الرئيسية / كتاب الانتفاضة / أحمد نظير الأتاسي / ماذا يحدث في سوريا اليوم؟

ماذا يحدث في سوريا اليوم؟

 


د. أحمد نظير الأتاسي

هذا سؤال يقض مضاجع كل السوريين هذه الايام، لا بل وجيرانهم من كل الجهات، القريب منهم والبعيد. إن ما يجري الآن في سوريا صفعة لوجه كل الأعراف الدولية التي تقوم عليها الدولة الحديثة، وأعني مفاهيم القانون والمؤسسات والمواطنة واحترام حقوق الإنسان. وبغض النظر عن الميل إلى طرف المعارضة أم الموالاة، وهي بحد ذاتها تصنيفات لاوزن لها فيما أقول هنا، فإن غياب القانون المتمثل بالتشريعات والسيرورات القانونية، وغياب مؤسسات الدولة مثل مجلس الشعب والشرطة والقضاء المستقل، وغياب المواطنة باعتبارها الهوية العليا والجامعة لأبناء الشعب الممثل بالدولة والضامنة لحقوقهم بالتساوي بينهم، وغياب الحد الأدنى من احترام حقوق الإنسان كحق الحياة وحق المأكل والمشرب وحق التعبير عن الرأي، كلها تُخرج سوريا من عداد الدول الحديثة وتُدخلها في عداد ممالك العصور الوسطى؛ حيث تُختزل الدولة ومؤسساتها بشخص الملك الحاكم المالك لكل شيء وبأسرته وحاشيته، وتُختزل القوانين بأهوائه وأوامره ونواهيه، وتُختزل المواطنة بمفهوم الرعية التي لا حقوق لها بل عليها واجبات لا تعد ولا تحصى وأولها واجب الطاعة والصبر والقبول بالقدر الإلهي الذي سلط عليها حاكمها الطاغية ليعاقبها على خطاياها الماضية والحاضرة والمستقبلة.

في الحقيقة، إن سوريا الآن تعيش حالة حرب أهلية غير معلنة، حرب أهلية طرف واحد فيها فقط يمتلك السلاح، حرب أهلية لا يتراشق فيها الناس طلقات النار أو ضربات العصي فقط بل يتراشقون الإتهامات وإنكار الحقوق والحريات وخواطر الحقد والكراهية ونظرات الشك والريبة. هذه الحالة غير المستقرة قد تدوم طويلاً، ولا أحد يعرف عن أي تحول ستتمخض وأي منعرج ستأخذ. إن سوريا كالمرجل الذي وصل حد الغليان وتعداه لكنه لا يغلي، أو كماء البحيرة التي انخفضت حرارتها تحت حد التجمد لكنها لم تتجمد. وفي الحالتين فإن حدثاً عشوائياً صغيراً سينقلنا إلى الغليان التام أو التجمد التام الشامل الذي سيقضي على ما تعارفنا على تسميته بسوريا.

قد يهم أن نعرف من أوصلنا إلى هذه المرحلة لو كنا أمام محكمة، لكننا لسنا في حضرة قاض. والمأساة هي أن القاضي الذي يُفترض أن يكون على الحياد ليفصل بين الفرقاء ويحكم بينهم بالعدل هو طرف من أطراف الخصومة، وأعني الدولة. وحين تتحول الدولة إلى طرف من أطراف النزاع فإنها تفقد شرعيتها وسبب وجودها. وحين تتوقف الدولة عن كونها حاضنة العقد الإجتماعي بين أفراد المجتمع والقائمة عليه، وحاضنة العقد السياسي بين مؤسساتها من جهة وأفراد المجتمع  أو بعضهم من جهة أخرى والقائمة عليه، فإن العروة الوثقى التي تكونت الأمة حولها ستنحل لتتطاير مكوناتها شظايا في جميع الإتجاهات.

لقد نجح نظام الأسد على ما يبدو في إقناع شريحة واسعة من المجتمع السوري بأن البلد منقسمة على نفسها إلى قسمين، قسم هو الدولة وأنصارها، وقسم هو مجموعة تُتهم بالقتل والتخريب وحرمان الآخرين من حياة الأمن والإستقرار بسبب تعنتهم في المطالبة بحقوق واهية لا معنى لها، على حد زعم القسم الأول. إن قدرة النظام على احتواء المظاهرات وحصرها ضمن الأحياء والبلدات التي بدأت فيها ومن ثم تفريقها بوسائل شتى لا يدل على ذكاء أجهزته أو براعتهم فيما تدربوا عليه، وإنما على قدرته على تجنيد عشرات الآلاف من المواطنين لخنق ما يظنون أنه خطر محدق بهم وبأسرهم وبمعتقداتهم وثقافتهم وأسلوب حياتهم. ولا يهم إذا كان هؤلاء المسلحون بالعصي أو الرشاشات الذين يفرقون التظاهرات جنوداً أو مدنيين يرتدون زي الجنود، لأن النتيجة واحدة وهي أن النظام قد حول بضع مئات من الآلاف من المواطنين إلى جنود يتسلطون على إخوتهم في المواطنة بالجبروت الذي وهبتهم إياه الدولة نفسها، وأعني وسائل العنف المتنوعة التي نراها كل ساعة وكل يوم معروضة أمامنا بتنوعاتها وتجسداتها التي لا حصر لها. عندما تتحول نسبة معتبرة من الشعب إلى أدوات قمع مسلطة على رقاب بقية الشعب فإن الدولة كمؤسسات تنتفي وتتحول إلى فئة من الفئات أو قبيلة من القبائل المتصارعة. وحتى التحليل الطبقي الماركسي لا ينطبق على هذه الدولة لأنها لم تعد بنية فوقية مؤسساتية أو أيديولوجية غير مشخصنة، لأنها تقمصت أفرادها وعمّالها أو هم تقمصوها. بالمختصر المفيد حربنا الأهلية التي نتكلم عنها هي حرب غير متكافئة بين قبيلة الدولة وقبيلة المعارضة.

وهذا يعني أن بطاقة الهوية وجواز السفر اللذان منحتنا إياهما الدولة لم يعودا دليلين على المواطنة بل أصبحاً وسماً وسمت به الدولة قطيع ماشيتها ليُعرفوا به على أنهم ملكها ولتميزهم عن أملاك غيرها ولتفرز عنهم وبسرعة ودقة فائقتين الشخص المطلوب لتعتقله. بطاقة الهوية الجديدة التي تحمل صورة الفرد وإسمه وعنوانه ومحل قيده ورقمه القومي ليست وثيقة لمنع فرد من انتحال شخصية آخر بل هي وثيقة أمنية بامتياز تمكّن الدولة من متابعة أشخاص معينين والقبض عليهم. المعلومات المنحوتة على هذه الوثيقة ليست ملكاً لحاملها، بل هي ملك للدولة إذ تسمح لها  بتمييز حامل الوثيقة عن ألوف مؤلفة من الرعايا الذين حُشرت معلوماتهم في بنك هائل للمعلومات وأودعت في جوف حاسوب ضخم. ألم نلاحظ هوس أجهزة الأمن بتصوير المتظاهرين؟ ألم يكن المصورون أول الواصلين إلى أماكن التظاهر مع عناصر المخابرات؟ هذه الصور تُجزء إلى صور فردية لوجوه المتظاهرين وتُلقم لبرنامج يقارنها بصور كل المواطنين المخزنة في ذاكرة الحاسوب الآنف الذكر. وعندما يظفر البرنامج بنسبة مُطابقة مقبولة بين الصورة الملتقطة وصورة مخزَّنة يعتبر أنه قد وضع إصبعه على الشخص المطلوب فيسحب من دهاليز ذاكرته الهائلة الرقم القومي لهذا الشخص ومن ثم كل المعلومات المتعلقة به مما يسهل القبض عليه. الحجاج الثقفي وسم إسم القرية على أيدي الفلاحين غير المسلمين في سواد العراق حتى لا يهربوا من سداد خراجها. والنازيون وسموا مساجينهم بأرقام تدل على هويتهم حالما يتم الرجوع إلى سجلات السجون وذلك حتى لا يتمكنوا من الهروب لأنهم سيُعرفون أينما ذهبوا. بطاقة الهوية هي ما يُوقفنا حاجز التفتيش من أجله فلديه قائمة باسماء المطلوبين، أو ليمنع غير سكان الحي من دخوله. بطاقة الهوية هي نفسها الوثيقة التي أحرقها غاندي عندما كان محامياً مقيماً في جنوب إفريقيا (بين عامي 1906-1908) ومناضلاً من أجل المواطنة الكاملة للهنود والآسيويين هناك أسوةً بغيرهم من مواطني الإمبراطورية البريطانية. هذه الهوية كانت رمز التفرقة والدمغة الفارقة بين المواطنين والرعايا، بين مواطني الدرجة الأولى ورعايا الدرجة العاشرة. وقريباً سيأتي يوم يقرر فيه السوريون المغيَّبة حقوقهم أن يحرقوا رمز تفرقتهم وعبوديتهم حتى لا يستطيع مجند أخرق على حاجز أن يفرق بين هذا وذاك ويؤهّل ويسهّل بهذا ويقبض على ذاك.

وللأسف فإن الإستعمار الإستيطاني هو أيضاً مثال على بلد منقسمة إلى قبيلتين، قبيلة الدولة والموالين لها وقبيلة الرعايا المعارضة. لأن الدولة الإستيطانية لا تقوم على نخبة عسكرية حاكمة وجيش من المرتزقة كما في أغلب الدكتاتوريات (وخاصة ديكتاتوريات أمريكا الجنوبية)، بل تقوم على تجييش شريحة كاملة من المجتمع من أجل السيطرة على بقية المجتمع والإبقاء على الإمتيازات والحقوق التي تميزهم عن تلك البقية. ولهذا يتحول المستوطنون إلى جنود مرتزقة فيما يُوصف بأنها لجان حماية للمستوطنات كما كانت الحال في جنوب إفريقيا أو في الجزائر إبان الحكم الفرنسي أوفي الضفة الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية. إن تجييش المدنيين تحت مسمى اللجان الشعبية لا يعدو كونه نوعاً من الإستعمار الإستيطاني الذي يتذرع بحماية الممتلكات أو الدفاع عن منجزات الثورة أو حماية البلد من المندسين المتخفين. إن الدولة العاجزة عن إضفاء الشرعية على وجودها تتماهى مع قبيلة مؤيديها لتفرض وجودها من خلالهم بقوة السلاح على قبيلة المعارضين الذين تجرّؤوا على مساءلتها عن الإجحاف والتمييز اللذين تمارسهما ضدها. وعندما يقول أفراد قبيلة الدولة بأنهم يدافعون عن “سوريتهم” (أي سوريا البلد الذي نسبوه إليهم) وأن أفراد قبيلة المعارضة ليسوا إلا خونة لا يمكن التعامل معهم إلا بمنطق السلاح، فإننا أما حالة من انعدام القانون والضوابط التي تقول ببراءة الإنسان حتى تثبت إدانته والتي تقول بفردية الجريمة وأن وازرة لا تحمل وزر أخرى مهما كان الأمر. إننا أما حالة استحوذت فيها فئة على “سوريا” البلد المشترك ونسبته إليها وطردت منهم الآخرين المعارضين بتهمة أنه لا يحق لهم الحلم بسوريا أخرى مغايرة يتعايش فيها الجميع. لقد سمعت هذا الكلام من المستوطنين الفرنسيين في الجزائر ومن المستوطنين الصهاينة في الضفة الغربية ومن العنصريين الفرنسيين تجاه المهاجرين من الجيل الأول وإلى الجيل الرابع. ولا أزعم هنا أن الإنقسام الحاصل في المجتمع السوري طائفي بحت بل هو انقسام على عدة محاور بعضها طائفي وبعضها إقتصادي وبعضها طبقي وبعضها إجتماعي ثقافي. فكلتا الفئتين المنقسمتين فيها ممثلون عن كافة أطياف المجتمع السوري.

سمعنا كثيراً عن الطرق الحضارية التي عجز المتظاهرون المطالبون بحريتهم ومساواتهم بأبناء بلدهم ذوي الإمتيازات. التعبير عن الرأي حق لكن له ضوابط، هكذا يقولون، والتظاهر حتى في البلدان المتحضرة، يتابعون، تحكمه تصاريح وقوانين تحمي الممتلكات العامة والخاصة من تخريب العناصر الفاسدة المندسة بين المتظاهرين. وإن عجِزَ المتظاهرون عن ضبط هذه العناصر تحولوا مباشرة إلى شركاء للمندسين المخربين في جريمتهم فاستحقوا العقاب الجماعي الذي تكيله أجهزة الأمن عليهم من إطلاق نار عشوائي واعتقالات وضرب بالهراوات والعصي الكهربائية وركل ولكم وشتائم يندى لها الجبين. سأتغاضى عن الألم الشديد الذي يسببه مثل هذا المنطق في محاكمة الحالة القائمة في سوريا الآن، وسأتعامل معه ببرود منطق القانون المتعارف عليه في كثير من الدول، والتي يحلو للمبررين للنظام أفعاله أن يقارنوا بين قانون تنظيم التظاهر الذي أصدره بشار الأسد وبين قوانين مماثلة في تلك الدول، المتحضرة على زعمهم. إن ثقافة الدستور المنظم لتعايش المجتمع وعلاقته بدولته الحاكمة تكاد تكون معدومة في مثل هذا المنطق الذي ألمحت إليه. فعندما يقول الدستور بأن حرية الرأي مكفولة وينظم ممارستَها القانونُ، فإن المقصود هو أن الدولة لا تستطيع من خلال القانون إلا في حالات خطيرة وقليلة أن تمنع المواطنين من ممارسة حقهم بالتعبير عن رأيهم. لا يستطيع القانون أن ينقض معنى الدستور ومقصده، لأن الدستور أعلى. فتصريح التظاهر الذي قد يفرضه القانون ليس إلا إخطاراً للجهات المسؤولة بوجود تظاهرة حتى يتسنى لهذه الجهات تأمين حريات المواطنين الآخرين الذين قرروا أن لا يشتركوا في التظاهرة. ولا يمكن للدولة في أي حال من الأحوال أن ترفض طلب التظاهر وإلا نقضت حق التعبير الذي قضى به الدستور. الدستور هو الأساس، والقانون لا يعلو عليه. الرفض المعلل الذي تكلم عنه قانون تنظيم التظاهر ليس مقبولاً إلا في حالات نادرة لا تستطيع فيها الدولة حماية أملاك المواطنين وحقوقهم. وفي حال الرفض يجب أن يستطيع طالب التصريح أن يلجأ إلى القضاء للطعن في رفض الجهاز التنفيذي لممارسة حق كفله الدستور. لا يمكن للجهة المانحة للتصريح أن تبني رفضها منحه بناءاً على تكهن باحتمال وجود عناصر مشاغبة. وفي حال وجود مثل هذه العناصر فإن من واجب أجهزة الأمن أن تعزلها سلمياً أو أن تطلب المساعدة من المتظاهرين الذين هم أساساً مسالمون ومستعدون للتعاون مع أجهزة الأمن القائمة على حمايتهم. لكن ما يحصل في سوريا هو أن أجهزة الأمن لا تصرح أولاً عن هويتها بارتدائها زياً مميزاً هي معروفة به، وهي ثانياً تطلق النار عشوائياً على المتظاهرين بحجة وجود عناصر مشاغبة وتعتبر الضحايا من المسالمين “خسائر جانية” لا يمكن تفاديها. التفريق بحجة تفادي الشغب ليس إلا ضرباً من سد الذرائع، تلك القاعدة التشريعية التي تستخدم عادة لكم الأفواه وحجب الحريات بذريعة تفادي أضرار مستقبلية محتملة الوقوع. والقتل العشوائي بحجة أن المشاغبين يندسون بين المتظاهرين ويستخدمونهم كدروع بشرية هو بعينه المنطق الذي تستخدمه قوات الإحتلال الأمريكية في العراق وأفغانستان، أو قوات الإحتلال الإسرائيلية في غزة عند قصفها لمبان يزعمون أن فيها إرهابيين. هذه المعاملة المتوحشة للمتظاهرين السلميين ليست إلا عقاباً جماعياً غرضه ردعُهم عن ممارسة حقهم بالتظاهروالتنكيلُ بهم حتى يكونوا عبرة لآخرين قد يفكرون بممارسة هذا الحق. وأقول إن خروج الناس في سوريا للمطالبة بحريتهم وحقوقهم وبسيادة القانون وبالمساواة أمامه ليس تظاهراً بالمعنى القانوني لأن القانون الذي يحميه ويضبطه ملغى والدستور الذي يشرعه ملغى أيضاً، وليس هناك إلا مراسيم القائد الملك ونخبته العسكرية التي تمر فوق وتتجاوز الجهاز التشريعي، أي مجلس الشعب. فبأي قانون تحاكمون هؤلاء العزل؟

إن الكلام عن “طرق حضارية” للتظاهر ليس إلا ذريعة لإيقاف التظاهر بأية وسيلة ممكنة وشرعنة لهذه الوسائل اعتماداً على القانون الجائر (وليس الدستور) تارة واعتماداً على مفهوم “الحضارية” العنصري تارة أخرى. ألم يكن المستعمرون ينعتوننا بالمتوحشين وغير المتحضرين؟ ألم يبنوا نظام الإنتداب الذي عانت منه سوريا لربع قرن على مزاعم كهذه؟ ألم تقسم عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى العالم إلى مناطق متفاوتة في درجة تحضرها لتبرر تسلط الغرب عليها وبدرجات متفاوتة لتعلمها “معنى وكيفية “الحضارة والتحضر”؟ وانطلاقاً من هذه السوابق التاريخية بنيتُ مقارنتي بين حال سوريا اليوم وحال الدول المستعمَرة. إن أساس الديمقراطية على زعم التنويريين الأوروبيين هو العقد الإجتماعي، وهو عقد يعني أول ما يعني قبول الأفراد المقرّين به بالتعايش السلمي فيما بينهم لأن تعايشهم يضمن تكافلهم وتكاملهم المطلوب لتأمين كل احتياجاتهم في ظل توزع الأعمال وتخصصها. هذا التعايش يحتاج إلى قواعد تضبطه فتنشأ الدولة التي تُناط بها مهمة تشريع هذه القوانين والعمل على تطبيقها. فإن رأت فئة من المجموع أن حقوقها قد هُضمت وأن فئة أخرى قد تسلطت عليها وحرمتها من المساواة التي قام عليها العقد أساساً، وأرادت أن تُسمع الدولة والفئة الأخرى رأيَها، كان من واجب الدولة والفئات الأخرى أن تسمع وتعي، لأن هذا هو التكافل والتكامل اللذان ينص عليهما العقد الإجتماعي. فعندما يقول البعض، بحجة المحافظة على أمنهم واستقرارهم، بأن من واجب المتظاهرين أن لا يرفعوا أصواتهم وأن لا يعرقلوا السير ولا يتجمعوا بأعداد كبيرة ولا يستفزوا الدولة وأجهزتها الأمنية بمجرد خروجهم إلى الشوارع وأن لا يتظاهروا كل يوم وأن يحصروا تظاهرهم في أحيائهم وأن يخففوا مطالبهم حتى لا تتأذى الدولة بسماعها وتئن تحت وطأة ثقلها، إنهم عندما يقولون هذا فإنهم ينقضون العقد الذي يجمعهم مع هؤلاء المتظاهرين. فيوم تنقلب الأدوار ويخرج المتذمرون اليوم مطالبين بحقوقهم سيُجابهون بذات المزاعم وذات المنطق. هذا يعني أن أجزاء المجتمع لا تريد التكافل ولا التكامل وترفض العيش المشترك. وعندما يشجع الموالون للدولة القمعية أجهزتها الأمنية على تفريق المتظاهرين بشتى الوسائل (دون النظر في قانونيتها أو دستوريتها)، ويستمدون شرعية القمع من تعاليهم على المتظاهرين في المرتبة و”التحضر”، وعندما يشترك الموالون أنفسهم في منع المتظاهرين من المسير في “أحيائهم” فإنهم يقولون بعالي الصوت “هذه الأرض لي وتلك لك، وهذا القانون لي وذلك لك، وهذا همك لا يهمني، وهذا صراخك لا يعنيني ولا يثير شفقتي أو تعاطفي، وهذه شرعيتي أعلى من شرعيتك تلك، وهذه ثقافتي أكثر تحضراَ من ثقافتك الغوغائية المتوحشة تلك”. عندها ينفرط عقد الجماعة ويصبح الفصل الجغرافي والمؤسساتي واقعاً، هذا إن لم يكن ضرورياً. ولذلك قلتُ في البداية، إن سوريا تمر بحرب أهلية غير معلنة.

ونهاية أقول وأعتقد بأني أتحدث باسم المتظاهرين: أيها السيد بشار الأسد لستَ رئيسنا فقد فقدتَ شرعيتك بكسرك سيادة الدستور الذي يجمعنا وبإراقة دمائنا التي حرمتها كل الأديان والشرائع. يا مجلس الشعب، أنت لا تمثلنا. ويا أجهزة الأمن أنتم جيش المستعمِرين الذي يقمعنا، ويا أيها الموالون المنخرطون في ممارسة القمع والعنف ضدنا بالتعاون مع الأجهزة الأمنية أو المشجعون لممارساتها المتمثلة في العقاب الجماعي والقتل العشوائي والتجويع والتعطيش والترويع لستم أهلنا. لقد انحل العقد الإجتماعي بيننا وأصبحنا مستعمَرين وأصبحتم المستعمِرين المتسلطين على رقابنا. وإننا ورغم كل القتل والتنكيل الذي لحق بنا نرغب في الحوار والعودة إلى حالة التعايش وإقامة العقد الإجتماعي بيننا شرط أن يتوقف القتل ويتوقف الإعتقال وتعود سيادة القانون تحت سلطة قضاء مستقل يُحق الحقوق ويعطيها لأصحابها مهما كانوا ومهما كان غرماؤهم. وعندها نتوقف عن التظاهر والمطالبة بحقوقنا ونجلس على طاولة الحوار الوطني لنعيد بناء العقد الإجتماعي من جديد ولنبني دولةً لا تتماهى مع أية فئة منا بل تبقى كمؤسسات غير مشخصنة وظيفتُها حماية حقوق الجميع ومصالحهم وتكون حَكَماً حيادياً مستقلاً بين أي متخاصمين منا تحكم بينهم بالعدل. ونعيد ونكرر بأننا لم نحمل السلاح قط ولن نحمله أبداً في وجوهكم ولن نسعى إلى الثأر منكم إو إخضاعكم لما تخضوعوننا له، لكن نريد بيننا وبينكم قضاءاً مستقلاً يرد إلى كل ذي حق حقه ويقتص من المعتدي على حياة الآخرين قصاصاً عادلاً يقبل به الجميع.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...