الرئيسية / كتاب الانتفاضة / بشير عيسى / مؤتمر القاهرة المرتقب والمعارضة السورية –مقالات متنوعة-
Secular demonstrators, shown at a protest march this month in Aleppo, wave the old Syrian flag (green, white, black and red) that has become the symbol of their opposition movement.

مؤتمر القاهرة المرتقب والمعارضة السورية –مقالات متنوعة-

اجتماع القاهرة لزيادة انقسام المعارضة السورية/ حسين عبد العزيز

لا شك أن أي عمل يهدف إلى توحيد المعارضات السورية ضمن رؤية ومنهج سياسي واحد هو أمر مطلوب وطال انتظاره لما له من تأثير إيجابي على أداء المعارضة السورية بعد سنوات التفتت والخلاف.

غير أن ما جرى ويجري منذ أشهر لا ينم عن وجود رغبة لدى الدول المنظمة لمؤتمرات المعارضة السورية ولا لدى المعارضات في توحيد نفسها، بقدر ما هناك رغبة في إيجاد أقطاب سياسية معارضة تعبر عن القوى الإقليمية والدولية الداعمة لها.

ضمن هذه الرؤية يأتي اجتماع «القاهرة 2» بعد أيام ليزيد انقسام المعارضة السورية عبر البحث عن قطب سياسي خارج المنظومة الإقليمية الداعمة التي يعبر عنها «الائتلاف الوطني»، وخارج المنظومة الروسية ـ الكازاخية التي تعبر عنها «الجبهة الشعبية للتحرير والتغيير» وبعض القوى المحسوبة على النظام، ولذلك استبعدت القاهرة مكونات رئيسية في «الائتلاف» محسوبة على الخط التركي ـ القطري في وقت استبعدت أيضا «الجبهة الشعبية للتحرير والتغيير» التي تضم حزب «الإرادة الشعبية» برئاسة قدري جميل والحزب السوري القومي الاجتماعي المحسوبين على موسكو ودمشق.

تقدم القاهرة نفسها على أنها طرف محايد يسعى إلى بلورة رؤية موضوعية قابلة للتنفيذ في سورية، لكن واقع الحال هو غير ذلك تماماً، فالقاهرة تقف إلى جانب النظام أكثر مما تقف إلى جانب المعارضة وتحاول تعويم النظام السوري أو إعادة إنتاجه عبر توأمة النظام ونوع من المعارضة تسمي نفسها المعارضة الوطنية السورية، وهو توصيف لا يخلو من دلالة.

إنها رؤية أقرب إلى الموقف الإيراني منه إلى الموقف الخليجي عامة والسعودي ـ القطري خاصة، حيث تطالب القاهرة بحل سياسي خارج مخرجات إسقاط النظام على الطريقة الليبية أو الطريقة اليمنية، وتتبنى رأياً يتماهى مع الموقف الإيراني ـ الروسي، يتمحور حول إيجاد تسوية سياسية يكون الأسد شريكاً فيها.

وقد عكست النقاط العشر التي انتهى إليها اجتماع القاهرة الأول للمعارضة في كانون الثاني (يناير) الماضي موقف القاهرة من الحل السياسي في سورية:

ـ استبعاد البحث في مصير الأسد، فالحل سياسي يبدأ بمرحلة انتقالية يكون الأسد فيها شريكاً.

ـ اعتماد وثيقة «جنيف – 1» في صيغتها المبهمة للحل السياسي، واستبعاد مقررات «جنيف – 2» لا سيما الوثيقة التي قدمها «الائتلاف».

ـ التركيز على القرارين الدوليين 2170 و 2178 المتعلقين بمحاربة الإرهاب، وتجاهل القرار الدولي 2118 الذي يدعو في مادتيه الـ 16 و 17 إلى تبني بيان جنيف لا سيما البند المتعلق بتشكيل هيئة حكم انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة.

لا يعني ذلك أن اجتماع القاهرة لن يبحث المرحلة الانتقالية، فقد أعلن هيثم مناع أن المعارضة في القاهرة مستعدة للتفاوض مع وفد من الحكومة السورية على أساس بيان جنيف، أي على أساس نقل كل السلطات العسكرية والمدنية من دون استثناء إلى حكومة انتقالية.

لكن الفرق بين رؤية «هيئة التنسيق» وهي أكبر مكون في مكونات اجتماع «القاهرة 2» ورؤية «الائتلاف» للمرحلة الانتقالية هو فرق مهم: «هيئة التنسيق» تركز على البعد العسكري والإنساني في وظائف هيئة الحكم أثناء المرحلة الانتقالية، وهي في ذلك تتلاقى مع القاهرة، وقد أعلن رئيس فرع «هيئة التنسيق» في المهجر ماجد حبو أن أولويات الحل تبدأ بحل المسألة الإنسانية ووقف العنف ووقف النار، وليس صدفة أن يعلن حسن عبد العظيم المنسق العام للهيئة قبل فترة دعمه للجيش السوري، في حين يصر «الائتلاف» على مسألة تشكيل الهيئة الانتقالية وحدودها وصلاحيتها السياسية كأولوية لأي حل في سورية.

من هنا اتسعت الهوة بين الفريقين وامتدت إلى مسألة مصير الرئيس الأسد، فـ «الائتلاف» يعتبر أن غاية العملية السياسية هي تغيير النظام الحالي بشكل جذري وشامل بما في ذلك الرئيس ورموزه، في حين تؤكد «هيئة التنسيق» أن هذه المسألة متروكة للمفاوضات وتحتاج إلى إجماع دولي خارج قدرات المعارضة السورية، وعليه تقبل الهيئة بقاء الرئيس في منصبه، لكنها لم تحسم بعد ما إذا كان الاتفاق على اقتراح بقائه حتى انتهاء مدته الرئاسية، أو ستتم الدعوة إلى انتخابات مبكرة كما أعلن حبو.

وقد عبر عن هذا التوجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي صراحة في العشرين من كانون الثاني الماضي خلال مقابلة أجرتها معه صحيفة «الاتحاد» الإماراتية حين قال إن الرئيس بشار الأسد سيكون جزءاً من عملية التفاوض في حال إجراء حوار بين النظام والمعارضة.

وفي الظاهر تبدو الرؤية المصرية ورؤية المعارضة السورية المشاركة في اجتماع القاهرة أكثر موضوعية من غيرها في ظل عدم وجود قرار دولي بإسقاط النظام في هذه المرحلة لما له من انعكاسات سلبية على عملية محاربة الإرهاب من جهة وعلى الدولة ومؤسساتها الرئيسية من جهة ثانية.

لكن هذه الرؤية ستؤدي إلى نتائج معاكسة لما يريد أصحابها إذا افترضنا حسن النية لديهم، لأنها ستؤدي أولاً إلى نشوء منظومتين للمعارضة السورية ضمن اصطفافات إقليمية واضحة، وبالتالي سيساهم اجتماع القاهرة في ازدياد الشرخ داخل صفوف المعارضة، وثانياً لأن السقف السياسي الذي يطرحه الاجتماع سيقرأ في دمشق قراءة مغايرة وسيدفع النظام إلى التمسك بمقولاته أكثر لا سيما في هذه المرحلة. وهناك فرق كبير بين تقديم تنازل سياسي قبل بدء المفاوضات وبين تقديم تنازل أثناء العملية التفاوضية.

* إعلامي وكاتب سوري

 

 

 

الوقوف على حقيقة المشهد السوري/ بشير عيسى

للأمانة والتاريخ، فالمعارضة السياسية السورية ممثلةً بالمجلس الوطني وتنسيقيات الثورة، ولاحقاً الائتلاف، ارتكبت خطأ استراتيجياً حين تحالفت مع الفصائل المتشددة، وفي مقدمها «جبهة النصرة»، فرع «القاعدة» في بلاد الشام، لا بل وصل بها الأمر إلى الدفاع عنها في المنابر الدولية، والاعتراض على إدراجها على لائحة الإرهاب. ورافقت ذلك دعوة التنسيقيات والمجلس الوطني للتظاهر في جمعة سمّيت «جبهة النصرة ليست إرهابية – لا إرهاب إلا إرهاب النظام!».

أما لجهة دخول «حزب الله» إلى جانب النظام، ودوره في تقوية القوى التكفيرية، فهذا أمر بدهي، فرضه التغيير في قواعد اللعبة، وذلك حين قام «إخوان» سورية والفصائل المقربة منهم، وبدعم سياسي ولوجيستي من حكومة أردوغان، بتسهيل مرور المجاهدين العرب والأجانب للقتال ضد النظام، تحت مسوغ شرعي: «نصرة المسلمين لإسقاط الطاغوت»! فكانت الذريعة التي استجلبت الحزب. وهو ما حذرنا منه، كون هذا التحول – التغيير، سيجعل سورية ساحة قتال للآخرين، يحوّل فيها النظام الحراكَ إلى حرب على الإرهاب! تبقى مسألة أن الجيش الحر لم يكن ذا صبغة دينية، قبل دخول الحزب، فهذه مسألة تحتاج إلى إعادة تصويب، والعودة إلى الأرشيف، توخياً للدقة وإنصافاً للحقيقة. وهنا علينا ألا نحيد عن أساسية محورية هي «تحويل الحراك إلى حرب على الإرهاب» بحيث نقيم الميزان الذي يساعدنا في معرفة وكشف حقيقة ما يجري في الميدان، وكيف يتم توظيفه واستثماره، عند ذلك فقط يمكننا تقويم الربح والخسارة، آخذين في الاعتبار الدور الوظيفي للإعلام.

في الشكل يبدو سقوط مدينتي إدلب وجسر الشغور في الشمال، على أيدي الفصائل الإسلامية المتشددة بقيادة النصرة، انتصاراً لهذه الأخيرة وحلفائها، وهزيمة مدوية للنظام وحلفائه، أربكت معها كل الكتّاب والمحللين الذين ينتمون إلى خطه السياسي، لا سيما بعدما صب الإعلام الرسمي جام غضبه على الدور التركي ومن يقف خلفه، محملاً إياه سبب خسارته المعركة! فالانسحاب التكتيكي وإعادة الانتشار، بذريعة حماية المدنيين والجنود، لم يكن مقنعاً للمدافعين عن النظام ممن شككوا، بانفعالية سياسية، بمدى صدقية مواقف الحليفين، الإيراني والروسي، ما دفع بالسفير السوري في لبنان إلى القول أنه يتفهم مبالغة هؤلاء ويضعها في خانة «الغيّرية»!

فما حصل شكّل للوهلة الأولى صدمة كبيرة، ضعضعت معنويات نخب النظام وحواضنه، ما استوجب ظهور نصرالله والرئيس الأسد، بغية رفع المعنويات، تحت شعار «خسارة المعركة لا تعني خسارة الحرب»، ورافق ذلك قيام الجيش النظامي بهجوم معاكس على قرى سهل الغاب الشمالي، وصولاً إلى أطراف مدينة جسر الشغور، لأجل فك الحصار عن حامية المستشفى التي تحولت حيثيةً رمزية، فرضها صمود حاميتها، أمام موجات الانتحاريين واستعادة المدينة، بالتزامن مع بدء معركة القلمون.

وللوقوف على حقيقة هذا المشهد، المعقد والمركب، علينا طرح الأسئلة التي من شأنها أن تظهّر حقيقته. فالمضمون لا يتطابق مع الشكل إلا جزئياً، وما خفي يشكل حقيقة المسكوت عنه، والذي تعكسه بعض الإشارات. وعليه نسأل: كيف تمكنت الفصائل الإسلامية من السيطرة على مدينتي إدلب وجسر الشغور بأيام معدودة، في وقت تعجز عن اقتحام المستشفى؟! ثم لماذا حققت هذه الفصائل ما عجز عنه لأعوام الجيش الحر؟! إذا دققنا بالأمر سيبدو مربحاً للنظام في حال كان النصر لـ «جبهة النصرة» التي رفضت انتقال الائتلاف إلى المدينة! وهو ما بدا متوقعاً، لا سيما بعد قضاء الأخيرة على حركة حزم وجبهة ثوار سورية. وكي لا نتهم بالمبالغة وعدم الموضوعية، سننظر إلى المشهد من زاوية أخرى وهي أن معظم المجموعات الإسلامية ومعها فصائل الحر شنت عشرات الهجومات على بلدتي نبل والزهراء، وكلها منيت بالفشل، والسبب وجود البيئة الحاضنة لقوات النظام وتماسكها.

ولأن هذه البيئة لم تكن متوافرة في مدينتي إدلب وجسر الشغور، كان من البدهي أن ينفذ الجيش انسحابه، خلافاً للمبالغة التي رأى أصحابها أن عشرة آلاف مقاتل سنّي من مناطق إدلب وحسر الشغور، يتهيأون لاستعادة ما فقدوه مع الجيش! وطبعاً هذا الكلام يجافي المنطق قبل الحقيقة!

فما جرى في إدلب هو تسهيل لـ «جبهة النصرة»، يمنحها مقداراً من التوازن، بمواجهة تمدد «داعش»، فوق الديموغرافيا السورية وتحديداً في بيئاتها الحاضنة، وذلك كمقدم لإنهاك هذه القوى، فوق بيئاتها التي لم تحصد من النصر سوى مزيد من التشرد والقتل والدمار. وهو ما يمهد الطريق أمام النظام للوصول إلى مبتغاه، مدعوماً بالمضمون، بتحالف دولي ضد الإرهاب، بقيادة أوباما الذي لا يرى الحل في سورية، إلا سياسياً!

* كاتب سوري

الحياة

 

 

القاهرة ولعبتها الخطرة/ علي العبدالله

انشغل معارضون سوريون في الجدل حول لقاء القاهرة القادم(القاهرة2) بجزئية تلميح مشاركين فيه بأن هدفهم تشكيل بديل سياسي للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة على خلفية فشله في التعاطي مع الواقع السياسي المحلي والإقليمي والدولي ما يستدعي تجاوزه.

لكن، وبغض النظر عن هذا السجال قصير النظر، فان اللقاء ينطوي على مخاطر شديدة في ضوء الموقف المصري من الثورة السورية ومن التوازن الإقليمي الذي يمكن أن يقوم إذا ما حصل التغيير في سوريا سلماً أو حرباً. فالنظام المصري ينطلق من رؤية وسلّم أولويات خاص به أساسه اعتبار الصراع مع الإخوان المسلمين أولوية مطلقة والنظر إلى كل القضايا والملفات من هذه الزاوية الضيقة، ما جعله يرى تهديداً في انتصار الثورة السورية أو التوجه نحو حل سياسي يقود إلى الدخول في مرحلة انتقالية، وفق بيان جنيف، بخروج رأس النظام أو الحد من صلاحياته خلالها، وتشكيل هيئة حكم كاملة الصلاحيات تدير المرحلة، تنظر في بنية النظام وطبيعة السلطة وتضع دستورا ديمقراطيا قاعدته الرئيسة المواطنة والتداول على السلطة واحترام الحريات العامة والخاصة وإشاعة سيادة القانون والعدل والمساواة بين المواطنين دون تمييز على أساس العرق أو الدين أو المذهب أو الجنس، وتمهد لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية حرة ونزيهة وتعيد هيكلة مؤسسة الجيش والأمن وتقنن دورهما وتخرجهما من الساحة السياسية. فهو يرى في ذلك خطراً على نظامه وتصوراته لمستقبل مصر والمنطقة في ضوء قيام نظام على الضد من توجهاته القمعية والاستحواذية والاستنسابية من جهة وقيام معادلة إقليمية تتعارض مع تصوراته لمستقبل الإقليم، وما يمكن أن تفرزه من تحالفات وتوازنات في غير صالحه، من جهة أخرى.

أدرك النظام المصري أن تحقيق الانتقال إلى نظام ديمقراطي في سوريا سيعني، من بين أمور كثيرة، إطلاق دينامية ثورية جديدة تعيد خلط الأوراق وتدفع إلى تشكيل المشهد السياسي السوري والعربي والإقليمي، وهذا سيرتب بروز توازن قوى سوري قائم على شراكة وطنية، بمشاركة قوى سياسية متعددة ومتنوعة، بما في ذلك عدوته اللدودة جماعة الإخوان المسلمين، تعمل على تخفيف الاحتقان الداخلي ونزع فتيل التوتر الاجتماعي والمذهبي عبر تحقيق المصالحة الوطنية بتحقيق العدالة الانتقالية، وهو توجه على الضد من حكم العسكر وسياساته التي تعتمد توتير المناخ الوطني وإشعال الحرائق وتفتيت المجتمع والدفع بالانقسامات السياسية إلى حدود قصوى لتحقيق هدفه تعزيز السلطة وإضعاف المجتمع، ما قد يعيد الحرارة والعنفوان إلى الشارع المصري الذي ضحى كي يتخلص من النظام البائد فوجد نفسه بعد معاناة وجهد ودم تحت نظام وسلطة أكثر قمعا ووحشية واستئثاراً بالحقوق والخيرات. وأدرك ما سيترتب على التغيير في سوريا عربيا وإقليميا: تحديد الدول والقوى المنتصرة والمستفيدة والدول والقوى الخاسرة، وهذا سينعكس على تشكيل لوحة التحالفات والتوازنات العربية – العربية وعلى العلاقات والتحالفات الإقليمية، ويفتح الباب لتأسيس توازن قوى إقليمي لا ينسجم مع تصوراته ورغباته. لذا أختار الموقف المضاد وإلتحق بالمحور الذي يتسق مع خياراته وتصوراته المحلية والعربية والإقليمية والدولية، محور روسيا وإيران والنظام السوري، وبدأ فتح الخطوط والتعبير عن اصطفافه الجديد عبر إطلاق المواقف والتقديرات ليس في الملف السوري وحسب بل وفي ملفات عربية وإقليمية ودولية أخرى، فقد أعلن انه مع حل سياسي على قاعدة اتفاق النظام والمعارضة وبقاء رأس النظام في السلطة بذريعة الحفاظ على الدولة السورية ووحدة أراضيها، ووجه انتقاداته إلى الحركات “الجهادية” ووضع الإخوان المسلمين في السلة ذاتها، وحدّد خصومه وأعداءه العرب والإقليميين في الصراع السوري فوقف ضد التدخل القطري والتركي وغض الطرف عن التدخل الإيراني والأحزاب والميليشيات التي ترسلها للقتال إلى جانب النظام وما ترتكبه من مجازر وحشية بحق المواطنين وما تثيره من توتر مذهبي وانقسام طائفي بين السوريين وعلى امتداد المنطقة، ونسق تحركه في الملف السوري مع روسيا ليس باعتبارها صاحبة موقف عقلاني وموضوعي بل لأنها تتبنى خيارا ينسجم مع خياره، فهي مع بقاء النظام مع تطعيمه ببعض المحسنات وتجميله بإشراك شخصيات معارضة في حكومته وطي صفحة الثورة بهذه الخطوة “الديمقراطية”، وبعث برسائل ود للنظام السوري عبر استقبال موفديه وإرسال وفود مخابرات إلى دمشق وعدم دعوة الائتلاف إلى القمة العربية التي عقدت في شرم الشيخ ومنع نشاطات للمعارضة في مصر.

على هذه الخلفية قبل استضافة لقاء القاهرة الأول وتحرّك للعب دور مؤثر في توجهاته وقراراته من خلف الستار لكنه كشف أوراقه مبكرا عندما تدخل في اختيار المشاركين عبر رفض مشاركة ممثلين عن الإخوان المسلمين وإعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي ومنع دخول هشام مروة، نائب رئيس الائتلاف، وأعاده على الطائرة نفسها بعد أن وصل الى مطار القاهرة الدولي.

والآن ها هو يعلن عن موعد عقد اللقاء الثاني بعد أن أضاف بُعدا جديدا لتدخله عبر فرض إشراك كتلة من 17 شخصا على رأسها شخص غير معروف في أوساط المعارضة، ما أثار هواجس ومخاوف كبيرة إن لجهة نجاحه بتشكيل بديل للائتلاف يربك المشهد وما يعنيه من توتير للعلاقات بين أطراف المعارضة أو بدفعه المؤتمرين إلى تبني موقف سياسي يتسق مع خياراته، خيارات الدولة المضيفة التقليدي، وما يجعل هذه الهواجس والمخاوف حقيقية وضع اللقاء تحت إشراف المخابرات المصرية وتكليفها بإدارة الملف السوري، لإدراك خطورة الخطوة نذّكر بما فعلته المخابرات المصرية في الملف الفلسطيني الذي أدارته طوال عقود فكانت النتيجة فرقة وانقساماً وانفصال غزة عن الضفة والضغط على الفلسطينيين للقبول بمطالب إسرائيلية، وتنسيق التحرك مع روسيا وإيران اللتين لا تخفيان توجههما وتطلعاتهما للإبقاء على النظام وإعادة الوضع إلى ما قبل الثورة.

الواقع إن المخاطر لا تتوقف عند التحرك المصري بل تتعداه إلى أطراف المعارضة المشاركة والتي أثارت الشكوك حول موقفها وتوجهاتها عندما سكتت على قرار النظام المصري منع مشاركة أطراف معارضة في اللقاء الأول، بل إن بعضها ارتاح للخطوة لأنها استبعدت منافسيه، ورضخت لطلبه إشراك كتلة جديدة مصنوعة من قبل المخابرات المصرية في اللقاء الثاني، ما يثير مخاوف كبيرة من احتمال انصياعها لطلباته في قضايا أخرى، وخاصة في صياغتها للوثيقة السياسية وخريطة الطريق التي أعلنت إنها ستطرحها خلال اللقاء، بعد ان تبين سعيه، وبالتنسيق مع روسيا، لتجويف بيان جنيف عبر دفع بعض المعارضة إلى التخلي عن بنود رئيسة فيه.

المدن

 

 

 

مؤتمر المعارضة السورية في القاهرة/ حسين العودات

ينعقد في القاهرة يوم الاثنين القادم مؤتمر للمعارضة السورية، من المقرر أن يشارك فيه حوالي 230 مشاركاً، يمثلون معظم أطياف المعارضة بمنظماتها الكبيرة والصغيرة، باستثناء «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة» الذي أعلن عن قراره قبل شهرين بعدم المشاركة، ولكن يشارك عشرات من أعضائه بصفتهم الشخصية كما أصر هو على القول. إلا أن هؤلاء المشاركين من «الائتلاف» يشكلون في الواقع كتلة واحدة ولها قيادة غير معلنة. وكانت فصائل المعارضة المشاركة في هذا المؤتمر قد عقدت لقاء في القاهرة في كانون الثاني الماضي، صدر عنه بيان تضمن عشر نقاط مثلت أفكاراً أساسية ومهمة تصلح إطاراً لأي مفاوضات مقبلة أو خريطة طريق أو تسوية محتملة. كما اختار اللقاء لجنة متابعة مهمتها التواصل مع فصائل معارضة أخرى، ومع حكومات معنية بالشأن السوري أيضاً، والإعداد لعقد مؤتمر موسع في القاهرة وتهيئة أوراقه وتسمية المشاركين فيه. وقد أعدت اللجنة مشاريع الأوراق وتوصلت لعقد هذا المؤتمر وسمت المشاركين واقترحت جدول أعمال، أهم ما فيه مناقشة اقتراح مشروع ميثاق وطني ومشروع خريطة طريق، واختيار لجنة لها مهمات المتابعة والتواصل بعد المؤتمر. وهذه هي المرة الأولى التي تتخذ فيها المعارضة السورية مثل هذه القرارات التي تحدد أهدافها وتؤ كد التنسيق بينها.

برزت خلافات وتباينات بين قوى المعارضة على أسماء المشاركين في المؤتمر، حيث كان يسعى كل تيار لاقتراح عدد كبير من أعضائه للمشاركة، حتى أن عدد المقترحين تجاوز 400 شخص. ومع أن قرارات المؤتمر ستتخذ بالتوافق لا بالتصويت، فقد كان غريباً إصرار بعض التيارات، خاصة الكبيرة منها، على زيادة عدد ممثليها. وبعد حوار ونقاش طويلين، توصلت لجنة المتابعة إلى تسوية مفادها أن يشارك في المؤتمر 230 عضواً يمثلون معظم تيارات المعارضة وشرائحها.

يواجه «مؤتمر القاهرة» محاذير عديدة وصعوبات محتملة أهمها الخشية من مزايدة بعض الأطراف على خريطة الطريق المقترحة وطلب إضافة أفكار متطرفة وشعارات واستعراض وتصريحات بعيدة عن الواقع، من شأنها إرباك أي محاولات لعقد تسوية أو تفاوض في المستقبل، وهي شعارات تصلح لمعارضين لا يسعون لتسوية وإنما يتوقعون انتصاراً مطلقاً وشاملاً و «كسر عظم». ومن الواضح أن الظروف الواقعية القائمة سواءً منها الداخلية أم الإقليمية أم الدولية لا تشي بإمكانية ذلك، وكلها تتجه إلى عقد تسوية متوازنة تحافظ على مؤسسات الدولة السورية وتمنع الفوضى في حالة سقوط النظام. وفي الوقت نفسه، هناك احتمال أن تطرح بعض الفصائل تعديلات على مشروع خريطة الطريق، تفقدها مضمونها وأهميتها وتجعلها تبدو وكأنها عملية تواطؤ بين المؤتمر والسلطة.

هناك مخاوف أيضاً من أن يطرح بعض المشاركين تشكيل جسم معارض بديل عن تيارات المعارضة القائمة، وأن يعتبر المؤتمر الميثاق الوطني وخريطة الطريق المقترحين هما برنامج الجسم المعارض المفترض، وأن يفوضه بأن يكون صاحب القرار السياسي للمعارضة كما يكون له الحق بالتفاوض مستقبلاً إذا ما حصل التفاوض.

مسألة أخرى هي الخشية من أن تزعم أجهزة الأمن المصرية أن السياسة المصرية ليست فقط راعية للمؤتمر وإنما أيضاً «صاحبة له» وتعطي لنفسها الحق بالتحدث باسمه والحلول محله، خاصة أن أجهزة الأمن عادة لا ترى بعيداً وتدور في دائرة مغلقة وتحاول تسويق نتائج المؤتمر على أنها من عملها هي، علماً بأن الحكومة المصرية لم تنفق على أي من تكاليف المؤتمر الذي تقرر أن يقوم أفراده بدفع ثمن بطاقاتهم وإقامتهم. كما أن هناك تحذيرات يطلقها بعض المشاركين خلاصتها وجود تنسيق بين الطرف المصري والطرف الروسي حول المؤتمر، ما يوحي بأنه سيكون مثل لقاءات موسكو، أي أنه لقاء تشاوري لا مؤتمر يُصدر قرارات ذات طبيعة استراتيجية. ويقول البعض أيضاً بوجود تنسيق ما، أو توافق ما بين السلطتين المصرية والسورية حول هذا المؤتمر، وبناء عليه سوف يسعى المصريون لإقرار بعض الأفكار التي طلبتها منهم السلطة السورية، علماً بأن وزارة الخارجية المصرية نفت نفياً قاطعاً بأنها ستتدخل في شؤون المؤتمر أو ستؤثر في توجهاته أو ستضغط لإقرار بعض الأفكار، ولم تكتف ببيان بهذا الخصوص، بل صدرت تصريحات من مسؤولين رسميين في وزارة الخارجية بهذا المعنى.

لقد أثار الانتباهَ وشَكَّلَ تأثيراً سلبياً في المؤتمر إعلانُ المملكة العربية السعودية بأنها ستعقد مؤتمراً للمعارضة السورية في الرياض، ما دعا بعض المراقبين والمحللين والمشاركين إلى التساؤل عن فائدة مؤتمر القاهرة، وهو لا يملك لا القرار الداخلي ولا المعارضة المسلحة ولا المال ولا الدعم الإقليمي والدولي، على عكس مؤتمر الرياض الذي يسعى لتشكيل هيئة تمتلك القرار السياسي وتكون رهن طاعتها، إضافة إلى أن للسعودية قوى معارضة مسلحة في الداخل، ويمكنها في الخلاصة الاعتماد على هذه القوى وعلى الهيئة المعارضة المحتملة وعلى التأييد الإقليمي والدولي وتسويق أي حل تريده. وهذا ما لا يتوفر (لمؤتمر القاهرة). ويرد مشاركون في المؤتمر بأنه يمثل المعارضة السورية الحقيقية ولا يرتهن لموقف أحد، وبالتالي سيشكل إطاراً لمصالح الشعب السوري. ويؤكدون أن مؤتمر الرياض المحتمل سوف يتبنى قرارات مؤتمر القاهرة، وفي الحالات كلها لا يرون تعارضاً بين الاثنين. وعلى أي حال، فإن المشاركين يحاولون أن تكون قراراته جامعة وشاملة وواقعية وتتخذ بملء المسؤولية الوطنية وتأخذ مصالح الشعب السوري بعين الاعتبار بعيداً عن المغامرات وعن التخاذل والتواطؤ، وتقع ضمن همومهم المحافظة على مؤسسات الدولة السورية لئلا تتكرر الحالة الليبية.

وقد جاء في مشروع الميثاق الوطني المقدم للمؤتمر أنه مؤسس لمقومات الخيار السياسي الوطني المتمثلة في الحفاظ على وحدة سوريا أرضا وشعبا، وتأكيد استقلالها واحترام سيادتها، والحفاظ على الدولة السورية بكامل مؤسساتها من خلال تنفيذ «بيان جنيف» الصادر عن مجموعة العمل الدولية لأجل سوريا بتاريخ 30 حزيران 2012.

كما جاء في مشروع خريطة الطريق المقدمة أن أمد الصراع في سوريا قد طال إصرار السلطة على إنكار الحركة الشعبية ومطالبها المشروعة بالحرية والكرامة، واختزالها لما يجري بالمؤامرة والرد الأمني العسكري عليها. وتردد، بل تخبط المجتمع الدولي، في إيجاد حل للأزمة السورية. وأضاف مشروع خريطة الطريق أن القضية السورية دخلت في مراحل متصاعدة من التعقيد والعسكرة والتدخلات المختلفة الأشكال التي حولت البلاد الى ساحة صراع إقليمي ودولي ملوث بالعنف والمذهبية، فيما يُهَدَّد وجودُ الكيان السوري والمنطقة. ومع استحالة الحسم العسكري لأي طرف، تقودنا الصراعات المسلحة نحو السيناريوهات الأشد ظلامية، التي تجعل من سوريا كدولة وشعب الخاسر الأكبر. وأضاف أيضاً: ينطلق تصورنا من استحالة الحسم العسكري وأن الحل السياسي التفاوضي هو السبيل الوحيد لإنقاذ سوريا. ويجري هذا التفاوض بين وفدي المعارضة والحكومة برعاية الأمم المتحدة ومباركة الدول المؤثرة في الوضع السوري. ويبرم الوفدان اتفاقاً يتضمن برنامجاً تنفيذياً لبيان جنيف، ووضع جدول زمني وآليات واضحة وضمانات ملزمة للتأكد من التنفيذ. هذه الضمانات والالتزامات تشمل دول الإقليم وتكتسب وتنال شرعيتها من مصادقة الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن بقرار ملزم من المجلس.

كما تضمنت خريطة الطريق الخطوات المقترح اتباعها للوصول إلى حل تفاوضي بين السلطة والمعارضة يهدف لإقامة نظام ديموقراطي تعددي تداولي، آخذاً باعتباره تبني معايير الدولة الحديثة أي مرجعية المواطنة والحرية والديموقراطية والمساواة والمشاركة والعدالة وفصل السلطات وغيرها.

وأخيراً، يبدو أن القائمين على المؤتمر يعولون على أن تكون خريطة الطريق هذه مضافة إلى الميثاق الوطني أساساً لأي حل محتمل، كائنة من كانت الجهة الفاعلة في هذا الحل.

السفير

 

 

 

 

محنة المؤتمرات بشأن سوريا/ فايز ساره

ينشغل كثير من المتابعين والمهتمين بالقضية السورية بتنظيم وعقد مؤتمرات، تتناول القضية السورية او بعض جوانبها، ورغم ان هذه الجهود ليست جديدة، فإنها في الوقت الحالي، تأخذ شكل الطفرة. فمنذ ايام انعقد في عاصمة كازاخستان استانة، مؤتمر للمعارضة السورية مهمته البحث في توافقات المعارضة. وبداية هذا الشهر، يعقد في القاهرة، مؤتمر للمعارضة حول فكرة الحل السياسي للقضية السورية، فيما تجري استعدادات لعقد مؤتمر للمعارضة السورية في الرياض بهدف خلق اطار قيادي تنفيذي للمعارضة، يقودها الى ما بعد المرحلة الانتقالية، التي ستعقب الولوج في بوابة الحل السياسي والذي قد يكون عسكرياً في بعض مراحله، فيما يشتغل المبعوث الدولي ديمستورا من خلال مشاوراته مع شخصيات من المعارضة والنظام في جنيف على وضع تصور، يقدمه الى مجلس الامن الدولي اواخر حزيران المقبل، يمكن ان يكون اساساً يبنى عليه مؤتمر جنيف3 لحل القضية السورية.

والمؤتمرات التي تتم بجهود او برعاية دولية، تنقسم الى نوعين مختلفين، اولهما مؤتمرات، تتصل بموضوع تسوية القضية السورية عبر الوصول الى حل سياسي على نحو ماحصل في جنيف2، فيما يتعلق النوع الثاني بالمعارضة ومعالجة القضايا المتعلقة بمواقفها وشؤونها الداخلية على نحو ماحصل في مؤتمر الدوحة 2012 الذي شكل الائتلاف الوطني بنتيجة اعماله.

والنوع الاول من المؤتمرات، لم تكن له نتائج عملية وملموسة على القضية السورية، لانها من حيث المبدأ، محاطة باشكالات كثيرة، لعل ابرزها، انها تكاد تكون بلا هوية من حيث هي بلا مرجعية سياسية، وليس لها جدول اعمال، كما انها بلا معايير، تتعلق بالداعين لها والمشاركين فيها من حيث علاقتهم العميقة وفاعليتهم الممكنة في القضية السورية، وفي هذا الاطار يندرج مؤتمر كازاخستان وقبله مؤتمر موسكو الاخير. ففي هذين المؤتمرين، لم يكن هناك مرجعية لانعقاد المؤتمر، والتي يفترض ان تكون مرجعية جنيف2، الحائزة على توافق دولي، وضع اطار معالجة القضية السورية، لا يجوز تجاوزه، اذا تم جمع المعارضة في أي مؤتمر سواء حضر النظام او غاب.

كما ان مؤتمري موسكو ولاحقهما في كازاخستان، كانت تقريباً بلا جدول اعمال، يحدد الموضوعات للوصول الى مخرجات ونتائج، يمكن البناء عليها. بل ان ما حصل في مؤتمر موسكو الاخير، كان بمثابة فضيحة سياسية نتيجة غياب جدول الاعمال المتفق عليه بصورة مسبقة، مما جعل مخرجات المؤتمر متناقضة، اختلف فيها المنظمون والحاضرون على السواء في تقييم نتائج المؤتمر، ولاشك ان احد الاسباب الاساسية، التي ادت الى هذه النتيجة، يتصل بالمعايير المتعلقة بالمنظمين وبالمدعوين. ذلك ان من المهم ان يكون منظمو المؤتمر في مكانة، تجعلهم قادرين على التأثير الايجابي على المؤتمر والحاضرين فيه، وهذا امر مفقود في حالتي موسكو وكازاخستان، لان الاولى تكاد تكون طرفاً في الصراع السوري من حيث موقفها من النظام، وحمايتها له في مجلس الامن من خلال استخدام حق النقض «الفيتو» ضد كل قرارات الادانة، التي كان يمكن ان تصدر ضده او تجبره التخلي عن سياساته الدموية في السنوات الماضية، وبصورة عامة لا يمكن فصل جهود موسكو في المؤتمرين اللذين عقدا فيها في الأشهر الماضية، عن مساعيها لإخراج نظام الاسد من مأزقه الحالي.

اما بالنسبة لكازاخستان، التي انعقد فيها مؤتمر المعارضة، فانها لم تكن ذات يوم على صله بالقضية السورية ولا بالمعارضة، ودخولها على هذا الخط، كما هو معروف، تم باشارة من روسيا بعد فشل مؤتمر موسكو الاخير، وبالتالي فان امكانيات نجاح مؤتمر للمعارضة السورية فيها امر مستبعد، هذا اذا توفرت عوامل اخرى للنجاح، والتي بينها معايير اختيار القادمين لحضور المؤتمر، والامر المشترك بين حضور مؤتمرات موسكو وكازاخستان، انه تمت دعوة اشخاص، بدل ان يدعى ممثلون عن الفعاليات السياسية والمدنية المعارضة، التي استبعدت تشكيلاتها العسكرية، الامر الذي كرس انقسام المعارضة، فيما كان وفد النظام في موسكو موحداً في مواجهة المعارضة، التي دعي باسمها اشخاص يمثلون تنظيمات وتشكيلات ذات صلة بالنظام، مما ادى إلى تشتت المعارضة، التي كان من المطلوب في مؤتمرات كهذه، ان يكون لها موقف موحد يبنى عليه، مما يمكن ان يسهل ايجاد حل للقضية السورية، عندما يحين موعد المفاوضات مع النظام.

اما المستوى الثاني من المؤتمرات المتصلة بسوريا، فيتعلق بالمعارضة وشؤونها الداخلية، وهي مؤتمرات غلبت عليها صفة محدودة الانجازات او الملتبسة النتائج، والامر في هذا لا يتعلق بمشاكل المعارضة التي تنتقل مباشرة الى داخل المؤتمرات، وتتفاعل داخلها فقط، وانما بتزامنها مع مشاكل التدخلات الاقليمية والدولية في القضية السورية، والتي ينقلب بعضها الى صراعات بينية حول الوضع السوري، وهذا مابدا ملحوظاً في اغلب مؤتمرات المعارضة في السنوات الماضية.

وثمة مساع لتجاوز مشاكل مؤتمرات المعارضة السابقة وسط استعدادات عقد مؤتمر القاهرة الخاص بموضوع الحل السياسي بالوصول الى خارطة طريق سورية، ترسمها المعارضة، فان ثمة آمالاً من جانب الاطراف المختلفة في أن يتجاوز مؤتمر الرياض المقبل هذه المشاكل، والسبب في الحالتين، ان الاطراف التي تنظم وتشارك في المؤتمر، هي الاقرب والاكثر صلة بالوضع السوري وامتداداته الاقليمية، وهي التي تدفع بصورة مباشرة فاتورة استمرار الوضع المتردي في سوريا وتداعياته الاقليمية، والامر الثاني، ان المنظمين والمشاركين، صاروا أكثر حاجة للخروج من الوضع السوري من خلال انضاج حل سياسي، حتى لو اقتضى الامر، احداث تغييرات ميدانية عبر القوة المسلحة، وهذا التطور بات محط تفهم من اطراف دولية واقليمية كثيرة.

خلاصة الامر في المؤتمرات بشأن سوريا، انها كانت باشكالات ومشاكل في الفترة السابقة اغلبها يتعلق بالمنظمين وعلاقتهم بالقضية السورية وبالمعارضة، وبعضها يتعلق بالمعارضة السورية ومشاكلها، اضافة الى المشاكل المتصلة بالبيئة المحيطة بالقضية السورية، والتي اتسمت بقدر اقل من المسؤولية والاهتمام بالقضية السورية على مدار اكثر من اربعة اعوام مضت، لكن ذلك كله، يتجه الى تغيير وتبدل نتيجة الاخطار، التي باتت تحيط بالقضية السورية داخلياً واقليمياً ودولياً، وهذا سوف يؤثر في تغيير طبيعة تلك المؤتمرات في المرحلة المقبلة، وقد يكون البدء من القاهرة، ثم الى الرياض وصولاً الى جنيف3 الذي بدأ يلوح انعقاده في الافق.

المستقبل

 

 

البحث عن مخرج “باسم الوطن”/ سمير العيطة

في سياق الأزمة في سوريا، ارتبط عنوان القاهرة بمؤتمرٍ أُقيم للمعارضة ضمن مبادرة لمبعوث الأمين العام للأمم المتحدة ورعاية للجامعة العربيّة. كان ذلك في صيف 2012، بُعيد لقاءٍ دوليّ صاغ بياناً يشار إليه اليوم بتوصيف «وثيقة جنيف 1» كمرجعيّة أساسيّة لحلّ سياسيّ في سوريا. وجاء اللقاءان بالضبط قبيل انتقال الأزمة من صراعٍ بين شعبٍ يبحث عن «حريّة وكرامة» وسلطة استبداديّة جائرة إلى صراعٍ مسلّح بين أبناء الشعب الواحد توسّع وتشعّب وانخرط فيه كثيرٌ من المقاتلين الأجانب.

وللتذكير، فقد أضحت «القاهرة» عنواناً لوثيقتين توافقيتين شكلتا أساساً ليس لرأب الصدع بين أطياف المعارضة فحسب، خاصّة تلك القائلة بضرورة التدخّل الأجنبيّ والأخرى التي ترفضه، وتلك المبنيّة على الإسلام السياسيّ والأخرى العلمانيّة، بل أيضاً مع بقيّة أطياف الشعب السوريّ التي بقيت خائفة من المآلات التي سيأخذ إليها الصراع سوريا وأبناءها. الوثيقة الأبرز تخصّ «عهداً وطنيّاً» تؤسّس مضامينه لدستورٍ جديد مبنيّ على الإنسان كغاية وعلى المساواة في المواطنة ووحدة الشعب وفصل الدين عن الدولة والحريّة واحترام الحقوق الفرديّة والجماعيّة، وعلى نظام حكمٍ لا استئثار بالسلطة فيه كقيم مرجعيّة جوهريّة لسوريا المستقبل.

في ذاكرة الكثير من السوريين، بقيت هاتان الوثيقتان، ومن خلفهما «القاهرة» كعنوان، أفضل ما قامت به المعارضة كأجسامٍ سياسيّة تبني نضالها على التوافق بدل الخلاف وتضع وحدة وسيادة واستقلال سوريا وشعبها فوق أيّ اعتبارات أخرى، برغم أنّ دولاً بعينها تدخّلت حينها لإفشال نهايات مؤتمر المعارضة عبر العودة لتنصيب أجسام سياسيّة بعينها أنّها الممثّل الوحيد للشعب السوريّ، وبرغم أنّ أجسام المعارضة الكبرى رفضت وقتها الإشارة إلى وثيقة «جنيف 1» التي تتبنّاها اليوم على أنّها المرجعيّة الوحيدة لحلّ سياسيّ.

تغيّرت أحوال البلاد كثيراً منذ صيف 2012. وفرض واقع الحرب تنظيمات مذهبيّة سياسيّة باتت هي الفاعلة في المجتمع المنكوب على الطرفين. وأقصيت غالبية أطياف المعارضة السياسيّة عن هذا الواقع، لأنّها اختارت أن تغطّي على هذه التنظيمات وتتجاهل نموّها وابتعادها عن أدنى مبادئ ما عملت عليه. وغدت تلك الأطياف مجرد واجهات تُخبئ كما السلطة الطبيعة الأساسيّة للصراع، أنّه صراعٌ بين دول إقليميّة على سوريا.

في السياق نفسه، أضحت «داعش» مشروعاً سياسياً بحدّ ذاته، وأصبحت «جبهة النصرة» و «أحرار الشام» و «حزب الله» و «لواء أبو الفضل العباس» عناصر أساسيّة فاعلة في الحرب القائمة. ولم تملك المعارضة السياسيّة أمام هذا التطوّر الجوهريّ سوى الخطاب عن أنّ «داعش» صنيعة السلطة وحليفتها، كما ردّدت السلطة أنّ المعارضة هي عبارة عن تكفيريّين فحسب. وبات الموقف البارز اليوم في الحرب الدائرة هي زيارة اللواء الإيرانيّ قاسم سليمانيّ من «الحرس الثوريّ» إلى سهل الغاب لطمأنة الطائفة العلويّة والمرشديين هناك. وكذلك ارتفعت على الناحية الأخرى خطابات قادة تركيا بأنّ «تحرير» حلب أو اللاذقيّة قادمٌ قريباً. فأيّ سوريا جديدة ستلد من انتصار هذا الطرف أو ذاك؟

والآن، تعود أجزاء من المعارضة السياسيّة لتجتمع في القاهرة من جديد، لكن في ظلّ تكرّس انقسامها ومخاطر تقسيم البلاد التي يتمّ التأسيس لها. لا بأس أن يتحاور السوريّون حول ما آلت إليه بلادهم، وأن يعيدوا إحياء ما يؤسّس لوحدتهم، في القاهرة وغيرها. ولكنّ المطلوب أكثر اليوم، هو ما يُمكن أن يحافظ على وحدة البلاد وسيادتها وعن الحياديّة في ما يخصّ الصراعات الإقليميّة والمذهبيّة.

السفير

 

 

 

 

من سيذبح المماليك في القاهرة؟/ محمد صبرا

تذكر كتب التاريخ أن حاكم مصر، محمد علي باشا، وافق على طلب الباب العالي لتسيير حملة إلى نجد، للقضاء على الحركة الوهابية، وهو، لهذه الغاية، أعد جيشاً على رأسه ابنه طوسون. وفي يوم وداع الجيش، دعا محمد علي إلى احتفال كبير في قلعة باب العزب في القاهرة، لباها جميع أعيان القاهرة ورجالاتها، ومنهم حوالى خمسمائة مملوك، جاؤوا بأبهى حللهم وزينتهم. انتهى الحفل، وسارت طلائع الجيش مغادرةً القلعة، لكن محمد علي كان قد أعد العدة لذبح جميع المماليك الذين حضروا الحفل، وفعلاً أغلقت أبواب القلعة، وبدأت عمليات القتل التي طالت المماليك الخمسمائة، ولم ينج منهم سوى واحد، استطاع الفرار من أسوار القلعة.

كان هذا الحدث في يوم 1 مارس/ آذار من عام 1811، أدرك محمد علي أن حاجة الدولة العثمانية له في القضاء على الحركة الوهابية ستجبرها على السكوت عن فعلته، وهو، بالتالي، ضمن حكم مصر بشكل فردي بلا منازع، وهذا ما تم له فعلاً.

التاريخ لا يعيد نفسه أبداً، وإن فعل فإنه يعيد نفسه بطريقة أكثر سخرية، وأكثر مرارة. تتشابه الظروف بين الماضي والحاضر، وإن اختلفت أطراف اللعبة وسببها، لكن الغاية واحدة، حاكم فرد أحد صمد، يدخل اللعبة الإقليمية لتثبيت عرشه، قافزاً فوق بحر من الدماء والأشلاء.

يدرك والي مصر الجديد أن حكم مصر لا يكون عبر تفاعلات الداخل المصري وموازين القوى فيه، بل عبر خارجٍ أصبح يمثل المحرك الأساسي للعبة السياسة الداخلية، فالوالي جاء عبر انقلاب مدعوم وممول ومرتب له من جهات إقليمية، وهذا بالضبط ما يجعله أكثر وثوقاً من أن بقاءه مرتبط بقدرته على أن يكون لاعباً لا يمكن الاستغناء عنه في اللعبة الإقليمية التي تدور رحاها الآن.

أدرك الوالي أن التغيير في أداء السياسة السعودية قد يحمل في طيّاته انتهاء دوره وعصره وكرسيه المسنود بمليارات “الرز”، فقد انتقلت السعودية من مرحلة الدبلوماسية الصامتة وتحريك الأدوات عن بعد إلى الفعل المباشر، وهي مجبرة في هذا السياق على إعادة صوغ تفاهمات كبرى مع قوى الإقليم، التي تشاركها همومها ومخاوفها، وهذا بالضبط سيقود حتماً للتفاهم مع المحور القطري التركي، والذي يعني، بشكل مباشر، إمكانية أن يكون حكم الوالي جزءاً من هذا التفاهم.

فما إن تنتهي السعودية من انشغالاتها في مصر، حتى يكون أمام أجندتها ترتيب الأوضاع في سورية، بما يتفق مع مصالحها الاستراتيجية والأمنية، وسيكون ترتيب الأوضاع في سورية ومصر وليبيا أساساً لبناء شبكة الأمان السعودية التي تسعى المملكة جاهدة إلى وضع أسسها العامة في هذه المرحلة.

ربط والي مصر مصير حكمه بمصير وديعة طهران في دمشق، من دون أن يدري أن الدعم الخفي والظاهر الذي يقدمه اليوم لبشار (وديعة طهران) سيجعل من الصدام المباشر مع السعودية أمراً لا مفر منه، وهو حاصل اليوم على المستوى الإعلامي، كما يعبر عنه إعلاميو دولة “عباس باشا” ملك التسريبات.

إن مناكفة السياسة التركية في سورية وإصرار والي مصر على تأمين مخرج لـ “وديعة طهران” سيقود حكماً إلى تثبيت النفوذ الإيراني في سورية، وبالتالي، في المنطقة، الأمر الذي بات أشبه بخط أحمر سعودي هذه المرة.

عمل والي مصر، منذ أكثر من عام، على إضعاف موقف جامعة الدول العربية من المسألة السورية، وهذا الأمر بات واضحاً لكل مراقب، فمواقف الجامعة، بعد كل المجازر والتضحيات والدماء التي قدمها السوريون، باتت أخفض سقفاً مما كانت عليه في بداية الثورة السورية. من هذا المنطلق، يعمل والي مصر على تصنيع معارضة في القاهرة، تقبل بنصف حل، وتوافق على بقاء “وديعة طهران في دمشق” عامين إضافيين، الأمر الذي سيتم في اجتماع القاهرة يوم الثامن من الشهر المقبل، حتى لو لم يتم الإعلان عن ذلك.

يهدف هذا المؤتمر، من وجهة نظر الوالي، إلى تحقيق مكاسب خاصة بالنسبة له، فهو، من ناحية، يريد مناكفة التوجه السعودي الجديد في المنطقة، بعد “عاصفة الحزم”. ومن ناحية أخرى، يريد لطهران أن تبقى قوية، لأن وجودها يعني إضعاف الدور السعودي الإقليمي. ومن ناحية ثالثة، يريد التشويش على إمكانية وجود تفاهم تركي سعودي قطري لحل القضية السورية، وهذا التفاهم لن يتم إلا بعد حسم مصير الوالي نفسه.

هذه الاعتبارات يمكن فهمها لأي حاكم جاء بقوة التأثير الإقليمي، وليس بناء على رغبة شعبية وشرعية، تستند إلى نظم قانونية ثابتة وغير متحركة، لكن ما لا يمكن فهمه هو الاعتبارات التي تقود هؤلاء “المعارضين لنظام مستبد” إلى الذهاب في خيارات الوالي المصري، التي تتعارض بوضوح مع أهداف الثورة السورية.

هذا الحماس من بعض الذين يسمون أنفسهم “معارضة وطنية ديمقراطية” للذهاب في خيار تدميري للقضية السورية، غايته الاصطفاف وراء محور معني بالحفاظ على دور إيران ونفوذها، بما يعني، حكماً، الاصطفاف خلف بشار الأسد، بعد كل الذي جرى في السنوات الماضية، وهذا يدل في الحد الأدنى (إن سلّمنا بصدق النيات) على جهل أولئك “المعارضين” بتفاصيل توازنات القوى ولعبة المحاور اليوم.

في الحالة السورية، تتلاقى محاولات بشار، باستخدام “داعش” المغضوض الطرف عنها أميركياً، ومحاولات والي مصر، باستخدام “معارضة مملوكية جديدة”، في هدف واحد، هو إضعاف الموقف السعودي في الإقليم، وهذا بالضرورة يؤمن فرصة لـ “وديعة طهران” بالبقاء.

ما أشبه اليوم بالبارحة، بين دعوة والي مصر محمد علي باشا المماليك لحضور احتفال تدشينه متصدياً للحركة الوهابية، وبين دعوة والي مصر ما تسمى “معارضة سورية”، لتدشين تصديه للسياسة السعودية الجديدة.

الفارق بين الحدثين هو كم السخرية والمرارة بينهما. في الأول، غدر الوالي محمد علي باشا بالمماليك، ومنحهم شرف الموت بحد سيفه. وفي الحالة الثانية، لن يمنح المماليك الجدد شرف الموت بسيف عدوهم، بل سيترك لهم فقط عار الانتحار بأيديهم، وهذا ما سيفعلونه.

العربي الجديد

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عن تصريحات أحمد طعمة/ حسين عبد العزيز

    لا يهدف هذا المقال للدفاع عن تصريحات رئيس وفد المعارضة السورية في أستانة، ...