الرئيسية / صفحات مميزة / ماذا تعني سوريا؟!

ماذا تعني سوريا؟!


ميشيل كيلو

هذا السؤال الغريب وغير المألوف كان يجب أن يناقش منذ عشرات السنين، أي منذ بدأ البعث يتحدث عن نظامه باعتباره سوريا. في المؤتمرات الصحافية التي يعقدها قادة الحزب والسلطة في سوريا، كما في الخطب التي يلقونها والتصريحات التي يدلون بها، ينسب كل ما هو جيد للبعث ونظامه، وتعتبر الانتقادات الموجهة إليهما انتقادا مرفوضا بالطبع لكل ما هو خير ونبيل في بلادنا. يحدث الشيء نفسه عندما يلحق أذى مادي أو معنوي بأحد من رجال السلطة والحزب، فيبادر النظام وإعلامه إلى اعتبار ما جرى موجها ضد سوريا وليس ضد الشخص المعني أو الجهة المقصودة، بينما يقال عن المشكلات والأزمات إنها ابنة الماضي الذي لم تنجح في التخلص منه بعد، وليست نتاج الحاضر، وإن بدت ظاهريا كذلك!

من المعلوم أن قادة النظم الشمولية يضفون طابعا شخصيا على أوطانهم، انطلاقا من فكرة مسبقة ترى أن هذه يعاد إنتاجها بطريقة صحيحة وتتفق مع هويتها الأصلية بفضلهم، والتي لم تقم قبلهم بسبب التباعد بين القادة والساسة السابقين وبين الوطن، وإذن، فإن وطنهم يستعيد من خلالهم حقيقته الأصلية، التي كانت ضائعة أو مضيعة قبلهم. من هنا، يحق للوطن أن يفخر بتماثله مع المستبد، كما يحق لهذا أن يعتبر نفسه الوطن أو القيمة العليا المتطابقة مع هويته الحقيقية. لا عجب أن قال حافظ الأسد في حديث مع المسرحي الراحل سعد الله ونوس: أنا أعتبر نفسي وطن السوريين، وأعتقد أن أي سوري يسمع نقدا موجها إلي سيدافع عني ضد ما يوجه إلي، باعتباري الرجل الذي يجسد وطنه. كما قال أحد كبار القادة السوريين ذات يوم: إن ما تتلقاه سوريا من معونات مالية خارجية يأتي إلى السيد الرئيس، الذي يحق له حجبها عن الشعب أو منحه جزءا منها. عندما اعترض أحد جلسائه على الفكرة، رد متسائلا بغضب: هل كانت هذه المعونات تمنح لسوريا قبل السيد الرئيس؟! ثم أجاب عن سؤاله دون انتظار رد محاوره: إنها تعطى إذن للسيد الرئيس وليس لسوريا. قال محدثي: إن المسؤول لفظ اسم الرئيس بإجلال وتعظيم، بينما نطق كلمة سوريا باحتقار وتهكم. من جانبه، كان الإعلام الرسمي يعتبر زيادات الرواتب والأجور «منحة أو منة» من «سيد الوطن» – لقب الرئيس شبه الرسمي – تؤكد رعايته للمواطن، بينما كان الوزراء يظهرون على شاشات التلفاز للتأكيد على أن الزيادات لم تكن ضرورية، لأن الشعب ينعم ببحبوحة ظاهرة، لكن السيد الرئيس، سيد الوطن ومجسده، لا يكف لحظة عن التفكير بأبنائه المواطنين، لأنه يحبهم أكثر مما يحبون أنفسهم، ويفكر فيهم أكثر مما يفكرون بذواتهم!

مرت مضاهاة سوريا مع النظام بطورين، بعد انقلاب عام 1963، الذي استولى عليه البعث:

– في الطور الأول اعتبر حزب البعث نفسه الجهة التي ستقيم وطنا يشبهها في سوريا سرعان ما سيصير قدوة للعرب جميعا، لذلك سيكون من حق الحزب إعادة إنتاج هؤلاء أيضا مهما كانت أقطارهم وأمصارهم. في هذا السياق، نشأ مفهوم الحزب القائد، الذي يتقدم التاريخ ولا همّ له غير أن يرتقي بالوطن كي يبلغ مستواه الخاص ويتماثل معه، فيقوم بينهما تطابق تام، ولا سيما أن الوطن ليس فقط أرض وشعب الدولة، بل هو قبل هذا وذاك مؤسسات تحدد كيفية وجود الشعب ووظيفة الأرض، أي هويتهما ودورهما. بما أن المؤسسات الصانعة للوطن ستقام انطلاقا من البعث، فإنه يجب أن تكون له بالضرورة أولوية مطلقة على أي شيء عداه، خاصة أنه هو الذي سيخرج الوطن من تأخره، وسيتيح له بلوغ مستوى نوعي لا يجارى، مماثل لمستواه الخاص كحزب ثوري/ طليعي، سيمكنه من أن يصير وطنا استعاد حقيقته الأصلية، التي كانت غائبة عنه بسبب غياب الحزب عن قيادته وسلطته، فلا عجب أن انقلب إلى وطن بعثي لا فكاك له عن البعث، وإلا فقد هويته ورسالته!

– في الطور الثاني نقلت هذه المهام إلى شخص بعينه، هو قائد انقلاب عام 1970 الرئيس الراحل حافظ الأسد، الذي تولى قيادة الحزب وناب عنه في قيادة سوريا، بحجة أنه شخص لا مثيل له، سبق زمنه إلى درجة تمكنه من جره وراءه نحو المجد والفرادة. بعد الحزب القائد، جاء «قائد المسيرة»، الذي سيتم انطلاقا منه إعادة إنتاج الوطن ليأتي على صورته ومثاله، وذلك بالتعاون مع البعث بعد تصحيح أوضاعه وجعله أداة تصلح لتأدية المهمة الجديدة وتستحق ثقة القائد. في هذا المنطق، تحول شخص القائد إلى جهة تضمر وطنية نقية ستصحح الوضع ما قبل الوطني الذي يعيشه الشعب، وستخرج الوطن من واقعه الزائف وترده إلى صفاء طبيعته الأصلية، وصولا إلى المواطن، الذي عليه التماهي مع قائده والذوبان فيه. وزاد من تعزيز هذا الاعتقاد الرسمي أن انقلاب الأسد أعقب هزيمة يونيو (حزيران)، التي بررها الحزب بفكرة تقول: إن النظام أهم من الوطن، فالوطن إن ضاع يمكن استعادته كليا أو جزئيا، أما النظام فلا يمكن تعويضه أو استعادته إن سقط، لذلك يجب إعطاء الأولوية في نظرة وطنية صحيحة إلى الحزب والنظام، اللذين يعد عدم سقوطهما انتصارا للوطن، رغم خسارته محافظة الجولان مع ما تتمتع به من ثروات مائية وزراعية كبيرة، وأهميتها الاستراتيجية بالنسبة إلى سوريا.

واليوم، وشعب سوريا يصرخ بصوت واحد: «حرية»، و«الشعب يريد إسقاط النظام»، فإن هذا يرى في موقف الشعب مطالبة بإسقاط الوطن، ويعلن بكل صراحة أن سقوطه يعني نهاية سوريا ودولتها، وإلا لما كان اعتبر حراكه السلمي مؤامرة على الوطن لا بد من قمعها بالقوة دفاعا عنه، وبالتالي دفاعا عن الرئيس، مجسد النظام وحامله، فإن سقط هو سقط الوطن معه، كما يقول الإعلام السوري يوميا بألف لسان، ويعلن من يصدقونه أنهم على استعداد لإحراق سوريا من أجل الرئيس، لأنها ليست بدونه وطنا لهم، في حين يمكن انطلاقا منه إعادة إنتاجها كوطن، بمعنى أنه لن يبقى وطنا إن لم يكن «هو» بالذات، ودون جميع خلق الله، رئيسه!

في العمق، تدور المعركة الراهنة في سوريا بين فكرتين: واحدة ترى في الرئيس الوطن وفي الوطن الرئيس.. بينما ترى الأخرى، المعارضة، أنه النفي التام للوطن، الذي لن يعود إلى الظهور وليس هناك من سبيل إلى استعادته من جديد بغير سقوط الرئيس.. أي بغير تحرير الوطن منه!

أدلج النظام الوطن وجعله بعثيا. واليوم، يفك الحراك المجتمعي هذه الرابطة الزائفة ويعيد إلى الوطن وجهه المجتمعي، الوطني والشعبي، الذي يعيده من جديد وطنا لجميع أبنائه، على عكس ما هو اليوم: وطن قلة متحكمة تنهبه وتدمر حياة مواطنيه، الذين فقدوا حريتهم وتحولوا إلى عبيد وأجراء أغراب في وطن تغرب بدوره عنهم، صار استرداده حتميا من أجل امتلاك فسحة مفتوحة تزدهر في ربوعها الحرية والعدالة والمساواة، والخروج منه كسجن عالي الجدران محكم الحراسة مغلق النوافذ والأبواب، يتمرد نزيله المظلوم، شعب سوريا، عليه، ويفضل الموت على البقاء فيه!

الشرق الأوسط

تعليق واحد

  1. مقالة رائعة ومعبرة حيث مرحلتنا الراهنة هذه تتطلب مثل هذه المقالات ,ربما تكون مألوفة ومعروفة لدى النخب لكنها ليست كذلك بالنسبة للعامة , لأن النظام اغتصب واستولى على الوطن ومؤسساته لأكثر من أربعة عقود ,وزرع في أذهان العامة , أنه هو الوطن والوطن يتجسد فيه ,وذلك منذ اللحظة التي يرتاد فيها التلميذ مدرسته وترديده اليومي لشعارات النظام لغاية تخرجه وربط لقمة عيشه بمدى موالاته للنظام وأجهزته الأمنية …….! وأعتقد أن هذا ما يفسر ذلك الكم البشري( الفقير والفقير جدا ) بوقوفه الى جانب النظام في هذه الثورة المباركة .
    لذلك نحتاج لمن يقول ويكتب للعامة : إن الأنظمة زائلة والشعوب هي الباقية وهي المالكة لأوطانها.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هل هي معركة أم بداية الحرب الايرانية الاسرائيلية – مجموعة مقالات –

  سورية تتلقى الضربات وإيران تحصد الغنائم/ برهان غليون بعد أسبوعٍ عاصفٍ في السماء السورية، ...