الرئيسية / صفحات الكتب / مراجعات كتب / مانغويل يتلصّص على الآخر بتفاصيله/ مايا الحاج

مانغويل يتلصّص على الآخر بتفاصيله/ مايا الحاج

 

 

حين تُطالع كتابات ألبرتو مانغويل تتّقد داخلك رغبة شبقة في القراءة. يتولّد لديك فجأة حلم بأن تُكمل حياتك داخل مكتبةٍ تنعزل فيها لتُشرَّع أمامك أبواب عريضة على العالم الواسع. ليست المكتبة تيمةً ثابتة عند مانغويل الكاتب، وليست صورته المسيطرة بمعناها النفسي فقط، ولا تقتصر على كونها قرينه، بالمعنى الأدبي للكلمة. بل تكاد تكون امتداداً له، وقد غدت فعلاً جزءاً من جسده لفرط التصاقه بها. فمن النادر الوقوع على صورة لا يكون فيها الكاتب الأرجنتيني- الكندي غارقاً وسط كتبه في مكان تشعر دائماً بأنه جنّة من ورق. مانغويل هو القارئ الأصيل الذي صار كاتباً بالصدفة، أو ربما بالضرورة. أراد أن يقضي أيامه قارئاً، لأنّ الحياة أقصر من أن يقرأ فيها كلّ الكتب الجميلة. جمع الكتب، بلغات عدة، حتى امتلك أكبر المكتبات الشخصية في العالم. شيّدها في قصر فرنسي قديم بالقرب من مدينة «بواتييه»، غرب فرنسا.

ولكن، حين قرّر صاحب «عودة» أن يكتب، لم يكن إلا بدافع الاعتراف بجميل بورخيس (عمل لديه مانغويل الشاب قارئاً بعدما صار كفيفاً) وكتّاب آخرين ساهموا في بناء عالمه الخاص، العالم الأجمل من الواقع. فقدّم «تاريخ القراءة»، «مع بورخيس»، «المكتبة في الليل»، «يوميات القراءة»، «فن القراءة»، إضافة إلى «عاشق مولع بالتفاصيل» و «مدينة الكلمات» اللذين صدرا حديثاً عن دار الساقي بترجمة عربية أنجزها يزن الحاج.

الكائن المتلصّص

في الكتاب الأوّل «عاشق مولع بالتفاصيل»، يبتعد مانغويل (1948) عن عالم الكتب (ولو شكلاً) ليغوص في فنّ الفوتوغرافيا أو التصوير. يتسلّل الكاتب تحت جلد أناتول فازانبيان ليصيره. يكتب بيوغرافيا رجل (من أصل أرمني) عاش في بواتييه الفرنسية بين الحربين العالميتين، عمل في حمّام عمومي، فشكلّت مهنته تصريفاً لهوسه في «التلصّص» ومراقبة التفاصيل. يحدّق في الشيء فلا يراه بكلّيته. تأسره الأجزاء الصغيرة فيه، فتغدو النظرة أشبه بفعل تفكيكي يمنح كلّ جزئية دقيقة أهميةً ويُضفي عليها كينونة خاصة.

كان أناتول يتعامل مع زبائن الحمّام من خلف حاجزٍ ذي كوّة صغيرة لا تتيح له سوى رؤية الأيادي التي تدفع النقود أو تأخذ منه المنشفة والصابون، فراح يراقب أشكال الأصابع، بقفازات أو بدونها، نحيلة أو ثخينة، ناعمة أو مبقعة، ويترك لمخيلته رسم ملامح صاحبها وعمره وجنسه.

نظراته تمارس نوعاً من كيمياء الربط والفكّ، فكأنّه «يتحدّى العالم المتماسك»، على ما يقول مانغويل. «فعل الاكتشاف عنده أيضاً يركز على جزئيات معينة، غالباً ما تكون شذرة عشوائية من كل غامض». وجاء لقاؤه مع مسيو كوساكابي، الياباني العجوز (صاحب مكتبة في بواتييه) ليُشكّل انعطافاً كبيراً في حياته، إذ استدلّ على موهبة الشاب بالتقاط التفاصيل فعرّفه على فنّ التصوير الذي يؤبّد اللحظة العابرة ويعظّم التفصيل الدقيق. «الفارق بين التصوير الفوتوغرافي والنظر هو أنّ فعل الأول يدوم إلى الأبد، فيما يحدث فعل الآخر في شذرةٍ زمنية لا تُشبع حواسي الشرهة على الإطلاق». (مقتبس من أحد دفاتر أناتول التي استند اليها مانغويل في كتابة هذه البيوغرافيا عنه).

مع الكاميرا، درّب أناتول نفسه على رؤية العالم في أجزائه ذات المغزى وبلغ ولعه بالتفاصيل أشدّه حينما وقع في حبّ شخص لم يرَ منه سوى استدارة عجيزته أثناء الاستحمام، فراح يلاحقه من دون أن يعرف، والأصحّ من دون أن يرغب في معرفة ما إذا كان الجزء الذي أحبّه لرجل أو امرأة، لشاب أو عجوز. ولمّا وصل إلى بيته، استخدم مسكتي الباب كدعامتين وقف عليهما لمراقبة الحبيب وهو يتجول في منزله، وعندما دخل غرفة النوم وبدأ بخلع ملابسه ضغط على زر الفلاش، صرخ الحبيب (لم يُذكر جنسه) فوقع أناتول وراح يلاحقه أهالي الحيّ إلى أن وصل بيته وأخرج كلّ الصور التي التقطها، عشوائياً، من فتحة قفل الباب في الحمام العمومي (شحمات أذن، أكتاف، كعوب، حلمات، شفاه، أصابع قدم…)، وراح يتأملها ويحتضنها قبل أن تقع الشمعة على غطاء السرير القطني ويشتعل المنزل بالصور والسجادة والكلب وأناتول. ولم ينجُ من ذاك الحريق سوى الدفاتر التي وصلت في ما بعد إلى مانغويل وشكلت مادة روايته القصيرة- أو النوفيلا الجميلة «عاشق مولع بالتفاصيل»- وأربعين صورة عُرضت في غاليري «لويز ميشيل» في بواتييه.

وقد يكون اهتمام مانغويل بهذه الشخصية نابعاً من اهتمامه بمدينة بواتييه، المدينة السرية التي لا تتجلّى بكليتها أمام زائرها، بل تراها تنكشف، طبقةً تلوَ أخرى، وجهاً تلو آخر، كي تُدهشنا بلا توقف. من هنا، يمكن قراءة حياة أناتول (مغامرة نصف خيالية- نصف حقيقية) كاستعارة لتاريخ المدينة التي سكنها مانغويل منذ العام 2001، وشيّد في أحد قصورها القديمة مكتبته العملاقة، قبل أن يُقرر مطلع هذا العام الانتقال الى نيويورك هرباً من «تعسّف» الإدارة الفرنسية و «بيروقراطيتها»، كما وصفها، جرّاء ملاحقته بتهمة التهرّب من الضرائب، وهو ما كان ينكره دوماً.

حبّ الآخر

وفي كتاب «مدينة الكلمات»، وهو عبارة عن سلسلة محاضرات ألقاها مانغويل عام 2007 في تورنتو، يطرح الكاتب أسئلة كبيرة تؤرق راهننا بالعودة إلى قصص دون كيشوت وملحمة غلغامش وأليس في بلاد العجائب وقصة النبي أيوب وأفلام السينما، ويُقدّمها كأنها سجلّ عن أنفسنا وعن الآخر. فيُقدّم متوازيات مهمة بين الحقائق الفردية والسياسية للعالم الراهن، وتلك التي تعود لأزمان غابرة أو لأساطير وحكايات من الميثولوجيا القديمة.

ففي وقت نعيش أزمة فهم الآخر وتقبّله (حروب، نزاعات، تعصّب، تطرّف، قتل، اعتقال، هجرة)، يأخذنا مانغويل إلى ألواح غلغامش ليُعرّفنا إلى معنى جديد للآخر. فالحاكم القوي والضخم والوسيم احتاج إلى وجود نظيرٍ له كي يُصبح عادلاً، الصفة التي يحتاجها كي يصير مثالياً. يذهب إلى أوروك، يلتقي برجل قوي آخر يُدعى إنكيدو، يتصارع الرجلان ثم يتعانقان ويتوحدان. يغدو الآخر ضرورياً لتمكين وجود واحدهما. ومن هذه القصة، تتكرّس فكرة الآخر بكونه «رهيباً ومفيداً في آن». وبدلاً من «أبلسة» الآخر، يقترح مانغويل العودة إلى كتب التاريخ والسير وأدب الرحلات لفهم ضرورة الآخر. فيقول في هذا السياق: «يمكن قراءة الأدب بكونه توصيفاً مستمراً لوقائع انكشاف معارضة أخرى والتصريح بها، بما أن خلق هوية جديدة يستلزم تحديد إقصاء جديد من هذه الهوية. كلّ غلغامش أهليّ يستلزم وجود إنكيدو الدخيل (الإكزوتيكي)» (ص 52).

ويرى مانغويل أنّ الوظائف البشرية بمعظمها فردية، فلا نحتاج إلى الآخرين كي نمشي ونأكل وننام ونتنفس، لكننا نحتاج اليهم كي نتحدث معهم وكي يعكسوا لنا ما قلناه». ويتكئ في هذا الرأي ما يقوله دوبلن إنّ «اللغة صيغة من حبّ الآخرين».

وكم نتوق في زمن تتحكّم فيه أقليات متعصبة إلى رؤية الآخر بعيني مانغويل ودوبلن، وكلّ أولئك المتنورين ممن يحلمون بهوية متعددة تجمع الأنا والآخر بغية صنع عالم يتلوّن بنا وباختلافاتنا.

الحياة

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

7 + 3 =

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة حوارات مختارة مع روائيات وروائيين/ هاشم شفيق

      ليس ثمة من شغف أخاذ في الحياة الروائية، وفي عالم المُتخيَّل، أكثر ...