، مكتفياً ب”إحالتهم إلى التحقيق والمساءلة والمحاسبة”.

على الرغم من قناعة الرئيس بوجود خيانة حصلت في شنكال، والدليل هو أمره ب”إعتقال بعض القادة الميدانيين المتهمين في قضية شنكال وإحالتهم إلى التحقيق”، إلا أنه لا يسمي الأشياء بمسمياتها الحقيقية، كما لا يسمي الخيانة بإسمها الحقيقي أمام الرأي العام، وإنما يكتفي بإختزال كل ما حصل بوجود “تقصير” فقط، وكأننا أمام حادث عرضي “مارق”، لا أمام فرمان بهول وفظاعة جينوسايد شنكال.

كان من الممكن أن نذهب مع سيادة الرئيس ب”انتظار نتائج التحقيق”، جرياً وراء القاعدة القانونية الذهبية المشهورة “المتهم بريء حتى تثبت إدانته”، لو كانت كردستان بالفعل دولة القانون والمؤسسات، لا دولة “الحزب القوي والدين القوي والعشيرة القوية”، التي يعلم الجميع، سواء في الداخل الكردستاني أو خارجه، أن القانون هو آخر من يحكم في كردستان، وإلا كنا رأينا عشرات المسؤولين في كردستان (بينهم مسؤولون في الفوق العالي) في السجون ووراء القضبان، بسبب الفساد المالي والسياسي الذي ينهش في جسد كردستان كالسرطان منذ عقدين ونيف. وكنا سنذهب مع الرئيس في اعتماد القانون والصبر على آليات تطبيقه أكثر، لو دلّنا سيادته على نتائج “لجنة تحقيق” واحدة، اتخذت من المهنية والإستقلالية والشفافية، منذ قيام إقليم كردستان، منهجاً وطريقاً لها، واطلع الجمهور الكردي على نتائجها، وذهب فيها المحققون إلى العدالة المفترضة، بدون إنحياز إلى “الحزب القوي”، أو “الدين القوي”، أو “العشيرة القوية”.

منذ أن وقفت كردستان على رجليها، ونحن نسمع بين الحين والآخر، عند كل أزمة تجتاح الإقليم، بهكذا كلام من الرئيس، أو من الدائرة الضيقة من حوله، بأخبار وأوامر روتينية تقودنا إلى هكذا “لجان تحقيق” صورية، لكن النتيجة تبقى واحدة: المسؤولون معصومون.. المسؤولون يعلون ولا يعلى عليهم سلطان أو قانون. ومن يقول بالعكس، فليأتِ بقانون واحد في كردستان قامت المحاكم على أساسه ب”سجن” أو “محاسبة” مسؤول كردي واحد، رفيع المستوى بسبب أخطائه، أو تقصيره.

منذ حوال عقدين ونيف من الزمن لم نرَ سوى الأحزاب ذاتها، والقادة ذواتهم، والمسؤولين ذواتهم في سدة الحكم، ومركز القرار، دون أن نرى مسؤولاً واحداً، من كردستان إلى كردستان، “يخطأ” أو “يقصّر” بحق كردستان الدولة والشعب، وكأنهم ملائكة، أو أنصاف آلهة تعيش بدون أخطاء.

منذ عقدين ونيف من عمر كردستان، لم يرَ الشعب الكردي مسؤولاً كردياً واحداً من الصف الأول، أو الثاني، أو حتى الثالث، يحاسب على أخطائه وتقصيره، اللهم إلا إذا كان هناك من لم يحالفه الحظ ووقع في فخاخ الصراعات الحزبية أو العشائرية أو الشخصية، بين حزب وحزب آخر، أو جماعة وجماعة أخرى، أو شخص وشخص آخر.

في الغرب المفتوح على حريته وديمقراطيته، قلما تجد رئيساً لدولة أو رئيساً للوزراء، أو مسؤولاً رفيعاً في الدولة أو الحكومة، ينهي عمله بسلام، بدون ملاحقات قانونية تحاسبه على أخطائه، سواء خلال فترة حكمه أو إدارته أو وظيفته، أو خارجها. أما في كردستان، فالمسؤول هو آخر من يخطأ، وآخر من يُحاسَب، وآخر من يُحاكَم.

في كردستان، كل الشعب يخطأ، وكله يُحاسَب، وكله يُحاكَم، إلا المسؤول “المعصوم”، “المنزه عن كلّ الخطأ”.

الرئيس بارزاني يقول في جلّ أحاديثه وتصريحاته بخصوص كارثة شنكال وتداعياتها، أن “المسؤولين المقصرين سيُحاسَبون”، لكن متى وكيف وأين، فهذا غير معلوم، ليس لأن بارزاني لا يعلم بوجود خيانة حصلت في صفوف حزبه وقواته بالدرجة الأساس، وإنما لأنه يعلم علم اليقين أن محاسبة أي مسؤول في شنكال سيعني بالضرورة محاسبة مسؤولين في الدائرة الضيقة من حوله، وهذا ما لم ولن يحصل.

رئيس فرع شنكال في حزب بارزاني، سربست بابيري قالها بصريح العبارة على فضائية روداو التي تعود ملكيتها لرئيس وزراء إقليم كردستان، نيجيرفان بارزاني، أنه “لم ينسحب من شنكال بقرار شخصي منه، وإنما بناءً على أوامر القيادة، مؤكداً أنه كان على تواصل دائم مع نجلَي الرئيس بارزاني مسرور ومنصور”.

سبق ووعد الرئيس بارزاني الشعب الكردي مرات كثيرة عبر تصريحات رسمية كثيرة، أنه سيحاسب “الفاسدين وكل من له يد في الفساد المالي وتبديد وتبذير المال العام”، لكن ماذا كانت النتيجة؟

لا شيء على الأرض بالطبع، لأن الفوق الكردي كله، بدون استثناء، هو في هوى الفساد ونهب المال العام سوى، وأي محاسبة لأي مسؤول في كردستان بناءً على قاعدة “من أين لك هذا؟”، سيعني محاسبة كل مسؤولي كردستان من الفوق إلى التحت.

ذات الشيء يمكن سحبه على قضية شنكال.

ربما لهذا يتجنب الرئيس تقديم أي اعتذار لشنكال والشنكاليين.

صحيحٌ أن ما حصل في شنكال من جينوسايد للإيزيديين، وقتلهم وخطفهم وسبي لنسائهم وتشريدهم بالجملة، قد تمّ على أيدي تنظيم “الدولة الإسلامية” (داس) بالتعاون والتنسيق مع مجموعات من العشائر العربية والكردية في قضاء سنجار، إلا أن من سلّم القضاء بالكامل إلى التنظيم من دون قتال ومقاومة، هو حكومة شنكال نفسها بقيادة حزب بارزاني، التي انسحبت من المنطقة بكامل منظومتها الدفاعية، دون أن تخسر في المعركة عنصراً واحداً من عناصرها، ولا حتى جريحاً واحداً، في صفوف قواتها. كل التقارير تؤكد الى أن الإنسحاب المباشر والمفاجئ للبيشمركة من قضاء سنجار، كان السبب الأساس في ما حصل للشنكاليين من فتك بالأرواح البريئة، وهتك للأعراض، ونهب للأموال والممتلكات، وارتكاب لجرائم إبادة جماعية فظيعة بحقهم.

قالها بارزاني أكثر من مرة وكرر الكلام ذاته في اجتماعه الأخير مع الإيزيديين والمسيحيين والشبك، بأنهم كانوا على علم مسبق بما يخطط له تنظيم “داس” بالهجوم على شنكال ومناطق أخرى، وأنهم أخبروا الأفرقاء في بغداد بالأمر، لكن هذه الأخيرة لم تتجاوب مع الإقليم للقيام بما كان يجب القيام به. والسؤال هناك هو: لماذا ترك بارزاني، إذن، الأمر في الخفاء، ولم يأمر قواته بأخذ الإحتياط، لإخلاء المنطقة من المدنيين، على الأقل، قبل دخول قوات “داس” إليها؟

لماذا هربت قوات بارزاني وكامل منظومة حكومته الدفاعية وانسحبت من قضاء سنجار بالكامل، قبل أن ينسحب مدني واحد؟

ما حصل ولا يزال يحصل في شنكال، لجهة مسؤولية قيادة كردستان، هو أكبر من الخطأ، كان على بارزاني بإعتباره “الرئيس والقائد العام للقوات المسلحة” الإعتذار عنه، على أقل تقدير، مثله مثل أي رئيس معرض للخطأ، تحدث تحت قيادته أخطاء.

كارثة فظيعة بحجم شنكال، لو حدثت في أية بقعة أو دولة من العالم تتمتع بهامش بسيط من الديمقراطية، كانت كفيلة بالإطاحة ليس بالمسؤولين المباشرين عنها فحسب، وإنما بفوق فوقهم في أعلى هرم السلطة أيضاً.

كنت أتمنى على الرئيس بارزاني، بإعتباره المسؤول الأول والأخير في كردستان، منذ قيامها كشبه دولة، أن يسبق مواطنه العادي الكردي المسلم، الذي بكى في شوارع دهوك وهولير والسليمانية، على أخوانه الإيزيديين معتذراً بالنيابة عن “كردستانه الشعبية” لدمائهم المهدورة، ولنسائهم اللواتي لا يزلن يعرضن في أسواق النخاسة للبيع كسبايا، ولعشرات الآلاف من أبنائهم المشردين في أنحاء كردستان، بدون مأوى ومأكل وملبس.

تمنيت عليه، وهو أحد الرموز الكردية في عموم كردستان، أن ينتصر لتاريخه في أقل تقدير، ويسبق مواطنيه العاديين بالإعتذار عما حصل للإيزيديين من أبشع جينوسايد في هذا القرن، في ظل حكمه لكردستان بعامة ولشنكال بخاصة.

لكن الرئيس، بكل أسف، ما فعل.

الرئيس بارزاني كشاهد على ما يحدث في كردستان، منذ أكثر من نصف قرن من الزمن، من مهاباد، حيث ولد، إلى هولير، حيث يحكم، يعلم علم اليقين وعينه أن ما حدث في شنكال هو أبعد بكثير من “التقصير” و”تسيب الواجب”.

الرئيس يعلم (ولا بدّ أنه قد علم الأمر من أحد قادة “قوة حماية شنكال”، قاسم ششو الذي كان في ضيافته قبل يومين) أن ما حصل هو خيانة من العيار الثقيل في كردستان لشنكال، وفي كردستان لكردستان، وفي حزبه لحزبه، لكنه عاجز، كما يبدو من أدائه الضعيف جداً، عن وضع نقاط هذه الخيانة على حروفها، لأسباب باتت معروفة، لعل أهمها ضلوع قيادات كبيرة في حزبه في تخطيط وتنفيذ هذه الخيانة، كما تؤكد شهادات كثيرة من داخل الحزب نفسه.

بارزاني الرئيس، لن يضحي بهذه القيادات “المهمة” لخاطر عيون شنكال والشنكاليين، لأن إقدامه على أمر كهذا سيعني فتحه لملف قضية خطيرة شائكة، لها علاقة بملفات داخلية وإقليمية، وربما دولية، قد تطيح بمستقبل حزبه، ومستقبل عائلته، ناهيك عن الإطاحة بكل تاريخه النضالي.

بارزاني، كما يبدو من استسهاله لجينوسايد شنكال، ولدماء مواطنيه الإيزيديين، وهدر كرامتهم، وهتك أعراضهم، لا يعترف بالخطأ الذي ارتكب في شنكال، بإعتباره خطأه كأكبر مسؤول في هرم السلطة السلطة.

لهذه الأسباب جميعها، لا يعتذر بارزاني (وربما لن يعتذر مستقبلاً) لشنكال وللشنكاليين، فالإعتذار عن خطأ المسؤولين المحسوبين على حزبه في شنكال، سيعني في النهاية الإعتراف به في كونه خطأه كرئيس لهم ومسؤول عنهم، أولاً وآخراً.

ايلاف

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...