الرئيسية / صفحات الحوار / مالك جندلي: الدكتاتورية لوّثت سورية بصريا وسمعيا وثقافيا

مالك جندلي: الدكتاتورية لوّثت سورية بصريا وسمعيا وثقافيا


الجمهور تفاعل وكثيرون بكوا في حفله الأخير بلندن

لندن ‘القدس العربي’ من حسام الدين محمد: سحر الموسيقار السوري مالك جندلي جمهوره في ليلة مليئة بالعاطفة والمشاعر مخصصة للتضامن مع سورية.

جندلي الذي عرف بكونه من أوائل الفنانين السوريين الذين أعلنوا موقفا واضحا لصالح الثورة السورية، وكان ردّ اجهزة أمن النظام سريعا حيث قامت بتكميم وشد وثاق والديه العجوزين وضربهما ضربا مبرحاً في حادثة شهيرة، خاطب الجمهور بموسيقاه وبمشاعره وكما بكلماته المؤثرة واقتراحاته التي خلقت تفاعلا انسانيا عميقا بين الحاضرين.

استهلّ العرض بفيلم قصير من اعداد الموسيقار وقد خلط فيه بين موسيقاه وبين احداث البطش التي يتعرض لها الفن والناس في سوريا.

وبدأ مالك جندلي حفله بالتظاهر بالعزف لمدة ثلاثة دقائق و44 ثانية قائلا بعدها ان هذه المقطوعة تشبه صمت الصامتين على ما يجري من أعمال وحشية فظيعة في سورية.

قدّم جندلي خلال الحفل مقطوعات من عمل موسيقي متكامل عنوانه ‘ايميسا’ (الاسم القديم لحمص مسقط رأس جندلي) وتألف من 10 قطع موسيقية أشجت الجمهور وأبكته وأفرحته، ففي القطع التي قدمها جندلي حضرت اثار التراجيديا الانسانية الهائلة الجارية في سورية دون أن تنسى معذبي العالم، وخصوصا فلسطين التي خصص لها الموسيقار مقطوعة عنوانها ‘يافا’ تحدث قبلها عن العلاقة التي تجمع بين الاضطهاد الذي يتعرض له الفلسطينيون وذاك الذي يتعرض له اخوتهم السوريون، وقال اننا اسرانا وقتلانا وجرحانا في سورية يذكروننا باسرى وجرحى وقتلى فلسطين.

قبيل عزفه مقطوعته ‘اصداء من اوغاريت’ أخرج جندلي نسخة من منحوتة قديمة عمرها خمسة آلاف عام وعليها أقدم نوتة موسيقية في العالم، وهي مقطوعة لامرأة تصلّي لله ليرزقها بأطفال. تعليقاً على هذه المنحوتة قال جندلي ان من صنعوا التدوين الموسيقي الأول والابجدية الأولى في اوغاريت كانوا اناساً احراراً ولذلك استطاعوا تقديم منجزاتهم للبشرية، على عكس السوريين الخاضعين حاليا لدكتاتورية مرعبة.

التميمة الأخرى التي يحتفظ بها جندلي والذي أراها للحضور كانت نصف ‘شحاطة’ لفتاة سورية فقدت أهلها وانتقلت مع النازحين السوريين الى احد مخيمات اللجوء في تركيا، وكانت تلك مناسبة حفز خلالها الموسيقار جمهوره للتبرع لهؤلاء النازحين ولإثبات وحدة السوريين لانجاز حريتهم، وجمع بعدها الاطفال الحاضرين حيث عزفت احداهن معزوفة للجمهور، وعلّق جندلي على ذلك قائلا: ان بين هؤلاء الأطفال من سيكون رئيس او رئيسة سورية المقبل.

وعلّق جندلي على الحدث السوري قائلاً ان الخيار هو بين هؤلاء الاطفال والدكتاتور قاتل الأطفال الذين بلغ عددهم حتى الآن اكثر من 1220 طفل، واعتبر ان استهداف السلطات السورية للأطفال منذ بداية الثورة مقصود منه قتل المستقبل.

قبل الحفل كنت قد التقيت جندلي وتبادلت معه هذا الحديث السريع:

انت من مواليد المانيا وقد انتقلت الى حمص بعمر ست سنوات. كيف كان تأثير هذا الانتقال الكبير عليك كطفل؟

كان تأثير ذلك كبيرا وكان الانتقال صعبا كثيرا. حاولت ان ادرس موسيقى بحمص ولم يكن هناك مدرسة موسيقية لكن اهلي وجدوا استاذ موسيقى علمني قراءة النوتة الموسيقية. كان هناك مدرسة موسيقية في دمشق العاصمة فكنت اسافر الى دمشق لدرس البيانو للمرحلة الجامعية وبعد ذلك حصلت على منحة دراسة نقلتني الى امريكا لاتابع دراستي واعمل دراسات عليا واستقر في المهجر.

كيف انعكست عليك العودة الى سورية وانت طفل؟

أحسست بتغيير جذري بالمناخ والمنهاج التدريسي والاصدقاء والاحترام: شتان ما بين معاملة المدرس الالماني وبين المعلم الدكتاتور الذي يتعامل مع طلابه بالضرب والشتائم. في سورية أهم مادة ندرسها هي مادة النفاق وكل سوري مضطر ان يكون منافقا. منذ تلك المرحلة الابتدائية وحتى المرحلة الجامعية يجهز النظام مواطنيه على الكذب بدءا من شعار بالروح والدم نفديك يا حافظ ومرورا بكل تفاصيل الدراسة، وحين تعود في الساعة الثانية والنصف الى منزلك وتواجه أهلك الذين يرفضون نظام الاسد ويرفضون القمع وعليك ان تتعايش مع هذين الحالين.

كان افراد العائلة يقولون عكس ما نسمعه في المدارس وانت كطفل تضطر ان تتعايش مع هذا الوضع المؤلم كي تحافظ على بقائك فعليك ان ترضي الاهل من جهة وعليك ان تتفوق في المدرسة من جهة اخرى. انت مضطر بشكل او باخر الى الكذب والنفاق على اهلك وعلى مدرستك وبهذا انشأ النظام اجيال من المنافقين الذين انعدمت عندهم الاخلاق فالكذب هو الجريمة الأولى التي تجر الى كل انواع الجرائم. بسبب الكذب انعدم الشعور الانساني وكذلك الشعور بالوطنية لأن الحكام ربطوا اسم البلد الجميل سورية بكنية عائلة الاسد فصارت سورية الاسد مما أفرغ الوطن من معناه.

والدك كان طبيبا وقد علمت انه أخذك في طفولتك الى حماه بعد المجزرة التي تعرضت لها، كيف حصل ذلك؟

أخذنا والدي كي نشهد على هذه الجريمة وكي تنطبع بذاكرتنا علما انه لم يجرؤ على اخبارنا بالحقيقة. لم يقل لنا من ارتكب هذه الجريمة لانك يمكن ان تعتقل او تقتل او تختطف. نتيجة كل ذلك كان لدي بداخلي رفض للبلد بشكل غير شعوري وصار لدى اغلب السوريين حالة من عدم الانتماء. تخيل ان تربط الولايات المتحدة ببوش او باراك اوباما. هذا شيء غير معقول لا اخلاقيا ولا وطنيا ولا دينيا ولا بأي منطق ان تكون دولة مربوطة باسم شخص. هذا ولد اجيالا من السوريين لا يشعرون بالحس الوطني الحقيقي لذلك لم يكن السوريون يتفاخرون بوطنهم او بعلمهم على عكس الشعوب الاخرى.

كيف برأيك أثر النظام السوري على الثقافة في سورية؟

كانت خطة النظام الدكتاتوري من البداية تخريب الانسان السوري وما يستتبع ذلك من تدمير للغة وتدمير للتاريخ وتشويه للحقائق التاريخية كي يزال كل شيء كان سابقا على مرحلة الأسد. حتى في كتب التاريخ لم نتعلم ما حصل في سورية من ثورات وانقلابات كنا نسمع اخبارا متفرقة من جدي وعمتي ووالدتي وفجأة ينخفض الصوت كأننا نحكي قصصا غير واقعية. الذي حصل في سورية هو تلوث بصري وتلوث سمعي وتدهور ثقافي عام. وذلك ادى باختصار الى ان مستوى الادراك لدينا صار دون مستوى المطروح. خذ مثلا القران الكريم الذي هو كتاب الحب والسلام والانسجام فيخرج واحد باسم كلام الله يفجر نفسه لأن الادراك يتجاوز مستوى الفهم، وهذا الأمر ينطبق على كل مجالات الحياة بما فيها الموسيقى التي تعبر الاغاني السطحية والمبتذلة مثل اغاني هيفاء وهبي عنه. هل يمكن ان نذكر مؤلفا موسيقيا عربيا الف سيمفونية مقارنة بالغرب؟ سبب كل ذلك هو هذه الانظمة الدكتاتورية التي تمنع الحريات وحقوق الانسان وحتى حقوق الحيوان وتكافئ المنافق وترقيه الى مستوى وزير ثقافة وتحترم المجرم وتؤله الدكتاتور في قلب وتخريب هائل للمفاهيم بحيث يصير الكذب من مكارم الاخلاق ويصبح الصدق سذاجة او بلاهة. طريقة النظام منعت الانسان من التفوق الاخلاقي والابداعي وتطلبت من المواطن ان يكون ‘حربوقا’.

كيف برأيك ثار السوريون اذن؟

نحن السوريين الاحرار الذين ذقنا طعم الحرية لم يعد بامكاننا ان نتكيف مع التلوث الاخلاقي والبصري والسمعي الموجود ليس في سورية وحدها فحسب بل في كل العالم العربي. هذه الثورة التي هي اقرب الأشياء الى المعجزة لأن من صنعها هو نفسه الجيل بعث وجيل شعارات ‘بالروح والدم’. الجيل لم يعرف رئيسا سوى الاسد. هذا الجيل قام بمعجزة وقرر انه يريد الحرية وانه لا يريد لا نظاما سياسيا جديدا ولا نهضة اقتصادية ولا زيادة في المعاشات بل يريد حريته. النظام السياسي والحركات السياسية استهانت بمفهوم الحرية واذ بهذا المفهوم ينبع ويتفجر في كافة المدن السورية وقراها وشوارعها وبين اطفالها وطلابها ونسائها وفلاحيها. تفجرت الحرية في عقول وقلوب هذا الشعب وعندما ذاق الانسان السوري طعم الحرية عشقها لدرجة الموت. الطفل السوري حمزة وهاجر أحبّا الحرية لدرجة الموت فصار الناس تهتف الموت او الحرية. كنا نقول بلغتنا العربية: احبك حتى الموت ونحن لم نعن ذلك ابدا. كان ذلك كذب. الشعب السوري يعي ويؤمن بحريته لدرجة الموت والنظام لا يستوعب هذا. هؤلاء مقاتلو الحرية. انا اتمتع بحريتي. لقد كنت في مظاهرة قرب سفارة النظام في لندن وكانت الشرطة البريطانية تحميني. هذه الحرية المكفولة بالقوانين في بريطانيا لم تأت مجانا بل دفع البريطانيون ثمنا باهظا لها، ونحن ايضا يجب ان ندفع ثمنا لنتمتع بحريتنا.

لماذا برأيك استهدف النظام الاطفال بشكل كبير؟

هذه استراتيجية سياسية. عندما تقتل طفلا فانك لا تقتل شخصا شهيرا لذلك يفترض النظام ان جريمة قتلها ستبقى محصورة بالعائلة، وليس كما يفعل عندما يهاجم شخصا مثل علي فرزات، والهدف الثاني هو ارهاب اهالي الطفلة، والثالث يقول فيه النظام انه يقتل المستقبل ويعني انه سيجهض الثورة ويلغي في الآن نفسه اي احتمال لثورة اخرى بعد 30عاما. يجب ان نركز على مسألة قتل الأطفال لانهم ابرياء غير مسلحين وليس لديهم نهج سياسي ولا طائفي هذه جريمة انسانية كبيرة. وهذا سبب من اسباب استخدامي الاطفال في سمفونية القاشوش حيث اعطي الاطفال الالات الموسيقية كي يعبروا عن مشاعرهم وعن احاسيسهم.

كيف استقبلت حدث الثورة؟

في آذار /مارس العام الماضي كان لدي عرضين في دار الاوبرا المصرية في دمنهور والقاهرة وقد تأجلا بسبب الثورة المصرية فزرت اهلي في سورية. كانت بداية شرارات الثورة في اول اسبوع من مارس انا غادرت سورية 8 اذار وكنت قد شهدت اول مظاهرة في ساحة المرجة على بعد خطوات من السفارة الليبية وشاهدت حافلات الشبيحة وانتشار قوات حفظ النظام والامن وغادرت البلد لأتفاجأ باجرام النظام بقتل اطفال درعا وبثورة سلمية راقية لم نشهد مثلها في التاريخ الحديث. كان تاثير هذه اللحظات التاريخية عظيما في احساسي بانسانيتي وبوطنيتي. لقد ايقظت الثورة الشعور الوطني وايقظت الانسانية وايقظت الحانا سورية كامنة. هذه الاحداث التاريخية تؤدي الى ردات فعل وتجاوب تاريخي كفنان وكانسان. الثورة كسرت مشاعر الشك وعدم الثقة بين افراد الشعب السوري وبذلك ارجعت المعادلة الى حقيقتها: كان طبول النظام من الفنانين هم المحترمون وكان القاشوش والساروت غير محترمين فانقلب الامر. حصل بذلك تغيير جذري

بالمعادلة وهذه هو معنى الثورة الحقيقي.

كيف اثرت الثورة على شغلك الفني؟

البومي الذي صدر قبل الثورة كان عنوانه ‘اصداء من اوغاريت’ وهو يتحدث عن دور السوريين عندما كانوا احرارا في العالم. لم يكن لديهم دكتاتور طاغية فابتكروا الابجدية والتدوين الموسيقي. احمل دائما نسخة من أقدم نوتة موسيقية في التاريخ وقد اكتشفت في اوغاريت. هذا التدوين حصل قبل ظهور عيسى وموسى وفيثاغورث. لقد ابتكرنا التدوين الموسيقي وابتكرنا اللغة الابجدية في اوغاريت بسبب وجود الحرية. لا فن حقيقيا بدون الحرية. السوريون عاشوا عقودا بدون حرية مما انتج خرابا هائلا. اريد ابراز الوجه الحضاري لسورية عندما كان السوريون احرارا ويبتكرون. عندما بدأت الثورة انتجت اغنية ‘وطني انا’ ولم اذكر فيها سورية لأن رسالتي انسانية لكل البشر لكنني اخصها لبلدي واهلي ومدينتي حمص. عندما شهدنا اللحظات التاريخية لابراهيم القاشوش وقطع حنجرته وقتله كان من واجبي الانساني كفنان سوري ان استمر برسالة الفنان الحقيقي السوري حيث اكملت ما فعله واستخدمت مقطوعته الموسيقية ‘يلا ارحل يا بشار’ وضمنتها في سيمفونية ترتقي الى مستوى الثورة. وهنا اقول ان الشعب السوري في الخارج لم يرتق الى مستوى الثورة في الداخل. الشعب السوري بوجوده يؤلف عمليا سمفونية بالوان مختلفة والحان مختلفة على ايقاع واحد على ايقاع الحرية والكرامة الانسانية والمذاهب والطوائف. بعد ذلك أنجزت عمل ‘اميسا’ وهو الاسم القديم لحمص الذي اعطت 5 حكام امبراطوريين لروما، وعندما جاء الفرعون رمسيس بعتاده وجنوده لشن الحرب على سورية قال له الشعب السوري في حمص لا نريد حربا وكانت نتيجة ذلك ظهور اول معاهدة سلام في تاريخ البشرية وذلك بعد معركة قاديش عام 1200 على نفس النهر الذي عثر فيه على ابراهيم القاشوش مقتولا. نحن نتكلم في الماضي لان لدينا طغيانا ودكتاتوريات ولكن عندما تكون حقوق السوري محفوظة فانه يبتكر مثل ستيف جوب ابن السوري الحمصي عبد الفتاح جندلي الذي ابتكر الكومبيوتر كما ابتكر اجداده الابجدية. معادلتي بسيطة سورية الحرة الجميلة تساوي الشعب السوري ناقص الدكتاتور. هذه هي سورية الحرة معادلة بسيطة جدا وقد بدأت تتحقق. مثالي على انتصار الثورة السورية هو ان كل شيء مختوم بختم الاسد دار الاسد ومكتبة الاسد ومشفى الاسد ولكنه مؤخرا غير النظام دار الاسد للثقافة والفنون باسم دار اوبرا دمشق. لقد ايقن النظام ان الشعب السوري لم يعد قابلا ان يورث للاسد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف عيساوي: “فايسبوك” منبري لتقصي الإلحاد

    حاوره: وليد بركسية “هذه المقابلة ستجعل أي تلفزيون يرفض العمل معي في المستقبل”. ...