الرئيسية / صفحات الناس / ليتنا ما كنّا/ لقمان ديركي

ليتنا ما كنّا/ لقمان ديركي

 

 

ليتنا ما كنا. وليتنا لم نكن. ليتنا غبار يصعد ويغيب. ليتنا خارج هذا الحضيض. جالسون في قاع الدنيا. في مرتبة كائنات صغيرة مسحوقة تنتظر الشروع بقتلها. هائمون على وجوهنا. محاصرون. مكبّلون. ولا خيوط تربطنا سوى خيوط الكراهية والحقد. نقتل بعضنا البعض.

عمال في معمل القتل نحن. عمال مخلصون. مخلصون لأسياد الكراهية والشر. نقدم الضحايا منا. ونحمل ذنوبها بأيدينا. نحمل الذنوب معنا إلى القبر. إلى الإنطمار. إلى المدفن الترابي لأخطائنا الصغيرة التي ما فتئت تكبر وتكبر حتى صرنا خطايا متجولة في أشكال بشر. ونسينا أننا بشر. وتمادينا. وأنكرنا. وتلقفنا عجزنا وحضناه. ثم ربيناه. ثم بدأنا الصراخ كي نخفيه.

وبدأنا الزعيق، مواصلين تدمير بعضنا البعض لإثبات قوتنا، قوتنا الضائعة، المنسية في أعماقنا. وآمنا بعجزنا. وتابعنا أكل عيشنا. من لحم بعضنا البعض.

إلى أين وصلنا؟… ومن نحن. ما الذي بيننا؟ متى سينتهي هذا الإنتقام البطيء المر القاسي من بعضنا البعض. متى سنتوقف عن إيذاء بعضنا البعض. في كل مكان نفعل ذلك. أينما حللنا وارتحلنا نتابع فعل كراهية أنفسنا، نتابع جلد ذواتنا، نكفِّر عن أخطائنا بمحو أنفسنا، نحرق بيوتنا، نحرق أنفسنا، نقرر نهايتنا بأيدينا. نحن ننتحر ببطء دون أن ندري. أصابعنا لا تستطيع سوى رسم النهاية. وحتى على هذا نختلف. نختلف على طريقة قتلنا. ونتابع.

نتابع حفر قبورنا بأيدينا. ننتصر على بعضنا البعض كل يوم ونحن مهزومون وهاربون. نبحث كالنعام عن رمل ندفن فيه رؤوسنا. ونترقب كالحشرات موتنا.

حياتنا موت، موت كامل. نعيشه ونتبادله. نوجهه صوب أنفسنا. نموت ونعتقد أننا قتلنا غريمنا. نقف أمام أنفسنا كضحايا ومجرمين بآن معاً. تظلمنا منا، وعقابنا فينا، وخلاصنا غير وشيك.

استسلمنا للإغراء. ورافقنا القتلة. وأكلنا على موائد تجري من تحتها دماؤنا. بل وإننا غمسنا أقدامنا بها. أقصد غمسنا أحذيتنا اللامعة بدمائنا. وزهونا بأنفسنا. فُتنّا بحالنا. وتكبَّرنا. تعجرفنا حتى صار الغرور هدفنا. والشعور به من أحلامنا. قطَّعنا كل الطرق بيننا. وصار شخصنا ممزقاً مشرذماً متقاتلاً متنابذاً. عمداً نسينا طيبتنا. نسينا مصادر قوتنا. واستسلمنا لجهل الكبرياء.

وكلما بحثنا عن الكبرياء كلما صغرنا، حتى صرنا ذرات لا متناهية من الشر نتفاعل مع أنفسنا. نبتكر الشتيمة. نبتكر الإخراس. نمارس فنون كم الأفواه. على بعضنا البعض طبعاً. ونقبض قوتنا. من أرواحنا. نجهد أنفسنا في إفناء أنفسنا.

قف أمام نفسك وقل: ما من غريم لي سوى نفسي.

توقف عن قتل ذاتك. قف وقل: يا غريمي الذي هو نفسي لقد عتقتك مني. فما أنت لي. وما أنت ملكي. حررني منك. وتحرر مني.

أنكر نفسك تنجو.

ما بك تنكر الحقيقة؟!

قف أمام نفسك وقل: هذه أخطائي.

هذا أنت. تطلب المجد وأنت تخطئ. لم تطلبه وأنت على الطريق الصعب. اخترت أسهل الطرق. اخترت ركوب الموجة الرابحة. فما كان مجدك حقيقياً. ما كانت القمة التي أنت عليها سوى موجة واهية علت للحظات وخبت. وما كان نجمك الذي برز سوى كتلة مزيفة بهرت الأنظار للحظة من عمر الكون واختفت مكللة بالعار. لا تبحث عن مجدك يا صاح. ولا تبحث عن صورتك حتى لو كنت في حضرة الماء. لا شكل لك يا صاح. فالعار الذي فيك سيظهر في المرآة. اكسر مرآتك المزيفة. وقف أمام النهر وانظر. لا تبحث عن صورتك. ابحث عما في الأعماق.

لا تعلُ كي يراك الآخرون عالياً. اعلُ كي ترى نفسك صغيراً. اعلُ أكثر فترى نفسك أصغر. لا تنظر إلى الآخرين إلا بعد أن تضع نفسك بينهم. وسترى أنك مجرد رملة بين الرمال. تذروها الرياح تارةً. وتارة ترقد بسلام. واعلُ أكثر حتى لا ترى نفسك. لا تميز شكلك. واعلُ أكثر حتى لا تتمكن من تقدير حجمك. واعلُ أكثر حتى لا تشاهد سوى كتلة أرضية بعيدة صمَّاء.

لا تكن سريعاً إلا في البدء بإصلاح ذاتك. لا تكن عجولاً إلا في الشوق لمحو الأخطاء. ولا تخف من مواجهة الآخرين. لا تخشَ الإعتذار. ففي الإعتذار نقاء للأرواح. وكل إنسانٍ خطَّاء. ما عاش الإنسان بلا أخطاء. فلربما أخطأتَ سهواً وصار سهلاً عنكَ السماح. ولربما أخطأت عمداً فصار وعراً درب غفرانك. لكن عليك الكفاح. عليك بالدفاع عن نفسك، بشق الطريق الصعب، بأظافرك، كي لا تثير الضجيج حولك، كي لا توقظ من سبَّبتَ لهم الآلام من نعمة النسيان.

واضحك ففي الضحك سعادة. واجعل حياتك مع الضاحكين بغير هدف الإيذاء. وإذا تماديت في المزاح إلى حد الأذى فاطلب الصفح. فليس في قصدك إرساء الأقوال. وإنما في قصدك الضحك واللعب مع الخيالات البريئة كالأطفال.

الموتى بأمان.

قال حارس المقبرة لهردبشت.

لكن دعني أرمي عليهم الزهور. لقد اشتريتها بحر مالي. قال هردبشت.

ـ العسس منتشرون. وأنت تعرف عقوبة رمي الزهور.

ـ وماذا سيقول عني الناس بعد مئة عام؟

ـ سيقولون إنك متخاذل وضيع لم تتجرأ على رمي الزهور فوق أتربة الموتى.

ـ وإذا رميتها؟

ـ ستنضم إليهم يا هردبشت.

ـ إلى من سأنضم؟ قال هردبشت. واختفى حارس المقبرة.

في براءتي براءتك.

قال هردبشت.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون رقم 10: إعادة تركيب سوريا/ د. خطار أبودياب

        تشريع القانون رقم 10 يمكن أن يؤدي إلى حرمان مئات الآلاف ...