الرئيسية / صفحات العالم / ليست المعادلة: الفوضى أم الاستبداد

ليست المعادلة: الفوضى أم الاستبداد


سليمان تقي الدين

قرّر الغرب أن يدعم الثورات العربية لا سيما الدول التي حصل فيها التغيير بعشرين مليار دولار. لا يشكّل هذا المبلغ نقطة في بحر الأرصدة العربية في مصارف الغرب، ولا ثروة أحد الحكّام الفاسدين، ولا توازي عمولة صفقة سلاح كبرى. الموضوع هو مقاربة سياسية إعلامية للاستثمار في الثورات العربية. هذا التعاطف الغربي مجرّد عمل من أعمال الدعاية والإعلان لتسويق سلعة استهلاكية. ربما يبيعنا الغرب غداً «قصة محمد بوعزيزي» فيلماً سينمائياً أو إعلاناً على ماركة تجارية. يريد الغرب أن ننظر بعيونه إلى مستقبلنا وطموحاتنا وإضفاء الشرعية على قراراته وسلوكياته.

بعد مسلسل الجرائم الذي ارتكبه مطلع هذه الألفية يهمه أن يضيء على همجية السياسات العربية وتخلفها. يقف الزعيم الصهيوني نتنياهو ليصف بلاده بواحة الديموقراطية في صحراء الاستبداد العربي. اختلاط المفاهيم والصور والقيم والمشاعر هو الهدف.

لكن الحاكم العربي يشارك في إخراج هذا المشهد المقلوب حين يتمسّك بالسلطة ولو على نهر من الدماء وخراب بلاده بذريعة رفضه لإرادة الأجنبي. لكن مَن يجهل أن الحاكم العربي يؤدي وظيفة في منظومة العلاقات الدولية، وهو جزء من نسيجها حتى وهو يمثل دور المتمرّد. ينطبق هذا على الكثيرين من غير العرب. حين لا يكون الشعب مصدر السلطة ومرجعيتها تتحوّل السلطة رهينة في اللعبة الفوقية التي تديرها الدول صاحبة السيطرة والنفوذ. المال الغربي نفسه المستقطع من ثروات الشعوب يستخدم وقد استخدم في اتجاه معاكس لدعم هذا الحاكم أو ذاك. كانت أميركا تعطي حاكم مصر ملياري دولار سنوياً لتقوية سلطته وتحسين صورته.

أخذ الاستبداد العربي تبريره أو «شرعيته» من الرغبة الشعبية في مواجهة إسرائيل. تحوّلت الرغبة إلى ارتهان حتى استنفدت أغراضها حين تواطأ الاستبداد مع التبعية والرضوخ أو العجز. لم يعد لدى الحاكم العربي أي رغبة في مغامرة المواجهة مع إسرائيل، لأن من شروط تلك المواجهة الناجحة مشاركة الناس بإرادة حرة في تحمّل أعبائها. المواجهة تحتاج إلى تعبئة طاقات الأمة لا تهميشها ولا القيام مقامها. في كل معركة ناجحة خاضها العرب كان هناك، بتفاوت، الكثير من التعاون بين السلطة والشعب. في الخامس من حزيران لم تكن هناك إدارة صحيحة لمجتمع المواجهة. في حرب الاستنزاف وفي حرب تشرين كانت هناك مشاركة من المجتمع للمواجهة.

كل تجربة حركات الاستقلال العربي والتجربة الفلسطينية المعاصرة والمقاومة في لبنان كانت أولويتها حراك الجمهور وتنظيم قدراته وليس الرهان على الفعل السياسي الخارجي. كلما زاد منسوب العلاقات العامة الفوقية والدعم الخارجي في معادلة التغيير تشوّهت الممارسة وقصّرت عن هدفها.

نحن اليوم في منطقة من العالم مخترقة من جهاتها الأربع. تتجاذبها المصالح الدولية والإقليمية حتى لم تعد هناك حدود عربية بالمعنى السياسي للكلمة. جرى تدويل المنطقة كوليمة كبرى للمطامع في إرث النظام العربي المنهار. العرب أنفسهم يستدرجون المداخلات الدولية لإقامة توازنات تلجم بعضها بعضاً. لم يعد في النظام العربي من موقع أو نقطة ارتكاز لإعادة صياغة المصالح العربية. كان نعي جامعة الدول العربية إيذاناً بالفوضى التي تعمّ العديد من البلدان من دون مبادرة عربية فعّالة ذات قدرة أو مصداقية. يتجه العرب خبط عشواء لتجميع فلول النظام الرسمي العربي مرّة بإنشاء ناد للملوك ومرّة بإنشاء تحالفات إقليمية لا تصمد إلا إذا كانت مصلحة الطرف غير العربي هي الأرجح فيها.

من بعض عناصر الوعي العربي وإرادة التغيير هذا التفكّك الذي أدى إلى شعور بالضعف والمهانة والتبعية. إسرائيل دائماً موجودة كمثال لتحدي القدرة والكرامة بأوسع معانيهما، وإيران وتركيا نماذج أخرى، للمقابلة والمنافسة. هذا العامل المعنوي ليس ثانوياً بل هو تكثيف شديد لنمط الحياة العربي المستحيل. غير أن الاستبداد ليس شخصاً واحداً بل منظومة، وليس حاكماً أعلى بل نهجاً وممارسة وثقافة تعيش في بيئة كل سلطة من أعلى الهرم الدولي حتى أدنى خلية اجتماعية. يستخدم الغرب الاستبداد بوسائل قوته الخاصة، بالتكنولوجيا والمال والمفاهيم التي تفرضها هيئات حراسة دولية. يمتد الاستبداد إلى الجماعات والقوى السياسية والتيارات الثقافية ذات الحصرية والمركزية الذاتية دينية أم مدنية.

مقاومة الاستبداد ليس معركة واحدة، ولا تنتهي عند إسقاط حاكم. الثورة ليست مجرد حدث سياسي بل نقض وتجاوز لما هو سائد في سبيل ما هو ممكن. كل الثورات تعثرت في التاريخ وأنتجت أحياناً ظاهرات هجينة. ما زالت الانتفاضات العربية برغم استدراجها إلى العنف العشوائي والانقسامات الأهلية قادرة على تقديم أمثلة إيجابية. في يمن القبائل والسلاح النظام يقاتل شعبه والشعب يمارس المعارضة السلمية. في تونس ومصر والبحرين كانت الصورة أبهى. هذه عناصر لطرد الكثير من المخاوف من انزلاقات الثورات العربية برغم الكثير من المنغصات الأخرى. كم هو الحاكم العربي مستبدّ إلى درجة أنه يبيع الخوف من «إرهاب القاعدة» لينتهي مسهّلاً لدورها كما حصل في إحدى محافظات اليمن. كم هو الحاكم العربي جائر فرداً أو جماعة حين يقول أنا أو الفوضى كما يحصل في لبنان.

إذا كانت هناك هواجس بصدد الثورات العربية فهناك خطران: شبهة التدخل الخارجي وهو فعل احتواء لا فعل دعم، وأزمة تهويل الحاكم بالبدائل والتهديد بالفوضى. معادلة «سلطان غشوم خير من فتنة تدوم» لا تعود ممكنة حين يصير الحاكم طرفاً في الفتنة، أو حين يساوم الخارج بعد أن يفقد هيبته وشرعيته بالكامل. لقد تأخر العرب عن تجديد ثقافتهم السياسية وبناء اجتماعهم السياسي على عقد مشترك بين الحاكم والمحكوم. مارسوا السياسة بمنطق العصبية والقوة والغلبة، فإذا تفكّكت هذه المنظومة فلن ينقذها أحد إلا شرعية عقد وطني يقوم على التراضي لا الإكراه.

والمسألة هل يكون العقد بين مكوّنات مجتمع منقسم متنافر أم بين مجتمع متصالح في هويته منسجم في مشتركاته مع فكرة الصالح العام والدولة!؟ لا أحد يريد أن يتجاهل حضور الحركات السياسية الإسلامية المتشدّدة وما تثيره من هواجس على الحريات العامة المدنية.

فإذا كانت هذه المسألة فهي معركة بناء النظام السياسي القادر على توفير ضمانات الحربية وتطوير ثقافة الديموقراطية وتعزيز قواعد المواطنة. لكن الحاكم لم يطرح في مواجهة هذه المشكلات حلّ الدولة المدنية كبديل من دولة الاستبداد، ولم يستنفر الثقافة الديموقراطية في وجه احتمالات الهيمنة والدولة الشمولية. ولا نظنّ أن شعباً حراً في دولة ذات ضوابط قانونية وضمانات دستورية يعجز عن حماية مشروع الحرية.

السفير

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...