صفحات مميزةفاروق حجّي مصطفى

سؤال التعايش المشترك بين مكونات الثورة السوريّة: فاروق حجّي مصطفى

 

فاروق حجّي مصطفى

أمران يؤثران على مزاج الناس (هنا في سوريا) ويحددان ميولهم أيضاً، الأول: الحرب الدائرة في المنطقة الشرقيّة من سوريا، وتحديداً في “رأس العين” بين قوات الحماية الشعبيّة الكُرديّة وبين كتائب تعتبر نفسها جزءاً من ” الجيش الحر”. والثاني: الجدل الدائر(الآن) بين القوى الممثلة للكُرد(الهيئة الكُرديّة العليا) والائتلاف الوطني للمعارضة السوريّة حول مطالب الكُرد في سوريا المستقبل.

دون أدنى شك إنّ في الأمر الأول، حيث تداعيّات هذه الحرب المجانيّة والتي تخدم ربما دولة إقليميّة وانعكاساتها على التعايش المشترك القائم منذ زمن بعيد جداً بين الفئات والمكونات المجتمعيّة والسياسيّة، ولا نعرف إلى أي مدى من يشنّ الحرب على أناس قلقين بالأصل على مستقبلهم يخدم المرحلة الثوريّة السوريّة لكننا نعرف أنّ هذه الحرب تقتل التعايش المشترك المشهود له بالجزيرة، ولعل الحرب الآن وحدها استطاعت أن تحدث الشرخ بين مكونات أهل الجزيرة وتؤسس للحقد بين مكوناتها في حين عجز نظام الاستبداد عن خلق مثل هذه الأحقاد والشروخ!؟

ولا نستغرب أنّ هذه الحرب باتت تشكل تحديّاً حقيقيّاً لقوى المعارضة السورية بكُردها وعربها وسائر مكوناتها، وبحكم كونها طغت على الواقع الثوري بشكل مفاجئ فانّ هناك عدد من التفسيرات لمآل هذه الحرب، فهناك من يراها بأنها صراع بين قوتين، إحداها تأخذ بُعد فكري أي العلمانية وثانيها تأخذ بُعد إسلامي بوجهه التكفيريّ، ولهذا كانت هذه الحرب من نصيب الكُرد لخوضها، ولعل السبب أنّ الكُرد هم من يتمسكون بقوة بالصيغة العلمانيّة للدولة منذ وجودهم كحركة سياسيّة ويعلل البعض أنّ شن الحرب من قبل الكتائب التي غالبيتها من الإسلاميين هو إجبار الناس على اعتناق فكر آخر،وتالياً تخريب الأرضية العلمانيّة في وسط الكُرد أولاً كمدخل لتخويف العلمانيين السوريين ككل! وهناك من ينظر بأنّ الحرب الجارية في محافظة الحسكة هي حرب بين العرب والكُرد أي أنّ خلفيّة الحرب عرقيّة، وتاليّاً هي نوع آخر من الحروب الأهليّة بعد أن ظهرت على السطح بشكل واضح الحروب الطائفيّة، وتالياً تنعكس هذه الحرب سلباً على المزاج العام للناس وتؤسس للعنصرية المقيتة في البدء بين الكُرد والعرب ثم لتتطور وتأخذ بُعد وطنيّ وانتهاءً بين الأغلبية السكانية والأقلية ما يعني أنّ الحرب تمهّد لمرحلة بروز العنصريات شاءت أم أبت الأقدار فإنّها ستؤثر سلباً على بناء التوافقات السياسيّة بين مكونات الثورة السوريّة، وتالياً صعوبة بناء الدولة الديمقراطية المنشودة لأنّ الديمقراطية ترتكز معالمها على بيئة الاستقرار وليست النزاعات. والآخرون يرون أن هذه الحرب التي تطل بين حين وآخر في “سري كانييه” رأس العين بالعربية هي بالأصل نابعة من نزاع إقليمي بحت، وهذا ربما له تأثير على الثورة بشكل عام وتؤثر في تغيير قواعد اللعبة أيضاً، لكن هذه الرؤيّة الأخيرة تشوبها سطحيّة النظر لأنّ الكُرد أرادوا وعبر تاريخهم السياسيّ عزل أنفسهم عن أي نزاعات إقليميّة بمعنى آخر إنهم لا يريدون أن يكونوا أدوات لتحقيق أجندات إقليمية، ومن يعرف الكُرد يعرف أن الكُرد يقاتلون للحفاظ على استقلالية قرارهم السياسي وكذلك إعطاء هويّة خاصة لقضيتهم على أنها قضية داخلية تماماً وانّ حلها يكون في دمشق حصراً وليس في أية عواصم أخرى.

أما الأمر الثاني، وهو الأمر الذي يؤثر في دينامية العلاقة بين المعارضات السوريّة(الكُرديّة والعربيّة) حيث أنّ تحقيق مطالب الكُرد وتفهم تطلعاتهم كفيل بأن ينقل شكل العلاقة بين المعارضة الكُرديّة والعربيّة من كونها علاقة خجولة إلى علاقة قوية ومؤسسة، وبدا أن الطرفين يريدان في كل مرة أن يبتعدان عن بعضها البعض في الوقت الذي يُراد منهما الاقتراب، الأمر الذي يصعب الوصول إلى صيغة من العلاقة المتطورة بين مكونات الثورة السياسية مما ينعكس إيجاباً على علاقة المجتمعات فيما بينها.

ما كان ضروريّاً أن يرفع الكُرد سقف مطالبهم إلى الفيدرالية، ولم يتطلب من الائتلاف الوطني للمعارضة أن يتراجع من وثيقة العهد الوطنيّة والتي كانت تشكل صيغة متطورة لحقوق المكونات القوميّة والسياسيّة في القاهرة (بخصوص مطالب الكُرد ) إلى القول إن الحد الأقصى ليتمتع الكُرد في سوريا المستقبل هو الحقوق الثقافية والمواطنة، ولعل هذا التشبث من قبل الطرفين بقناعاتهما يلقي بظلاله على ثقافة جمهور الطرفيين، ما يعني إننا نصبح شيئاً فشيئاً ونتيجة لسوء تصرف المعارضة السوريّة أمام معضلة معوقات التلاحم الوطنيّ والثوريّ دون أن تدري هذه المعارضة! يبدو أن الطرفين اشتغلا على خلق الشرخ بينهما وليس لإزالة الشرخ مع أن ظروف الثورة تفرض على الطرفيين أن يعملا معاً لخلق سياق متحد وصيغة من التفاهمات لا أن تبقى الهوة الشاسعة سيد الموقف في علاقة الطرفين.

بقي القول أنّ الأمرين يؤسسان اليوم لحيّز عنصريّ مقيت وأن عدم التواصل والعمل بروحيّة الشراكة بين مكونات الثورة وعلى مختلف مشاربها وخلفاياتها سيترك أثراً سلبيّا في العلاقة بين المكونات السياسيّة من جهة، وبينها وبين المكونات المجتمعيّة من جهة أخرى، ومن هنا، الطرفان مدعوان إلى قراءة المرحلة السوريّة مرة أخرى، والسؤال، هل ثمّة آذان صاغيّة لهذا الاستحقاق؟ هنا مربط الفرس.

أورينت نت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى