الرئيسية / صفحات مميزة / ماهو مصير “بشار الأسد” مقالات وتحليلات مختارة

ماهو مصير “بشار الأسد” مقالات وتحليلات مختارة

بشار الأسد في مقاولته الاقتصادية/ عمر قدور

في حديثه إلى وكالتي الأنباء الروسيتين «سبوتنيك» و«ريانوفوستي»، المنشور نهاية آذار (مارس)، يعلن بشار الأسد كالعادة أنه باقٍ في السلطة، ولو أتى ذلك بأن يقرر سلفاً الشكل الذي ستتخذه عملية إعادة الإعمار. وهو يكشف للمرة الأولى، إذا كان الرقم قريباً من الواقع، حجم الخسائر في البنية التحتية مشيراً إلى مئتي بليون دولار، من دون احتساب حجم الخسائر الكلية المتضمن الملكيات الخاصة في الصناعة والزراعة والسكن. يتوجه بشار إلى روسيا وإيران والصين، بوصفها الدول المعنية بالتمسك به، ويحدد بأنها التي ستحصل على مقاولات الإعمار، وبالطبع يحسم بأن أي مواطن سوري سيفضّل الدول الثلاث بسبب موقفها السياسي المنحاز للنظام. وكي لا يبقى أمر التمويل غامضاً، يشير إلى حصول شركات تلك الدول على قروض من حكوماتها لتنفذ المشاريع الكبرى الموعودة، وتلك طريقة غير مباشرة لإعلان إفلاس خزينة النظام وعدم توقع الحصول على إيرادات مستقبلية ذات قيمة، ولعل هذا الإعلان الثابت الوحيد ضمن الحديث.

فحوى ما يطرحه بشار يعني خصخصة البنية التحتية والمرافق العامة الأساسية إلى أجل طويل، إذ من المعلوم أن العقود التي تُموّل من جانب الشركات المنفِّذة تستوفي الأخيرة قيمتها مع أرباحها عبر استثمار طويل الأجل. عبء هذه العملية يقع عادة على الطبقتين المتوسطة والفقيرة، بسبب الارتفاع الكبير في أسعار الخدمات الأساسية مع الحرمان من الدعم الحكومي المرافق لها، والفجوة الحادة لن تكون فقط في الانتقال من الخدمات المملوكة كلياً للقطاع العام، وإنما لكون تلك الخدمات خاضعة لمفهوم الرعاية الاجتماعية في غالبية الدول، بما فيها دول رأسمالية عتيدة.

ضمن تصور بشار لبقائه، لن تكون هناك مساعدات دولية أو صندوق دولي لإعادة الإعمار، فهو يدرك استنكاف الدول القادرة مادياً عن المساعدة في حال بقائه. هو يدرك أيضاً أن الدول الثلاث الحليفة لن تُبقي على دعمها الحالي إلى ما لا نهاية، وأن وضع روسيا وإيران «بصفتهما الأكثر انخراطاً في حربه» لا يساعد في تقديم منح إضافية، بل يراهن على أن تدفع بهما أزمتاهما الاقتصاديتان إلى تأمين فرص استثمار لشركاتهما وعمالهما في سورية.

إذاً، يقدّم بشار نفسه كشريك اقتصادي يملك مقايضة مجزية للحلفاء، وفي الإطار العام لحديثه يضع القاعدتين العسكريتين الروسيتين في إطار توازن القوى العالمي، لا حماية نظامه، أي يضع نفسه في مرتبة الشريك في منظومة القوى الدولية، فضلاً عن الرسالة التي يرسلها للغرب بوصفه شريكاً في مكافحة الإرهاب. على ذلك، يوحي بأنه جاهز للانضواء في لعبة المصالح الاقتصادية والأمنية الكبرى، مدركاً أن مصالح غالبية السوريين لا اعتبار لها في الميزان، مثلما لا اعتبار لديه حتى لمصالح فقراء مؤيديه الذين سيُفاجأون بثمن السلم مثلما ابتلعوا ثمن الحرب.

يصادف مع حديث بشار الأخير أن تهبط الليرة السورية تحت حاجز الـ500 مقابل الدولار، ما أوقع صدمة كبيرة في الداخل السوري، وما يعني تدني النسبة الأكبر من الأجور بحيث لا تزيد قيمة الأجر عن 50 دولاراً. نظرياً، استمر النظام في دفع رواتب موظفيه طوال السنوات الخمس الأخيرة، لكن القيمة الفعلية لما يدفعه انخفضت أخيراً إلى العُشر، وكأنه تخلى عملياً عن 90 في المئة من موظفيه. تمويل العجز بالتضخم ليس جديداً على النظام، وليس جديداً أيضاً تمويله بسحب الدعم عن سلع أو خدمات أساسية. على العكس، لا يخفي نظام بشار أن القيمة الحالية للّيرة السورية أعلى من قيمتها فيما لو تُرك تحديدها للعوامل الاقتصادية، أي أنه يقدّم نفسه ضامناً لعدم حصول انهيارات درامية في سعر الصرف.

الخبر المؤسف للشريحة الأوسع من السوريين أن الانهيار قادم، وأن خطة إعادة الإعمار التي يطرحها بشار في حديثه تعني عدم القدرة على الوفاء بأي دور اجتماعي أثناء مرحلة إعادة الإعمار. بطبيعة الحال، ستشهد تلك المرحلة معدلاً مرتفعاً نظرياً من النمو، وستشهد طلباً كبيراً جداً على العملات الأجنبية، مع الحد من الاحتكار الحكومي لها، ما سيؤدي إلى هبوط حاد في سعر الليرة وقدرتها الشرائية. معدل النمو سيكون مرتفعاً في قطاع الخدمات، مع نقص حاد في إنتاجية قطاعات أساسية أخرى كالصناعة والزراعة، ومن يعرف الإتاوات التي كان يفرضها النظام على الاستثمارات الصناعية يدرك استحالة عودتها في ظله، على رغم كل ما يُشاع عن مشاركة قديمة بين الطرفين.

بنية النظام القمعية سمحت له بالتكيف بسهولة مع اقتصاد الحرب، فالمؤشرات الحالية كافة تكاد تخلو من المعنى الاقتصادي المعتاد، والمساعدات التي أُشيع حصول النظام عليها من إيران لا تفسّر عدم الانهيار التام مع توقف عجلة الإنتاج، بخاصة مع توقف الموارد النفطية منذ منتصف 2012. القيود المشددة التي وضعها النظام على تداول العملات الأجنبية، والانخفاض الحاد في حجم المستوردات، إضافة إلى الحجم المرتفع لتحـــــويلات السوريين من الخارج نتيجة الوضع المعــيشي المتدهور في الداخل، عوامل ساعدت في التغطية على المأزق الاقتصادي حتى الآن، لكنها عموماً مرتبطة بوضع الحرب. يُضاف إليها على نحو مؤثر وجود ثلثي البلاد خارج السيطرة، ما يعني عدم مـــسؤولية النـظام عن تقديم الخدمات لتلك المناطق.

بناء على ما سبق، لا ينسى بشار التنويه إلى أن حربه على «الإرهاب» ستستغرق وقتاً طويلاً. الأحرى أنه في حاجة لاستمرار الحرب لأنها تغطي عدم القدرة على النهوض بمسؤوليات السلم، على فرض تحقق السيطرة العسكرية. إثر مواجهة الأسد الأب مع «الإخوان» مطلع الثمانينات، حدث انهيار اقتصادي مشابه، وفقدت الليرة حوالى 80 في المئة من قيمتها، على رغم عدم تضرر المنشآت الاقتصادية حينها، واقتصار التدمير والإبادة على مدينة حماة. وإذا كان الابن يطمح إلى الخروج من المواجهة كما خرج الأب فهذا مستحيل اقتصادياً، مثلما هو شبه مستحيل سياسياً.

في حسابات بشار أنه نجح عندما أقر بعجزه عن السيطرة إلا على المواقع الحيوية له، فأتى التدخل الروسي إثر إعلانه ذاك. الآن يتمنى أن ينجح إعلان الإفلاس الاقتصادي في إبقائه كمعتمد لشركات الحلفاء. بالمجمل، يستلهم الرجل المرحلة الكولونيالية بطبعتيها المباشرة وغير المباشرة، لكن بالسطحية والابتذال الشائعين في أدبيات الممانعة.

الحياة

 

 

 

حفرة الأسد/ وليد شقير

يتأرجح بشار الأسد وصحبه بين إيران وبين روسيا. ينام على اطمئنان إلى أن موسكو لن تتخلى عنه، لأن «الشعب السوري يقرر مصيره»، ثم يستفيق على أنباء عن أن الروس يناقشون مسألة إزاحته من السلطة، تارة مع الأميركيين وأخرى مع السعوديين وثالثة مع الفرنسيين.

يطرب لسماع جون كيري يقول إن لا بد من الإفادة من نظامه لمحاربة «داعش» والإرهاب، فيبدي استعداداً للتعاون مع واشنطن في مكافحة الإرهاب، ثم تنتكس معنوياته عندما يقول الأميركيون باستحالة بدء العملية الانتقالية وفق القرار الدولي 2254 وبيان جنيف في ظل وجود الأسد.

يرفض التوافق الأميركي الروسي على تقديمه التنازلات حتى تنطلق العملية السياسية، منتشياً بالنجاحات التي حققتها الجيوش والميليشيات التابعة له وللإيرانيين بفضل الطيران الروسي، فيطلب «المزيد من الانتصارات»، لكنه ينتكس ويتراجع إزاء الإعلان الروسي سحب جزء من القوات من سورية، لأن موسكو لا تنوي خوض الحرب على كل أراضي بلاد الشام، ولأنها خطوة تهدف من بين أهداف عدة، إلى إفهامه أن لا مجال لكسر التوافق الدولي، فيتأزم نفسياً ومعه الحلقة الضيقة المحيطة به، ويعود للارتياب بما ينويه القيصر. ثم يسترجع خياره الأول بأن الدعم الإيراني له هو البديل الفعلي الذي يتغنى به المحيطون به، وبأنه يعوض عن أي تخلّ روسي محتمل نتيجة صفقة ما مع الأميركيين. وبين الخيارين، لا يتردد الرجل المنفصل عن الواقع منذ بداية الأزمة في بلاده والذي قاده انفصاله هذا إلى تدميرها وجعلها ملعباً للصراع الإقليمي والدولي، في التواصل عبر موسكو وغيرها، مع الإسرائيليين، لعلهم يفيدونه في إزاحة كابوس الارتياب.

يتوهم أن استرجاع قواته و «حزب الله» والطيران والقوات الخاصة الروسيين، مدينة تدمر من «داعش» سيعيد تشريع وجوده في الحكم، وينقله إلى التحالف الدولي لمحاربة «التنظيم»، متجاهلاً أن الحيل التي استعملها قبل 10 أشهر من أجل تسهيل استيلاء «داعش» على المدينة الأثرية كان هدفها إحداث دوي عالمي لرمزيتها، مثلما كان لهذا الدوي فعاليته عند استرجاعها، على رغم كل ما قيل عن أن «داعش» قاتل صورياً فيها ثم انسحب وسلّمها للنظام مثلما كان الأخير سلّمه إياها.

من الطبيعي أن تتنازع الرجل إرهاصات الانتماء إلى محور الممانعة ومحور الشر في الوقت ذاته، مع الانفتاح بين الفينة والأخرى على إسرائيل، لإرضاء وهم البقاء. لكنه حفر بنفسه الحفرة التي سيقع فيها.

وإذا كانت موسكو سحبت جزءاً من قواتها من أجل الضغط على الأسد كي ينسجم مع الاتفاق الدولي على العملية السياسية، فإنها على عكس الانسحاب زادت من عتاد وعديد أقل كلفة عليها لمواصلة إدارة الهدنة، للتأكيد أن الانسحاب الجزئي لا يعني فتح الطريق لخصوم الأسد نحو دمشق، تناغماً مع مبدأ الحفاظ على الجيش ومؤسسات الدولة (وهو عنصر توافق رئيس مع واشنطن). لكنها لا تقبل أن يستذوق الأسد العودة إلى وضع اليد على قطعات في الجيش كانت موسكو عند دخولها الميدان العسكري المباشر أجرت تعديلات في تركيبتها فباتت مرجعيتها قاعدة «حميميم» (الروسية) بدلاً من الأسد نفسه. وكان من بين مظاهر الانزعاج الروسي محاولة ماهر الأسد إعادة ضباط طلب الروس إبعادهم منذ ما قبل أيلول (سبتمبر) الماضي فجرى إبعاده هو إلى هيئة الأركان.

فقد الأسد جزءاً من سلطته أمام الإيرانيين في السنوات الثلاث الماضية حين قبل بإمساكهم مفاصل مهمة في الميدان وعملية التغيير الديموغرافي لبعض المناطق، ثم خسر جزءاً منها في حقبة التدخل الروسي. وإذا كان سيسعى بعد الآن إلى تصدر الحرب على «داعش» بذريعة الحاجة الدولية إليه للقضاء على الإرهاب، فإنه سيفقد ما تبقى له من مبرر للوجود، طالما أنه افتعل مع الإيرانيين معادلة «إما الأسد وإما داعش»، فالتخلص من «الدولة الإسلامية» في شرق سورية بالتناغم مع تحرير الفلوجة ونينوى في العراق، سيفقده هذه الورقة التي لعبها الروس والإيرانيون لأهداف أخرى، وسيضعه وجهاً لوجه مع المعارضة السورية التي نشأت فقط ضد استبداد نظامه وإجرامه الأعمى.

وبمقدار ما يعتقد الأسد أن دعوته إلى الانتخابات في 13 نيسان تمدد بقاءه وشرعيته في السلطة، فإن الامتعاض الروسي منها لمخالفتها قرار مجلس الأمن، لا يعني سوى إدراك موسكو أنها محاولة لاستعادة بعض من السلطة منها هي أيضاً.

قد يستند رفضه أول من أمس الهيئةَ الانتقالية إلى دعم إيران، لمعاندة الحل السياسي، لأن البازار معها لم يُفتح. فهل يدفع ذلك موسكو إلى القبول بقرار جديد تحت البند السابع كانت رفضته عند صوغ القرار الحالي؟

الحياة

 

 

 

 

مصير الأسد مفتاح الحل/ د. رياض نعسان أغا

وصلت المفاوضات في جولتها الثانية إلى طريق شبه مسدود، وأحكمت روسيا سده حين أعلنت أن لافروف أقنع كيري بعدم بحث مستقبل الأسد، ولم ينف كيري ذلك، وربما يخطط الطرفان لأن تكون الوسيلة الوحيدة لتقرير مستقبل الأسد هي الانتخابات الرئاسية في نهاية المرحلة الانتقالية، ويومها يقال للشعب السوري «احتكم إلى صناديق الاقتراع واهزم خصمك إن استطعت»، وسيفاجأ الشعب المشرد الغائب بأنه هو الذي هُزم!

والسماح للأسد بترشيح نفسه لعبة ذكية لإعادة تأهيله ولتقديمه للعالم كأنه يملك شعبية كاسحة، وربما تستعاد التمثيلية الهزلية في الانتخابات الأخيرة التي نافس الأسد فيها شخصين مواليين له!

والأسد وأعوانه يملكون خبرات واسعة في إدارة الانتخابات، فضلاً عن التهديد الخفي لكل من يجرؤ على أن يكتب (لا) في مناطق نفوذه، وحين يستشعر مناصروه خطراً سيفتعلون من المشكلات ما يجعل الانتخابات دامية.

وروسيا التي انسحبت سياسياً ولم تنسحب عسكرياً تدير سوريا من موسكو، وتخطط لجعل الأسد المحارب الأكبر للإرهاب، وقد وضحت أهداف الهدنة بتمكين الأسد لدحر «داعش» وسيأتي دور «النصرة» بعدها، وهكذا يستعيد الأسد سيطرته على المناطق التي خرجت عن سلطته، وقد تم تقييد «الجيش الحر» بالاتفاقية ثم بتجفيف مصادر دعمه أو تقليل حجمها، ولن يستطيع أحد انتقاد الأسد حين يحارب الإرهاب، رغم أن تحرير تدمر بالمعونة الروسية جاء موضع ريبة لكثيرين استغربوا أن تترك قوات «داعش» تمضي نحو 150 كم وأكثر في البادية دون أن يلاحقها أحد! وبعيداً عن الصلة بين التطرف الديني وبين خطة النظام بدفع معتقليه سابقاً لتشكيل تنظيمات متطرفة لتصوير الصراع كأنه دولة شرعية تواجه إرهاباً، فإن هذا الهدف فشل حين عادت المظاهرات الشعبية تملأ الساحات السورية رافعة شعارات الديمقراطية، وحين تعرّف العالم إلى ممثلي المعارضة المعتدلين عبر مؤتمر الرياض.

لقد بات مثيراً موقف المجتمع الدولي من منظمات إرهابية استثناها من حملته، مثل «حزب الله» والميليشيات العراقية والإيرانية الشيعية، مع أنها تحمل رايات وشعارات دينية ثأرية مغرقة في التطرف. ومع قناعتنا بأن الإرهاب لا دين له ولا مذهب، فإننا نستغرب أن يكون هناك إرهاب جيد وآخر سيء.

لقد خرق النظام الهدنة مئات المرات، وقصف حتى قبل يومين مساجد في غوطة دمشق، وهو يعتدي على حرمات المسلمين، وهو يؤهل نفسه بدعم روسي للاستمرار في الحكم، ليصفي كل من عارضه، ويعيد صناعة دولة أمنية عسكرية عصية على طلاب الحرية والكرامة، وقد بات مرتاحاً لهجرة ونزوح نصف الشعب، وهو يهجِّر البقية بالترويع والتجويع والحصار والقمع كي يصبح المسلمون السنة أقلية في البلاد، وربما يكون هذا امتحاناً للمجتمع الدولي الذي يقلق على مستقبل الأقليات، فهل سيشمل هؤلاء بقلقه واهتمامه؟

لقد وقفنا ضد الطائفية ودعونا إلى أن تكون المواطنة وحدها معيار الانتماء الوطني، لكن روسيا التي أعلن وزير خارجيتها يوماً بأنه لن يسمح للسنة بالوصول إلى الحكم في سوريا باستمرار الصراع والغرق الطويل في بحار الدم، وإعلان موسكو الأخير بألا يبحث مصير الأسد في المفاوضات يعني فشلها، بينما العالم كله يعرف أن رحيل الأسد هو مفتاح الحل للقضية السورية.

الاتحاد

 

 

 

 

النظام السوري لصاحبه بشار الأسد!/ محمد مشموشي

لم يكن النظام السوري لصاحبه بشار الأسد يلفظ أنفاسه الأخيرة عندما سقطت، في أيار (مايو) 2015 (يقال سلمت من دون قتال) مدينة تدمر التاريخية في أيدي «داعش»، بدلالة أنه استبدلها يومها بما سماه «سورية المفيدة»، وليس هو الآن بعد استعادتها (ويقال إعادة تسليمها مجدداً) أقوى مما كان، على رغم ما يشيعه وإعلامه وحليفه الإيراني عن «النصر» الجديد. في الحالتين، يثبت هذا النظام أن ما ردده أنصاره على الدوام تحت عنوان «الأسد أو نحرق البلد»، لم يكن مجرد لافتة أو شعار، انما نهج في الحكم لا يتأخر عن فعل شيء لوضعه قيد التطبيق. أما الفارق الوحيد، فهو «الترجمة» السياسية التي سارع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الى إطلاقها بـ «تهنئة» الأسد، ليرد الأسد عليه بالامتنان منه، لأن ذلك لم يكن ممكناً لولاه، ثم ليتبرع بمنح القوات الروسية إقامة دائمة الآن وفي المستقبل في سورية.

هل هذا هو «النصر» المؤزر الجديد للنظام؟

الحال أن الأسد لم يضع في خطته منذ بداية الثورة ضده قبل خمس سنوات سوى البقاء في السلطة، ولو لشهور أو حتى لأيام. وبالنسبة لتدمر تحديداً، لم يكن خافياً أن احتلالها من «داعش» تم بسرعة قياسية، ومن دون قتال من قبل قوات النظام، تماماً كما كانت الحال في المناطق التي سيطر عليها قبل ذلك «حزب الاتحاد الديموقراطي» الكردي شمالي سورية (أعلنت منطقة فيديرالية مؤخراً)، ومثلها في الوقت ذاته مدينة الموصل وكامل محافظة نينوى في العراق.

وفي سياق هذه الخطة، كما بات معروفاً، أفرج الأسد من سجونه عن عدد من المتطرفين الإسلاميين ومنحهم حرية حركة في تشكيل مجموعات ميليشياوية والسيطرة على بعض المناطق، كما شكل بدوره ما عرف أولاً باسم «الشبيحة» ثم لاحقاً باسم «قوات الدفاع الشعبي»، من دون أن ننسى استجلابه فيما بعد «الحرس الثوري الإيراني» وميليشيات «حزب الله» اللبناني و «أبو الفضل العباس» و «عصائب أهل الحق» العراقيين وغيرها.

… حتى وصلت الحال في 30 أيلول (سبتمبر) الماضي الى دخول القوات والمقاتلات الروسية أراضي سورية وبدء عملياتها في الدفاع عن النظام السوري، تحت عنوان إعادة التوازن بين النظام والمعارضة من جهة، ومحاربة «داعش» والتنظيمات الإرهابية من جهة ثانية.

لم يفعل الأسد غير ذلك في الأعوام الـ5 الماضية، ولن يفعل غيره في المستقبل… بوجود قوات بوتين في سورية، كما قال، أو من دون وجودها. وفي المفاوضات الجارية حالياً في جنيف، ليس في الأفق ما يشي بأن تغييراً في مقاربة النظام للوضع ولإنهاء الحرب في سورية يمكن أن يحدث الآن أو حتى في المستقبل.

لكن استعادة السيطرة على تدمر، وبهذه الطريقة، تطرح من دون شك تساؤلات حول ما قيل مراراً عن طبيعة العلاقة بين النظام و «داعش». هل يمكن هضم واقعة انسحاب هذا التنظيم من تدمر، بعد نحو شهرين من معركة قاسية خاضها مع القوات العراقية لأسابيع عديدة في مدينة الرمادي، قبل اضطراره للانسحاب منها مهزوما؟ وهل ينسجم ذلك مع احتفالات النظام وحلفائه، بمن فيهم روسيا، بما سموه «النصر» على الإرهاب؟

وإلى أين من هنا؟

غني عن البيان، أن الأسد سيحاول أن «يبيع» مسألة استعادة تدمر من أيدي «داعش» الى بلدان العالم التي طالما وضعها أمام الخيار الذي رسمه بإتقان: إما الأسد أو «داعش». وحتى بالنسبة لمقولة بوتين عن عدم القدرة على هزيمة «داعش» وغيره من دون التعامل مع النظام، فإنه سيعمل الشيء ذاته مع الدول التي كانت ترفض هذه المقولة، بل ترى العكس تماماً: لا إمكان لهزيمة الإرهاب في سورية ما دام الأسد في السلطة.

ولقد قالها علناً ممثل النظام في الأمم المتحدة، رئيس وفده الى جنيف، بشار الجعفري عندما دعا كلاً من «التحالف الدولي» والولايات المتحدة بالذات الى التنسيق مع سورية في محاربة الإرهاب. كما قالها الأسد نفسه عندما وصف استعادة تدمر بأنها تساعد مؤتمر جنيف في تشكيل «حكومة وحدة وطنية» مع المعارضة والمستقلين.

وهذه كلها ذرائع النظام نفسها، وأساليبه للخداع والمماطلة من دون تغيير، لكي يبقى في السلطة ربما لسنوات أو حتى لشهور وأيام من ناحية، ولكي يهرب من أي إصلاح يطالب به الشعب السوري وقد دفع الغالي والثمين من حياته ومقدرات بلده من أجله من ناحية ثانية.

… وبعد خمسة أعوام من القتل والتهجير، وسقوط ثلاثمائة ألف شهيد وحوالى مليون جريح، وتهجير نصف الشعب السوري، واحتلال الأرض من جانب قوات أجنبية (إيرانية وروسية وأميركية) وميليشيات إرهابية («داعش» و «جبهة النصرة») وأخرى لبنانية وعراقية («حزب الله» و «عصائب أهل الحق» وغيرهما)، لا يزال النظام السوري لصاحبه بشار الأسد يواصل اللعبة إياها وكأن لا شيء حدث.

ولعل هذا بالذات ما تعنيه المعارضة، عندما تقول أنه لا تسوية ممكنة إذا لم تنص بصراحة وبجلاء على رحيل الأسد حتى قبل المرحلة الانتقالية التي يكثر الحديث عنها.

* كاتب وصحافي لبناني

الحياة

 

 

 

 

جاك الدور يا دكتور”/ حسين عبد الحسين

لا يبدو الرئيس السوري بشار الأسد ممن يتمتعون بالفطنة، لكنه كان حتما أول من التقط الاشارات الاميركية الروسية حول مستقبله، اذ لم يكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعلن تعليق عمليته العسكرية في سوريا، حتى عقد وزير خارجية الأسد وليد المعلم مؤتمرا صحافيا قال فيه ان النظام مستعد للتفاوض مع المعارضة حول الدستور والانتخابات البرلمانية، ولكنه غير مستعد للتفاوض حول الرئاسة.

كان تصريح المعلم لحظة تجلت فيها عقود من رؤية آل الأسد وحزب “البعث العربي الاشتراكي” للدولة ومفهوم الحكم فيها، فالأسد والبعثيون يعتقدون ان الرئاسة أعلى من الدستور، وانها لا تخضع له، بل أن الدستور هو الذي يخضع للرؤساء.

ولطالما قص الرئيس الراحل حافظ الأسد دساتير سوريا واعاد لصقها على قياسه، كانت آخرها بعد مماته في العام ٢٠٠٠، يوم أجبر مساعديه على تخفيض السن الأدنى المطلوب لأي سوري ليصبح رئيسا، فخفّض “مجلس الشعب” العمر المنصوص عليه في الدستور من ٤٠ الى ٣٤ عاما ليتناسب مع عمر نجله وخليفته بشّار.

على هذا الشكل انتخب “مجلس الشعب” السوري بشار الأسد رئيسا: خفّض السن الدستورية، اقترع له مرشحاً وحيداً، ثم وقف الاعضاء يصفقون للرئيس الجديد حتى تورمت ايديهم. كان انتخاب بشار الأسد عملية شكلية تلت توليه الرئاسة فعليا لحظة وفاة والده حافظ. هكذا يفهم البعثيون وآل الأسد الدساتير والانتخابات، وهو مفهوم كان ممكنا تطبيقه طالما ان ما كان يهم القوى الكبرى، قبل العام ٢٠١١، هو أمن حدود اسرائيل وتجاوب حاكم دمشق مع الطلبات الامنية والاستخباراتية العديدة التي كانت ترده من الغربيين.

لكن بعد العام ٢٠١١، إنقلب الاهتمام العالمي بسوريا من أمني محض الى إنساني، لا لأن الغرب وعواصم القرار العالمية اصبحت إنسانية، بل لأن الأزمة السورية المندلعة على مدى الاعوام الخمسة الماضية صارت تهدد اوروبا بفيض من اللاجئين، فيما تحول بعض الاراضي السورية الى مرتع للمتطرفين يشنون منها هجماتهم ضد دول اقليمية وعالمية.

ولأن الأسد فشل في الحسم عسكرياً واعادة سوريا الى ما كانت عليه قبل العام ٢٠١١، على الرغم من المساعدات العسكرية والبشرية والمالية التي اغدقتها ايران وروسيا عليه، وجد العالم نفسه بحاجة للانغماس في تفاصيل سوريا السياسية لانهاء الأزمة فيها واعادة توضيبها، كيفما اتفق، بشكل يوقف العنف فيها ومنها.

وبموجب القانون الدولي، يحق لمجلس الأمن تجاوز سيادة أي دولة تشكل خطراً على الأمن الدولي. هكذا، انخرطت الأمم المتحدة ومعها اميركا وروسيا وعشر دول اخرى معنية بالقضية السورية في عملية رعاية التوصل الى حل في سوريا.

وعلى خلفية احداث الربيع العربي التي شهدت مطالبات عالمية، واحيانا قرارات من مجلس الأمن، أدت الى تسمية حكام تونس ومصر وليبيا واليمن، والاطاحة بهم في ما بعد، اعتقد الأسد انه سيبقى في الحكم طالما ينجح حلفاؤه في ابقاء إسمه خارج اي تداول او مفاوضات، وهو أمر اصرت عليه روسيا، ووافقت عليه اميركا.

لكن ابقاء اسم الأسد خارج عملية المفاوضات لا يعني ابقاء الدستور السوري خاضعا لمشيئته، بل ان تعديل الدستور وجعله وثيقة تأسيسية تسمو على سلطات الدولة السورية وحكامها هو الهدف الواضح للعملية التفاوضية، بتأييد اميركا وروسيا والأمم المتحدة.

هكذا، انعدمت اهمية التطرق الى مصير الأسد في المفاوضات بين النظام  والمعارضين، بل أن الأسد يتمنى اليوم لو كان مصيره موضع بحث اذ ربما يسمح له ذلك انتزاع بعض التسويات لشخصه وللصلاحيات التي يتمنى التمسك بها.

لكن العملية السياسية السورية صارت تتمحور حول الدستور، وهذا ما يمكنه ان يحول منصب الرئاسة السورية الى موقع رمزي، على غرار العراق ولبنان، واناطة السلطات — وخصوصا الامنية — بالحكومة مجتمعة. كذلك، يمكن لأي دستور سوري جديد ان يحدد حكم الرئيس بولايتين، وان يحتسب ولايتي بشّار الأسد على انهما سبب لعدم اهليته للترشح لولاية جديدة.

هذا هو فحوى النقاش الاميركي الروسي على مستويات ديبلوماسية متعددة، على أمل رعاية توصل المتفاوضين السوريين الى دستور مع حلول شهر آب (اغسطس) المقبل، وقد يكون هذا هو السبب نفسه الذي دفع وفد الأسد الى المماطة والتذرع بانتخابات “مجلس الشعب” للتغيب عن الجولة المقبلة.

“جاك الدور يا دكتور” هو شعار من الثورة السورية يبدو انه تحول الى نبوءة، مع فارق وحيد هو ان العالم يستعد اليوم لارسال الأسد الى اقبية النسيان، بعد ان كان التفكير السائد، حتى الأمس القريب، هو اقتلاعه عنوة.

المدن

 

 

 

 

“ديفيد هيرست”: حكام الإمارات ومصر والأردن لن يسمحوا بالإطاحة بـ”الأسد” طالما يقمع ربيع العرب

قال الكاتب البريطاني، «ديفيد هيرست»، إن والإمارات ومصر والأردن سعداء ببقاء رئيس النظام السوري «بشار الأسد» طالما أنه يقمع ربيع العرب.

وفي مقال نشره على موقع «ميدل إيست آي» تحت عنوان «خطاب الملك»، كشف مزيد من التفاصيل عن الزيارة التي قام بها الملك «عبد الله الثاني»، عاهل الأردن إلى واشنطن، مشيرا إلى أن آخر شيء يريده الملك لجارته الشمالية (سوريا) هو إجراء انتخابات حقيقية، وإقامة حكومات ائتلافية وتقاسم السلطة والثروة.

ولفت إلى أنه سوف يستمر النضال والصراع والفوضى حتى تنجح شعوب المنطقة في كسر القيود المفروضة عليها وإعادة اكتشاف روح ميدان التحرير، وبحلول ذلك الوقت، فإن أمثال الملك «عبد الله»، وولي عهد أبوظبي «محمد بن زايد»، والرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي»، والقيادي المفصول من حركة فتح «محمد دحلان» سيكونوا قد انتهوا منذ فترة طويلة.

وإلى نص ترجمة المقال بالعربية:

كان 11 يناير/كانون الثاني، يوما سيئا في مكتب الملك «عبد الله الثاني» حيث كان ملك الأردن قد أوقف من قبل رئيس الولايات المتحدة، (باراك أوباما) على الرغم من أنه التقى نائب الرئيس «جو بايدن»، وقد تم تحديد موعد آخر له في واشنطن مع كبار أعضاء الكونغرس.

مزّق «عبد الله» في حديثه سياسة أمريكا في سوريا: أراد أن يعرف أين تقف أمريكا، هل الولايات المتحدة تريد التخلص من «الدولة الإسلامية» أو «بشار الأسد»؟ ألم تدرك الولايات المتحدة أن الحرب الباردة انتهت وأنها في منتصف الحرب العالمية الثالثة، التي يحارب فيها المسيحيون والمسلمون واليهود، الخوارج والخارجين عن القانون؟ «يجب على الولايات المتحدة أن تسأل نفسها لماذا وصلت داعش إلى هذا المستوى، هذا غير مقبول».

ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي اشتكى «عبد الله» فيها «أوباما» إلى الكونغرس، فوفقا لـ«جيفري غولدبرغ» الذي أجرى مقابلة مع الرئيس لموقع أتلانتك، فإن «أوباما» سحب «عبد الله» جانبا في قمة حلف شمال الأطلسي في ويلز في عام 2014، قائلا إنه سمع أن الملك «عبد الله» اشتكى قيادته إلى الكونغرس الأمريكي، وأنه إذا كان لديه شكاوى فعليه التوجه مباشرة إليه.

وقد نفى الملك في وقت لاحق أنه أدلى بتصريحات مهينة إلى الكونغرس في عام 2014، ولكن بعد ذلك كما نفى تلك التصريحات التي تم تسجيلها، نفى أيضا تصريحات يناير/كانون الثاني، وأصبح الإنكار أسلوب حياة للملك.

ذهب «عبد الله» إلى إلقاء اللوم على تركيا بأنها كانت وراء مشاكل المنطقة مع الإسلام الراديكالي، و أن التطرف، على حد زعمه، قد صنع في تركيا ولم يكن من قبيل الصدفة أن يتحول نشطاء في «الدولة الإسلامية» إلى أوروبا، فهذه كانت سياسة تركيا لتصديرها، ولكن أوروبا لم تفعل شيئا حيال ذلك، وعلاوة على ذلك فإن تركيا تقوم بشراء النفط من «الدولة الإسلامية».

لماذا؟ لأنه، من وجهة نظر الملك، الرئيس «رجب طيب أردوغان» «دعم الحل الإسلامي الراديكالي في المنطقة»، وكانت مشكلة الأردن مع تركيا استراتيجية وعالمية، وقد تساءل الملك عن الدور الذي تقوم به تركيا في الصومال.

تم الكشف عن تفاصيل زيارة الملك في يناير/كانون الثاني إلى واشنطن، قبيل زيارة رسمية استغرقت يومين إلى العاصمة الأردنية عمان لرئيس الوزراء التركي «أحمد داود أوغلو» الأسبوع الماضي.

لذا، لماذا فعل «عبد الله» ذلك؟ لمن كان يتحدث؟

هذه الهجمات على تركيا، باعتبارها القوة الدافعة وراء «داعش» قد نفذت من قبل، حيث قدم «محمد دحلان»، الرجل القوي والمستشار الأمني لـ«محمد بن زايد» ولي عهد أبوظبي، ولي عهد أبو ظبي، مطالبات مماثلة إلى «الناتو»، وجمعية معاهدة الأطلسي في بروكسل.

واتهم «دحلان» الغرب بالنفاق في أبشع صوره، وقد قال: «حسنا، وصل الإرهاب أوروبا، ولكن كيف وصل إلى هناك؟ لا أحد يقول، تجارة النفط العالمية، وأوروبا كلها تعرف من الذي يشتري من داعش، مع تركيا، ومع ذلك، أوروبا لا تزال صامتة، لو أجري هذا النوع من التجارة مع مصر، لشنت حربا سياسية».

وقال أيضا: «جاءت حركة الإرهاب في سوريا عبر تركيا، وأنتم تعرفون هذا، ولكن لا تهتمون، لأن لديكم مصلحة سياسية، أو ليس لدي أي تفسير لماذا يحدث، أنا لست ضد تركيا، ولكن أنا ضد عدم قول الحقائق عن أولئك الذين لا يواجهون داعش»، أولئك الذين يزودونها بالتسهيلات المالية، ويقومون بالتجارة في النفط معها أو تهريب الأسلحة إليها.

ثم قدم «دحلان» نقطة أيديولوجية بشكل علني عن الدين والسياسة في بلد مسلم، ووصف بيته الجديد، الإمارات العربية المتحدة (البلد الذي يعذب ويسجن فيها المعارضة، ويمول صناديق الانقلابات العسكرية في مصر، والتدخلات في ليبيا والاغتيالات في تونس)، بأنها واحة من السلوك الليبرالي، لديها الكنائس والمساجد والشواطئ.

وقال: «هناك تطور وهناك رعاية للشعب، لذلك، نعم إذا كنا نريد أن نبني المستقبل، يجب علينا أن نستخدم نموذجا ناجحا».

هاجم كل من «عبد الله» و«دحلان» تركيا ليس فقط كمورد للأموال والأسلحة المزعومة لـ«الدولة الإسلامية»، ولكن أيضا باعتبارها نموذج سياسي بديل لأنظمة استبدادية مثل الأردن أو الإمارات العربية المتحدة.

تركيا والأردن والإمارات، يفترض أن الجميع على نفس الجانب في سوريا، وهو جزء من التحالف العسكري بقيادة المملكة العربية السعودية، ولكن لا «عبدالله» ولا الإماراتيين يتعاملون مع هذا التحالف جديا بل بشكل خطابي فقط، وفي الكلمة التي قدمها إلى الكونجرس اعترف «عبد الله» أن الأردن انضم إلى هذا التحالف فقط لأنه كان «غير ملزم».

الأردن والإمارات ومصر سعداء ببقاء «الأسد»، طالما سوريا تقمع ربيع العرب، آخر شيء يريده الملك لجارته الشمالية هو إجراء انتخابات حقيقية، وإقامة حكومات ائتلافية وتقاسم السلطة والثروة.

تركيا تفاوضت مع «الأسد» لمدة ثمانية أشهر في محاولة لإقناعه بقبول الإصلاحات السياسية،.. السعودية وقطر تسامحتا في دعم إسلاميين بين المتمردين في الجيش السوري الحر على أمل الوصول لانتخابات حرة، ومن أجل استمالة هؤلاء بعيدا عن هامش المجموعات التابعة لتنظيم «القاعدة».

وقد تكون ائتلاف معارض أيضا من «الأسد» وروسيا وإيران، الذين يقاتلون من أجل نفس الشيء وهو استمرار النظام.

ويرى «بوتين» سوريا من منظور حركات التمرد في الشيشان وداغستان وطاجكستان، ويشعر بالخيانة من جانب التأكيدات لروسيا في ليبيا، وقد تراجع «باراك أوباما» في سوريا، كما فعل في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام، ففي مقابلة له مع «أتلانتك»، اعتبر «أوباما» قراره بعدم قصف «الأسد» بعد الهجوم الكيماوي لحظة تحرر من قواعد اللعبة التي تمارسها السياسة الخارجية لواشنطن مشبها ليبيا بعرض مقرف بعض سقوط «القذافي».

كتب «غولدبيرغ»: «ليبيا أثبتت له أن الأفضل تجنب الشرق الأوسط»

«لا يوجد أي اطريقة يجب أن نلتزم بها تجاه منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا”، جملة قالها «أوبامار في الآونة الأخيرة لزميل سابق من مجلس الشيوخ، وأضاف «هذا سيكون من الأساس، خطأ جوهري».

ويكمن الرهان في أن أيا من التحالف المؤيد لـ«الأسد» ولا الذي تدعمه السعودية سيسود في سوريا، الاحتمالات الأكثر ترجيحا لوقف إطلاق النار هي سوريا مجزأة بشكل دائم إلى دويلات طائفية كما كان العراق بعد الغزو الامريكي.

يمكن اعتبار أن هذا هو أقل الخيار الأقل سوءا لصالح قوى أجنبية تتدخل في سوريا، الأردن والإمارات ومصر سيوقفوا هذا الشيء الخطير الذي يسمى تغيير النظام، والسعودية ستوقف إيران و«حزب الله»، وروسيا أصبح لديها قاعدة بحرية لها والاحتفاظ بها يهيء لها موطئ قدم في الشرق الأوسط، و«الأسد» سوف يبقى على قيد الحياة في حالة طائفية منكمشة، وللأكراد منطقتهم في الشمال، وسوف تهرب أمريكا مرة أخرى من المنطقة.

هناك خاسر واحد فقط في كل هذا – سوريا نفسها، وخمسة ملايين من السوريين المنفيين الذين سيصبح وضعهم دائما، تاريخ المنطقة لديه الكثير من الدروس للقوى الخارجية، وهذا يثبت أن التجزئة لا تؤدي إلا إلى مزيد من الفوضى، تحتاج المنطقة إلى المصالحة، والمشاريع المشتركة والاستقرار كما لم يحدث من قبل، وهذا لا يأت من خلق جيوب طائفية مدعومة من قوى أجنبية.

«الدولة الإسلامية» هي إلهاء عن الصراع الحقيقي في المنطقة، وهو التحرر من الدكتاتورية وولادة الحركات الديمقراطية الحقيقية.. التاريخ لم يبدأ في عام 2011 و لن يتوقف الآن، و ثورات 2011 تكونت بعد عقود من سوء الحكم، هناك سبب جعل الملايين من العرب انتفضوا – سلميا في البداية – ضد حكامهم وهذا السبب لا يزال موجودا اليوم.

طالما لا يوجد حل ديمقراطي حقيقي في الشرق الأوسط، وسوف تستمر مجموعة الدول الإسلامية على التحور مثل المرض الذي أصبح مقاوما للمضادات الحيوية في الجسم السياسي في الشرق الأوسط، في كل مرة يتغير شكله، وسوف تصبح المعركة أكثر ضراوة.

وسوف يستمر النضال والصراع والفوضى حتى تنجح شعوب المنطقة في كسر القيود المفروضة عليها وإعادة اكتشاف روح ميدان التحرير، وبحلول ذلك الوقت، فإن أمثال «عبد الله»، «محمد بن زايد»، «السيسي» و«دحلان» سيكونوا قد انتهوا منذ فترة طويلة.

المصدر | الخليج الجديد

 

 

 

 

سقوط شرط سقوط “الأسد”/ د. عبدالله العوضي

أخيراً رضخت أميركا لاشتراط الأسد بقاءه في الحكم حتى يقرر الشعب في المرحلة الانتقالية غير ذلك، بعد أن لم يعد في سوريا شعب يدلي بأصواته لأي رئيس آخر، وليس فقط للأسد. فالقاعدة الانتخابية التي عليها اختيار حاكم سوريا المستقبل موزعة على الأرض المنقسمة على نحو يصعب لملمة شمله لسنوات، وهي بحاجة إلى قابلة ماهرة لاستقبال المولود الجديد.

أكثر من خمسة أعوام على تعويم الأزمة السورية، والعالم الأكبر كان يظن بأن العقدة تكمن في مغادرة الأسد للرئاسة، فبذلك فليفرح السوريون، وهو خير مما يجمعون عليه.

هذا التغيير الدراماتيكي الأميركي في المسار السوري الذي لازال مسماره يدق في «جنيف 3»، وقد رفضت المعارضة كل ما هو مطروح من قبل المندوب الأممي، خاصة وأن الإصرار على ذهاب الأسد بعيداً عن سوريا لم يعد يقلق العالم الذي أجمع على بقائه، ولو لحين موعد الانتخابات المزمع عقدها بعد نحو ثمانية عشر شهراً. مرور السنوات على الأزمة الماحقة هناك، لم يضع الحل أمام المعضلة السورية، بل العربة التي تقلب الحصان على ظهره، فيكسر على رأس السوريين الذين ضاقت بهم الأرض بما رحبت، وإن هاجروا فيها، أو وقفوا متسولين على حدود الدول التي ترفض استقبال المزيد منهم.

ظن البعض أن روسيا انسحبت نهائياً من سوريا حتى تتاح الفرصة لتدخل الآخرين، لكن واقع الأمر يقول بأن الروس، خلال 24 ساعة بعد الإعلان عن انسحابهم، قاموا بأربعين طلعة جوية لقصف الأهداف المبرمجة سابقاً.

لقد غدت السياسة وألاعيبها بعد زوال شرط ذهاب الأسد، عاملاً في مد عمر الأزمة إلى اللانهاية، حتى إذا وقع صوت الانتخابات على رأس الشعب السوري في التو، فالنتيجة غير مضمونة لصالح أي فصيل مقاتل أو متفرج من وراء الستار.

اليوم، ولأول مرة، يشيد الغرب بالأسد وقواته في استرداد «تدمر» من يد «داعش» والحفاظ عليها من التدمير، تلبية لنداء صوت التراث العالمي. ونسي ذات الغرب تضحيات أكثر من ربع مليون سوري وقعوا قتلى بيد النظام ذاته، وتهجير أكثر من ثلثي الشعب السوري، وبقاء أقل من الثُلث ينتظرون مصيرهم، بعد أن مات الضمير الحي، والغائب، والمستتر.

ولا ننسى بأن حال إعلان روسيا عن انسحابها من سوريا، قابل البديل الجاهز والحاضر في إيران بالتهليل والترحيب، لإرسال المزيد من الحرس الثوري وميليشيات «حزب الله» لأداء الدور الباقي في «فرسنة» سوريا، سيادة وإدارة، بختم من النظام الحاكم ورأسه.

الآن ما هو المطلوب من المعارضة في أروقة «جنيف3»؟ تتلقى الإملاءات المضادة تلو الأخرى، وهي مستمرة في ممارسة دور المعارضة من أجل المعارضة، بعد أن فقدت المحتوى والهدف من وجودها هناك، حيث تحاك خيوط الحل السوري من وراء ظهرها، وإن هي أدارت ظهرها، فإن ذلك لا يقيها طعنات الدول الكبرى وهي في عقر دارها.

وسط هذه الأوضاع السياسية المتغيرة، وبسرعة يصعب اللحاق بها أو تحليلها، لأن الغموض في كل ذلك هو سره الفاعل، نرى أنه رغم زوال فصل الشتاء وانقشاع أستاره، فإن ليل سوريا سيبقى طويلاً حتى لو حل الصيف عليها، لكي يزيد من شدة حرارة مأساتها، خاصة إذا سُمح للنظام الذي لم يُبق للسوريين بيتاً قائماً، ولا عموداً صلباً راسخاً، ولا نفساً متنفساً.. وكأن خمسة أعوام من الهموم الثقال التي تعجز عن حملها الجبال الراسيات، كانت حلماً يحرم على الجميع تمنيه أو توقعه.

وعلى الشعب السوري أن يدفع الثمن مرتين، الأولى من دمه، والثانية من خيانة ذمم العالم لمشروعه التغييري، فها هو «الأسد» يزمجر مجدداً، ويواصل انتصاراته على الأرض بعون العالم، رغم اختلافاته المزعومة حول الأزمة السورية، فطريق المعارضة أصبحت مسدودة، ونفقها مظلماً ومغلقاً، وحلمها خيالاً للمآتم، وليس درساً جديداً في تعلّم الديمقراطية والعدالة والحرية فحسب، بل تغييب كل ذلك تحت ركام السنوات العجاف الماضيات والآتيات.

الاتحاد

 

 

 

 

“مصير الأسد” كما لم تعرفه من قبل/ علي حسين باكير

لا مبالغة في القول إن الغالبية العظمى من السوريين كانوا قد حسموا أمرهم بشأن مصير الأسد عندما قرروا الثورة عليه في مارس/آذار من العام 2011، إذ فقد الأخير شرعيته المصطنعة مع اندلاع الثورة السورية، وسقط فعليا من الحكم في العام 2012، وكل ما جرى ويجري بعد ذلك التاريخ وحتى اليوم هو صراع على النفوذ والمصالح بين القوى الإقليمية والدولية من خلال الأسد وليس عليه.

في 25 مارس/آذار الحالي، كشف نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف عما وصفه بتفهم أميركي لموقف موسكو الداعي لعدم مناقشة مستقبل بشار الأسد في الوقت الراهن أو طرحه على جدول أعمال المفاوضات في المرحلة الحالية، وذلك عقب اجتماع وزير الخارجية الأميركي جون كيري مع نظيره سيرجي لافروف في موسكو.

وقد سارعت إدارة أوباما إلى نفي هذا الأمر، وعلق المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية جون كيربي عليه بالقول: “أي كلام عن تغيير وجهة نظرنا بالنسبة لمستقبل الأسد هو غير حقيقي، الأسد فقد شرعيته بالحكم ونحن لم نغير موقفنا بهذا الشأن”.

لكن النفي الأميركي هذا لا يتناقض أو يتعارض مع التصريح الروسي على الإطلاق. فالقول إن الأسد فقد شرعيته غير مرتبط بتاتا بنية إرادة إدارة أوباما فعل شيء لإخراجه من المعادلة، ولو كان مجرد طرح الموضوع على طاولة البحث في المفاوضات. فالجانب الأميركي دأب منذ 6 سنوات على القول إن الأسد فقد شرعيته لكنه لم يفعل شيئا على الإطلاق حيال هذا الأمر، والأرجح أن تكرار هذا التصريح الآن معناه أن الجانب الأميركي لا يزال مصرا على عدم فعل شيء.

هذا الوضع بالتحديد لا يعود إلى اجتماع كيري ولافروف الأخير، فهو استمرار لمسار طويل من التجاهل العمدي لأي إجراءات جدية لإخراج الأسد “الذي فقد شرعيته” من المعادلة السياسية، وإتاحة المجال أمام تقدم المسار السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي في سوريا، إذ لطالما تجاهلت الوثائق الدولية والقرارات الأممية وبيانات الاجتماعات المغلقة الإشارة إلى الأسد في النص كي يبقى الصراع مفتوحا بما يساعد بعض الدول على توجيه الأزمة السورية بما يحقق مصالحها، والذرائع لتبرير هذا الموقف كانت حاضرة على الدوام سواء لدى الجانب الأميركي أو الروسي أو الإيراني.

وبالرغم من ذلك، فإن وثيقة جنيف1 الصادرة في 30 يونيو/حزيران 2012 تعتبر أبرز وثيقة تتحدث بشكل غير مباشر عن مصير الأسد، لاسيما الإشارة تحديدا إلى “هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات التنفيذية”، وهو الأمر الذي يعني عمليا -فيما لو تحقق- الاستحواذ على كامل صلاحيات رئيس الجمهورية التنفيذية، وبالتالي تجريد الأسد من صلاحياته وإخراجه من المعادلة وانتهاء وضعه قانونيا، ولهذا السبب بالتحديد تصر المعارضة السورية على ضرورة تطبيق هذا الأمر قبل أي شيء آخر.

ما لا يعرفه كثيرون حتى يومنا هذا أن الولايات المتحدة قامت بعد المجزرة الكيميائية التي ارتكبها الأسد في أغسطس/آب 2013 بـ”تلزيم” الملف السوري رسميا إلى روسيا رويدا رويدا، وكان دور واشنطن يهدف فقط إلى الحرص على ضبط إيقاع الدول المعارضة للأسد وجرها جميعا تحت قيادتها إلى الحل الذي تراه مناسبا لها بغض النظر عن مواقف الآخرين.

في يناير/كانون الثاني من العام 2014، عُقد اجتماع جنيف2 وتم فيه ترسيخ التحول الأميركي، إذ قدمت الولايات المتحدة تنازلات جديدة للجانب الروسي وجعلت أجندة محاربة الإرهاب تتقدم على موضوع إزاحة الأسد من المشهد، وعلى دعم المطالب المشروع للشعب السوري رغم إصرار المعارضة والداعمين الإقليميين لها على ضرورة أن يخرج الأسد.

في العام 2015، كان وزير الخارجية الأميركي جون كيري يشدد في الاجتماعات المغلقة لدول أصدقاء سوريا على أهمية وجود دور روسي أكبر في الملف السوري وعلى ضرورة مخاطبة الروس، موحيا بأن ذلك سيحقق هدف المطالبين بإخراج الأسد من المشهد. وقد حث كيري شخصيا نظراءه في تلك الاجتماعات على ضرورة التواصل مع روسيا بشأن سوريا على اعتبار أن مفتاح الأزمة أصبح معها، وذلك رغم اعترافه بأن موسكو ملتزمة بدعم الأسد بكل ما أوتيت من قوة.

في منتصف عام 2015، عقد اجتماع رفيع المستوى لمجموعة دول أصدقاء سوريا في فرنسا لمناقشة تسريع العملية السياسية في سوريا، وبينما كان البعض يطالب بضرورة إخراج الأسد من المعادلة، طرح البعض الآخر تأمين ملجأ آمن له، ومن الدول التي تم تداول اسمها آنذاك روسيا وإيران والجزائر وسلطنة عُمان.

في ذلك الاجتماع بالتحديد أكد الجانب الأميركي على نقطتين: دفع الروس للانخراط في سوريا باعتباره أمرا مهما لأميركا أيضا، وعدم إملاء أي شيء عليهم بما في ذلك اشتراط التحدث عن الأسد، على اعتبار أن ذلك سيسهل العملية فيما بعد.

وبناء على ذلك زارت وفود دول عديدة موسكو في تلك الفترة الممتدة من يونيو/حزيران وحتى سبتمبر/أيلول 2015 أبرزها السعودية والإمارات والأردن ومصر وتركيا، وكان هناك اللقاء الثلاثي في الدوحة والذي جمع بين كيري ولافروف وعادل الجبير، لكن تبين أن الجانب الأميركي كان يحاول جعل الانخراط الروسي شرعيا بدل أن يجعله شرطا لإخراج الأسد.

في تلك الفترة أيضا، تم تداول بعض الأوراق والمقترحات بين الدول بخصوص الوضع السوري، أهمها ورقة طرحت في شهر أغسطس/آب تركز على فكرة إنشاء مجموعات وهي الفكرة المطبقة الآن في جنيف (مجموعة عمل إنساني، مجوعة عسكرية، مجموعة سياسية…الخ)، وقد تجاهلت هذه الورقة الإشارة إلى مصير الأسد بشكل مباشر، بل اعترفت ضمنا بوجوده في المرحلة الانتقالية عندما اقترحت أن تكون هناك مرحلتان انتقاليتان، في الأولى يتم إعطاء بعض الصلاحيات المحددة والمختارة لهيئة الحكم الانتقالي، وفي الثانية يتم إعطاء الهيئة صلاحيات كاملة باستثناء ما قالت إنه صلاحيات شكلية أو شرفية (في إشارة إلى بقاء الأسد).

وبينما كانت واشنطن تحاول إقناع الآخرين بضرورة تكثيف التواصل مع روسيا من أجل حل عقدة الأسد، كانت قد أمنت الانخراط الروسي في سوريا بشكل كامل بما في ذلك التحضيرات الأولية للتدخل العسكري، وذلك في تناقض واضح مع ما كانت توحي به لحلفائها أو أصدقائها، وقد مهد الانخراط السياسي والعسكري الروسي إلى استلام زمام المبادرة ودعم الأسد سياسيا وعسكريا وإطالة عمره الافتراضي في السلطة المغتصبة.

في مؤتمر فيينا الذي انعقد في 30 أكتوبر/تشرين أول 2015، قدمت أميركا مزيدا من التنازلات، ولم تكتف بإدخال روسيا بل قامت بتوجيه دعوة إلى إيران للحضور رغم الاعتراض السعودي، على اعتبار أن إيران لم تحضر ولم توافق أصلا على مخرجات جنيف1 التي تتضمن تشكيل هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات التنفيذية.

لقد كانت هذه الدعوة بمثابة إقرار أميركي رسمي بالتخلي عن مطلب مغادرة الأسد أو تجاهله على الأقل، لا سيما وأن بيان فيينا الأول الموسع (30 أكتوبر/ تشرين أول 2015) كان قد حمل معه طرحا جديدا وهو إنشاء “حكم ذي مصداقية، شمولي وغير طائفي”، وقد كان من الواضح أن مخرجات الاجتماع تعبر عن الأجندة الروسية الإيرانية فيما يتعلق بمصير الأسد وأن سقفه أقل من سقف جنيف1.

بعد انتهاء الاجتماع قامت روسيا في الأسبوع الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2015 بإرسال ورقة رسمية من ثماني نقاط موزعة على صفحتين إلى العديد من الدول حول موقفها ورؤيتها للحل في سوريا، وقد تحولت هذه الورقة في جوهرها فيما بعد إلى ما يعرف اليوم بالحل السياسي. في هذه الورقة لم تتحدث موسكو عن إخراج الأسد من المعادلة، وإنما ذكرت ما يوحي بأنه سيبقى عندما أشارت إلى أن الرئيس السوري لن يترأس اللجنة الدستورية المخولة بإعداد ووضع دستور جديد وإنما سيترأسها مرشح آخر يجب أن يحظى بالإجماع.

في اجتماع فيينا الثاني أو ما يعرف باسم اجتماع المجموعة الدولية لدعم سوريا والذي انعقد في 14 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، تم التأكيد على موضوع “الحكم ذي المصداقية الشمولي وغير الطائفي”، لكن مع الإشارة إلى بيان جنيف1 أيضا لتخفيف المخاوف من الطرح السابق، رغم أن الغالبية الساحقة من الدول المشاركة طالبت في الاجتماع المغلق بخروج الأسد ودائرته من السلطة ومغادرتهم البلاد منذ اليوم الأول لبدء عملية الانتقال السياسي، الأمر الذي رفضته روسيا وإيران بشكل صريح، وبعض الدول الأخرى بشكل مبطن أيضا.

في 15 ديسمبر/كانون الأول 2015 عرضت ورقة عن الانتقال السياسي في سوريا، وقد ورد فيها اقتراح يقضي بأن يقوم الأسد بنقل “بعض” صلاحياته لنائب له يقوم هو بتعيينه بنفسه، كما ورد في نفس الورقة أيضا مقترح لتعيين قائد عسكري علوي على رأس المجلس العسكري الذي سيتم تشكيله من قبل الجيش النظامي والمجموعات المعارضة المسلحة.

في 18 ديسمبر/كانون الأول 2015 جاء قرار مجلس الأمن 2254 والذي جمع بين مسار جنيف1 ومسار فيينا في نفس الوقت، متجاهلا الإشارة إلى الأسد مرة أخرى. وفي فبراير/شباط 2016 لم تكن الجولة الأولى من مفاوضات جنيف3 ناجحة، وفي مارس/آذار 2016 انطلقت الجولة الثانية التي وضعت المعارضة السورية كل ثقلها فيها، ومع ذلك فقد بدا واضحا أن النظام يراوغ دون وجود نية حقيقية لديه في مناقشة مسألة الانتقال السياسي وفي طرح مستقبل الأسد.

ولم يتعرض الأسد ووفده لأية ضغوطات حقيقية، ولم يصدر عن واشنطن ما يشير إلى عدم ارتياحها أو غضبها أو حتى انزعاجها من عدم طرح موضوع الأسد على طاولة المفاوضات رغم أن الهدف الأساسي المعلن لهذه المفاوضات هو تحقيق الانتقال السياسي بعيدا عن الأسد.

من الواضح أنه ما لم تتم مناقشة العملية الانتقالية بشكل أساسي في الجولة الثالثة من جنيف، وما لم يكن الـ “حكم ذو المصداقية، الشمولي وغير الطائفي” هو نفسه “هيئة حكم انتقالي كاملة الصلاحيات التنفيذية”، فإن الأسد سيكون موجودا في الأشهر الـ6 الأولى من العملية على أقل تقدير، وخلال 18 شهرا من بدئها في التقدير المتوسط. أما على المدى البعيد، فلا شيء في كل النصوص المذكورة يمنعه هو أو أيا من شخصيات النظام المعروفة بإجرامها أو تابعيهم أو المحسوبين عليهم من الترشح للانتخابات مستقبلا.

ومراد القول هنا إن الولايات المتحدة لم تعتبر يوما مسألة مغادرة الأسد أولوية، بل إنها تنازلت حتى عن مناقشة الأمر إرضاء لإيران في المرحلة الأولى وروسيا في المرحلة الثانية، ولا يوجد ما يشير إلى أنها مستعدة لخوض معركة دبلوماسية أو سياسية فضلا عن أن تكون عسكرية من أجل فرض موضوع مغادرته أو حتى الدفع لمناقشته، وهو أمر لن يحصل ما لم تغير روسيا موقفها، علما أن إدارة أوباما قد تفضل المماطلة في الموضوع حتى تغادر بإنجاز شكلي صغير (هدنة هشة ومفاوضات متعثرة) لكنها تغامر -أو قد تغامر- في الحالة هذه بانهيار كامل المسار السياسي الآن.

 

 

 

هل يرحل بشار الأسد أم سيبقى؟

يستمر الغموض بشأن مصير الرئيس السوري بشار الأسد، وهل يكون ضمنَ مرحلة انتقالية قد تمّهد لها جولات التفاوض في جنيف وتؤول إليها الأوضاع في البلاد؟ أم يرفض الشعب السوري، كما فعل خلال السنوات الخمس الماضية، رجلا قتَلَ مئات الآلاف وشرّد ملايين؟

بحسب الكاتب والمعارض السوري ميشيل كيلو فإن المعارضة السورية تطالب بالانتقال من نظام إلى نظام، وليس من دستور إلى دستور أو من حكومة إلى أخرى كما يطالب بذلك بشار الأسد، وقال كيلو إن معلوماته تفيد بأن مصيره بات مطروحا للنقاش بين موسكو وواشنطن.

ومضى المعارض السوري يقول لحقلة (31/3/2016) من برنامج “الواقع العربي” إنه إذا طبقت القرارات الدولية الخاصة بسوريا فسيكون الحل على حساب الأسد وصلاحياته ووجوده كرئيس للجمهورية، وإذا تم التوافق بين واشنطن وموسكو بشأن تشكيل الهيئة الحاكمة الانتقالية، التي يقول القرار الأممي رقم 2118 ووثيقة جنيف 1 إنها ستكون كاملة الصلاحيات، فذلك يعني أن الأسد سيرحل لأنه سيكون من دون وظيفة.

ولم يستبعد كيلو أن يتخلى الروس عن الأسد إذا اضطروا للمفاضلة بين مصالحهم والأسد، وقال إن المعارضة السورية يمكنها أن تتفاهم مع موسكو بشأن علاقة جديدة معها تسمح لها بالحفاظ على مصالحها، وشدد على أن المعارضة لا تريد إخراج روسيا من المجال السوري والمنطقة العربية، لأنها لا ترغب بأن تذهب المنطقة لعلاقة أحادية مع واشنطن المرتبطة بإسرائيل ولما فعلته في المنطقة.

وكشف في السياق أن الروس طرحوا مشروعا يقضي بتشكيل حكومة وحدة وطنية ودستور جديد، وانتخابات حرة تحت رقابة دويلة، وانتخابات رئاسية جديدة، لكن الأسد يحاول فرض شكل الحكومة، ولذلك قرر إجراء انتخابات تمثيلية بالدستور القائم بالتفاهم مع الإيرانيين، وقال كيلو إن موسكو نبهته إلى أنه سيرتكب خطأ حقيقيا.

ورأى في المقابل أن الولايات المتحدة الأميركية لم يكن هدفها التوصل إلى حل للأزمة السورية، وإنما زيادة قدرتها وتصفية حساباتها مع قوى إقليمية ودولية، ولكن بدماء السوريين، متهما الإدارة الأميركية بإدارة الأزمة وبالتلاعب بالحل.

وبحسب كيلو فإن الأولويات الأميركية تقتصر على إيجاد تسويات مع روسيا وإيران، وهي تعتقد أن حل الأزمة السورية يأتي بعد حل مشاكلها مع تلك الدول.

شد حبال

أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الأميركية الدكتور سامي نادر رأى من جهته أن المجتمع الدولي لا يمكنه البحث عن ما اسمها حلا مستداما للأزمة السورية في ظل بقاء نظام الأسد، وأن القرارات الدولية واضحة بهذا الشأن، زيادة على أن هذا النظام يتحمّل جزءا من المسؤولية بسبب ما يحدث من سقوط ضحايا وتهجير للسوريين.

واعتبر أن التقارب الروسي الأميركي بشأن سوريا مرتبط أيضا بملفات أخرى مثل أوكرانيا، وأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحاول التوصل إلى تسوية شاملة مع الطرف الأميركي.

كما أن ما يحدث في سوريا -يضيف نادر- هو محاولة تمرير وقت وتحسين المواقع التفاوضية، وأن النظام يسعى إلى تحسين شروطه التفاوضية لعلمه أن التسوية لم تنضج بعد، وهي مرهونة بقرار أميركي روسي يتناول أكثر من ملف في الوقت نفسه.

وخلص إلى أن ما يجري ليست مفاوضات سلام جدية ومحاولة التوصل لحل مستدام للأزمة السورية، وإنما هي مجرد مفاوضات وشد حبال بانتظار التسوية الشاملة التي قال إن الطرف الروسي يسعى إليها أكثر، ولكن هل سيكون الثمن في سوريا أم أوكرانيا؟ ورجح أن الروس يهتمون بمحيطهم المباشر.

 

 

 

 

الأسد “جثة سياسية” وتدمر لن تمنحه إكسير الحياة

آراء ومواقف عن مناورات الأسد في الساعات الأخيرة

العربية.نت – عهد فاضل

شكّل تحرير مدينة تدمر الأثرية السورية، موضوعاً ملهماً للرأي وإطلاق المواقف السياسية، خصوصاً إذا ما ارتبط بسعي الأسد لـ”استغلال” تحرير المدينة التي قالت عنها المعارضة السورية إن داعش دخلها وخرج منها بتنسيق مع نظام الأسد، ثم قيامه بإبداء “تنازلات مزيّفة ووهمية” لدى كلامه عن الانتخابات الرئاسية المبكرة وتشكيل حكومة وحدة وطنية.

القيادة السورية قاصرة والأسد ضد المبعوث الأممي

فقد ورد في مقال لجمال طه في “الوطن” المصرية، أمس الخميس، أن الرئيس الروسي بوتين “أدار المساومة بنفسه” ضمن خطة “تحرير تدمر قبل ثلاثة أيام من إعلان الانسحاب” على حد قوله.

إلا أن القيادة السورية، يضيف الكاتب المصري، “بقصور رؤيتها” عجزت “عن تقدير الضوابط واعتبارات المصالح التي يفرضها التحالف مع قوة عظمى”، مؤكداً أن “كبار المسؤولين الروس هاجموا بشار والموقف السوري بصرامة وحدة”، مشيراً إلى أن الرئيس الروسي بوتين قرر “الانسحاب بشكل منفرد”.

وقريباً من المكان الذي ألمح إليه الكاتب المصري، سيرد في مقال في “روسيا اليوم” في 31 مارس أن ما قاله الأسد عن المرحلة الانتقالية “من دستور إلى دستور” وبأنها يجب أن تتم وفق الدستور الحالي، هو عبارة عن “مخالفة لوثيقة المبعوث الأممي الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، ومخالفة للقرار الدولي 2254”.

وينتهي المقال السابق إلى أن “دمشق تحاول تفريغ جولة جنيف المقبلة من محتواها، من خلال التشديد على أولوية مكافحة الإرهاب، واستثمار النتائج العسكرية على طاولة السياسة”.

مراهنات دمشق على إكسير الحياة وذرائع الأسد للبقاء في السلطة

إلا أن “تحرير” تدمر الذي يحاول الأسد استثماره في شكل ما لإطالة عمره السياسي، ويحمل في “طياته” رسائل معينة في هذا الاتجاه، خصوصا بعد اتصال بوتين بالأسد “مهنئاً” بتحرير المدينة، يقول عريب الرنتاوي في “الدستور” الأردنية 29 مارس الماضي إنه “من السابق لأوانه التكهّن بنهاية مطاف الاحتضان الروسي لشخص الأسد” خصوصا بعد قول الكاتب إن “دمشق تراهن” على “صرف” ما سماه “إكسير الحياة” الذي جلبه تحرير تدمر لها “على موائد التفاوض في جنيف”.

وهو الأمر الذي أشار إليه محمد المشموشي في صحيفة “الحياة” اللندنية اليوم الجمعة عندما قال إن الأسد يحاول “أن يبيع مسألة استعادة تدمر إلى بلدان العالم، التي طالما وضعها أمام الخيار الذي رسمه بإتقان: إما الأسد أو داعش”. مؤكداً أن كل تصريحات النظام المتصلة بموضوع مكافحة الإرهاب “هي ذرائع النظام، وأساليبه للخداع والمماطلة، لكي يبقى في السلطة”.

الأسد جثة سياسية تقصف التفاوض السياسي!

وعلى العكس من مراهنات الأسد على “صرف إكسير الحياة” لتقوية موقفه التفاوضي في جنيف، ورد في مقال لمحمد النمر نشر في “النهار” اللبنانية أمس الخميس، أن “الأسد يشعر بارتفاع الحرارة أسفل قدميه فأطل بجملة مواقف روسية المصدر تشابه تقديم تنازلات أو المرونة السياسية مقابل إبقائه على كرسيّه”.

الصحافي والكاتب السعودي مشاري الذايدي في مقال له في “الشرق الأوسط” اللندنية اليوم الجمعة، أشار إلى “انتشاء” الأسد بانتصارات تدمر، والذي على أساسه قدم “تفسيره الخاص” حول “الهيئة الانتقالية”، مؤكداً أن ما طرحه الأسد هو “قصف بالصميم لمعنى التفاوض السياسي”.

وألمح الكاتب إلى “غموض” الحديث الذي يدور بين الأميركيين والروس حول مصير الأسد، من نفي إلى تأكيد، ثم إلى تلميح، وبعده إلى نفي “بارد يزيد الشك” ثم تأكيد الإدارة الأميركية بأن موقفها ثابت من الأسد بصفته “فقد شرعية حكم سوريا”.

وينتهي الذايدي إلى القول إن الأسد “جثة سياسية” محذراً من خطورة “الجثث اذا استمرّت في تمثيل الحياة الحقيقية”.

إذا كانت روسيا لا تناور.. الحل ممكن

و”الانتشاء” الذي أشار إليه الصحافي السعودي السابق، أشار إليه الكاتب السياسي اللبناني وليد شقير في “الحياة” اللندنية اليوم الجمعة، وفي السياق نفسه الذي يسعى فيه الأسد لاستثمار تدمر” وغيرها إكسيراً للحياة” فيقول: “يرفض التوافق الأميركي الروسي على تقديمه التنازلات حتى تنطلق العملية السياسية، منتشياً بالنجاحات التي حققتها الجيوش والميليشيات التابعة له وللإيرانيين بفضل الطيران الروسي”، مؤكداً “انتكاسة” الأسد بعد إعلان الروس سحب جزء من قواتهم.

إلا أن راغدة درغام في “الحياة” اللندنية اليوم الجمعة، رأت أنه من الممكن وجود “فسحة انفراج” في سوريا “قابلة لتحقيق اختراق كبير” إذا ثبت أن “الدبلوماسية الروسية لا تناور”، مؤكدة أن الإدارة الأميركية “مستعدة” لترك قيادة الحل “في الأيدي الروسية”، إلا أن هذا لا يعني “الانبطاح الأميركي التام أمام ما تصمّمه موسكو لسوريا إذا كان مستقبل الأسد هو الذي يقرر مستقبل سوريا”.

 

 

 

 

في “الحقيبة”!/ د.محمد سليمان أبو رمان

تناولت وسائل إعلام المناكفة التي حدثت بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير الخارجية الأميركي جون كيري، لدى زيارته لموسكو مؤخرا، بوصفها نكتة أو مزحة عابرة، عندما سأل بوتين الوزير الأميركي عمّا إذا كان يحمل مالا في الحقيبة ليغري الروس بتغيير مواقفهم!

فأجابه الأخير بأنّه سيعلم ما فيها عندما يجتمعان، ففيها ما هو أهم من المال!

في الحقيقة أو الحقيبة، إن شئتم، ليس فقط ما هو أغلى من المال، بل فيها مستقبل المنطقة العربية بأسرها، ضمنيا، عبر التصور الذي قدّمه الوزير للرئيس الروسي، ولم يُعلن عنه إلى الآن. لكنّ التصريحات كانت تشي بوجود تفاهمات جديدة، قد تصل إلى اتفاق سياسي على المرحلة الانتقالية في سوريا، والانتخابات والدستور الجديد.

سؤال المليون، الذي لم يُكشف عنه، يتمثّل في مصير الرئيس الأسد، ما كان يمثّل “العقدة” الحقيقية في وجه أي تفاهم سياسي. ولم يعلن عن فحوى ما توافق عليه الطرفان بهذا الخصوص، إنما ألمح الروس لتفهّم أميركي لعدم مناقشة مصيره، فيما تصرّ تسريبات، في الطرف المقابل، على أنّ الروس تعهّدوا بإقناعه بعدم المشاركة في الانتخابات الرئاسية المقبلة.

لا توجد ضمانات ولا تعهدات معلنة فيما يتعلّق بمصير الأسد؛ فكل ما يتم تسريبه يمكن أن يتم محوه بسهولة، مع تطورات عسكرية على أرض الواقع. لكن الخريطة السياسية التي حملها كيري، في حقيبته، والتفاهمات التي أجراها مع الروس، هي التي ترسم مستقبل سوريا السياسي، وفق منظور القوى الكبرى العالمية، بينما تمّ تهميش القوى الإقليمية بأسرها، باستثناء إيران التي سيسترضيها الروس، وإسرائيل التي تعمل الولايات المتحدة دوما على ضمان “مصالحها الأمنية”.

خريطة سوريا السياسية لا تنفصل عن مستقبل المنطقة بأسرها؛ فما يحدث في سوريا اليوم يتجاوز حدودها إلى عملية توزين ومعايرة حجم القوى الإقليمية ومعالم الخريطة الجغرافية-السياسية القادمة، مع التغيرات الأخيرة. ويمكن القول بأنّها “الفرصة الأخيرة” لمحاولة الخروج من المستنقع العسكري في هذه الدولة، الذي شعرت كلّ من روسيا وأميركا بأنّه لا يخدم مصالحهما معا، لذلك قررتا إنهاء الفوضى والانتقال إلى مسار سياسي، والتفرّغ المشترك من قبلهما للقضاء على “إمارة داعش” و”نفوذ النصرة” في كل من العراق وسوريا.

رغم ذلك، ومما يبدو مبدئيا نجاحا نسبيا للهدنة العسكرية، باستثناء العمليات الموجّهة ضد “داعش”، فإنّ استقرار أي خطّة سياسية على المديين المتوسط والبعيد، والتخلص من “داعش” بدرجة عميقة، وليس فقط آنية، كل ذلك يقتضي حلا مقنعا للأزمة السُنّية، في كل من العراق وسوريا، ما يرتطم بسؤال النفوذ الإيراني المتنامي في هاتين الدولتين.

يبدو “الحل السُنّي” في العراق أقل تعقيدا من سوريا، وفكرة الأقاليم، عاجلا أم آجلا، أو الفيدرالية الثلاثية، هي الأنسب للجميع. فالمطلب السُنّي اليوم يتمثّل في إقليم فيدرالي بإدارة ذاتية، ما يشبه الحالة الكردية. أما في سوريا، فالأمر أكثر تعقيدا، إذ إنّ الحالة الديمغرافية متداخلة عرقيا وطائفيا ودينيا، في كثير من المناطق، ما يجعل من سيناريو الفيدرالية أو التقسم على هذا الأساس، أمرا غير منطقي عمليا.

كلمة السرّ في الأزمة السُنّية في سوريا، وبداية الطريق الحقيقية للتخلّص من “داعش”، تتمثل في “رحيل الأسد”، على أقل تقدير؛ فلا يمكن أن نتصوّر بقبول السُنّة السوريين به، بعد كل ما قام به من مجازر وكوارث بحق أبناء شعبه. وإذا كانت بالفعل مصلحة الروس في الاستقرار السياسي، فإنّ هذا الاستقرار لا يمكن تحقيقه طالما أنّ الأسد موجود، والإطاحة به هي الممر الوحيد للتخلص من “داعش” والجماعات التي تدور في فلك التطرف، والتي استثمرت في هذه الأجواء!

الغد

 

 

 

 

تحنيط بشار الأسد/ مشاري الذايدي

هل يمكن أن تولد سوريا جديدة، مع بقاء بشار الأسد، شخصًا ونظامًا؟

كشف دبلوماسي في مجلس الأمن أن وزير الخارجية الأميركي أبلغ بعض الدول العربية بأن بلاده توصلت لتفاهمات مع روسيا حول مستقبل الوضع السياسي السوري، من ضمن هذه التفاهمات رحيل رئيس النظام السوري لـ«دولة أخرى» لم يسمِّها. وذلك بحسب ما كشفته صحيفة «الحياة» اللندنية. وهو الأمر الذي نفاه ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين لاحقًا.

بشار الأسد، منتشيًا بما قيل إنه نصر تدمر«تجاوز» سقف تفاهمات جنيف، وهو السقف الذي حدده الروس والأميركان، ومن معهم، وعلى أساسه يتحرك المبعوث الدولي دي ميستورا.

بشار قدم، في مقابلته الإعلامية الروسية، تفسيره «الخاص» به حول ما ورد في معايير جنيف عن «الهيئة الانتقالية» أن الانتقال يعني من دستور لدستور، فقط، طبعًا مثلما جرى في عهود الأسد، الوالد والولد.. هذا قصف بالصميم لمعنى التفاوض السياسي.

أسعد الزعبي رئيس الوفد السوري المعارض لجنيف قال إن الأسد «لا يمكن أن يبقى ولو ساعة واحدة بعد تشكيل هيئة الحكم الانتقالي في البلاد».

هناك حديث غامض بين الروس والأميركان حول مصير بشار الأسد؛ مرة يخرج حديث روسي بأن بحث مصير الأسد، ليس واردًا في هذا المرحلة، وأن ثمة تفاهمًا مع الأميركان حول هذا الأمر، ثم يخرج المتحدث باسم الكرملين نافيًا هذا الأمر، ولكنه نفي بارد، يزيد الشك. ويخرج أيضًا المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية، جون كيربي، مؤكدًا أن موقف بلاده من رحيل الأسد، ثابت لأنه «فقد شرعية حكم سوريا»، وإن هذا متفاهم عليه مع الروس.

القيادي السوري في المعارضة، رياض نعسان آغا، قال متهكمًا، «إذا كان مصير بشار ليس مطروحًا الآن، فعلى ماذا نتفاوض»؟!

القصة ليست حردًا شخصيًا، بل إن بشارًا نفسه هو مصدر أساسي للاضطراب والعسكرة في سوريا. بعد جرائمه الهائلة التي ارتكبها بحق السوريين، بالملايين، وهتك سيادة بلاده، وسلمه الأهلي الداخلي.

أي معارضة سورية تقبل بوجود بشار، ستفقد بشكل آلي أهليتها وقاعدتها الشعبية، التي هي أساس تمثيلها ووجاهتها على طاولة جنيف.

يجب أن يشعر السوريون أن هذا الرجل، بشخصه، وزمرته، هم جزء من الماضي، وإلا فإن القتال سيستمر، وكذا ولادة التنظيمات المتطرفة.

الموت السياسي لبشار ونظامه، هو ضمانة الحياة لسوريا الجديدة. هل يكون الموت بالقتل المادي أو التغيبب السياسي؟ موضوع بحث.

الأكيد أن بشار جثة سياسية، وليس هناك أخطر من الجثث إذا استمرت في تمثيل الحياة الحقيقية.. بشعة وقاتلة!

الشرق الأوسط

 

 

 

 

خطة ثلاثية إستكشافية لسوريا/ راجح الخوري

الحديث عن خطة سرية لحل الأزمة السورية يتم تداولها الآن في إطار الديبلوماسية السرية الناشطة بين موسكو وواشنطن لم يكن مفاجئاً، وخصوصاً بعد الزيارة الأخيرة التي قام بها جون كيري لروسيا، حيث تردد أنه إجتمع مدة أربع ساعات مع سيرغي لافروف ثم مدة مماثلة مع فلاديمير بوتين.

ليس واضحاً ما اذا كانت الخطة قد عرضت على المتفاوضين في جنيف وعلى الدول المعنية بالأزمة، لكنها في ما تسرّب عن مراحلها الثلاث، تبدو مجرد محاولة لتجاوز عقدة الخلاف المستحكمة بالحل، والتي تتمثل بآلية وروزنامة خروج بشار الأسد من السلطة، فهل يخرج مع بداية المرحلة الإنتقالية كما تصرّ المعارضة وكما أعلنت اميركا تكراراً، أم يخرج في نهاية هذه المرحلة كما تريد روسيا ضمناً؟

الخطة تدعو في بندها الأول الى أجراء إنتخابات في رعاية دولية وبمشاركة كل الأطياف السورية لإختيار برلمان جديد، وهنا ليس واضحاً كيف يمكن أجراء هذه الإنتخابات في ظل بقاء أجزاء من سوريا تحت سيطرة داعش والإرهابيين، ومع وجود اكثر من أربعة ملايين لاجىء سوري في الخارج وضعفي هذا العدد في الداخل!

يدعو البند الثاني الى وضع دستور جديد للبلاد يعكس التوازنات والمطالب، وهنا أيضاً ليس واضحاً كيف يمكن الإتفاق على هذا الدستور في ظل الدعوة الروسية الصريحة الى إعتماد الفيديرالية وهو ما رفضته المعارضة في حين تمسك به الأكراد في شمال سوريا الذين يجدون تفهماً واضحاً لمطالبهم من الأميركيين والروس .

ويدعو البند الثالث الى وضع آلية وروزنامة لإجراء إنتخابات رئآسية وهنا ايضاً ليس واضحاً كيف يمكن إشراك اكثر من ١٢ مليون لاجىء سوري في الخارج والداخل في هذه الإنتخابات، ولا كيف يمكن ان يقبل الأسد بإشراكهم وهو يعلم تماماً أنهم يطالبون بعزله ومحاكمته مع بطانته، وقد ظهر هذا جلياً وواضحاً عبر التظاهرات الأخيرة التي خرجت فور وقف النار تطالب بسقوط النظام.

كل ما تردد عن إقتراب واشنطن من نظرة موسكو التي تدعو الى بقاء الأسد مرحلياً لا معنى له على الإطلاق، أولاً بدليل النفي الأميركي المتكرر بلسان مايكل راتني الذي قال ان الإنتقال السياسي ليس غامضاً وإنما هو إنتقال يستبعد الاسد، وثانياً بعد زيارة جون برينان لموسكو والتي قيل إنها شددت على رحيل الأسد وفق روزنامة تحددها الخطة الثلاثية، وثالثاً في ظل تصريح سيرغي ريابكوف الذي قال إن المحادثات مع كيري سجلت خطوات ملحوظة الى الأمام لكنها لم تأتِ بتغيير مبدئي أو بقرارات إنفراجية حول ملفي سوريا وأوكرانيا.

هذا يعني ان الخطة الثلاثية لا تزال مدار بحث لكن المهم أنها مجرد مقايضة روسية – أميركية تمتد من سوريا الى أوكرانيا !

النهار

 

 

 

هل تُعيد واشنطن مع روسيا الرقة إلى النظام؟/ روزانا بومنصف

على رغم التأكيدات المتعددة في وقت سابق أن ثمرة الانتخابات الرئاسية قد نضجت وحان قطافها، تخشى مصادر سياسية أن يكون الأفرقاء المعطلون لهذه الانتخابات قد أخذوا فرصة مديدة في ضوء رهاناتهم على نتائج التوافق الاميركي – الروسي على الحلول المرتقبة للازمة السورية، والى ماذا ستنتهي. فهذه الحلول وفق زوار عواصم غربية في الآونة الاخيرة، أخذت طريقها الجدي الى احتمال التنفيذ، أقله وفق الانطباعات التي تتركها اللقاءات مع المسؤولين الغربيين، وقد تشجع هؤلاء بما يعتبرونه تصميما اميركيا – روسيا مشتركا على تذليل العقبات والمضي قدما في السعي الى حل سياسي. ينقل عن هؤلاء المسؤولين العزم الذي أظهره وزير الخارجية الاميركية جون كيري ومسارعته الى لقاء كل من الرئيس فلاديمير بوتين ونظيره سيرغي لافروف قبل أسبوع، في ما اعتبرته المصادر أنه ضرب بقوة من الثنائي الروسي – الاميركي على الطاولة من أجل إفهام الجميع أنه موجود ولا يزال قائما، وهو غير متراجع على رغم ما شهدته التطورات الاخيرة في سوريا، من سعي روسي الى تحسين أوراق النظام وموقعه من خلال مساعدته على تحرير تدمر التي تقول وزارة الدفاع الروسية إنها شنت ما يزيد على 2000 طلعة من أجل استعادة المدينة. وإذا كان التلاقي الروسي – الاميركي يوجه رسالة واضحة الى كل المعنيين بالشأن السوري على أنهما لا يزالان يعملان معا من أجل المفاوضات، فإن مؤشرات لم تتضح بالنسبة الى معنيين كثر عن طبيعة رد الفعل على إعادة روسيا تدمر الى سيطرة النظام وما اذا كان التنسيق بين الجانبين الروسي والاميركي من أجل تحرير الرقة كخطوة ثانية بعد تدمر، كما أعلن المسؤولون الروس، يتضمن اعادتها الى سيطرة النظام او ان روسيا ستتولى ذلك تحت العنوان الاميركي – الروسي وتقدم الرقة في حال تحريرها من تنظيم “الدولة الاسلامية” الى بشار الاسد الذي كثف رسائله الاعلامية السياسية في اتجاهات عدة في الأيام القليلة الماضية من أجل تأمين ضمان استمراره، مقدما عروضا مغرية للدول الغربية لإعادة ضبضبة الوضع السوري تحت سلطته، على قاعدة إبدائه مرونة سياسية ظاهرية إزاء جملة العناصر المطروحة على البحث في جنيف. والواقع أنه بعد تحفّظ واشنطن عن إعادة تدمر الى الأسد، وكذلك الدول الغربية، يبدو غريبا ان توافق واشنطن على التعاون مع روسيا لإعادة الرقة الى النظام، او ان يكون ذلك متاحا انطلاقا من سؤال كبير عن الاتجاه الذي سيدفع نحوه عناصر “داعش”.

في أي حال، هذه العروض المتواصلة من الاسد تكتسب بعدها الحقيقي من واقع ان مصير الاسد مطروح على بساط البحث على ضوء رفض عدد من الدول اي دور له في المرحلة الانتقالية التي قال الاسد ان لا تعريف لها، علما أن للمرحلة الانتقالية مفهوما واضحا يقوم على إنشاء حكومة موقتة تتشكل بعد سقوط نظام سياسي، والنظام السوري كنظام حكم الحزب والشخص الواحد سقط ولم يعد قابلا للعيش انطلاقا من واقع ان سوريا لن تعود الى ما كانت عليه، وفق ما يحاول الاسد ان يعرضه، والفترة الانتقالية تستمر حتى وضع أسس نظام جديد يتفق عليه. وزير الخارجية البريطاني أعلن من بيروت، الاقرب الى سوريا من اوروبا، ان بلاده لن ترغب في الاسد في المرحلة الانتقالية، وهناك مروحة واسعة من الدول لن تسمح ولن تقبل بذلك في إطار محاولة تحديد كل منها موقعه مما هو مطروح على طاولة المفاوضات السورية في جنيف.

والسؤال بالنسبة الى المتابعين اللبنانيين يتصل بالمدى الذي يمكن ان يأخذه الجدل حول مسار الحل السوري، ومن ضمنه مصير الاسد، وما هو الوقت الضروري لبلورة ذلك انطلاقا من انه حين تحصل التسوية المرتبطة بالوضع السوري فإن تداعياتها ستنسحب على لبنان، وهناك مؤشرات على تسوية جدية يتم العمل عليها بقوة على الصعيد الدولي. ومع ان البلد لم يعد يمكنه الانتظار على مستويات متعددة في مقابل سعي غالبية الافرقاء، ان لم يكن جميعهم، الى تحسين مواقعهم واوراقهم في انتظار الحل، فإن هؤلاء الافرقاء غدوا اكثر من اي وقت أسرى رهاناتهم وانتظارهم خلاصات الوضع السوري. ومع أن كل المواعيد التي حددت في السابق او الربط الذي أحدثه سياسيون كثر بين محطات خارجية مهمة والاستحقاقات اللبنانية خلال العامين الماضيين سقطت تباعا من دون ان تنجح في حلحلة الوضع في لبنان، فإن توقعات مصادر ديبلوماسية تشير الى ان ثمة ما ينتظر الوضع السوري في حزيران المقبل. أي أن الشهرين أو الاشهر الثلاثة المقبلة مهمة جدا على صعيد تحديد اتجاهات الازمة السورية، على رغم ثقة سياسيين كثر في لبنان بأن هذا المسار لا يزال مفاجئا بالنسبة اليهم، اذا انهى الحرب السورية في هذا التوقيت نتيجة اقتناع راسخ بان هذه الحرب لم تنضج بعد حتى تنتهي عند هذه المرحلة، على رغم الاقرار بعاملي تدفق اللاجئين ووصول الارهاب الى قلب اوروبا اللذين قلبا المشهد السياسي الخارجي المتصل بالحرب السورية وسرّع جدية البحث والسعي الى اتفاق او حلول بين الولايات المتحدة وروسيا، وتاليا الضغط على القوى الاقليمية لهذه الغاية. وتبعا لذلك، فإن انحسار الغيوم حول سوريا لن يجعل أحدا يسلم اوراقه، وقد شارفت الرهانات على أن تنكشف نتائجها بالنسبة الى المراهنين.

النهار

 

 

 

لماذا يستمر نظام الأسد؟/ د. بهجت قرني

منذ بداية الانتفاضة السورية قبل أكثر من خمس سنوات، توقع الكثير من الكتاب والمحللين السياسيين، عرباً وأجانب، سقوط الأسد واللحاق بغيره من السلطويين مثل بن علي ومبارك والقذافي، لكن لا يزال الأسد باقياً. بل إن المباحثات الدائرة في جنيف، والتي ستتواصل الشهر القادم، أسقطت شرط المغادرة الفورية للأسد، والسؤال المحوري (اللغز) هو: لماذا لم يسقط نظام الأسد؟ فهذا النظام قتل أكثر من ربع مليون من سكان البلد، وأجبر نصفهم على النزوح داخلياً أو خارجياً، كما هدَّم بنية بلده التحتية بحيث إن سوريا تحتاج الآن -في حال توقفت الحرب- إلى حوالي 39 عاماً لكي تصل إلى مستوى التنمية البشرية الذي أحرزته في عام 2010، أي قبل أقل من عام من بداية انتفاضتها؟ لماذا إذن، وكيف يستمر هذا النظام؟

السؤال مهم للغاية لأنه يساعدنا في تصحيح تحليلاتنا، حتى ولو كان علم استشراف المستقبل والتنبؤ به في المجال السياسي الاجتماعي لا يزال بعيداً عن الدقة واليقين.

وفي الإجابة على السؤال اللغز، سأقتصر على ثلاثة أسباب لاستمرار الأسد.

1- عدم تجذر المعارضة داخلياً، فرغم وحشية النظام وقتله معارضيه في عدة مناسبات، فإننا لم نسمع عن مظاهرات جماهيرية ضخمة تجوب شوارع المدن الرئيسية. قد يقول قائل: إن وحشية النظام هي السبب، لكن هذا لم يمنع المظاهرات الصاخبة في نهاية الثمانينيات من إسقاط حائط برلين، كما أنها أجبرت بن علي على الفرار، وكذلك رجال بوليس مبارك.

وحشية النظام السياسي قد تكون في الواقع سبباً في النزول للشارع. تجارب التاريخ تؤيد هذا، بل لم يحدث في سوريا أن تخلى عدد معتبر من الدبلوماسيين والعسكريين عن مناصبهم والانضمام لصفوف الثوار، كما حدث مع نظام القذافي. انقسام المعارضة والتغير بين صفوفها، أضاف إلى عدم تجذرها وافتقارها للقدرة على التجييش داخلياً.

2- تفكك المعارضة وعدم تجذرها انعكس أيضاً على المستوى الدولي، فمؤيدو المعارضة لم يسلكوا استراتيجية موحدة في الدعم المالي واللوجستي، بل إن بعضهم لم يقف إلى جانب المعارضة ككل، بل اختار بعض صفوفها. هذا بينما وقف إلى جانب الأسد حائط ضخم من المال والعتاد، من إيران وحرسها الثوري، إلى رجال «حزب الله» كجيش على الأرض السورية، فضلاً عن التدخل المباشر للترسانة الحربية الروسية. قارن هذا بالتردد الأميركي، أو إشكاليات التنسيق بين القاهرة والرياض تجاه نظام الأسد.

3- السبب الثالث قد يبدو غريباً، وهو التحالف غير المعلن بين نظام الأسد و«داعش»، بمعنى تسويق النظام السوري بواسطة حلفائه في موسكو وطهران على أنه السبيل الوحيد لقهر المنظمات الإرهابية التي تتسلح باسم الدين، وهنا يجب أن نلاحظ أن هذا ليس بالجديد، فقد دأبت النظم السلطوية على تقديم نفسها كحامية لما تسميه الاستقرار والالتزام بقواعد دبلوماسية تربط بين الدول في وجه منظمات فاشية ومتعصبة، ومتوحشة وهمجية.

ورغم أن سلوك هذه النظم السلطوية لا يقل فاشية في الداخل، فإن أحداثاً بربرية وهمجية مثل الهجوم الإرهابي في بروكسل، وقبله في باريس وتهديد النظام الاجتماعي الغربي.. يُشجِّع الكثيرين على قبول هذه النظم السلطوية، أخذاً بمنطق «أخف الضررين»، ومن هنا يكون من المتصور أن يقوم نظام الأسد مثلاً بدعم «داعش» أحياناً، لأن وجوده يصب في مصلحة النظام، على أساس أن الأسد وأعوانه هم حالياً «البديل الأفضل».

وهكذا هناك حالياً محاولة لرد الاعتبار لنظام الأسد، فبالإضافة للاتصالات غير المباشرة مع بعض العواصم التي ناوأته سابقاً، تتسابق وسائل الإعلام في فتح منابرها للأسد، في الشهور الثلاثة الأخيرة فقط استضافه تلفزيون التشيك، وكالة الأنباء الفرنسية والـBBC.. وقدمته على أنه يحارب الإرهاب من أجل العالم!

الاتحاد

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...