الرئيسية / صفحات المستقبل / لو كان سبارتاكوس سوريّاً/ عدنان نعوف

لو كان سبارتاكوس سوريّاً/ عدنان نعوف

 

 

من بين الثورات العديدة التي قد يجري سَوقها قسراً- من شحمة أذنها- كي توضع في مقارنة مع الثورة السورية، هناك ثورة سبارتاكوس الشهيرة ضد الرومان.

لا وقائع فعليّة يمكن البناء عليها للحديث عن تقاطعات واضحة بين النموذجين، سوى التشابه المجازي بين سوريا التي عاشت لسنوات وكأنها ساحة يراقب فيها آل الأسد السوريين وهم يقارعون منظومة أمنية ومعيشية متوحشة، تماماً مثلما كان أباطرة الرومان يتسلّون برؤية المصارعين وهم يخوضون نزالات الموت في الحلبات.

عالتان فقط تقودان إلى استدعاء نموذج سبارتاكوس: الأولى هي وجود “سبارتاكوسات” من معارضي نظام الأسد الذين ينضحون بالهرمونات الثورية المتناثرة بين صفحات السوشال ميديا، والبيانات المناصرة أو الشاجبة.

أما الحالة الثانية فهي ذات طابع مسرحي إلى حد كبير، كونها تقوم على قلب الصورة أوعكسها في الاتجاه الآخر بحيث يمكن اسقاط النموذج السوري على ما جرى في بلاد الرومان، ولنصل بالنتيجة إلى السؤال التالي: “ماذا لو كان سبارتاكوس سورياً؟ ماذا كان سيحدث؟”

ربما لو كان سبارتاكوس سوريّاً لكانَ (وهذا احتمال) تركَ المعركة آنذاك ضد الرومان في جبل فوسوفيوس، وذهب بقوّاته إلى جامعة ما لإغلاقها وتفريق طلابها المحتجين، أو لفرض الشريعة والدين الصحيح على الناس، أو لسحبِ الشرعيّة من الثوار الآخرين والاستيلاء على المرافق الإدارية في الأراضي الرومانية المحررة.

لو كان سبارتاكوس سوريّاً (وهذا خيال) لكان باع الذخيرة للرومان، وأقام الحواجز على الطرقات نحو روما لفرض الأتاوات على العابرين.

لو كان سبارتاكوس سوريّاً لكان ربما شعرَ بأنه ضمنَ مستقبله عقب أول صفعة تلقاها من المخابرات الرومانية، “وشمّع الخيط” بعدها محاولاً أن يحافظ على أثر الأصابع على خدّه ليقدّمه وثيقة لدى المنظمات الأجنبية التي تدعم “ضحايا” النظام.

لو كان سبارتاكوس سوريّاً لكان تركَ قتال الرومان ليتفرغ لتبييض صفحته ووضع مجهوداته في ميزان المقارنة، من خلال تقريع رفيقه في المعارك كريكوس، ولأمضى وقته مع رفاق السلاح أو الاعتقال يعيّرهم بعبارة “أصلاً شو قدمت أنت للثورة؟”.

لو كان سبارتاكوس سوريّاً لكان نظّم حفلاً خيرياً لرفاقه من مقاتلي “ثورة الحرية” وجمهورها وضحاياها، وأخذ صوراً لهم وهم يحملون هدايا وأعطيات يستطيع من خلالها الحصول على فواتير وأموال تقدّمها جهات غربيّة تدعم بسخاء هذه النشاطات.

لو كان سبارتاكوس سوريّاً لكان تحوّل من ثائر إلى “ناشط ثوري” وأنشأ مؤسسة “إعلام بديل” تتدفق عليها التمويلات بلا هوادة، من قبل منظمات تسعى إلى صرف فواتيرها في “الحرب” السورية كيفما اتفق.

لو كان سبارتاكوس سوريّاً لكان استبدل حبيبته الحسناء فارينيا بأخرى أكثر نفعاً، ولوجدَ ضالته بـ”الحرّة فلانة” من الناشطات ليتزوجها ويتسوّل الشهرة من خلالها بصفته ربّ عائلة كاملة الأوصاف الثورية.

لو تزوّج سبارتاكوس بفارينيا لكان افتتح لها مؤسسسة من مؤسسات “تمكين المرأة” الرومانية، مستغلاً رياح الدعم التي تهب من بلاد الغال في ظل انتشار حركات نسويّة عديدة تبحث عمّن تصرف عليه دعمها، سواء أكانت النساء بحاجة للتمكين أم لا!

لو كان سبارتاكوس سوريّاً لكان فكّر في التحوّل إلى مخرج سينمائي، ليس لأنه يمتلك الحسّ الفني أو الخبرة أو السجل الأكاديمي، بل لأنه يرى نفسه أحقّ باللقب وما يدرّه عليه من مكاسب كونه “ثائراً” ويحق له ما لا يحق لغيره، ولأن الثورة بنظره ترجّح كفته لدخول أي مجال يريده ويفرض نفسه فيه.

لو كان سبارتاكوس سوريّاً لكن ربما اخترع قصة يدّعي فيها أنه مضطهد بسبب ميوله الجنسية المثلية، وذلك في حال تقدّم بطلب لجوء إنساني إلى إحدى السفارات الأوروبية دون أن ينفعه سجله الثوري في تحصيل اللجوء الذي يحلم به.

لو كان سبارتاكوس سوريّاً لخطرَ بباله أن يفبرك محاولة لاغتياله، في إطار تحضيراته لإنتاج فيلم عن أساليب التعذيب الرومانية للعبيد في حلبات المصارعة.

لو كان سبارتاكوس سوريّاً لكان أنتجَ برنامجاً ساخراً على إحدى القنوات الثورية وحوّله إلى منبر لبث السموم الطائفية على مبدأ “العدالة الانتقامية”، ولاختزل فيه مشكلة الثوار مع النظام الروماني بأنهم من طائفة معينة لا تسمح لباقي الطوائف بممارسة شعائرها، ولكان استمرّ بالظهور التلفزيوني رغم تأكيد الخبراء له مدى سماجته وعدم قابليته لصنع الكوميديا.

لو كان سبارتاكوس سوريّاً لكان أطلق على جميع من يعيشون داخل روما من أناس فقراء ودراويش مصطلح “جمهور المؤيدين” كي يستسهل بثّ المواقف النضالية الاستعلائية ضدهم، وليدعم رصيده على حسابهم أمام جمهور الثورة.

لو كان سبارتاكوس سوريّاً لكان أطلق آلاف المواقف النضالية المؤيدة للثورة عبر فايسبوك، مع أنه يتحدث إلى مقربيه دوماً عن استعداده للعودة إلى “حضن الوطن” في حال تسنى له ذلك، ولاستمرّ جمهور الثورة بالتصفيق لمواقفه حتى حين يدركون نفاقه وكذبه، فقط لمجرد كونه شتّاماً جيداً يرفع السقف إلى أقصاه ضد نظام الأسد.

لعلّ من حسن حظ التاريخ والرُواة أن سبارتاكوس وأسطورته لم يعيشا في الزمن السوري.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيينا تحذف سوتشي/ إياد الجعفري

    فشلت المقايضة بين فيينا وسوتشي، التي جرت بين الغرب وروسيا، في تحقيق تفاهم ...