الرئيسية / صفحات سورية / لماذا يكرهوننا؟/ مازن عزي

لماذا يكرهوننا؟/ مازن عزي

 

 

ثمة شبح يجول العالم، يحقق انتصاراً وراء آخر في انتخابات الرأسماليات الكبرى، ويعيد تشكيل السلطات في صورة البديل اليميني. صعود لسلطات يمينية معاد انتاجها وتعريفها على أرضية اقصاء المهاجرين والملونين والمجموعات الثانوية، داخلياً، لصالح هيمنة الرجل الأبيض. شبح يقوم على التحالف بين المتعصبين القوميين البيض، حول العالم، ضد المختلفين ثقافياً وإثنياً وجنسياً.

البديل اليميني كمشروع للهيمنة، جاء بعد انتاج خطاب هيمنة جمع يمينيي روسيا وأميركا وبعض دول أوروبا، يقوم على التخويف من عموم المهاجرين، ومن المختلفين ثقافياً وجنسياً وعرقياً بين السكان المحليين. صعود اليمين البديل، هو استعادة لتراث النازية، في تقديم العرق الأبيض على بقية الأعراق، والتأكيد على تفوقه. الأمر يتوافق أيضاً مع تمجيد المسيحية كديانة العرق الأسمى. ما يتضمن تهميش كل ما يسقط خارج تصنيف الرجل الأبيض المسيحي.

لكن الرأسمالية بتقديمها الخطابي للمشكلة الاقتصادية الاجتماعية في دولها، على أن سببها هو المهاجرون والمختلفون، فهي تخفي الاسباب الحقيقية. تحويل الانتباه عن جذور الأزمة لصالح أحد تمظهراتها، هي طريقة النظام في حراسة أزمته. ولكن، ماالذي يتم اخفاؤه؟

الجواب يبدو مستغلقاً في ظل توزع مصادر الأزمة، وقدرة المراكز على اخفاءها. فمن ركود اقتصادي ضرب أميركا منذ انهيار “ليمان براذرز”، وتمت معالجته عبر ضخ هائل للسيولة لصالح البنوك والشركات الكبرى وسط تضعضع الشرائح الوسطى وازدياد فقر الفقراء، إلى أزمة مناخية رهيبة تضرب الكوكب وتزيد حرارته بشكل غير قابل للعكس.

انتخاب دونالد ترامب جاء مفاجئاً لتحييده أي حل واقعي للمشكلتين السابقتين، فهو يريد رفع الضرائب عن الأكثر غنى، والتملص من التوقيع على أي اتفاقية جدية لوقف تدهور المناخ.

لكن خطاب ترامب وفريقه، وكذلك بوتين واليمين الاوروبي، يرى الشر في الإسلام والمهاجرين المختلفين ثقافياً، في تحوير لمنشأ الأزمة وتعمية مقصودة لأي معالجة حقيقية لها. تحويل لجزء من المجتمع إلى عدو موضوعي للبقية، سمة توتاليتارية لهيمنة اليمين الجديد على الدول الرأسمالية. لا بل تتضمن المعالجة اليمينية في دول المركز، قبولاً بتذويب القطب الشمالي وتقاسم الثروات تحت جليده، وتحويل الجنوب إلى صحارى، وتمكين أنظمة استبدادية وكيلة للرجل الأبيض فيها، وإقامة جدران تحول دون تدفق المهاجرين. كما تتضمن تراجعاً عن مفهوم دول الرفاه، في محاباة للأكثر غنى. بمعنى آخر، إقامة جزيرة للناجين مغلقة دون أولئك المختلفين ممن يستحقون الموت.

ولكن، أليس التغير المناخي هو نتيجة الحقبة ما بعد الثورة الصناعية. وأليست دول الجنوب والأطراف، في جزء معتبر من تاريخها الحديث، هي ضحية الجر القسري إلى الحداثة، مدفوعة بعربة الرأسمالية الكولونيالية؟ ألا تتشارك الرأسمالية مسؤولية ما عن موجات اللاجئين الحالية إلى المركز، وهي المساهمة في حماية أو إزالة أنظمة وفق مصالحها؟ أليس الضخ الاعلامي للاستثناء الديموقراطي الغربي هو جاذب الهاربين من دكتاتوريات لطالما دعمها المركز.

نخب الدول الرأسمالية ليست في هذه اللحظة بحاجة إلى صياغة خطاب هيمنة جامع. على العكس، يبدو التنافس على أشده بين اليمين ويمينه، لاستثناء أكبر قدر من المجموعات الثانوية، وتحويلها إلى ملونين ومختلفين حتى لو كانوا بيضاً مسيحيين. عدم إطلاق خطاب يوهم المجموعات الثانوية بأنها مشاركة في النظام، هو دليل على عمق الانقسام، وعدم الرغبة في مشاركة الأطراف الأخرى في حصة من السلطة. رفض مدهش يتجلى في فريق دونالد ترامب الرئاسي، الذي يُتوقع أن يستثني في مواقعه الرئيسية حتى النساء البيض المسيحيات. الأمر الذي يشير إلى أن الرأسمالية أعادت توليد نمط جديد من النازية، سيصبح فيه كل مختلف خارجاً عن النظام.

وفي الوقت الذي سيستغرقه الطور الجديد من اليمين البديل لتوطيد أركانه، يبدو أن الاحتمالات أمام المجموعات الثانوية في الشمال ضيقة بالفعل. الانظمة الاستبدادية في الجنوب سرعان ما ستقدم أوراق اعتمادها بصفتها وكيلة محلية برتبة رجل “مستبيض”، وهو دور لم ييأس نظام الملالي الايراني، مثلاً، عن تمثيله، لضبط “إرهاب” السنّة المنفلت. في العمق هنا تماهٍ مع الرجل الأبيض وتبنٍ لمقولاته حتى لو كلف ذلك إبادة أعرق مدن الشرق: حلب والموصل، كما يحدث الآن.

من جهة أخرى، يبدو أن تحالفاً عريضاً بين المجموعات الثانوية في الشمال والجنوب، قد يكون الضرورة الأهم لمواجهة صعود البديل اليميني. في هذا التحالف ستلتقي مجموعات شديدة التنافر من الفقراء والملونين والمثليين والخضر والحركة النسوية إلى اليسار والإسلاميين. تحالف للمهمشين، إن تم، لمواجهة خصم مشترك.

فإذا كان اليمين ينشد المركزة والتكتل والعزلة، فالحركة المعاكسة يجب أن تحدث عبر توافق على رؤية وبرنامج عمل عابر للمراكز والدول. مواجهة المجموعات المسيطرة، انطلاقاً من تشكيل هوية جديدة للاجئين كمواطنين عالميين.

في ستينيات القرن الماضي، ظهرت دعوات إلى “اشتراكية أكثر انسانية”، مع اجتياح دبابات “الجيش الأحمر” تشيكوسلوفاكيا. واليوم، مع بربرية روسيا في حلب وتدمير “التحالف الدولي” للموصل، ألا يمكن انتاج ما هو أفضل من الدعوة إلى “رأسمالية أكثر ليبرالية؟”.

في هذه اللحظة من العماء، هل يمكن القول إن ثمة شبحاً آخر يجول العالم.. شبح المجموعات الثانوية المُطالبة اليوم، كما لم يكن أبداً، بأن تصوغ تحالفاً واسعاً وخطاباً مضاداً لمواجهة الصعود اليميني، كي تحمي ذاتها، وأشباهها، وكل ضحايا الرأسمالية بمن فيهم كوكب الأرض. مهمة تبدو شبه مستحيلة، على الاقل، بالنسبة للإسلاميين، إلا أنها فرصة تاريخية لانتاج حركة اصلاحية إسلامية، يقودها اللاجئون، تخلص الإسلام من تفسيرات الجهادية السلفية، وتصالحه مع محيطه، ليتناسب مع لحظة الكارثة.. وما بعدها.

المدن

 

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...