الرئيسية / صفحات سورية / مؤتمرات المعارضة السورية متى تخدم الثورة فعلياً؟

مؤتمرات المعارضة السورية متى تخدم الثورة فعلياً؟


عمار ديوب

تتالت مؤتمرات المعارضة السورية بنهمٍ شديدٍ للسياسة والكلام عز نظيره عند سياسي العالم، إذ بدأ تسونامي المؤامرات منذ اليوم الأول للثورة، وراح التنافس يشتدّ ضراوةً بين قوى المعارضة. واجتاحت ثورة المعارضة هذه، معظم عواصم العالم المتقدم والمتأخر على السواء. متحدثو السلطة في الإعلام الرسمي و«المغرض»، تلاميذ فاشلون، لكن قاموسهم الأخلاقي والسياسي السيئ متين جداً، وهو يماثل ركاكة مفردات مؤتمرات المعارضة. الاثنان السابقان، لا يزالان يستمدان مفرداتهما من الزمن القديم المتهالك.

رغم قسوة الحقيقة، سنقولها: إنّ المؤتمرات تلك، افتقدت إلى مبرر وجودها الوحيد، ألا وهو التحديد الدقيق لأهداف الثورة، ودعمها للوصول إلى إسقاط النظام. لكن، وللموضوعية، إنّ عاقديها من المعارضين يقومون برحلات مكوكية، يَعبرون بها دول العالم، بقصد واحد أحد، وهو حشد الدول من أجل إسقاط النظام، وذلك عبر رؤية سياسية مهزومة، تُعطي دول العالم، ولا سيما الإمبريالية منه، دوراً مركزياً في ذلك الإسقاط، وكأنّ تلك الإمبرياليات جمعيات خيرية، أو دول داعمة للثورات من أصله.

تصلّب عمل المجلس الوطني السوري منذ تشكله بسبب دعوات الحماية الدولية والحظر الجوي والتدخل العسكري… التي لا يمل أغلبية مناصريه، من تكرارها، ولكنها وللأسف (بالنسبة إليهم) تعاندهم بقوة، وتأبى المجيء المرغوب لتحقيق تلك الأمنية العزيرة على قلوبهم! اقتصرت بالمقابل هيئة التنسيق الوطنية، على نقطة واحدة، تمحورت فيها، هي الانتقال الآمن والسياسي والسلس للسلطة، وذلك عبر الحوار أولاً، ولاحقاً. وبعد أشهرٍ من إسقاط الهيئة عبر لوحات الثوار، تداولت الكلام عن إسقاط النظام بشكل موارب وملتبس، مقروناً بالخشية من الحرب الأهلية وانفلات العنف (اللاءات الأولى لها)، وجرى التخفيف أخيراً من اللاء المتعلقة بالتدخل العسكري، مع تقديم الهيئة «مشروع إعلان عهد الكرامة والحقوق» حينما أُعلنت. وبصرف النظر عن أهميته، فهو أهم ما قامت به على الإطلاق بالمعنى السياسي؛ نقطة الضعف فيه أنّه: ينطلق من الخوف على مستقبل الثورة أكثر من الاهتمام بنجاحها والعمل بهذا الاتجاه.

هاتان الجهتان السياسيتان، أربكتا الثورة ومنعتاها من تشكيل قيادتها الداخلية، وأشاعتا أجواءً مشوشةً بين أوساط الفاعلين السياسيين، ولم تتوانيا عن الانشغال بمخططات الدول التي تتدخل في الشأن السوري، ووضع خدماتها عندها تحت التصرف. فقط مشكلات الثورة، بقيت خارج الاهتمام الجاد، مع اهتمام هامشي هو ضروري بحكم كونهم معارضة… يرصد ذلك من خلال المواقف السياسية والإعلامية العقائدية لممثلي تلك الهيئات.

نعم، هم لم ينشغلوا، بمشكلات الثورة، المتعلقة في بدايتها ببطء توسعها، وبامتناع قطاعات شعبية عن الالتحاق بالثورة، وامتناع التجار وأصحاب رأس المال عن تأييدها، فضلاً عن المواقف المخجلة لجهة تثمين العلاقات مع ملوك دول الخليج أو وزراء دول العالم الإمبريالي. لكل هذه المسائل، كانت المؤتمرات فرصاً حقيقية لتعلم الكلام الإنشائي وللتشبيك السياسي مع ممثلي دول العالم، وحتى الجامعة العربية؛ التي هي ممثلة فعلية للأنظمة التابعة.

طبعاً ليس سوى الأحمق، من يتخيل عدم ضرورة المؤتمرات، ولكن كثرتها الفائضة عن الحاجة، تشفّ عن نفول أكثريتها. المراقب الذي لا يعجبه العجب، والذي ينتقد كل شاردة وواردة، يؤكد خلو تلك المؤتمرات من الانشغال بالثورة، واكتفاءها بإعلاء حالة من الاستجداء المقيت والمخجل لدول العالم الأوروبي وأميركا، وحتى دول الخليج الشهيرة والمعروفة بتأييدها التاريخي (!) للديموقراطية وحرية الشعوب وبرفع راية العدالة الاجتماعية والسلم الأهلي، وذلك لشد أزر الثورة ونصرتها وإسقاط النظام، ولا يغير من هذه الحقيقة طول عمر الثورة.

مؤتمرات المعارضة ضرورية للمساهمة في الثورة، وليس للقتال عمّن يمثل قيادتها أو التعبير عنها؛ فبعد أكثر من عام ونصف، لم تقدم المعارضة المقاتلة تلك للثورة شيئاً يذكر، حتى بما يخص وحدة أو توافقات لقوى المعارضة… وبالمثل لم تقدم الدول التي تتباكى على شهداء سوريا، والتي تجتاحها المؤتمرات الثورية، سوى عقوبات اقتصادية وتصريحات إعلامية هدفها إطالة عمر النظام بما يدمر بنى الدولة ووحدة شعبها، وهو ما يتناسب مع تاريخها في علاقتها مع الشعوب ومصالحها كدول ناهبة. وحتى حين سحبت تلك الدول العظمى سفراءها بعد أكثر من عام من عمر الثورة، لم يكن هذا الإجراء إلا حركة تصعيدية في حمأة التجاذب الدولي والصراع على سوريا…

وبالتالي، إنّ الثورة كانت ولا تزال، يتيمة من معارضة حقيقية تمثلها، ويتيمة من «مجتمع دولي» لا يريد منها سوى ركوبها وتوجيهها، وهي ما انفكت تجابه السلطة المتوحشة والمذعورة من سقوطها القادم، وحدها… ووحدها فقط.

في الأسابيع المقبلة ستعقد المعارضة المتعطشة لمن يستمع إليها، مؤتمرات جديدة في أكثر من عاصمة إقليمية ودولية، برعاية تلك الدول. وكي لا نعتبر من سيئي النية والكارهين للمعارضة وغير العارفين بقيمة السياسة والمنزوين بعالم خيالي ولا نرى أرنبة أنوفنا، نآمل ألا تكرّر ركاكة ما خبرناه منها وبؤسه، ليس في زمن الثورة بل وقبل ذلك بعقود، وأن تضع مسألة الانخراط بالثورة أمام أعينها، بعيداً عما يرتئيه كوفي عنان أو الروس أو الأميركيون والسعوديون والأتراك وغيرهم، وتثمّن قدرتها اللامحدودة على إسقاط النظام، وتقديم أوراق ورؤى تخص مستقبل السوريين وتجاوز البروباغاندا المعروفة، التي تكرّر الكلام عن دولة مدنية وإسقاط النظام بكامل رموزه. وإذا كانت تلك مسلمات تنطلق منها كل جهة معارضة، فإنّ الكلام عن شكل الاقتصاد المستقبلي وحقوق الطبقات الفقيرة وتوسيع دائرة الحريات، وفصل الدين عن الدولة، وتأمين كل أشكال الدعم للثورة بكل أنشطتها، وتحديد وانتقاد السلبيات التي مارستها وتمارسها بعض الجهات المحسوبة على الثورة، ومعالجة القضية الطائفية (من دون أيّة مواربات لفظية ضيقة ومحدوة، وتحديد معنى الكلام عن الطائفية، التي هي ليست سوى أداة سياسية يستخدمها النظام وبعض قوى سياسية طائفية وبعض الدول الخليجية، لإطالة عمر النظام ومحاولة تطييف الثورة بردود فعل طائفية، لم يعمل به مطلقاً وتم تجاهله.

الآن، بعد أن تطورت الثورة، وتوسعت ودخلت بشكل معقول كل من دمشق وحلب فيها، فإنّ كفّة الثورة صارت راجحة ضد كفة النظام، الذي انتقل إلى ممارسات لاعقلانية في قمع الثورة، عبر حرب تدميرية للمدن وقتل مجاني وعبثي للسوريين، لا للثوار فقط، وهذا يعني في ما يعنيه دخوله مرحلة يأس مطلق، وإغلاق إمكانية الخروج من أزمته، وبالتالي هناك احتمال حقيقي للانتصار عليه.

إذاً، مهمة المعارضة تتجاوز البروباغندا المكرورة المكتفية بإسقاط النظام بكامل رموزه، فلا بد من قراءة الثورة بتطوراتها وما وصلت إليه، لا قراءتها وفق تخيلات سياسية سابقة على الثورة تصل إلى زمن ما قبل حركة 8 آذار 1963؛ إذ هناك من يدعو للعودة إلى دستور 1950 وإلى ديموقراطية الأعيان حينذاك، وبالتالي، لا بد من العمل على الرؤى والبرامج القادمة، وتقديم أوراق بحثية، بما يساهم في تجاوز المشكلات المستجدة في كل من تونس ومصر واليمن والمتعلقة بالفقراء وعلاقة الدين بالدولة وشكل النظام السياسي القادم وتمكين دور المرأة والعمل المؤسساتي للدولة.

دعم الثورة من أجل انتصارها، وطرح تلك الرؤى؛ هذه هي فقط مهمة المعارضة، إن كانت بحق ترغب في ألا يسقطها الشعب كما أسقط النظام، وأسقط بعض من المعارضة، حينما لم يفهموا أنّ الثورة تريد إسقاط النظام كل النظام. الجديد النوعي: انخفاض الاهتمام من قبل تنسيقيات الثورة، بتشكيلات المعارضة ومؤتمراتها الماراتونية!

* كاتب سوري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...