الرئيسية / صفحات سورية / ليس دفاعا عن “راند”/ علي العبدالله
SYRIA

ليس دفاعا عن “راند”/ علي العبدالله

 

 

أثار تعليق مثقف سوري معارض في مقالة له في صحيفة عربية تصدر في لندن على دراسة أصدرتها مؤسسة “راند” الاميركية تحت عنوان “خطّة سلام من أجل سورية” قلقا وحيرة لدى سوريين كثر، قلقا من المحتوى الذي نسبه المثقف الهمام الى الخطة، وحيرة من صفاقة نخبة المعارضة التي لا تتأخر في التقاط الرسائل والاشارات الاقليمية والدولية بخصوص قضية تنطحت لادارتها وتصّدر صفوف العاملين لأجلها فحسب بل وتلجأ الى تبرئة الذات بالتحدث عن عجز وفشل الآخر في المعارضة وكأنها ليست جزءا بارزا فيها ومنها.

ماذا تقول الدراسة، وأين المشكلة التي تثيرها؟.

للدراسة قسمان أول صدر منذ بعض الوقت(كانون أول 2015) ويتضمن تصور معدي الدراسة لوقف إطلاق النار وتثبيته كمدخل ضروري لفتح باب التفاوض حول الحل السياسي الذي دعت اليه القرارات الدولية. وثان صدر مؤخرا(حزيران 2016) يستعرض صور النظم اللامركزية ويرجح فرض احدها في ضوء مترتبات الصراع الدائرة فيها وعليها، ولكن دون التزام بأي منها.

يرى معدو الدراسة أن ” ثمة مسارين نحو السلام، مساران يختلفان في نتائجهما: المسار الأول، هو التركيز على توسط في تسوية سياسية شاملة بين الأطراف السورية المتحاربة ورعاتهم الخارجيين، مُتضمنة إصلاح مؤسسات الدولة، وتشكيل حكومة جديدة وخطة لانتخابات، تترافق مع وقف لإطلاق النار، والبدء بعملية إعادة البناء. أمّا المقاربة الثانية، فهي ضمان اتّفاق على وقف فوري لإطلاق النار، تتبعه مفاوضات إضافية حول شكل الدولة والحكومة السوريتين، اللتين يُعاد بناؤهما”. ويرون استحالة بلوغ نتيجة مرضية عبر المسار الأول ويتبنون المسار الثاني باعتباره “أكثر واقعية”، ويستعرضون المشهد في ضوء سيطرة القوى المتصارعة على الاراضي، حيث ثمة أربعة مناطق سيطرة: النظام، المعارضة المعتدلة/ السنّية، حزب الاتحاد الديمقراطي(الكردي)، و “داعش”، ويقترحون لتثبيت وقف اطلاق النار وضمان الهدوء والاستقرار نشر قوات خارجية، نشر قوات حليفة للقوة المسيطرة في كل منطقة، روسيا في منطقة سيطرة النظام، الاردن وتركيا في منطقتي سيطرة المعارضة المعتدلة، الاولى في الجنوب والثانية في الشمال، وأميركا في منطقة سيطرة حزب الاتحاد الديمقراطي، تعمل هذه القوات على ضمان نجاح وقف اطلاق النار ومنع الانتقام او التطهير الاثني والديني والمذهبي في مناطق انتشارها، على ان تدير كل قوة منطقة سيطرتها خلال فترة وقف اطلاق النار. ولا يستبعد معدو الدراسة اجراء تبادل طفيف في الاراضي لضمان الفصل بين القوات ونجاح وقف اطلاق النار وتسهيل دخول المساعدات الانسانية. وتبقى منطقة سيطرة “داعش” ساحة مواجهة لاخراج التنظيم منها، على ان توضع المناطق التي تحرّر منه تحت إدارة دولية مؤقتة الى حين انشاء حكومة سورية واسعة التمثيل.

بعد وقف اطلاق النار وتثبيته تدعو الامم المتحدة كل الاطراف إلى اجتماعٍ “للبدء في بناء قاعدة جديدة لدولة سوريّة موحّدة”.

في القسم الثاني والذي حمل عنوان “خيارات للحكم المستقبلي” يعود معدو الدراسة الى الدفاع عن فكرتهم الرئيسة التي طرحوها في القسم الاول: أولوية وقف إطلاق النار وتثبيته، عبر عرض ومناقشة العقبات التي تقف في وجه الحل السياسي الذي تسعى مفاوضات جنيف لبلوغه ومواقف الاطراف المحلية والاقليمية والدولية من هذا الحل،  قبل أن يستعرضوا نماذج الحكم على اسس اللامركزية، باعتبار الحكم المركزي الذي حكم سوريا طوال عقود قد فشل في خلق حالة رضى بين المواطنين، واحتمال طرح فكرة اللامركزية خلال التفاوض على تسوية سياسية.

ينطلق معدو الدراسة من أن اللامركزية “تُعدُّ واعدة  لناحيتين اثنتين: أولهما، أنها تنقل التركيز عن الاختلافات العصية على الحل، بشأن التوزيع الرأسي للسلطة ضمن حكومة مركزية، إلى مناقشة توزيع أفقي للسلطة يبشر بالأفضل، وثانيهما، أنه يمكن للامركزية أن تساعد في التغلب على انعدام الثقة بين الأطراف المتنازعة؛ نظرًا إلى أنها تخفض من رهانات الصراع، وتَعِدُ جميع الأطراف بقدرٍ من الحكم الذاتي، والأمن”، ويوردون لها أربعة خيارات:

الخيار الأول: اللامركزية المخفّفة (المحدودة)، والتي تبناها النظام السوري في دستوره عام 2012 بمنح سلطات أوسع على مستويات المحافظة، المدينة، البلدة، والبلدية، وتخصيص نسبة متواضعة من ميزانية الدولة للإدارة المحلية، ومنح الإدارات المحلية فرصا محدودة لزيادة الإيرادات، واعتماد الانتخابات لاختيار الادارات المحلية مع احتفاظ المركز بتعيين المحافظين.

الخيار الثاني: سيطرة محلية بطابع مؤسسي (إضفاء الطابع المؤسسي على السيطرة المحلية) والتي تتم بنقل الحكم الذاتي إلى المستوى المحلي، على صعيد الوظائف الحكومية الرئيسة، بما فيها حفظ النظام والإدارة. وهذا سيتطلب تعديلات قانونية، لنقل السلطات والمسؤوليات رسميًا. والصفقة الأساسية هنا هي: حكم ذاتي مقابل الولاء؛ أي مجتمعات تدير شؤونها الخاصة، مقابل الولاء للدولة، ولحكومة مركزية بالحد الأدنى، تقتصر سلطاتها على مراقبة الحدود والجمارك، وعلى جيش وطني للرد على التهديدات الخارجية، وعلى فرض الضرائب على التجارة.

الخيار الثالث: لامركزية غير متماثلة، أن تُمنح الأقاليم (الكانتونات) الكردية الثلاثة: عفرين، الجزيرة، وكوباني/عين العرب، والتي قد أعلنت نفسها – مؤخرًا – اتحادا، قدرا من الحكم الذاتي، فيما تبقى بقية سورية تحت سيطرة الحكومة المركزية.

الخيار الرابع: لامركزية متماثلة بتطبيق قدرٍ من الحكم الذاتي، لكلٍّ من أكراد سورية، والمناطق الواقعة تحت سيطرة المعارضة السُّنِّية العربية؛ وتنقسم سورية على أساسه إلى ثلاث مناطق، أو أكثر، (على سبيل المثال: منطقة سيطرة النظام، ومنطقة سيطرة الأكراد، ومنطقة سيطرة المعارضة)، تتمتع جميعها بوضع متساوٍ، حيث تكون كل منطقة مسؤولة عن جمع إيراداتها لتقديم الخدمات، وتمارس كلٌّ منها صلاحيات على شؤونها الخاصة، وتعزز قواها الأمنية لحماية نفسها.

ولكن وبالرغم من ترجيح معدي الدراسة لقيام حالة شبيهة بما يقضي به الخيار الثاني فانهم  يستبعدون، بسبب انعدام الثقة بين الأطراف، ووجود المخربين المتعنتين، “أن تتمكن أي من الصيغ المطروحة أعلاه (أو حتى أي مخطط يمكن تصوره)، إحلال سلام دائم، في غياب ترتيبات لضمانات دولية، وإشراف بصيغة حفظ النظام”.

في ضوء هذا العرض المكثف لدراسة مؤسسة “راند”، مؤسسة قريبة جدا من البنتاغون، وليس كما ذهب المثقف العتيد بقوله: “المقربة جدا من أوساط الخارجية الأميركية”، نكتشف أننا أمام خطة محض تقنية، لا تتعرض لطبيعة الحل ومرجعياته، لذا لم تذكر جنيف 2012 وقرارات 2218 و2254، تستوحي الواقع وتعتمد حيثياته، ونلمس، دون كبير جهد وتدقيق، مجافاة ما ذهب اليه كاتبنا في تعليقه عليها حين قال: “ليس هذا كل ما يثير القلق في الخطة، المقلقة جداً، ما يثير القلق والغضب حقاً يرد في فقرة تؤكد أن “الخطة” لم تجر أية تعديلات ذات أهمية أو شأن على الثوابت التي اعتمدها البيت الأبيض سياسة حيال الحدث السوري منذ عام 2011، وتمسّكت بها طوال السنوات الخمس الماضية”، و “تقول الخطة إنها التزمت بهذه الثوابت في ما اقترحته، وإنها تقوم على مواقف واشنطن الحقيقية، عديمة الاكتراث بحق الشعب السوري في الحياة والحرية، وبمجازر النظام”، ناهيك عن ما بناه على قراءته غير الدقيقة من احكام سطحية ومتسرعة ودعوته واستنتاجه غير المنطقي “لذلك، يجب أن تكون موضوع دراسة وتأمل عميقين، ما دام تطبيق بقية بنودها يعني نهاية وطننا”، أقوال ليس لها أصل في النص فحسب، بل ويذهب النص الى نقيضها تماما عندما يقول في القسم الثاني من الدراسة وبصريح العبارة: “طرح واضعو هذه الرؤية، في شهر كانون الأول/ديسمبر عام 2015، خطة سلام من أجل سورية، قدَّمت توصيات عدَّة لتغيير النهج الأميركي حيال الصراع السوري”، و “يتلخص الموقف الرسمي للولايات المتحدة وشركائها الدوليين، في أن مستقبل سورية السياسي، هو قرار السوريين، بما يتوافق مع بيان جنيف عام 2012، وقرار مجلس الأمن الدولي رقم2245 “، و”لذلك، فإنه من المهم، أن تساعد الولايات المتحدة، وشركاؤها، في تعزيز الحكم المحلي، والأمن في تلك المناطق؛ ليس لتكريس الانقسام، وإنما لإدامة السلام، والاحتفاظ بإمكانية إعادة التوحيد في النهاية”، و “هذه الرؤية هي الثانية في سلسلة، يناقش فيها واضعوها، خطوات عملية تهدف إلى الحد من القتال في سورية؛ لتوفير مزيد من الوقت، لعمليةٍ انتقالية وطنية، والهدف النهائي لهذه العملية، هو سورية ديمقراطية، موحدة، وشاملة”.

كان الأجدى بالكاتب تفنيد الخطة بالبرهنة على عدم واقعيتها واثبات واقعية الخيار الذي وقفت ضده وهو: المفاوضات ومرجعياتها.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...