الرئيسية / صفحات الرأي / ليل الإستبداد.. ليس قدراً/ فؤاد سلامة

ليل الإستبداد.. ليس قدراً/ فؤاد سلامة

 

 

 

يتفق معظم الفلاسفة والمفكرين المحدثين، على وصف الإسلام السلفي بالظلامية. ولكن كيف نشأت الظلامية الإسلامية ونمت إن لم يكن في ليل الاستبداد المديد الذي يسود العالم العربي والإسلامي منذ قرون؟ الاستبداد العربي الحديث لم يكن له دين، بل كان غالباً حكماً سلطانياً لا يفرق، في وحشيته، بين ملحد ومتدين. وهو كان المسؤول الأول لا التدين، عن ظواهر التطرف والتوحشن التي انتشرت في المنطقة كانتشار النار في الهشيم. كما يقول ياسين الحاج صالح، الذي ندين له بمساهمات قيمة في تحليل بنية الاستبداد العربي، فإنه في «ليل السياسة البهيم قد يكون الأخطر من نشوء الوحوش هو امحاء الفرق بين الوحوش واللاوحوش»، ما يعني أن كل الناس يمكن أن يصبحوا وحوشاً لكونهم « محصورين في أوضاع دفاعية بائسة» ويائسة..

قدر لنا أن نشهد في العقد الثاني من الألفية الثالثة، ما اصطلح على تسميته زلزال الربيع العربي. سرعان ما أسفر هذا الربيع المبشر بانبلاج فجر الحرية عن حلول «ليل سياسي بهيم» تمثل بموجة غير مسبوقة من الحروب الدموية في المنطقة العربية، تدور بمجملها بين جماعات أهلية وسلطات وطوائف وقبائل قد يصعب تصنيفها حروباً دينية أو سياسية بالمعنى الكلاسيكي. إنها ولا شك، حروب أهلية حتى عندما تكون صراعاً سياسياً بين نظام متعدد الطوائف ومعارضات متعددة الطوائف أيضاً. الحرب التي يدور رحاها على امتداد سوريا ولبنان والعراق واليمن، فيها كل مواصفات الحروب الأهلية، يضاف إليها الدور الاستعماري، الذي يُترجم بدخول قوى خارجية تحاول إخضاع المجتمعات المحلية المتعددة لسيطرتها القومية، عبر حلفاء أو وكلاء داخليين.

استطاعت الأنظمة الدكتاتورية العسكرية، بسياسة البطش والإرهاب، التي مارستها من دون حدود أن تحاصر التيارات اليسارية والليبرالية، ولكنها لم تستطع، رغم القمع المنهجي، ضد الإسلاميين، أن تمنع هؤلاء من ملء الفراغ الذي أحدثه تغييب المعارضات المدنية والعلمانية. ذلك أنه في مواجهة أنظمة عاتية متوحشة، يجد الناس ملاذاً في الدين وسلاحاً فعالاً يعطي معنى لمقاومتهم، لحياتهم في السجون والمنافي، ولموتهم ابشع ميتة. هذا ما يفسر بروز الإسلام السياسي بمختلف اشكاله كقوة المقاومة الرئيسية في ليل الاستبداد الطويل. إنها ولا شك مفارقة، تبدو غير مفهومة أن يكون هناك نهوض لمعارضة تتطلع للقضاء على الاستبداد العلماني «الأحمر» لتحل مكانه استبداداً أسود يزين بأنه إلهي! تشترك معظم التيارات السياسية التي تنمو في كنف الدكتاتوريات العسكرية وفي سجونها، في قاسمين مشتركين: الأول هو الجنوح نحو السيطرة والهيمنة التي تسميها سلطة الشعب، الحاكمية الإلهية، دكتاتورية البروليتاريا، سلطة الولي الفقيه. الثاني هو العداء للأفكار والتعبيرات السياسية الديمقراطية والليبرالية، في الوقت الذي تنحو فيه الأنظمة العسكرية والتيارات الإسلامية عادة، في اتجاه الليبرالية الاقتصادية المتفلتة من القيود، وهي النمط الاقتصادي الذي يلائم بشكل خاص الدكتاتوريات «الليلية» بمختلف أشكالها.

طالما اعتبر كبار المثقفين العرب، أن المشكلة ليست في صندوق الاقتراع بل في «صندوق الرأس». كان هذا رأي أدونيس، وقبله العروي والجابري وطرابيشي، الذين وقفوا كثيراً أمام أسباب الهزيمة ولم يجدوا بداً من نسبها إلى العقل العربي القاصر والمنغلق على الماضي. تلك المقولات الثقافوية والتاريخانية، لا تقدم تفسيراً مقنعاً للتخلف وهيمنة الدكتاتوريات. كما أن اعتبار أساس الصراع اقتصادياً ووجهة الحل للمشكلة في الصراع الطبقي الذي يجب أن يذهب لنهاياته كما يقترح الماركسيون ليس إلا فهماً إقتصادوياً تبسيطياً للحلول وللمشاكل أساساً. ليس هناك شعوب محكومة بالتخلف لأسباب دينية، أو مذهبية، أو ثقافية، بل هناك شعوب تنوجد في ظروف معينة وتحمل مصالح وثقافات تتصارع وتتكامل، ولا بد من انعقاد ظروف متعددة للخروج من ليل الاستبداد.. الدكتاتور، وهو أصل الداء، بغض النظر عن طائفيته أو «عقائديته»، يحاول دائماً منع انعقاد ظروف التطور التدريجي، ويعمل جاهداً على خلق وتأمين شروط استمرارية حكمه عبر وسائل العنف ومصادرة السياسة. من ينكر هذه الحقيقة الأولى، يساهم قصداً في التعمية على الوقائع عبر آلة الضخ «البروباغندي» السلطوي المهيمن.

ليس قدراً لا راد له، أن يستمر الطغاة الدينيون أو العلمانيون في التنافس على التحكم في المجتمعات العربية. في الصراعات الدائرة في العالم العربي، يعرف الباحثون أن التطرف والجنوح لاحتكار السلطة والثروات، من أهم أسباب استعار الحروب الأهلية وعدم انطفاء جذوتها. كان متوقعاً من الإسلاميين المعتدلين (الإخوان) وهم التيار السياسي الأعرق والأكثر تنظيماً، أن يقبلوا ممارسة السياسة وتعميمها، وأن يفهموا أن تملك الناس للسياسة وليس إبعادهم عنها، هو الشرط الأساسي لنجاحهم في الوصول والبقاء، المؤقت، في السلطة. الفرصة التي سنحت لهم في مصر أضاعوها بسرعة، لاعتقادهم بامتلاك تفويض كاسح للاستفراد بالسلطة و»أخونة» المجتمع. الإسلاميون في تونس استفادوا من الدرس المصري، وكان ممكناً لإسلاميي مصر أن يستفيدوا من الدرس التركي الذي سبقهم، ولكنهم افتقدوا في اللحظة الحرجة، القيادة الحكيمة التي تقبل بنصف هزيمة بدل الهزيمة الكاملة.

ليس قدرنا نحن العرب، أن نبتلي بأشد أشكال الطغيان بأساً وضراوة، سواء تجسد هذا الطغيان بشكله الإسلاموي الداعشي، أو تجسد بشكله العلمانوي البعثي، العراقي والسوري. في الحالتين، نحن، شعوب هذه المنطقة، معارضين وموالين، من يبتلى ومن يدفع الثمن. وكي لا نقع في فخ المظلومية التي هي الخزان العاطفي للطغيان، كما أثبتت وقائع الصراع في المنطقة، ينبغي أن نخلع عن كاهلنا أسمال الضحايا البريئين تماماً. نعم لسنا بريئين بشكل كامل، ولكن ليس أمامنا مفر من الإقرار بأن خروجنا من ليل الانحطاط هو في رفض الطغيان لا في ممالأته، رفضه بكل أشكاله وتزييناته، لأنه من دون ذلك لا أمل بالخروج من ليل الحروب الأهلية المتنقلة. وإذا كانت هذه المواجهة تبدأ، في الذات، على مستوى النخب المتعلمة أولاً، فلا تناقض بين خوض غمار المواجهة مع الذات ومع مختلف مظاهر الاستبداد، السلطوي أولاً وآخراً، والأهلي والاجتماعي والسياسي والمعرفي في الوقت عينه.

المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...