صفحات الثقافة

أقليات وبواخر/ عبده وازن

 

 

طمأنت فرنسا، بصفتها بوابة الغرب «المسيحي»، الاقليات العراقية، السريانية والكلدانية والآشورية وسواها، في شأن مصيرها، وأعلنت ما يشبه الرغبة في نقل أبناء هذه الأقليات الى ديارها الرحبة. لعل فرنسا في رغبتها هذه، تقترح على الأقليات، أن تساعدها في اقتلاع جذورها ونسيان ماضيها الحضاري والديني العريق وهجر أرضها وأديم وجودها. لكنّ هذه الرغبة في ترحيل مسيحيي العراق وإنقاذهم من الأخطار التي تتهددهم في أوج صعود المد «الداعشي»، لم تلق ترحاباً في الاوساط المعنية بقضايا الاقليات ولا في الصحافة. وعدم الرضا هذا كان متوقعاً، فترحيل المسيحيين العراقيين يعني نفيهم على غرار الشعوب التي كانت تُطرد من أرضها، قديماً وحديثاً.

النية الفرنسية لا يمكن إلا أن تكون صادقة وعفوية وناجمة عن رد فعل إنساني إزاء مأساة هؤلاء العراقيين، لا سيما بعدما ارتفعت الاصوات مطالبةً بحمايتهم والحفاظ على كيانهم ومنددةً بما يواجهون، من اعمال تهجير قسري وتفرقة دينية وإثنية، وتشريد وقتل وإذلال. ولعلها من المرات النادرة التي يتحرك الغرب حيال إحدى مآسي مسيحيي الشرق، بعدما غضّ النظر طويلاً عن أزماتهم ومنها أزمة المسيحيين في فلسطين والقدس التي «تُهوّد».

كنا خلال الاعوام الاولى من الحرب اللبنانية (1975) نسمع كلاماً عن بواخر سوف تيمّم الشاطئ اللبناني لتقلّ المسيحيين الى كندا وأوستراليا وسواهما، وتنقذهم من مأساتهم التي سببتها لهم «أقلويّتهم». وأذكر أننا في فتوتنا التي قصفتها المعارك، كنا ننظر الى البحر حالمين بهجرة الى البعيد، هرباً من الخوف واليأس واللاطمأنينة. لكنّ الحرب طالت وزال الخوف على المسيحيين بعدما أتقنوا المشاركة في اللعبة الدموية مثلهم مثل سائر الاطراف، وتلاشت فكرة البواخر… ولعل الباخرة التي تذكرها اجيال الحرب هي الباخرة اليونانية التي أقلّت مقاتلي حركة فتح غداة الاجتياح الاسرائيلي الآثم الذي بلغ بيروت عام 1982 ودمر معالم منها كثيرة.

تذكرت البواخر التي انتظرناها ولم تأت، عندما قرأت في الصحف الفرنسية اخيراً خبراً عن مشروع ترحيل الاقليات العراقية الذي اعلنت باريس رغبتها في المضي به، إذا توافرت له شروط أو ظروف. وكانت شاعت في الإعلام الغربي مقولة «شعب البواخر» الواضحة جداً.

تُرى، هل يمكن إخلاء العراق من اقليات تنتمي الى تاريخه القديم، الى حضارة بلاد ما بين النهرين التي تعاقبت على أرضها أديان وفلسفات وعلوم؟ هل يمكن اقتلاع هذه الاقليات التي طالما شكّلت خصائص أرض آشور وبابل وسواهما، هذه الارض التي أنبتت اجمل القصص والحكايات والأساطير والملاحم والأناشيد؟ أليس عراق العصور الاسلامية المجيدة هو أيضاً عراق هذه الاقليات الدينية والإثنية التي لم تشهد مرة طوال تاريخها ما تشهده اليوم من اضطهاد بلغ ذروته مع «داعش»؟ إذاً «داعش» أمامكم… والبواخر وراءكم. إنها سخرية القدر. أن يرتبط مصير الأقليات بين أمام ووراء، بين مصيرين أفضلهما هو أسوأ الأسوء.

لا يمكن ان يقوم العراق من دون أقلياته. مثلُه مثلُ لبنان الذي لا يقوم بلا طوائفه التي تتجاوز العشر. مثلُ سورية. مثلُ سائر البلدان التي تصنع الاقليات خصائصها الحضارية والثقافية والدينية. الاقليات لا يمكنها إلا ان تكون وطنية. لا يمكن نفي الاقليات داخل ارضها وفي صميم أوطانها. لا يمكن نفيها الى الخارج أيضاً. إنها قلب الداخل. من حق الاقلية ان تكون اقلية كما من حق الاكثرية ان تكون اكثرية. إنهما واحد. في المواطنة وفي الحقوق. في الكينونة وفي الحرية. في المساواة. الاقلية هي اقلية في نظر الاكثرية. والعكس صحيح أيضاً. المشكلة غالباً لا تكون في الاقليات. المشكلة تكمن دوماً خارجها. إلا إذا حلّت الاقلية محل الاكثرية، واستبدت استبداد الاكثرية عندما تستبد، وكانت ظالمة بل أشد ظلماً من الاكثرية. حينذاك لا تكون الاقلية أقلية، حضارياً وثقافياً ودينياً. آنذاك تفقد الاقلية شروط الاقلية.

يقول سيغموند فرويد في كتابه «مستقبل وهم» إنّ الحضارة هي أمر ما مفروض على أكثرية مكابرة عبر أقلية عرفت كيف تمتلك وسائل القوة والتصحيح. هذه مقولة تصف خير وصف، القدرة التي تملكها الاقلية عندما تعي نفسها. وعربياً لا بد من العودة الى المفكر السوري برهان غليون في كتابه القيّم «المسألة الطائفية ومشكلة الاقليات». هنا يمتدح غليون التعددية المذهبية والإثنية واصفاً إياها بالثروة الروحية والفكرية، ومحذراً مما يسميه «الفتنة النائمة». وفي نظره أن النزاعات الطائفية لا تنجم عن حال التعددية الدينية، بل عن غياب دولة المواطنة المتساوية التي تتجاوز الروابط الدينية والإثنية مرسخةً الرابطة الوطنية.

«داعش» أمامكم… والبواخر وراءكم. إنها حال الأقليات العراقية اليوم. مَن كان يتصور أن تُهدَّد الاقليات العراقية مثلما تُهدد اليوم؟ الاقتلاع أو الموت. الرحيل او السقوط في جحيم الظلاميين.

الحياة

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى