صفحات مميزة

ورقة “نداء الى شعبنا السوري” –مقالات وتحليلات-

 

 

نداء إلى شعبنا السوري…من أجل الحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية

وجهة نظر نقدية لتصحيح مسارات الثورة السورية

على أبواب العام السابع لاندلاع ثورة شعبنا، ومع كل المآسي والكوارث الحاصلة، والتضحيات والبطولات، وادعاء هزيمة الثورة، بخاصة بعد ما جرى في حلب، آن لنا أن نراجع مسيرتنا، بطريقة نقدية ومسؤولة لمعرفة أين كنا وأين صرنا؟ أين أصبنا أو أخطأنا؟ ولماذا حصل ما حصل؟ وما السبيل إلى تصويب أوضاعنا؟ باعتبار ذلك من ضرورات العملية النضالية، وأبجديات العمل السياسي. فالثورات التي لا تنتقد ذاتها، وتصحّح مساراتها، تنحرف أو تضيع وتتبدّد طاقاتها وإنجازاتها.

لقد اندلعت ثورة شعبنا لإنهاء نظام الاستبداد والفساد، ومن أجل الحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية والعدالة والدستور، ومن أجل استعادة الدولة، فهذا هو معنى الثورة، التي استمرت طيلة السنوات الماضية رغم الصعوبات والتعقيدات، ورغم وحشية النظام، وفتحه البلد للتدخلات الخارجية، بخاصّة منها التدخّل العسكري الوحشي لإيران (مع ميلشياتها اللبنانية والعراقية والأفغانية) ثم روسيا، لوأد ثورتنا أو التلاعب بها وحرفها عن مسارها، وتحويلها إلى قضية لاجئين، أو صراع بين الطوائف، أو كقضية تتعلق بمواجهة الإرهاب، أو جعلها حقلاً للصراعات والأجندات الإقليمية والدولية.

وخلال الأعوام الماضية، تعرض شعبنا لأهوال غير مسبوقة، ووجد نفسه إزاء كارثة، المتسبّب الرئيسي فيها هو النظام، الذي يصرّ على اعتبار بلدنا “مزرعةً” خاصّة له وفقاً لشعاره: “سورية الأسد إلى الأبد”، مع مصرع مئات الألوف جرّاء القصف العشوائي، وإصابة أضعافهم بجروح، تسبّبت في إعاقة معظمهم، ومع اعتقال عشرات الألوف ومحاصرة مناطق كثيرة، الأمر الذي أدى إلى تحطيم المجتمع السوري، وتقويض وحدته، وتشريد الملايين منه.

ما كان للنظام وحلفائه أن يستطيعوا ذلك، لولا تساهل النظام الدولي السائد معهم، وضمنه سكوت أو تلاعبات الدول الكبرى، بخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، وبعض الدول الإقليمية والعربية، التي حرصت على تخريب الثورة، وحرفها عن أهدافها، خشية من تأثيراتها في محيطها، في المشرق العربي، وعلى إسرائيل ذاتها، ناهيك أن الولايات المتحدة انتهجت استراتيجية قوامها عدم التدخل وعدم الحسم، واستدراج الأطراف الأخرى للتقاتل والتصارع في سوريا، لاستنزافها، الأمر الذي فاقم من تعقيدات الصراع في بلدنا ومن معاناة شعبنا.

ورغم أنها لم تستطع تحقيق أهدافها، فإن ثورتنا لم تنهزم، ولم تستسلم، بسبب روح الحرية التي أطلقتها في عقول وقلوب معظم السوريين. وإذا كان يمكن فهم الأسباب الموضوعية لذلك، والناجمة عن موازين القوى المختلّة لصالح النظام، بفعل التدخلات الخارجية، والعوامل الدولية والإقليمية غير المواتية للثورة، فإنه يجدر ملاحظة الأسباب الذاتية، التي أدت إلى مفاقمة عذابات شعبنا، وعوّقت الثورة، وأوصلتنا إلى ما وصلنا إليه، في غياب أفق الانتصار.

إننا ونحن نقوم بهذه المراجعة، وعبر هذا النداء، ندرك أن الثورات لا تأتي وفق مواصفات نظرية جاهزة ومسبقة، وأنه لا يمكن التنبؤ بمآلاتها، ولا التحكّم بتداعياتها، فهي قد تنجح كلياً، أو جزئيًّا، أو قد تفشل، كما يمكن أن تنحرف أو تُحرف عن مسارها وعن أهدافها. وندرك أن الانخراط في أي ثورة، لا يفترض الاشتراط عليها، لأن الانحياز لها هو انحياز للضرورة التاريخية، وللشعب، أي لسياق التاريخ وقيم الحق والحرية والعدالة، وانحياز للضحايا ضد الظلم والاستبداد.

أوهام ومراهنات ينبغي القطع معها

في هذا النداء، أو المراجعة، يجدر بنا أن نتحدث بدون مكابرة أو إنكار، وأن نعترف بشجاعة أخلاقية وبمسؤولية وطنية، ومن دون مواربة، بأن المآلات الخطيرة التي وصلت إليها ثورتنا، أثبتت عقم وإخفاق التصورات أو المراهنات، التي ارتكزت عليها، حتى الآن، وأبرزها:

أولاً، وهم المراهنة بأن العالم لن يترك شعبنا مكشوفاً إزاء بطش النظام، وأن نوعاً من التدخّل الدولي سيحصل، مما يسهّل على الثورة إسقاطه. هذا الوهم قاد إلى مسألتين خطيرتين، أولاهما، التعويل على الخارج والارتهان لأجنداته، بدل التعويل على إمكانيات شعبنا، ووضع أولوياته وحاجاته فوق كل اعتبار. وثانيتهما، تصعيد العمل المسلح بطريقة غير محسوبة أو مدروسة، ومن دون اقتران ذلك بالإمكانيات والاحتمالات. وكانت هذه المراهنة قد سقطت لاسيما بعد صفقة الكيماوي (أواخر 2013)، إلا أن كياناتنا السياسية والعسكرية السائدة، بحكم تركيبتها الهشّة وولاءاتها المتضاربة، وافتقادها الأهلية السياسية، لم تضع حداً لهذا الرهان، بل إنها زادت من تبعيتها وارتهاناتها للخارج، حتى في بنائها لهيكليتها، وخطاباتها، وسكوتها عن التدخلات الخارجية الفجّة والمضرة بالثورة. هذا يطرح السؤال الآتي: هل اعتماد المعارضة على المساندة الدولية والإقليمية وارتهانها، لها زاد من قوة الثورة أو أفادها، أم أنه أضعفها وقيّدها، ونمّى أوهامها وأدخلها في مغامرات غير محسوبة وجيرّها لحسابات متباينة ومضرة؟

ثانياً، شيوع وهم مفاده، أن إسقاط النظام، لن يتم إلا بالسلاح وحده، وأن العالم يمكن أن يسمح بإسقاطه بالصراع المسلح، فقط، والمشكلة أن هذا الوهم ـ الرهان تعزز مع استمرار إخراج أغلبية الشعب من معادلات الصراع مع النظام، بسبب التشريد والتهجير والحصار والقصف، إضافة إلى دخول إيران وروسيا، والميلشيات “الشيعية” للقتال ضد ثورة شعبنا، في مقابل سكوت ما يعرف بالدول الصديقة عن ذلك، فضلا عن امتناعها إقامة مناطق آمنة، وعدم دعمها للفصائل العسكرية بأسلحة نوعية. هذا القول لا ينطلق من عدم شرعية العمل العسكري ضد نظام متوحّش، ذهب إلى أقصى الحل الأمني في التعامل مع الثورة، بأشكالها الشعبية والمدنية التي سادت في الأشهر الأولى، ثم أدخل إيران وميلشياتها المسلحة (اللبنانية والعراقية والأفغانية) على خط الصراع، وبعد ذلك روسيا التي حشدت أساطيلها البحرية والجوية وقوتها الصاروخية، وإنما ينطلق من تحميل النظام المسؤولية عن كل ما جرى في البلد، بما فيه مسؤوليته عن اندلاع الثورة؛ لسده الأفق أمام التطور السلمي والديمقراطي، ومسؤوليته عن التحول نحو الصراع المسلح، والتدخلات الخارجية.

نحن هنا نميّز بين نشوء الظاهرة العسكرية في الثورة، المتمثلة بتشكيل (“الجيش الحر”)، والجماعات الأهلية المسلحة للدفاع عن أحياءها وقراها، من جهة، وبين قيام بعض الدول بإنشاء فصائل عسكرية، ذات خلفية أيديولوجية إسلامية غالبتيها متشددة، وتقديم المال والسلاح لها، من الجهة الأخرى. الظاهرة الأولى هي نتاج طبيعي للصراع بين النظام وأغلبية الشعب، فيما الثانية تعبير عن التلاعبات الخارجية بالثورة، للسيطرة عليها، والتحكم بتداعياتها، وفرض أجندة معينة على خطاباتها وأشكال عملها، مما أضر بها، وبصدقيتها، كما أضر بشعبنا. وكله يطرح التساؤل عن جدوى اعتماد الثورة على الخارج، فالدول ليست جمعيات خيرية، وهي تعمل لأجندتها ومصالحها، وكان الأجدى للثورة، أن تشق مسارها وأشكال كفاحها حسب إمكانيات شعبها، لأن الاتكاء على الخارج أوصلنا إلى ما وصلنا إليه. ثم هل كان من المقدّر للثورة، أن تقتصر على البعد العسكري، وأن تفقد بعدها الشعبي، ومظاهرها الشعبية؟ ومن الذي قرر ذلك؟ وما هي أثاره السلبية؟

ثالثاً، وهم المراهنة على “جبهة النصرة (فتح الشام لاحقاً)، وأخواتها، إذ أن هذا الفصيل الذي نشأ بشكل مريب، كونه لم يظهر نتيجة حراكات داخلية وتاريخية في إطار الحركات الإسلامية السورية، بقدر ما نشأ نتيجة لتلاعبات خارجية، لم يحسب نفسه يوما على الثورة، بل إنه ناهض مقاصدها علناً، براياته وخطاباته ونمط تعامله مع البيئات الشعبية، التي خضعت لسيطرته، فضلا عن أنه لعب إدواراً خطيرة في قتال “الجيش الحر” لإزاحته من المشهد، وفي تنكيله وملاحقته النشطاء السياسيين والإعلاميين، وفي تقويضه وحدة شعبنا وإثارة مخاوفه من الثورة، وتصويره إياها كأنها مجرد حرب أهلية أو طائفية أو دينية، الأمر الذي خدم النظام، ناهيك أن كل ذلك شوهّ صورة ثورتنا لدى الرأي العام العالمي وأضعف تعاطفه معها، إضافة لاحتساب “النصرة” نفسها على منظمة “القاعدة” أي إلى منظمة إرهابية دولية وإلى مرجعية غير وطنية. وهذا يأخذنا أيضا للحديث عن “داعش”، الذي غابت الحدود بينه وبين جبهة النصرة، وقد لعب دوراً أكبر وأخطر، من كونه ثورة مضادة، في تدميره مجتمعنا، واستنزاف ثورته، وقد بدا بمثابة وحش خرافي أو لعبة تديرها وتوظفها أطراف متعددة دولية وإقليمية. وهكذا فإن كل من “داعش”، و”جبهة النصرة” (وأخواتهما)، شكلان من أشكال الثورة المضادة، بأجنداتهما المختلفة عن أجندة الثورة، وباشتغالهما على إزاحة “الجيش الحر”، وقتال الفصائل الأخرى، والتنكيل بمجتمعنا، وفرض تصورات غريبة عن شعبنا، وكلاهما له مرجعيات غير سورية، وكلاهما وظف الإسلام بطريقة مؤذية للدين، ولشعبنا.

رابعاً، وهم المناطق المحرّرة. إذ أن معظم هذه المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، سواء نتيجة توجهه للتخفّف من عبء السيطرة عليها، أو بسبب مقاومتها له، تحولت إلى مناطق محاصرة، من الناحية العملية، بل وأضحت بمثابة حقول رماية لقذائف النظام وبراميله المتفجرّة، وساحات لتجريب الأسلحة والقذائف حسبما فعل الروس، بحيث غدت غير أمنة للعيش، وفاقم من ذلك نمط إدارة الفصائل المسلحة (النصرة وأشباهها) لهذه المناطق، التي اتسمت غالبا بالتعسّف والعنف والتطرف، وفرض طريقة للعيش لا يعرفها شعبنا، ناهيك عن اقتتال الفصائل فيما بينها، في ظاهرة غريبة تمثلت بقيام إسلاميين بقتل إسلاميين.

وفي الحقيقة فإن ثورتنا دفعت ثمناً كبيراً جراء التحول نحو العسكرة والعمل المسلح، الذي لم يأت بصورة طبيعية وتدريجيّة وبحسب الإمكانيات، ونتيجة غياب التكافؤ في موازين القوى، والافتقاد لاستراتيجية وخبرات عسكرية مناسبة، إذ تم التركيز على “تحرير مناطق” في حين لم تستطع هذه الفصائل تأمين الحماية لسكانها، ولا فرض نموذج مقبول لإدارتها، أي أن هذه الفصائل سقطت في امتحاني الحماية والإدارة، في حين أنها سهلت على النظام البطش بهذه المناطق، بعد أن تخفف من أكلاف السيطرة المباشرة عليها.

خامساً، وهم المراهنة على الكيانات والخطابات الأيدلوجية والطائفية، إذ أن ذلك أدخل الثورة في مخاطر جمة لأنه جرى دون مراعاة تنوّع مكونات الشعب، الدينية والمذهبية والأثنية، وبإزاحة الخطابات الأولية للثورة، المتعلقة باعتبار سورية بلداً لكل السوريين، وإقامة دولة مدنية ديموقراطية تعددية، علما أننا لا نخطّئ هذه الكيانات والخطابات لأنها إسلامية، بل لأنها أيدلوجية ومتعصّبة ومغلقة وإقصائية، وهذا موقفنا حتى لو تعلق الأمر بخطابات وكيانات يسارية أو علمانية او قومية، من ذات الطراز، لأننا ضد الاحتكار ومع الديمقراطية، والمواطنة المتساوية، ولأنه لا معنى للحديث عن وحدة الأرض بمعزل عن وحدة الشعب. فهل كان من الطبيعي الذهاب نحو خطابات دينية، أو أيديولوجية، في ثورة وطنية ديمقراطية، يُفترض أنها قامت ضد احتكار السياسة واختصار الشعب بجماعة معينة، وضد الاستبداد؟

إن هذا الخطاب الأحادي لم يحظ حتى على ثقة الأكثرية، التي ادعى تمثيله لها، فضلًا عن أنه قوّض الإجماعات بين مكونات شعبنا، وأثار مخاوفها البينيّة، وأفاد النظام. كما أن هذا الوضع، يطرح السؤال عن عدم تصدّي الجماعات الإسلامية المعتدلة لهكذا خطابات وظّفت الدين في صراعات السياسة، وشوّهت صورة الإسلام في تغطّيها به، وجعلته سند تبرير ممارساتها المسيئة لشعبنا وللعالم، سيما أن حركة “الإخوان المسلمين” ذاتها كانت أصدرت “وثيقة العهد والميثاق” (آذار 2012)، التي تعهدت فيها بإقامة دولة مدنية وديمقراطية، واحترام حريات المواطنين، لكنها لم تتمسّك بهذه الوثيقة، أو لم تحوّلها إلى ثقافة سياسية في أوساطها، ولم تقم بدحض الادعاءات، التي استندت اليها الجماعات المتطرفة والإرهابية، وقد أدى غياب النقد الإسلامي للإسلامويين المتطرفين والتكفيريين والإرهابيين، ليس إلى اضعاف الثورة فحسب، وإنما إلى اضعاف الاتجاهات الإسلامية المعتدلة أيضاً، وتقويض شرعيتها.

سادساً، وهم الضربة القاضية، أو ساعة الصفر، أو ملحمة حلب، أو الثورة إلى الأبد. فقد ثبت أنها كلها تصدر عن عقليات قدرية ورغبوية لا علاقة لها بالسياسة ولا بموازين القوى، ولا تبدي أي حساسية للأرواح والتضحيات ولا للأثمان الباهظة المدفوعة ولا لعذابات شعبنا، والمشكلة أن هذه المصطلحات، ظلت تتصدّر الواجهة بين “موقعة” وأخرى رغم انسحابات الفصائل من هنا وهناك، ورغم خسارتها المنطقة تلو الأخرى.

السؤال الذي ينبغي طرحه: هل كان من المحتّم أن تذهب الثورة إلى الحد الأقصى، في كل شيء، في الخطاب وأشكال العمل والمرتجى؟ ليس القصد، أن المطالبة بإسقاط النظام كانت خطأً؛ فهذا شعار مشروع، ويعبّر عن إرادة شعبية، وإنما القصد أن القوى، التي تصدّرت الثورة كان يُفترض بها إدراك أن الأمر لا يتعلق بالشعارات والحقوق فحسب، وإنما بالإمكانيات والقدرات. وكما شهدنا، فقد طغت العفوية والتجريبية والمزاجية والقدرية على الثورة في كل شيء، وكان ذلك طبيعيًا ومفهومًا في البدايات، لكنه بعد مضي عام تلو العام، اتضح أنه يثقل على الثورة، ويبدّد تضحيات شعبنا، حيث لم تتوفر للثورة قيادة واقعية وعقلانية، بل لم يتوافر لها أي شكل من أشكال القيادة، لا في السياسة ولا في العسكرة. وقد كان من شأن توافر هكذا قيادة تحديد الأهداف الممكنة، والأساليب الأنجع في مواجهة النظام، والتقليل ما أمكن من الخسائر، كما كان من شأنها الحذر من الاستدراج نحو العسكرة، أو نحو التسهيل على النظام إخراج الشعب من معادلة الصراع، إن بتشريد ملايين منه، أو من خلال فرض الحصار عليهم وقصفهم، في ما بات يُعرف بالمناطق “المحررة”، كذلك، كان من شأن قيادة كهذه معرفة متى ترفع هذا الشعار أو ذاك، ومتى تستخدم هذا الشكل الكفاحي أو ذاك، ومتى تتراجع ومتى تتقدم. وأخيراً، فقد كان من شأن هذه “القيادة” أن ترى في خروج السوريين إلى الشوارع، ونزع الخوف من قلوبهم، ثورة في حد ذاتها، من دون ترك الأمور تصل إلى ما وصلت إليه، وهو الأمر الذي اشتغل عليه النظام بدأب وصبر ملحوظين. وباختصار، فقد كان يمكن ان يعد ما حصل، في العام الأول، كمرحلة من مراحل الثورة، أو تجربة، أو محطة على طريق محطة ثورية آتية، مثلما حصل في تجارب الشعوب الأخرى.

سابعاً، وهم التمثيل، وإذا كان نظام الأسد لا يهمه، أو لا يبالي، سوى باستمرار سلطته على سوريا والسوريين، حتى ولو كانت شكلية، أي من دون سيادة فعلية، فإن المعارضة تبدو هي المعنية بتعزيز وجودها وشرعيتها، إزاء شعبنا، وإزاء العالم. وتتمثل مشكلة المعارضة، السياسية والعسكرية والمدنية، في أنها مفتّتة، وهذا لا يعني افتراض تطابق أو اندماج بين مكوناتها، بقدر ما يعني أنها غير منتظمة، وأنها لا تشتغل على أساس تكاملي، وأنها مازالت غير قادرة على مواجهة هذه المشكلة وحلها، بإيجاد إطار جامع، ومنظم، ويضمن حال التنوع والتعدد في المجتمع السوري وتياراته السياسية؛ مع كل التقدير للجهد المبذول في تشكيل “المجلس الوطني” و”الائتلاف” و”الحكومة المؤقتة” و”الهيئة العليا للمفاوضات”.

مشكلة المعارضة، أيضاً، أنها مازالت تشتغل بمعزل، عن حواضنها المجتمعية، ومن دون أية توسّطات أو شبكات متبادلة، في واقع تبدو فيه أغلبية شعبنا خارج معادلات الصراع، أو كضحية له، من دون أن يكون لها قدرة للتأثير عليه، بحكم انكسار كتلها الاجتماعية، بواقع تشرّد الملايين أو بسبب خضوعها للحصار أو لعلاقات الاستبعاد والتهميش، سواء في مناطق سيطرة النظام، أو فيما يعرف بـ “المناطق المحرّرة”، وهذه معضلة كبيرة في واقعنا السوري.

فوق هذا وذاك ثمة مشكلة كبيرة تتعلق بضعف إدراكات المعارضة لمكانتها ودورها، كما بمدى استثمارها لهذه وتلك، إذ مازالت حتى الآن غير قادرة على تطوير واقعها، بالتحول إلى طبقة سياسة واعية لذاتها، ولمهمتها في إثبات نفسها وشرعنة وجودها كبديل للنظام، وكممثل للسوريين، حيث لا يظهر ذلك في ادراكاتها السياسية، بقدر ما يظهر أنها مجرد هياكل وقوى تستكين أو تنضبط للدور المرسوم لها، من الفاعلين الدوليين والإقليميين، دون أن تكون مبادرة، وتفعل شيئاً لإضفاء شرعية شعبية على شرعيتها الرسمية، أو لجهة تطوير احوالها، بتوسيع هيئاتها، على قواعد مؤسسية وتمثيلية وديمقراطية، وقواعد تنظيمية سليمة.

ثمة أسئلة للمعارضة، ومثلا، هل تستطيع هذه المعارضة، أن تقول إنها نجحت في إدارة أوضاعها، وفي إدارة الصراع ضد النظام؟ أو هل هي تعتقد أن الاستمرار على ذات الطريق، وبالبنى والمفاهيم نفسها، سيوصلها إلى الهدف المنشود؟ وهل قدمت أقصى وأفضل ما عندها؟ أم أن ثمة ثغرات كبيرة، تفترض منها اجراء مراجعة ومحاسبة لتطوير أحوالها وأدائها؟

هذا النداء هو بمثابة دعوة للمراجعة ولاستنتاج العبر، وإحداث قطيعة مع هذه التوهمات والرهانات لانتشال الثورة من مأزقها، ووضعها على مسارها الصحيح، ولاستعادة مقاصدها النبيلة، وإعادة بناء كياناتها، وتصويب خطاباتها، وترشيد أشكال عملها وطرق كفاحها.

مهمات في مسار جديد للثورة السورية

إننا في هذا النداء لا نقدم نقداً للمسار الذي وصلت ثورتنا إليه، فقط، وإنما نحاول، أيضاً، استنتاج الدروس، لتصويب مسار الثورة ووضعها على الطريق القويم، وهذا يتطلّب:

أولا، استعادة ثورتنا لخطاباتها او لمقاصدها الأساسية، التي انطلقت من أجلها، بتأكيد طابعها كثورة وطنية ديمقراطية، ثورة تهمّ شعبنا بمختلف مكوناته الدينية والمذهبية والأثنية والمناطقية، ثورة تقوم من أجل التحرر من نظام الاستبداد والفساد، وإقامة دولة مؤسسات وقانون ومواطنين أحرار ومتساوين في دولة مدنية، تنتهج النظام الديمقراطي وتوفر العدالة الاجتماعية في الحكم، وفي العلاقة بين سائر مكونات المجتمع والدولة.

ثانيا، الاشتغال على بناء كيان سياسي جمعي جبهوي للسوريين، تعترف الأطراف المشكلة له ببعضها، بمشتركاتها واختلافاتها، وتجتمع على الهدف الأساسي للثورة، بغضّ النظر عن الخلفيات الفكرية، وبعيداً عن العصبيات الأيدلوجية أو الهوياتية أو الدينية. هذه مهمة ملحّة لنا كسوريين، وينبغي علينا الاشتغال عليها، لملء الفراغ الحاصل، سيما أن الائتلاف بواقع عجزه وانغلاقه وضعف أهليته وقصور تمثيله ومشاكله التنظيمية، لم يستطع أن يرسّخ مكانته عند شعبنا، ولم يستطع أن يأخذ دوره في صياغة خطابات جمعية تعبر عنه، ولا قيادة كفاحه. ويهمنا هنا أن نؤكد سعينا الحفاظ على هذا “الائتلاف” لكن على قاعدة تطويره وتوسيع تمثيله، وتعزيز فاعليّته، وهذا مرهون أيضا بما ينبغي على الائتلاف فعله.

ثالثا، طوال الفترة الماضية، بدا أن تيارات من لون أيدلوجي معين، تصدّرت الثورة السورية وطبعتها بطابعها، وهو ما أضرّ بطابعها كثورة وطنية ديمقراطية، بسبب تعصّبها وتطرّفها وانغلاقها وروح الاقصاء عندها، وهو ما أثار المخاوف منها حتى في أوساط شعبنا بمختلف مكوناته، في المقابل فقد غاب التيار الديمقراطي تقريباً، إذ لم يستطع العمل بوصفه كتلة أو بوصفه تياراً، بمعنى الكلمة، باستثناء وجود شخصيات ديمقراطية مؤثّرة، لها تاريخها ومكانتها، عبّرت عن مواقفها النقدية بصراحة في وسائل الإعلام، وحتى في بعض هيئات المعارضة.

معنى ذلك أن الوضع يتطلّب بذل الجهود لبلورة تيار وطني ديمقراطي في الثورة السورية، لأن في ذلك ضرورة موضوعية، لمصلحة شعبنا وثورته، وأيضا كتعبير عن كتلة واسعة في المجتمع وفي المعارضة. لكن قيام هذا التيار، تحت أي مسمى، يحتاج إلى خطوات مدروسة ومتدرّجة، كما يحتاج إلى رؤى سياسية، تبرّر وجوده وتعبّر عن هويته. وفي هذا الصدد، فإننا نثمّن عالياً كل المبادرات والتصورات التي تشتغل في هذا الاتجاه، بعقلية منفتحة، بعيداً عن الاستئثار والاحتكار، وعن ادّعاءات المركز والأطراف، أو فوق وتحت، أو النخبة والقواعد، وكلها ستساهم في توليد هذا التيار، بطريقة سليمة.

رابعاً، أشكال الكفاح، بديهي أن الأوضاع، باتت خارج السيطرة وأن الصراع على سوريا (أي الدولي والإقليمي) بات يغلب الصراع في سوريا (بين النظام وأغلبية الشعب)، وأن ذهاب النظام نحو اقصى العنف الدموي وتشريعه التدخّل العسكري الإيراني والروسي، سهّل أخذ البلد نحو الصراع المسلح، إننا ونحن نعترف بصعوبة هذا الوضع، نؤكد على أهمية إعادة تنظيم الشعب، وبناء كياناته السياسية والمدنية، لإطلاق موجة جديدة من الكفاح الشعبي، وبحسب الإمكانيات، مع تأكيدنا صعوبة ذلك بحكم خروج الشعب من معادلات الصراع، بواقع تشريد الملايين، الذين باتوا لاجئين خارج البلاد. لكن كل ذلك لا يمنع، بل يجب أن يحثنا على البحث عن طرق كفاحية، تقلل من أكلاف الصراع، وتحقق أفضل الإنجازات ولو على المدى الطويل. من جانب أخر، وطالما أن الصراع المسلح، بات الشكل السائد لأسباب عديدة، فإننا نرى بأن الأمر يتطلب إنشاء جيش وطني، يضع حداً للتشرذم والفصائلية، وينتهج استراتيجية كفاحية مدروسة، تتأسس على الإمكانيات الذاتية، وعدم الارتهان لأجندات الخارج، ويأخذ في اعتباره قدرة الشعب على التحمل، ومراعاة الأوضاع السياسية الدولية والإقليمية، لأن أي عمل عسكري ليس له أي قيمة، إذا لم يستثمر في إنجازات سياسية.

خامساً، طوال الفترة الماضية، ظلت أغلبية شعبنا هي المغيّب الأكبر عن كيانات المعارضة، السياسية والعسكرية، وحتى من دون أية أشكال أو شبكات تتوسّط بينهما، سواء في الداخل والخارج، هذا يضعنا أمام مهمة ملحة، تتعلق ببذل الجهود لإنشاء كيانات أو ممثليات شعبية في الداخل والخارج، عبر تنظيم مؤتمرات، ينبثق عنها ممثلين على أساس الكفاءة والنزاهة والروح الكفاحية وبوسائل الانتخابات حيث أمكن ذلك.

سادساً، ظلت المسألة القومية، وبخاصة الكردية من أهم المسائل المطروحة على الثورة السورية، فنحن إزاء شعب تعرض لمظلمة تاريخية، وسلبت حقوقه الفردية والجمعية، وحرم من حقوق المواطنة والحقوق القومية، بغض النظر عن رأينا بهذا الحزب أو ذاك في مجتمعات الكرد السوريين. هكذا لم تعالج المسألة الكردية بمنهج، ينبثق من قيم الحرية والمساواة والعدالة في الثورة السورية، وهذا أحد أوجه قصورها، كما يرجع ذلك إلى الارتهانات الإقليمية أيضاً. في المقابل فإن بعض الأطراف الكردية، ظنّت أن هذه هي الظروف المواتية لخلق كيان كردي مستقل، تحت عناوين مختلفة، الأمر الذي أخرج بعض الكرد من معادلات الصراع مع النظام، بل ووضعهم في خصومة مع الثورة السورية، حتى أن البعض انتهج ممارسات تسلطية واقصائية بحق الكرد لفرض ارادته عليهم.

إننا نرى أن حل المسألة الكردية والمسالة القومية لبقية المكونات حلاً عادلاً، في هذه المرحلة، يأتي ضمن الثورة الوطنية الديمقراطية، وضمن ذلك مثلا الاعتراف للكرد بحقوق المواطنة المتساوية كسوريين وبحقوقهم الجمعية والقومية، كشعب، في إطار الوطن السوري، في هذه المرحلة، مما يتطلب أيضا إيجاد تمثيل سياسي مناسب للكرد السوريين وبقية المكونات من سريان وآشوريين وتركمان في هيئات المعارضة، وصوغ خطابات لا تقلل من الصبغة القومية للشعب الكردي وغيرهم، ولا من وحدة سوريا، ولا تعادي الصيغة الفدرالية، التي تتأسّس على قاعدة جغرافية (لا اثنية ولا طائفية)، وضمن نظام ديمقراطي؛ وباختصار لا ينبغي ترك المكون الكردي وغيره لتلاعبات النظام والقوى الخارجية.

سابعاً، فيما يخص العلاقات مع الخارج فإن الثورة السورية في ظروفها الصعبة والمعقدة بحاجة لتوسيع معسكر الأصدقاء، ووعي المعطيات المحيطة بها دولياً وإقليمياً وعربياً، كما هي بحاجة لإيجاد مقاربة سياسية بين أهدافها والقيم العالمية السائدة، قيم الحرية والمساواة والمواطنة والديمقراطية والعدالة، فهذا هو الخطاب الذي يفهمه العالم والذي نحتاج إليه للتعويض عن موازين القوى المختلة لصالح النظام وحلفائه.

ومن جانب أخر فإن ثورتنا معنية بإيجاد التقاطعات بين أهدافها وبين سياسات الدول الفاعلة المساندة لحق شعبنا بالتخلص من النظام، لأنه من دون ذلك، فإن العالم لن يسمح لنا بتحقيق أهدافنا. وضمن هذا الإطار، فإن ثورتنا معنية بتأكيد حقها المشروع في استعادة الجولان السورية المحتلة، ومساندة حق الشعب الفلسطيني في أرضه ووطنه، من دون أي مواربة، ومن دون أية توهمات، قد يأخذها البعض، إذ أن أحد أهم أسباب تعقد المسألة السورية ناجم عن وجود إسرائيل، التي ترى في النظام بمثابة حام لأمنها، وحارس لحدودها، فضلا عن أن وجود كيان استعماري واستيطاني وعنصري يتناقض مع ثورة الحرية والكرامة والمواطنة ومع قيم العصر، فالحرية لا تتجزأ.

ثامناً، إن حديثنا عن دولة مدنية ديمقراطية ودولة مواطنين متساوين وأحرار، ينبغي النص عليها في دستور، ينفي مفهوم الأقليات والاكثريات الدينية أو الأثنية، وينفي الصراعات الهوياتية، هذا لا يعني انتفاء الطوائف، وإنما انتفاء الطائفية، فالطوائف حالة قائمة وتعبير عن كتل اجتماعية في حين أن الطائفية هي تعبير عن استغلال الطوائف وتوظيفها في السياسة وفي الصراعات على السلطة. ففي الدولة المدنية الديمقراطية تغيب أو تذوب الأقليات والأكثريات من أي نوع، أي تغييب الانقسامات العمودية في المجتمع، وتغدو انقسامات أو الأصح اصطفافات أفقية، عابرة للأقليات والأكثريات ولكل المكونات، إذ تتأسّس على المصالح الاقتصادية والرؤى السياسية، وهكذا تخلق دولة المواطنين، ويغدو المجتمع مجتمعاً بصورة حقيقية.

تاسعاً، الحل التفاوضي أو الحل الانتقالي، وهو حل تفرضه طبيعة الصراع في المستويين الداخلي والإقليمي -الدولي على سوريا، وطبيعة موازين القوى، ويقوم على معادلة مفادها أن لا أحد يربح ولا أحد يخسر، لا النظام ولا المعارضة، لذا فإن من مصلحة الثورة التأكيد على أن أي حل انتقالي أو دائم في سوريا، ينبغي أن يتأسس على تلبية مصالح وحقوق كل السوريين، حتى مع تنوّعهم واختلافاتهم، بداية من الوقف التام لكل أعمال القتل والتدمير والتشريد، والإفراج عن المعتقلين، ورفع الأطواق الأمنية عن المناطق المحاصرة، وإخراج الجماعات او الميليشيات المسلحة الأجنبية من البلد، بضمانة قرار يصدر عن مجلس الأمن الدولي ومع تواجد قوات دولية. هذا هو الشرط اللازم لأي بداية لحل سياسي، وتأتي بعد ذلك الخطوة التي لا بد منها، وهي صياغة دستور جديد يضمن حقوق المواطنة، وأهمها الحرية والمساواة بين جميع المواطنين، في دولة مؤسسات وقانون، والاحتكام للقواعد الديموقراطية في تداول السلطة، باعتبار ذلك الحل الأمثل والمتوازن، والذي يتناسب مع المعايير الدولية، لأن أي حل آخر، لا يصبّ في هذه المسارات، ولو بالتدريج، سيعني استمرار الواقع الراهن، لا سيما ان إعادة انتاج النظام القديم أصبحت غير واقعية.

إن المعارضة السورية، في وضعها الحالي، وفي ظل المعطيات الدولية والإقليمية والعربية غير المواتية، مطالبة بإظهار ذاتها كممثل لمصالح وحقوق كل السوريين، بالتأكيد أنها معنيّة بوقف الصراع الدامي والمدمر، سيما أن النظام وحلفائه (وخاصة إيران وروسيا) هم من يتحكمون بذلك، ولأنه ليس من صالح المعارضة الظهور كمن يعارض الحل السياسي، لأن هذا الموقف يبقيها على الخريطة، ويسمح لها بالتحرك وتوسيع هامشها، وفرض بعض مطالبها في هذه المرحلة من مراحل الصراع. هكذا فإن المعارضة معنية بإظهار النظام بمظهر الرافض لوقف القصف والتدمير والحل السياسي، بدل منحه صك براءة بإعلانها هي رفض المفاوضات ورفض الحل السياسي، لأن النظام وإيران هما من يرفض هذا التوجه، ويشتغلان على كسب الوقت، وفرض الأمر الواقع. كما على المعارضة، أن تفعل ذلك للاستثمار في تعميق التباين الروسي ـ الإيراني وترسيخه، بخصوص المسألة السورية.

وبديهي أن هذه الأمور لن تلق استجابة فورية أو سهلة، وأن الأمر سيحتاج إلى مزيد من عض الأصابع أو كسر العظام، فهذه هي طبيعة الثورات والصراعات السياسية، ولاسيما من نمط الصراع السوري، حيث يخوض النظام حرباً، يعتبرها وجودية بالنسبة له. ولعل معضلة شعبنا الأساسية، في هذا السياق، أن إسرائيل تقع على حدوده الجنوبية، وأن سوريا ليست بلدا نفطيا، وأنها بلد مفتاحي في المشرق العربي، بمعنى أنها، من بين كل الثورات الحاصلة في مصر وليبيا وتونس واليمن، هي التي تفتح على تغييرات أخرى، في عموم المنطقة، ولاسيما في المشرق العربي، وهو ما لا يلائم عديداً من الأطراف.

وفقاً لهذا العرض، فإن المعارضة، بكياناتها السياسية والعسكرية والمدنية، سيما القوى الفاعلة فيها أو المشكّلة لها، معنيّة بإجراء مراجعة نقدية ومسؤولة لأوضاعها: خطاباتها، ومساراتها، وأشكال عملها، وعلاقاتها بمجتمعها ومع الخارج، لأن السير على ذات الطريق الذي سارت عليه في السنوات الماضية لن يؤدي إلا إلى تآكل صدقية الثورة، وانحسار دورها كمعارضة، وتاليا تبديد معاناة وتضحيات شعبنا، ما يفيد النظام ويطيل أمد حياته.

هذه هي مراجعتنا لمسارات ثورتنا المجيدة، وهذا هو نداءنا لشعبنا لتصحيح هذه المسارات على طريق الحرية والكرامة والمواطنة… عاشت سوريا وعاش الشعب السوري.

التواقيع بحسب الترتيب الأبجدي ومع حفظ الألقاب:

أحمد البرقاوي – احمد الشرقاط – احمد الرفاعي – أحمد عوض ـ أحمد يوسف ـ آكاد الجبل (محمود عيسى) ـ إبراهيم محمد- إبراهيم هواش- ابراهيم ابراهيم -اسلام ابو شكير ـ أسوان نهار ـ آشتي أمير – افنان التلاوي- أنور بدر ـ اندريه حيدر- باسل العودات- باسل أبو حمدة ـ بدر منصور ـ بدر الدين عردوكي ـ بسام درويش ـ بشار عبود- تركي الدرويش- تميم صاحب- توفيق حلاق تيسير الخطيب ـ جمال حمور- جمال شيربو- جوان يوسف- جرجس مطر – جمال سعد الدين ـ جميل سامي ـ حازم نهار ـ حيدر عوض الله ـ خالد حاج بكري ـ خالد محاميد ـ خالد خسوف – خالد حسن العملة – خليل زعترة ـ خلدون الحجة ـ راكان سليمان رجوب- ربيع الراوي ـ رديف مصطفى- رستم التمو- رزق المزعنن ـ زكريا السقال ـ زرادشت محمد- سفيان اسماعيل- سميرة المسالمة ـ سحبان سواح ـ سعد فهد الشاويش ـ سليمان الأسعد ـ سومر هابيل – طارق الصفدي ـ عبد الرحيم خليفة- عبد الجليل رعد- عبد الله تركماني – عبد الرزاق احمد الجيد – عبد القادر خيشي ـ عقاب يحيى ـ عصام دمشقي- عصام فاعور ـ عدنان عبد الرزاق- عبد الباسط بيطار – عمار ميرخان ـ عمران كيالي ـ عماد قصاص- عماد سلمان العشعوش – عبده الأسدي ـ على طلال غانم ـ غالية قباني ـ فايز سارة ـ فايز قنطار- فاطمة الحاج عبد ـ فخر شلب الشام- فضل السقال ـ فضيلة الشامي ـ فيصل الأعور ـ فؤاد إيليا ـ لازكين كوران ـ مازن عدي –مازن الرفاعي -ماجد كيالي ـ ماري تيريز كرياكي ـ ماري عيسى ـ محمد حمام – محمد الشهابي ـ محمود خزام ـ مروان خورشيد – مروان الاحمد – مريم احمد محمد – مديحة مرهش ـ محمد عنتابلي ـ منى أسعد ـ موفق نيربية ـ موفق أبو خالد ـ منصور الاتاسي ـ منصور خزعل -مها غزال ـ مظهر ملوحي ـ مظهر الناطور – مروان عبد الرزاق (ابو بحر) ـ ميشيل كيلو ـ ناصر العلي- نجم الدين السمان – نغم الغادري ـ موفق كنج حرب- محمود عادل باذنجكي- نواف الركاد- وسيم حسان ـ هيثم بدرخان ـ هنادي الخطيب ـ هنادة الرفاعي ـ وائل التميمي ـ وائل الخالدي..

 

 

 

إضعاف المعارضة أم تقويضها؟/ عمر قدور

بعد هزيمة حلب المجلجلة، كان محتماً ارتفاع الأصوات السورية لمحاســـبــــة المـــعارضة على أدائها المساهم في إيصال الأمور إلى ما وصلت إليه. القول أن الهزيمة كانت عسكرية في المقام الأول، وأن اللوم يقع أولاً على عاتق فصائل لا يُعرف عنها امتثال أو تنسيق مع المستوى السياسي، لا يعفي الأخير من مسؤوليته طالما كان إلى حد بعيد ملتحقاً بالمتغيرات في الميدان، لا فاعلاً أو قادراً على الفعل، ولا معلناً مواقف تبرئ ذمته من الأخطاء الفادحة.

فوق ذلك، معلوم أن ائتلاف المعارضة أنشئ برغبة دولية، ونال قبولاً وترحيباً من عشرات الدول، ليقتصر التعامل معه أخيراً على أقل من عشر دول. لا يخفى أن أداء الائتلاف، والخلافات التي عصفت به مراراً، قد ساهمت في إعطاء صورة شديدة البؤس عن البديل المفترض لنظام بشار، حتى إذا كانت هذه مجرد ذريعة من بعض القوى التي قررت تغيير سياساتها إزاء الملف السوري.

قد يُقال إن الدور الأكبر هو للإرادات الدولية، وأن أداء مغايراً لم يكن ليحصد نتائج أفضل بسبب تضافر عوامل عدة مساعدة للنظام. وعلى رغم وجاهة هذه التكهنات فإنها لا تتوقف عند الأثر السلبي لأداء المعارضة داخلياً، فصحّة كل ما نقول عن تخاذل أو تواطؤ دولي قد لا توازن على المدى البعيد مناخ انعدام الثقة لدى الســوريين أنفسهم، وهذا قد يكون له الدور الأكبر في تعطيل نضالاتهم السياسية لاحقاً، وقد يكون له دور في تعطيل أية محاولة راهنة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

بالطبع المعني الأول هنا هو المعارضة التي تبنت شعارات الثورة وطُرحت كممثل لها، لا تلك التي ترى نفسها منتصرة الآن فقط بسبب ما يبدو من فشل الأولى.

الآن، ثمة تحركات بدأت تظهر إلى العلن داعية إلى المراجعة والنقد، أو داعية إلى تصحيح مسار الائتلاف، وربما الانقلاب عليه. لكن هناك صعوبات عدة لا بد أن تواجه تلك المحاولات، بصرف النظر موقتاً عن مدى جديتها. لا يمكن مثلاً عدم ملاحظة انعدام الثقة المعمم ضمن بيئة الثورة، ولهذا أسبابه الممتدة إلى ست سنوات، بخاصة انعدام الثقة إزاء أشخاص جربوا حظوظهم في سدة المعارضة، ومهما بلغت نسبة مشاركتهم في الأخطاء، أو انعدمت حتى، فذلك لا يعفيهم من مسؤولية المشاركة وتبعاتها، على أرضية التأخر في النقد والمراجعة على الأقل.

يصعب أيضاً تجاوز ما خلفته ظاهرة الشللية، وأقل منها ربما التحزب، فطغيان الشخصنة وأمراضها على العمل المؤسسي ظاهرة شاعت إلى درجة يظهر فيه التباين السياسي شأناً هامشياً. ليس في الأفق ما ينبئ بعدم تكرار السلوكيات ذاتها، ما دام أصحابها لم يقدموا اعتذاراً أو نقداً ذاتياً لها، وظاهرة رمي المسؤوليات على الآخرين فقط لا تعني من جانب آخر سوى تبرئة الذات. أيضاً، تعكس هذه الظاهرة غياب الديموقراطية والمأسسة في هياكل المعارضة، وعدم استيعاب وجود تيارات متباينة تصب جميعاً في هدف نهائي واحد. على نحو أكثر ابتذالاً، كان التداول في مؤسسات المعارضة تغليباً لداعم على داعم تارة، وتغليباً لمجموعة على مجموعة تارة أخرى، من دون المس بالنهج والأداء المتهافتين.

بصرف النظر عن الحاجة الفعلية إلى مراجعة جذرية شديدة القسوة، اليوم هناك هيكلية يُفترض بها تمثيل الثورة ربما لا يتجاوز عددُ جمهورها عددَ موظفيها، إذا لم ينقص عنهم! واليوم قد تفاوض نيابة عن الثورة، بل المطلوب منها دولياً التفاوض بينما الوضع الميداني في أسوأ حالاته، وبينما هي كذلك أيضاً عطفاً على الوضع الميداني وعلى انعدام الثقة بها وعلى تراجع مكانتها عامة. الحديث عن أيام لا أشهر، يبدأ خلالها مؤتمر الآستانة، ثم قد تُستكمل المفاوضات في جنيف، ومبرر الجدية هذه المرة اقتناص لحظة الضعف.

هذه اللحظة نفسها ترتب مسؤولية أكبر على أي تحرك ضد المعارضة، مع التنويه بأن أصحاب أي تحرك يتحملون قسطاً من المسؤولية نتيجة التأخر في ممارسة ضغط عليها. الآن، من شأن أية خطوة، أو خطوات، لا تملك صدقية كافية وتمثيلاً جيداً أن تُضعف واجهات المعارضة دون تقويضها، ودون قدرة على استثمار الضعف لمصلحة اكتساب اعتراف خارجي أفضل، بخلاف قدرة الخارج على استثماره لمصلحة أجنداته.

على صعيد متصل، ستغذي الانقسامات المستجدة حالة عدم الثقة، لعدم القدرة على إنتاج بديل مقنع. ولا يُستبعد أن تقع أية مبادرة بين فكي الريبة المسبقة ودفاع البنية القائمة عن نفسها، وإذا افتقرت الأخيرة إلى القوة طوال الوقت فقد يكون تهديدها مدعاة إلى تماسك مصالح الباقين فيها، سواء أكانوا أشخاصاً أم أحزاباً وتوجهات. ضمن هذه البيئة قد يسهل تحويل الصراع السياسي إلى تناحر مجموعات أو شلل، بحيث تغيب فيه الأفضلية الفكرية أو السياسية أو الأخلاقية عن جميع الأطراف.

نحن إزاء حلقة مغلقة، فضعف مؤسسات الثورة ناجم عن غياب السياسة والديموقراطية الكفيلتين بفرز تمثيل أوسع، والضعف أوجد مساحة ممتازة لترعى القوى الخارجية تشكيل المؤسسات عوضاً عن السوريين، ولتستغل الضعف تالياً. ذلك ما لا يمكن حله إلا بمعالجة الأصل، أي بممارسة السياسة من جانب أولئك المُعرضين عنها بسبب مآخذهم على الطبقة السياسية، والتحول من وضعية الجمهور المتذمر إلى الفاعل السياسي. ومن البديهي ألا يتحقق ذلك تحت ضغط الحاجة الملحة فحسب، فالعوامل الضاغطة ذاتها قد تتحول إلى مدعاة لليأس والاستقالة من الفضاء العام.

الحق أن عوامل التشاؤم تتغلب على التفاؤل بحدوث انقلاب دراماتيكي، فالسياق السوري العام يشي بأن لا شيء يحدث إلا عندما لا يبقى مفر من حدوثه. لا استباق للقادم، ولا سباق مع الزمن والمتغيرات، بل كان السباقون غالباً هم أولئك الذين يخــشون التغيير. تشاؤم العقل يقول إن حالة الثورة ذاهبة إلى مزيد من التفتت، بل إن مفهوم الثورة ذاته بات يفتقر إلى القوة باستثناء تلك المستندة إلى نظام استثنائي في إجرامه. مع الأسف، الثبات عند تلك النقطة لا ينقل الثورة إلى داخلها، ولا يقوّض ما صار عبئاً عليها.

الحياة

 

 

 

 

 

 

 

على هامش”نداء الى شعبنا السوري”/ فايز سارة

آخر الصرخات السورية لمرحلة مابعد معركة حلب، كان ورقة “نداء الى شعبنا السوري” الذي وقعه عشرات من المفكرين والكتاب والسياسيين والناشطين، وضمنوه “وجهة نظر نقدية لتصحيح مسارات الثورة”، كما قال النداء الذي حدد اصحابه، ان مهمته مراجعة مسيرة الثورة “بطريقة نقدية ومسؤولة لمعرفة أين كنا وأين صرنا؟ أين أصبنا أو أخطأنا؟ ولماذا حصل ما حصل؟ وما السبيل إلى تصويب أوضاعنا؟ باعتبار ذلك من ضرورات العملية النضالية، وأبجديات العمل السياسي”. وبناء وانطلاقاً من وظيفة النداء، اعادوا التذكير باهداف الثورة في “إنهاء نظام الاستبداد والفساد، ومن أجل الحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية والعدالة والدستور، ومن أجل استعادة الدولة”، ثم انتقلوا لتناول ملامح أساسية من تطورات القضية السورية، قبل انتقالهم الى ماأسموه “أوهام ومراهنات ينبغي القطع معها” في تعداد لما اعتقدوا انه ارتباكات وارتكابات، تمت في المستويين السياسي والتنظيمي من جانب الثورة والمعارضة في السنوات الست الماضية، وقد بنوا عليها استنتاجاتهم للخطوات اللازمة تحت عنوان فرعي “مهمات في مسار جديد للثورة السورية”، لينتهوا الى قول “هذه هي مراجعتنا لمسارات ثورتنا المجيدة، وهذا هو نداءنا لشعبنا لتصحيح هذه المسارات على طريق الحرية والكرامة والمواطنة…”.

صرخة المبادرين الى اصدار “النداء” ومن وقعوا عليه، كما غيرها من صرخات السوريين المكررة، ومن الطبيعي، ان تصدر عليها ردات فعل متفاوتة، تترواح حدودها مابين تأييد واستحسان ما تضمنته كلياَ او جزئياً، ونقد محتواها وصولاً الى التشهير بمن قاموا بكتابتها او التوقيع عليها بمعنى تبنيها او دعهما، فهذا تقليد سوري رسخته التجربة في الأعوام الماضية.

ودون الدخول في مناقشة وجهات النظر المختلفة حول ال”نداء” في محتوياته واستنتاجاته، وخلفيات القائمين عليه، واختلاف وجهات النظر حول ماسبق، فانه وباعتباري احد الذين شاركوا في صناعة تلك الورقة، فقد يكون من المهم، ان اشير الى بعض الظروف، التي قادت الى هذا الجهد، وقد كان ثمة موجبات مستمرة للقيام به او بمثله على مدار السنوات الماضية، وقد فعل كثير من السوريين ذلك، وفي معظم الأحيان، كانت مجموعتنا او بعض اشخاص منها في تلك المحاولات، بما فيها خطوات ذهبت في محاولات تنفيذية، لكنها لم تصل الى النتائج المرجوة، غير انه وفي نتائج معركة حلب الاخيرة، التي تمثل مفصلاً سياسياً وعسكرياً مهماً في مسار القضية السورية، ووسط السياسة التي تعاملت معها قوى المعارضة السياسية والعسكرية بما لايعكس أهمية المعركة ونتائجها، ولايتناسب مع مسؤوليتها السياسية والعسكرية المباشرة وغير المباشرة عما حدث، فان هذين الظرفين فرضا ضرورة الذهاب الى خطوة جديدة، تكون اشمل وأكثر تدقيقاً في نقد التجربة، ورسم خارطة طريق لما ينبغي القيام به، وهو امل قد لا نكون بلغناه، لكن لدينا كل الامل في ان نبلغه بالتعاون مع سوريين آخرين، يمكن يثروا النقاش حول الورقة لاكمالها، والاهم بذل جهدهم في خلق القدرة العملية لتحويل الأفكار الى عمل، لانه لاقيمة لايه فكرة، اذا لم تتحول الى قوة واقعية في حياة الناس وعلى الأرض.

ان الهاجس الأساسي الذي صاحب السعي من اجل الوصول الى صيغة النداء، تركز في السعي نحو رؤية عامة وموضوعية في آن واحد، من فريق واحد عبر صيغة تفاعلية، تناقش وتحلل القضية السورية بالتركيز على نقاط ثلاثة، اولاها، كانت نقطة توصيفية تحليلية، ركزت في البحث عن فهم اشمل لتطورات الوضع السوري في واقعه وتطوراته الداخلية وفي علاقاته الداخلية والإقليمية والدولية، والعلاقات الرابطة بينها جميعاً، ولهذا فانه لم يتم التركيز مثلاً على أي جانب أو طرف وحده، بل بعلاقته مع غيره من الجوانب والأطراف، بخلاف مادرجت عليه كثير من محاولات، تقييم ماحصل وتفسيره.

والنقطة الثانية، كنت نقطة استنتاجية، جرى بناء محتوياتها على سابقتها من جهة وعلى مايعتقد انه احتياجات ضرورية للذهاب في القضية السورية الى نهاية، تتناسب واحتياجات الشعب السوري الراهنة والمستقبلية وسط مايحيط بسوريا والسوريين من كوارث، لابد من مواجهتها في الطريق الى مستقبل افضل لسوريا وابنائها، وبناء عليه جرى تحديد مهمات المرحلة المقبلة، كما صاغتها الورقة.

النقطة الثالثة، دفع مزيد من الشخصيات والتنظيمات العاملة في صفوف المعارضة السورية للانخراط في نقاش جدي وتفكير عميق بما جرى، وبيان سبل الخروج العملي منه، أخذاً بعين الاعتبار الظروف الموضوعية والمعطيات الواقعية نحو المهمات المطلوبة سواء العاجلة منها أو المهمات الابعد، والتي من شانها تحقيق أهداف الشعب السوري وثورته في السلام وانهاء معاناة السوريين، وإقامة نظام وطني ديمقراطي يوفر الحرية والعدالة والمساواة لكل السوريين.

ان اثارة نقاش جدي ومسؤول في أوساط السوريين بات امراً ضرورياً، لايقبل التأجيل وليس مقبولاً أخذه على طريقة النقاشات السائدة، سواء في تفاصيلها، التي تبعدنا عن الهدف الرئيس، او طريقتها، التي تركز على ادانة الآخرين وتبرئة الذات، او أهدافها والتي غالباً ماتكون تحقيق انتصارات صغيرة او اثبات للذات الشخصية أو الحزبية – السياسية في مواجهة الآخرين. لقد بتنا بحاجة الى تغيير كثير ليس في فهمنا لما جرى والمهمات المطلوبة على نحو ما ذهبت الورقة اليه، انما ايضاً الى إعادة ترتيب علاقاتنا ونظرتنا لانفسنا وللاخرين سواء المشاركين معنا في هموم القضية السورية وشؤونها، او المختلفين معنا بمن فيهم أعداء هذه القضية، التي دفع شعبنا من اجلها كثير من التضحيات، وتعرض لكثير من معاناة غير المسبوقة.

المدن

 

 

 

نقد الثورة السورية/ سلامة كيلة

يبدو أن التطورات الأخيرة في الوضع السوري فرضت “استفاقة” لدى نخب وناشطين. ولهذا قرّرت أن تقدّم وجهة نظرها لتصحيح مسار الثورة. ولا شك في أن وقع خسارة حلب، و”صدمة” تطور العلاقة التركية الروسية، كانتا “لحظة الصدمة” التي استدعت ذلك، الآن وبعد ست سنوات من الثورة. ولكن بعد أن كان لكثيرين من هذه النخب والناشطين والمثقفين دور ليس قليلاً في وصول الوضع إلى ما وصل إليه، أي بعد أن أسهم كل هؤلاء في الانحدار الكبير الذي حدث، بعد أن عمّمت الأوهام حول قضايا كثيرة باتت مجال نقدهم الآن.

من المفيد الميل نحو إعادة النظر في مسار ست سنوات، ومهم كذلك أن يشار إلى “خطايا” عديدة جرى ارتكابها، لكن الأهم هو نقد الذات قبل نقد الثورة، فما عانته الثورة كان من فعل مباشر من النخب التي عملت على حرفها عن سياقها ووضعها في سياقٍ مختلف، مستفيدةً من تكريس كل الإعلام والقنوات الفضائية لتعميم أوهامها، وإظهار الثورة بصورةٍ ليست فيها. سواء تعلق الأمر بالأسلمة، حيث كانت النخب فاعلةً في هذا السياق، أو في استدعاء التدخل الإمبريالي، أو في تخريب الفعل الواقعي للشباب الذي كان يقود الثورات، والشغل على شرائه أو تهجيره.

ولا شك في أنه يجب تحديد المطالب التي فرضت انطلاق الثورة. لكن، لا يبدو أن النخب التي تنتقد معنيةً بذلك. لهذا، نجدها تعيد تكرار خطابها الذي لم يلامس مشكلاتٍ مجتمعيةً عميقة. ولهذا، لم يؤثّر في قطاعاتٍ شعبيةٍ، كان يجب أن تكون مع الثورة. على العكس، طرحت أوهامها هي، أو لكي أكون “دبلوماسياً”، طرحت مطلبها الخاص كنخب ما ترى أنه مشكلة هو استبدادية النظام، لكنها لم تلمس انهيار الوضع الاقتصادي، وارتفاع البطالة بشكل كبير، ولا انهيار الوضع المعيشي لنسبة كبيرة من الشعب. وهي العوامل التي أحدثت الاحتقان الذي فرض انفجار الثورة، وهي تتلهى بشعار “الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية”، وتظن أن الشعب عاجز عن فعل شيء. وهذه المسألة هي التي أطلقت المراهنات على التدخل العسكري الخارجي، وربط مصير الثورة بالدول الإمبريالية التي كانت تخطط لتدمير الثورة، لأنها تخاف الثورة أكثر كثيراً مما تخاف الاستبداد، بل تحبّذ الاستبداد.

هل تستطيع هذه النخب مواجهة الخطاب الأصولي السلفي الذي ساعدت على انتشاره، حين غطت على القوى التي تطرحه، وأوهمت أنها آتيةٌ لإسقاط النظام، وأن أصوليتها ووهابيتها ليست سيئة، و”هذا هو وعي شعبنا”، وما إلى ذلك من تبريرات؟ هل تستطيع كشف أطراف المعارضة التي عملت، منذ اللحظة الأولى، على أسلمة الثورة عبر فرض شعاراتٍ وأسماء جُمعٍ كانت البداية في مسيرةٍ أسلمةٍ وجدت منابرها الإعلامية في القنوات الفضائية؟ أشير هنا الى “الإخوان المسلمين” وتواطؤ “إعلان دمشق”، ونخبٍ كثيرة باتت تلهج بالخطاب الطائفي.

كانت الثورة السورية كاشفاً لأمراض ومصالح وأوهام كثيرة، وأيضاً القدرات. ولهذا، ظهر واضحاً أن كل من تصدّى لقيادة ثورةٍ لم يتوقعها ولا شارك فيها، ولا انتبه إلى مشكلاتها، لم يكن في مستواها، بل إن كثيرين ممن “تعربشوا” عليها كان يلحق مصالحه في لحظةٍ أحسّ أن النظام سيسقط، وعليه أن يقفز لكي يحكم بديلاً عن النظام. ولهذا، قبِل التبعية للدول الإقليمية أو “الغربية”، وقبِل أن يكون بوقاً لها، وأن ينفّذ سياساتها التي كانت تهدف الى تدمير الثورة بالتحديد، بغض النظر عن كل البروباغندا الإعلامية، وكل الحديث عن “دعم الشعب السوري”.

لهذا، ما دام الأمر قد فرض أن تجري مراجعة تجربة سنوات ست، لا بد من القول الواضح إن المعارضة التي تصدّت لقيادة الثورة، وفرحت بحصولها على “اعتراف دولي”، كانت عبئاً على الثورة وأضرّت كثيراً. وبالتالي، ليست جديرةً بأن تبقى، أو تجري المراهنة على أن تعيد النظر في سياساتها، بالضبط لأن المصالح الخاصة تقبع تحت هذه السياسات. وبالتالي، يجب أن تُعرّى، وأن تُلفظ، هكذا بالضبط، وحين تأتي لحظة المحاسبة أن تحاسب على كل ما فعلت.

ليس هؤلاء من هم في مستوى الثورة، بكل قوتها وعظمتها وتضحياتها، بكل الجبروت الذي واجهت النظام به. ومن ثم لكي تنتصر، لا بد من أن تُنتج هي قادتها الفعليين، من الشباب الذي أطلقها، والذي خاضها بكل جرأة وقوة، ولا يزال.

العربي الجديد

 

 

لقاء وطني سوري تمهيدي/ ميشيل كيلو

صار من الضروري العمل لعقد لقاء وطني سوري تحضيري، بعد فشل المؤسسات التمثيلية القائمة في الارتقاء إلى مستوى التحديات، وفي وقف تدهور الأوضاع العامة للثورة، ناهيك عن قيادة العمل الوطني، وتحقيق انتصارات سياسية وعسكرية تفضي إلى ما يصبو السوريون إليه من حرية وكرامة، وخلاص من نظام الأسد.

لا يهدف اللقاء إلى إزاحة هذا الطرف أو ذاك من أطراف المعارضة الوطنية عن موقعه من الحياة الوطنية، بل تكمن مهمته في إزالة ما وقع من أخطاء، والتصق بالعمل الوطني من نواقص وعيوب خلال سنوات الثورة، وفي وضع برامج استباقية، وخطط تنفيذية تصحّح مسار العمل السياسي والعسكري، وتحدّد شروط (ومستلزمات) تناميه المتدرج، المتواصل والحثيث الذي يوحّد نضال السوريات والسوريين داخل الوطن وخارجه، وإلى أية منظمة وطنية انتموا، ويقرّ توجهات تستنهض الحاضنة الاجتماعية: حاملة الحراك بالأمس القريب التي قوّضها ثم كتم أنفاسها جهد متكامل بذله النظام والإرهاب المتأسلم، ولا انتصار أو ثورة بعد حلب من دون دحره، واستعادة الحراك المجتمعي الثوري من جديد وتنظيمه، وتمكين ممثليه من احتلال موقعهم وممارسة دورهم الحاسم الأهمية في الثورة، كقادة للصراع الدائر في بلادنا في ظرفه الراهن شديد الصعوبة الذي ترتب على العدوان الروسي والغزو الإيراني، وعلى استيلاء تنظيمات السلفية الجهادية على مفاصل رئيسة في بلادنا، كما على تداخل ثورتي الحرية والتحرّر الوطني، وما أفضى إليه من تحدّياتٍ لم تتم مواجهتها.

بعد كارثة حلب، تمس حاجتنا إلى لقاءٍ وطنيٍّ، يعالج ما أنزله العدوان والغزو الاستعماري بنا من هزائم علينا مواجهتها بصدق وواقعية، وسبّبته فوضى التأسلم المتعسكر والإرهابي من كوارث، بعد أن اخترقت تنظيماته الثورة وجوّفتها من الداخل، وأزاحت مشروع الحرية والعدالة والمساواة السلمي والمجتمعي الذي تبنته عام الثورة الأول قطاعاتٌ مجتمعيةٌ واسعةٌ من السوريات والسوريين. هذا اللقاء الذي سيكون عليه تلمس كل ما هو ضروري من أعمال منظمة من أجل إنقاذ الثورة واستئناف مشروعها الأصلي، ليمنع سقوط المشروع الجهادي/ الإرهابي في حلب من أن يتحول إلى إسقاط للثورة، ويخرجه منها عبر صب جهود السوريين على استئناف مشروعهم الأصلي بقوى حواضنهم الشعبية التي جعلت منه ثورةً بأفضل معاني الكلمة.

والآن، وقد حدّدت مهام اللقاء، لا مفرّ من التطرّق إلى جوانبه الإجرائيه/ العملية التي يجب أن تبدأ بتشكيل لجنةٍ تحضيريةٍ تضم أشخاصاً ذوي خبرة وموثوقين، ليقوموا بجرد شامل لواقع

“ثمة حاجة إلى عمل إنقاذي، لم يعد مقبولاً على الإطلاق التساهل في إنجازه، فهل نفعل؟” سورية الراهن من مختلف جوانبه، ويرسموا خريطة تفصيلية لأوضاعه وقواه، تتصف بالموضوعية والنزاهة، وتغطي قطاعاته السياسية والعسكرية والمدنية وأوضاع النظام والروس والإيرانيين وملحقاتهم، وتحدّد نقاط قوة وضعف مختلف الأطراف بالطريقتين الوصفية والتحليلية، لتقدّم، في النهاية، توصيات عملية تطاول دور الأول (الصديق) وتأثير الثاني (العدو)، وتحدّد من سيدعون إلى اللقاء، وجدول أعماله الذي سيدور حول نقطة جوهرية: خطط استئناف ثورة الحرية وآلياته، بتخليصها من العوالق المتأسلمة والإرهابية والطفيلية التي حرفتها عن هدفها وقوّضت حاملها المجتمعي، وطمست برنامجها الداعي إلى الحرية والمتمسّك بوحدة الشعب السوري، وأوصلتها إلى حافة الانهيار قبل حلب، وخلال معركتها الأخيرة، وتهدّد أنشطتها بالقضاء النهائي والناجز على مجتمع سورية وثورتها. سيوزع هذا الموضوع على نقاطٍ جزئيةٍ تغطي جميع مفرداته، وتقدّم صورة مطابقة قدر الإمكان للواقع السياسي/ العسكري الذي آلت الأوضاع العامة إليه، وترتب على نواقص جوهرية في الحراكين، النظري والعملي، حالت دون تحول التمرد المجتمعي الهائل إلى ثورةٍ بالمعنى الصحيح للكلمة، وكيف يكون ثورة إن كان يفتقر إلى قيادة موحدة وفاعلة، ولا يخضع العسكري فيه للسياسي، ولا يتعايش معه، ولا ينضبط بأسس ومصالح عملهما المشتركة، ويعجز، أخيراً، عن جسر الهوّة التي ما فتئت تتعاظم بين التنظيمات السياسية والواقع، وحالت دون قيام أي منها بما هو ضروري لحماية المجتمع من التمزيق والتهجير والإبادة، بيد الغزاة والمعتدين، وبالأخطاء الفادحة التي ارتكبتها المعارضة وصحّحها الشعب بدماء ضحاياه الذين كان عددهم سيتقلص كثيراً، لو توفرت قيادة وطنية ثورية تلتزم الفصائل العسكرية بقراراتها، أو كانت الفصائل نفسها منظمةً بطرقٍ مختلفة، تجعل منها مقاومةً شعبيةً ومنظمةً، لها برامج عمل يقيس تطبيقها نجاح عملها من فشله.

سيستدرك اللقاء هذه النواقص، وسيصحّح هذه العيوب، وسيرسم خريطة دقيقة، نظرية وعملية، لكيفية إعادة الثورة إلى مسارها الأول الذي يضعها من جديد على عتبات تحولها إلى ثورةٍ لها حامل وطني، ترشده خطط وبرامج معلنة تحظى بتأييده ومساندته. لن تعالج الحلول العملية النقص والخلل على الجانب السياسي وحده، ولا بد أن تتناول الجانب العسكري، وتبلور تصوراتٍ عمليةً حول إعادة بنائه بطرقٍ تتجاوز الفصائلية وتنظيماتها الراهنة، وتستبدلها بمنظومة دفاع متراتبة تبدأ من قاع المجتمع، من مشاركة المواطن العادي في الدفاع عن نفسه وموطنه، من أصغر قرية إلى أكبر مدينة، على أن تكتمل قوات الدفاع الوضعي الثابتة بقوات متحرّكة على صعيد مناطقها، وجيش محترف على الصعيد الوطني، وتشكل من هذه المكوّنات الثلاثة قوة عسكرية موحدة تشن هجمات استراتيجية سنوية ومنسّقة تغطي كامل الأرض السورية، بهدف طرد النظام وحلفائه من مناطق تقيم فيها سلطات دولة بديلة، يضمن دستورها وعمل مؤسساتها الحرية والعدالة والمساواة لجميع مواطناتها ومواطنيها بلا تمييز أو إقصاء، ويجرّم الطائفية والعدوان على الشعب، ويعاقب ممارسيهما أو الداعين إليهما.

بعد انعقاد اللقاء التحضيري، وإقرار ما يقدم إليه من خطط، ويتخذ فيه من قرارات، من

“سيكون على المؤتمر تلمس كل ما هو ضروري من أعمال منظمة من أجل إنقاذ الثورة واستئناف مشروعها الأصلي” الضروري عقد مؤتمر وطني خلال شهر إلى ثلاثة أشهر، يناقش أعضاؤه المنتخبون، أو المنتدبون ديمقراطياً، ما أنجزه اللقاء من وثائق ورسمه من استراتيجيات ويقرّونه، وينتخبون مرجعية وطنية/ ثوريةً، تتولى ترجمتها إلى عمل ميداني مترابط، كثيف ومتصاعد، تطبقه مؤسسات السلطة البديلة في الواقع الوطني، بمعونة هيئات (ومؤسسات) الحكم المحلي التي تدير شؤون السوريات والسوريين بطرقٍ تجسّد قيم الثورة ونزعتها الإنسانية.

لا بد من انتقال شامل يأخذنا من حالنا الراهنة إلى وضع بديل، يوقف تدهورنا الذي بلغ درجة الانهيار في حلب، ويستأنف ثورة الحرية من حيث أوقفها تكامل الجهد الأسدي/ الإرهابي المعادي لها، ليعيدنا إلى معادلتها الأصلية التي جعلت الحرية والديمقراطية بديل نظام الأسد الاستبدادي، لكن الأصولية الجهادية المسلحة أزاحتها، لتجعل إرهابها بديل إرهاب الأسدية، وتقنع العالم أن سفاح سورية الذي يقتل شعبه أفضل لها من سفاحي الإرهاب الذين سيقتلون شعوبها، وأن عليهم دعمه، خصوصاً بعد أن شرعت الثورة تتلاشى في كل مكان، وسط هزائم عسكرية تنزل بها، وهدن متتابعة تأكل حاضنتها المجتمعية.

ثمة حاجة إلى عمل إنقاذي، لم يعد مقبولاً على الإطلاق التساهل في إنجازه، فهل نفعل ذلك، ونكون في مستوى التحدّي، قبل فوات الأوان؟

العربي الجديد

 

 

 

 

قراءة نقدية ل”نداء إلى شعبنا السوري”/ علي العبدالله

أصدرت شخصيات سورية معارضة وثيقة سياسية تحت عنوان “نداء الى شعبنا السوري”، وثيقة مطولة: 9 صفحات أو 3805 كلمات، انطوت على ملاحظات نقدية هامة لمسيرة الثورة واقتراحات لاجراء تغييرات محددة لتصحيح مساراتها.

أفتقدت الوثيقة الى عاملين هامين هما: نظرة واقعية مسؤولة لمراحل الثورة وتطورها وتحولها، وتحديد المسؤوليات عن التحولات التي حصلت على ساحة الصراع وقادت الى تغييب الثورة لصالح صراعات وخيارات غير وطنية تديرها قوى غير سورية. وهذا جعل الوثيقة قاصرة وضعيفة الصدقية.

اعتمد اصحاب الوثيقة صيغة مبتسرة لعرض واقع الثورة ومشكلاتها قائمة على نقد ما اعتبروه أوهاما سيطرت على أذهان الثوار والمعارضين قادت الى الوضع الراهن. ومع التسليم بصحة كثير من هذه الملاحظات إلا أنها لم تنجح في تصوير مسار الثورة وتحدد سبب انكسارها وخروجها عن سياقها المنطقي والسليم. بدأ خلل تصوير الوثيقة من حديثها عن “ثورة” ونقد للخيارات والممارسات التي عرفتها علما أنها لم تبدأ ثورة عند انطلاق تظاهرات الاحتجاج بل كانت اقرب الى ردة فعل أو هبة في وجه صلف وعنجهية رجال النظام شّجع تفاعل الشعب معها قوى شبابية تمتلك رؤى وحسا سياسيا على التحرك لتحويلها الى ثورة مكتملة الاركان عبر تشكيل التنسيقيات لتنظيم التظاهرات وتوفير مستلزماتها على مستويات الاعلام بداية والخدمات الطبية والاغاثة لاحقا ما زاد في وتيرة التظاهرات ووسّع المشاركة الشعبية فيها. شكّل هذا المتغير لحظة مفصلية على صعيد المواجهة بين النظام والشارع من جهة وتحرك المعارضة الحزبية من جهة ثانية حيث حدد النظام عامل الخطر في الحدث الثوري بشباب التنسيقيات وقادتها وواجههم بالقتل المباشر والاعتقال والتصفية داخل اقبية المخابرات والعمل على عزلهم سياسيا واجتماعيا عبر إطلاق مئات المعتقلين من اتباع السلفية الجهادية لاغراق التنسيقيات والثورة في سياقات متناقضة وتخويف الغرب والاقليات منها وقطع الطريق على امكانية التعاطف معها وتبني أهدافها، وعبر الانفتاح على أحزاب المعارضة واستدراجها الى مسار خادع بالدعوة الى الحوار للاتفاق على التغيير المطلوب. دعوة لقت استجابة لدى احزاب وشخصيات معارضة لانها تفاجأت بالحدث الثوري ولم تكن مستعدة لملاقاته،(كانت قيادة اعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي قد أصدرت يوم 24/2/2011 بيانا دعت فيه القوى السياسية السورية الى الاستعداد لملاقاة رياح التغيير التي بدأت بشائرها تلوح في الافق لكن احدا لم يهتم او يستجب لهذه الدعوة) ولأنها رأت فيه خطرا على دورها وتاريخها “النضالي”، فلعبت دورا سلبيا عبر الحديث باسم الثورة دون اتفاق أو تنسيق مع قواها الفعلية من جهة وبالعمل على فرض برامجها القديمة وخططها على حدث غير تقليدي من جهة ثانية(عقدت لذلك مؤتمرات وشكلت تكتلات سياسية بنفس المنطق القديم والخيارات التقليدية)، والسعي الى احتوائها باختراق بعض تنسيقياتها أو تشكيل تنسيقيات خاصة بها من جهة ثالثة. لقد انكسرت الثورة ودخلت سياقات غير منسجمة مع مستدعياتها عندما سحق قمع النظام حركة التنسيقيات بالإضافة الى الانعكاس السلبي لبروز جماعات اسلامية متشددة على الساحة تطرح خيارات وتوجهات ليس لا تتقاطع مع الثورة ولا تشكل إضافة الى وزنها وفعلها فقط بل وتحسم من رصيدها كذلك، ولانخراط دول عربية وإقليمية ودولية لها حساباتها ومصالحها وأهدافها التي لا تتفق مع ثورة شعبية، فكيف مع انتصارها، على خط الحدث وتغذية الصراع وجره لتحقيق تلك المصالح والأهداف على حساب تضحيات وبطولات الشعب السوري.

لم تنجح قيادة التنسيقيات في توحيد صفوفها وفرز قيادة موحدة للحراك الثوري وهذا، مع خسارتها لمئات الكوادر الخبيرة وتشتت جهودها وتفاضلها، قضى على محاولة تحويل الهبة الشعبية الى ثورة. بقيت الهبة متقدة لكن دون قيادة مركزية أو برنامج محدد فتعددت الخيارات والولاءات وتشتت القوى فضعفت فعاليتها وتآكلت نجاحاتها الأولى.

تتقاطع هذه القراءة مع بعض ملاحظات “النداء” وتختلف معها في أخرى مثل ربطها عدم نجاح الثورة في تحقيق أهدافها بـ “العوامل الدولية والإقليمية غير المواتية للثورة”، فالثورة الناجحة تؤثر في العوامل الإقليمية والدولية وتستدرجها الى موقفها وتأييدها والقبول بانتصارها، ناهيك أنها قالت في قسم الاقتراحات كلاما أكثر منطقية ومعقولية حين دعت الى “ومن جانب أخر فإن ثورتنا معنية بإيجاد التقاطعات بين أهدافها وبين سياسات الدول الفاعلة المساندة لحق شعبنا بالتخلص من النظام، لأنه من دون ذلك، فإن العالم لن يسمح لنا بتحقيق أهدافنا”، أو قولها بنشوء جبهة النصرة “بشكل مريب”، مع انه تم بظروف معروفة ومن قبل قوى موجودة على الساحة العربية والإسلامية، أو قولها “ناهيك عن اقتتال الفصائل فيما بينها، في ظاهرة غريبة تمثلت بقيام إسلاميين بقتل إسلاميين” حيث شهدنا مثل هذه الظاهرات كثيرا في أفغانستان وباكستان والجزائر والعراق، أو قولها “وكما شهدنا، فقد طغت العفوية والتجريبية والمزاجية والقدرية على الثورة في كل شيء، وكان ذلك طبيعيا ومفهوما في البدايات، لكنه بعد مضي عام تلو العام، اتضح أنه يثقل على الثورة، ويبدّد تضحيات شعبنا، حيث لم تتوفر للثورة قيادة واقعية وعقلانية، بل لم يتوافر لها أي شكل من أشكال القيادة، لا في السياسة ولا في العسكرة”. هنا يبرز خلل قراءة أصحاب الوثيقة لمسار الثورة لأنها بدأت بالتراجع وتآكل الانجازات مع مرور الوقت ما جعل إمكانية الالتفات الى عوامل القصور والتقصير مستحيلا.

في حديث الوثيقة عن “مهمات في مسار جديد للثورة السورية” اقتراحات عامة وفضفاضة مثل الحديث عن “استعادة ثورتنا لخطاباتها أو لمقاصدها الأساسية، التي انطلقت من أجلها، بتأكيد طابعها كثورة وطنية ديمقراطية، ثورة تهمّ شعبنا بمختلف مكوناته الدينية والمذهبية والأثنية والمناطقية، ثورة تقوم من أجل التحرر من نظام الاستبداد والفساد، وإقامة دولة مؤسسات وقانون ومواطنين أحرار ومتساوين في دولة مدنية، تنتهج النظام الديمقراطي وتوفر العدالة الاجتماعية في الحكم، وفي العلاقة بين سائر مكونات المجتمع والدولة”. كلام مرسل يتجاهل أن الهدف المشار إليه لم يكن محط إجماع وطني وان ثمة تباين في الأهداف خلال مسار الثورة، مرحلة الهبة تريد إصلاح الأوضاع، مرحلة محاولة تحويل الهبة الى ثورة طرحت الخيار الوطني الديمقراطي لكن دون أن تنجح في تحويله الى هدف عام. كان على أصحاب الوثيقة ترويج هذا الهدف والمطالبة بتبنيه من قبل السوريين. والحديث عن “الاشتغال على بناء كيان سياسي جمعي جبهوي للسوريين، تعترف الأطراف المشكلة له ببعضها، بمشتركاتها واختلافاتها، وتجتمع على الهدف الأساسي للثورة، بغضّ النظر عن الخلفيات الفكرية، وبعيدا عن العصبيات الأيدلوجية أو الهوياتية أو الدينية. هذه مهمة ملحّة لنا كسوريين، وينبغي علينا الاشتغال عليها، لملء الفراغ الحاصل، سيما أن الائتلاف بواقع عجزه وانغلاقه وضعف أهليته وقصور تمثيله ومشاكله التنظيمية، لم يستطع أن يرسّخ مكانته عند شعبنا، ولم يستطع أن يأخذ دوره في صياغة خطابات جمعية تعبر عنه، ولا قيادة كفاحه” كاقتراح ثاني جاء دون التدقيق بصحة استبدال الأطر كطريق للخروج من التعثر والفشل وأمامنا تجربة إقامة “الائتلاف” على جثة “المجلس الوطني السوري” والتي تمت بقرار خارجي بالكامل وشهدت تسابق بعض موقعي الوثيقة للانخراط في الجسم الجديد إما نكاية بقوى في “المجلس” أو تنفيذا لرغبة دول راعية أو كوسيلة للحصول على مقعد في الصفوف الأمامية للمعارضة. وأما الاقتراح الثالث “أهمية إعادة تنظيم الشعب، وبناء كياناته السياسية والمدنية، لإطلاق موجة جديدة من الكفاح الشعبي” فتكرار نمطي لحديث يبجل التنظيم والشعب المنظم.

تبقى ملاحظة جوهرية على مدى صدقية أصحاب الوثيقة ومدى التسليم بثباتهم على هذا الموقف، وهذا يستدعي إجراء نقد ذاتي علني والاعتذار للشعب عن دورهم في التعثر الذي أصاب الثورة في مراحلها المختلفة بسبب مواقفهم وتقلب أمزجتهم والصراعات الهامشية التي انخرطوا فيها واستسلامهم لرغبات الدول الراعية، فبعضهم تقلّب وغيّر كتله وولاءاته، وبعضهم بقي “تحت سقف الوطن” حتى خرج أو أخرج أولياء نعمتهم من السلطة فتحولوا الى معارضة بين ليلة وضحاها، وبعضهم هلل لجبهة النصرة واعتبرها قوة رئيسة في الثورة، ناهيك عن ان وجودهم خارج الوطن أضعف صدقيتهم وأفقد مواقفهم واقوالهم وزنها المادي والمعنوي بالنسبة للمواطنين الذين دفعوا ثمنا باهظا لانخراطهم في الثورة واحتضانهم للثوار.

المدن

 

 

 

 

 

 

قراءة أولية في النصّ النقدي لمعارضين سوريين/ ماجد كيالي

تحت عنوان «نداء إلى شعبنا السوري من أجل الحرية والكرامة والمواطنة والديموقراطية»، أصدر معارضون سوريون ما يمكن اعتباره بمثابة وثيقة تعبر عن وجهة نظرهم، أولاً، بخصوص إقدامهم على إجراء مراجعة نقدية لمسارات الثورة السورية. وثانياً، بخصوص تقديمه رؤيتهم حول سبل تصحيح هذه المسارات أو تصويبها، على مختلف الأصعدة. وجاءت هذه الوثيقة على أبواب العام السابع لاندلاع ثورة السورين، ورداً على ادّعاء هزيمتها، وتأكيداً على أهدافها المتمثلة بإنهاء نظام الاستبداد والفساد، ومن أجل الحرية والكرامة والمواطنة والديموقراطية والعدالة والدستور، واستعادة الدولة.

في المراجعة النقدية دعا مصدرو الوثيقة الى القطيعة مع ما رأوا أنه بمثابة أوهام ومراهنات طبعت الثورة السورية بطابعها، لا سيما أن هذا يحدث بعد تجربة ستة أعوام تقريباً، وقد تبيّن قصورها وإخفاقها، بحكم المآلات المأسوية التي وصل إليها الصراع السوري، بعقلية اتسمت بالجرأة، من دون مكابرة أو إنكار.

من أبرز هذه الأوهام أو المراهنات التي رصدتها الوثيقة وطالبت بالقطيعة معها، مثلاً، الارتهان في التعويل على الخارج، وحصر العمل لإسقاط النظام بالعمل المسلح وبالضربة القاضية، وتعويم جبهة النصرة بدلاً من القطع معها، ووهم المناطق المحررة، وسيادة الخطابات الطائفية والدينية والهوياتية، وقصور المعارضة وعجزها عن إدارة الصراع وعن تمثيل السوريين.

أما في ما يتعلق بالمهمات أو التحديات فتحدثت الوثيقة عن ضرورة استعادة خطابات الثورة الأساسية المتعلقة بالحرية والكرامة والمواطنة، وبناء كيان سياسي جمعي، وبلورة تيار وطني ديموقراطي، وانتهاج وسائل كفاحية عقلانية تتناسب مع إمكانات الشعب، وتمكن من الاستثمار السياسي ومن مراكمة الإنجازات، وإعادة بناء كيانات الثورة السياسية والعسكرية والمدنية على أساس صحيحة، تخدم الهدف، وحل المسألة القومية في إطار الثورة الوطنية الديموقراطية، وإقامة علاقات مع العالم على أساس التمسك بحقوق السوريين واستقلالية قرارهم الوطني، والتساوق مع قيم الحرية والكرامة والمواطنة والديموقراطية، هذا إلى جوانب مسائل أخرى.

لم تأتِ الوثيقة ـ المراجعة على شكل بيان مختصر أو مكثف وإنما جاءت على شكل نص طويل، من حوالى 4000 كلمة، ربما فرضته تعقيدات ومداخلات الصراع السوري، وطول التجربة، ومشكلاتها، ويأتي ضمن ذلك الشعور بالحاجة إلى الإجابة عن مختلف الأسئلة المطروحة، وضرورة بلورة مراجعة نقدية للتجربة السورية، بما لها وما عليها، وتالياً طرح رؤية أو تصورات جديدة للثورة في مواجهة التصورات القاصرة او الخاطئة أو الأحادية التي سادت وهيمنت طوال المرحلة الماضية.

تضمنت الوثيقة أطروحات أو أسئلة مهمة ضمنها، مثلاً: «هل تستطيع المعارضة أن تقول إنها نجحت في إدارة أوضاعها، وفي إدارة الصراع ضد النظام؟ أو هل هي تعتقد أن الاستمرار على الطريق ذاتها، وبالبنى والمفاهيم نفسها، سيوصلها إلى الهدف المنشود؟ وهل قدمت أقصى وأفضل ما عندها؟ أم أن ثمة ثغرات كبيرة، تفترض منها إجراء مراجعة ومحاسبة لتطوير أحوالها وأدائها؟». ثم «هل كان من المحتّم أن تذهب الثورة إلى الحد الأقصى، في كل شيء، في الخطاب وأشكال العمل والمرتجى؟» وأنها ترى في «خروج السوريين إلى الشوارع، ونزع الخوف من قلوبهم، ثورة في حد ذاتها، من دون ترك الأمور تصل إلى ما وصلت إليه، كأن يعدّ ما حصل، في العام الأول، كمرحلة من مراحل الثورة، أو تجربة، أو محطة على طريق محطة ثورية آتية، مثلما حصل في تجارب الشعوب الأخرى».

وإلى جانب حديث الوثيقة عن بناء كيان سياسي جبهوي ـ جمعي للسوريين يعبر عنهم ويمثل كل مكوناتهم، ويقود كفاحهم، فهي تحدثت أيضاً عن ضرورة بلورة تيار وطني ديموقراطي وفق خطوات مدروسة ومتدرّجة، ووفق رؤى سياسية تبرّر وجوده وتعبّر عن هويته.

طبعاً ثمة ملاحظات على الوثيقة، على رغم أهميتها، إذ لا يوجد نص نهائي أو كامل، أو لا يقبل النقد. هكذا يأتي ضمن هذه الانتقادات أو الملاحظات أن هذا العمل ـ النص النقدي تأخّر كثيراً، فمن المفهوم أن معارضين كثراً وجهوا انتقادات كثيرة للثورة وخطاباتها وأشكال عملها وبناها القاصرة، طوال السنوات الست الماضية، إلا أن هؤلاء لم يعمدوا ولا مرة إلى بلورة وجهة نظر جماعية بهذا الخصوص، وهذه سابقة تحسب للوثيقة، إلا أنها لا تعفي هؤلاء المعارضين مسؤوليتهم عن هذا الخلل.

أيضاً، لم تناقش هذه الوثيقة مفهوم الثورة بحد ذاته، وما إذا كانت الحالة السورية ما زالت تتطابق مع هذا المفهوم، رغم خروج معظم الشعب من دائرة الصراع مع النظام، بحكم الحصار وواقع التشرد واللجوء، وانحصار الصراع مع النظام بالفصائل المسلحة، وغلبة الصراع الدولي والإقليمي على سورية على الصراع في سورية بين النظام والشعب أو غالبية الشعب. في هذا الإطار قد يصحّ الحديث عن فكرة الثورة أو روح الثورة أو شرعيتها، مثلاً، كممر ضروري للتخلص من نظام الاستبداد، لكن الحديث عن الثورة في ظل الواقع الراهن، الذي تحدثنا عنه، قد يبدو في حاجة إلى مراجعة أو إلى توصيف أكثر أكثر دقة، بعيداً من العواطف والرغبات. هذا مع علمنا أن الثورات تأتي بالشكل الذي تأتي عليه، وأنه لا يمكن هندستها، ولا التحكم بتداعياتها، وأنها تأتي وفق مستوى التطور السياسي والثقافي والاجتماعي للبلد المعني.

من الملاحظات التي يمكن أخذها أن عدداً من الموقعين عليها ما زالوا أعضاء في إطارات المعارضة التي ينتقدونها، وهذا ينم عن تناقض، الأمر الذي يفترض توضيحه أو حسمه.

أخيراً، يأتي السؤال التقليدي «ما العمل؟»، ومع أن «الوثيقة» تحدثت عن مهمات عدة إلا أن المطلوب منها أن تكون أكثر تحديداً في التعاطي مع هذا الأمر، والتوضيح بخصوص الخطوة التالية، أي الخطوة العملية التي ينبغي الانتقال إليها، بعد هذه الخطوة النظرية أو التأسيسية إن جاز التعبير، وكثر بانتظار ذلك. وبالتأكيد المطلوب وجهات نظر نقدية من التيارات السياسية الأخرى، إذ لا يمكن القبول بأن التقصيرات والثغرات والاخفاقات في الثورة السورية، ليس لها أب أو أن تسجّل ضد مجهول، مع تأكيدنا أن العوامل الدولية والإقليمية لعبت دوراً كبيراً في إضعاف هذه الثورة والتلاعب بها وحرفها عن مقاصدها.

* كاتب فلسطيني / سوري

الحياة

 

 

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى