الرئيسية / صفحات سورية / ما بعد 20 حزيران: قراءة تفصيلية لخطاب الرئيس الأسد/ نائل حريري

ما بعد 20 حزيران: قراءة تفصيلية لخطاب الرئيس الأسد/ نائل حريري

 


نائل حريري

في العشرين من حزيران عام 2011 وبعد اكتمال ثلاثة أشهر ساخنة مرت على سوريا، يخرج الرئيس بشار الأسد ليطل على الشارع السوري بطريقةٍ حاول أن يكون فيها مختلفاً عن كل ما عرفه الشعب السوري. فهل كان خطابه مختلفاً؟

في أهمية الحدث عموماً:

إن ظهور رئيس الدولة في خطاب إلى عموم شعبه عادةً ما يحمل قيمةً كبرى كحدث عام. وفي سوريا حصراً يكتسب حدث 20 حزيران نقطتين إضافيتين، فالرئيس الأسد أولاً يصرّ عادةً على حضوره الإعلامي القليل، وعادةً ما يتم تناقل أخباره وزياراته وحواراته دون أن يظهر في الصورة. وثانياً علينا ألا ننسى أن خطابه الثالث يأتي في ذروة اشتعال الوضع السوري داخليا وخارجياً. لقد كان ظهور الرئيس فجائياً وعاجلاً إلى حدٍ ما، وخارج حدود مؤسسات الرئيس الرسمية للمرة الأولى. مما يعني محاولة الخروج عن أطر شكلية معينة رصدت بالمقابل ترقباً شعبياً ضخماً لخروجٍ موازٍ في المضمون وطريقة الطرح.

في حركة تطور الخطابات:

بدأت حركة خطابات الرئيس الأسد ضمن فترة التأزم هذه (وهنا نجمع أشيع الآراء الموثقة) بخطابٍ أول مخيب للآمال ودون أدنى المستويات المشجعة حيث تم التعامل باستخفاف مع الأحداث واعتبارها بلبلةً صغيرة ومؤامرةً غير ذات أهمية يقودها بعض المندسين الذين هم معروفون بالاسم ويمكن إحصاؤهم على أصابع اليدين. واعتبر خطابه الأول القضية هي قضية نيل من كرامة سوريا التي ستنفض هذه المؤامرة وتخرج منها بدون أي حاجة لطروحاتٍ إضافية. ومن حيث الشكل كان خطاباً مرحاً مليئاً بالضحك والمزاح والهتاف والتهليل والتصفيق وتجاهل تماماً الوقوف دقيقة صمت أو الإشارة إلى وجود شهداء في أي جزء من الأراضي السورية……

في الخطاب الثاني الذي قدمه أمام مجلس الوزراء حاول الرئيس أن يطرح للمرة الأولى مصطلح “المطالب المحقة” وفكرة أن على الدولة أن تعمل على استقراء هذه المطالب ومن ثم تحقيقها معتبراً أن الدولة لا تقوم بواجباتها كما يجب وأنّها كانت تمر بمرحلة من الفساد الواضح (ممثلةً بحكومة محمد ناجي عطري) مما جعلها لا تلبي رغبات الشعب، إلا أنّه حدد وبدقة المطالب الأساسية التي يجب العمل عليها وصنّفها في ثلاثة محاور كان ثالثها وأهمها في رأيه هو كرامة المواطن. كان هذا الخطاب أقرب للشعب من سابقه ولاقى استحساناً أكبر ورفضاً أقل. يؤخذ عليه أنه حاول التعامل مع الأزمة وكأنها “أزمة حكومة” تحلّ برحيل العطري وتولّي سفر لمنصب رئاسة الوزراء، طبعاً بغض النظر عن الفساد الصريح للكثير من وجوه هذه الحكومة الجديدة وأهمها رئيس الحكومة ذاته الذي نال الحصانة الوزارية ليطوي معها ملف محاكمته على قضايا فساده في وزارة الزراعة التي كان يشغلها.

ما الذي انتظرناه من خطاب 20 حزيران؟

1)   اعتراف الرئيس (ولو شكلياً) بفشل السلطة في التعامل مع الأزمة بدليل استمرار اشتعالها طيلة الاشهر الماضية، وتحميلها المسؤولية أولاً عن مجمل الأحداث الدامية التي حدثت.

2)  فتح ملف الخطاب الإعلامي الرسمي المهترئ ونقد تحوله إلى ساحة لتمجيد وتعظيم السلطة، وتغييبه لأي رأي معارض طيلة ثلاثة أشهر كاملة والتزامه الخطاب التخويني والهجومي، والحلول التي يمكن طرحها لتغيير هذا الخطاب وتحديثه. كما يجب طرح موضوع تحول الإعلام الرسمي إلى جهاز مخابراتي يمارس الضغط والإرهاب وفرض خطابات معينة على من يظهرون من خلاله، ووصل في الفترة الأخيرة إلى عرض اتصالات مسجلة هي في أسوأ الأحوال مفبركة وفي أحسن الأحوال تم التنصت عليها وتسجيلها دون إذن من الجهات المسؤولة وفي ظل عدم وجود حالة طوارئ في البلاد.

3)  فقدان الثقة الذي يعاني منه جزء كبير من الشعب السوري تجاه السلطة، والانتقادات المعروفة عن عدم جدية الإصلاح وموقف السلطة منها، والحلول التي ستنتهجها السلطة لإعادة الثقة.

4)    أهداف وجود الجيش في الأراضي السورية وتفاصيل توزيعه وأسبابها، وأسس وضوابط هذا الوجود ومراقبته.

5)  الموقف من المعارضة السورية في الخارج، وإمكانية إتاحة الفرصة لها للالتقاء على أرض الوطن بدلاً من المؤتمرات الخارجية.

6)    الأصداء السلبية للقوانين والمراسيم التي تم إقرارها وسبل الإصلاح لها وصياغتها مجدداً.

7)  شرح انتقاد الرئيس الأسد للإصلاحات الاقتصادية غير المدروسة “الذي عبر عنه في لقائه مع وفد جوبر” وعرضه للخطط البديلة (بدلاً من ذلك أخذ الرئيس في خطابه يشيد بتخفيض سعر المازوت الذي كان قد انتقده قبل عشرة أيام).

8)  تناول وجود الأجهزة الأمنية وتفاصيل إصلاح عملها (وكان قد صرح لنفس الوفد بأنه سيسحب الوجود الأمني من الشارع السوري).

9)    إلغاء المادة الثامنة على أرضية الأحزاب الموجودة حالياً وبغض النظر عن موعد صدور مشروع قانون الأحزاب الجديد.

10)          ومن نافل القول أن الخطاب لم يتضمن أياً من هذه النقاط على الإطلاق.

مقدمة عامة للخطاب:

1)  بدأ الخطاب بتناول “الفتنة” و”دفنها في جحورها الكريهة” والإحالة إلى “فصول المؤامرة” فيما يبدو نكوصاً إلى رواية الخطاب الأول، ثمّ تناول الشهداء ودماءهم الطاهرة ليحيلها (مجدداً) إلى زهور المؤامرة التي تنبت في سوريا. وأعلن الرئيس (فيما يبدو أنه نقطة إيجابية) أنه سيخصص الخطاب للحديث عن المحور الداخلي دون الإشارة للمؤامرة الخارجية، لكن يبدو من تفاصيل وثنايا الخطاب أنه لم يتخل عن نظرية المؤامرة إنما تحدث عنها كأزمة داخلية قوامها المسلحون والمخربون، ومن ثم عاد يربطها بالأجندات الخارجية. وهي نقطة إن كانت لا تخلو من مقاربة منطقية فهي رواية غير مدعومة سوى بنظرة السلطة المشكوك فيها بشدة إضافةً إلى أنها تلغي الهدف الأساسي من الاقتصار على بحث الوضع الداخلي وهو الحديث عما تم إنجازه.

2)  برر الرئيس تأخر خطاب 20 حزيران بشكل يحملنا على المقاربة – مراراً وتكراراً – بالخطاب الأول. فقد باشر الرئيس خطابه الأول بعبارة أنه تأخر في الظهور الإعلامي بانتظار اتضاح صورة الوضع في ذهنه (يمكننا اليوم القول بوضوح أن الصورة لم تتضح في ذهنه وقتها). وها هو في خطابه الثالث يبرر تأخره في الحديث إلى الشعب بأنّه لا يريد دعايةً إعلامية وأنه يريد الحديث عمّا أنجز وليس عمّا سيتم إنجازه. ويثير الاستغراب أن خطاب العشرين من حزيران (كما سنعرض مفصلاً) لم يحمل جديداً على الإطلاق مما يثير تساؤلنا حول اختيار هذا التاريخ بالتحديد. ولو كان الخطاب ينوي تقديم أطر وآفاق وأساليب جديدة فكان يفترض به أن يتأخر أسبوعاً على سبيل المثال ريثما توضع مسودات واضحة للخطط التي زعم أنها في طريقها للاكتمال. إذاً خرج الرئيس في هذا الخطاب رامياً إلى أن يتحدث عما تمّ إنجازه وتحقيقه، إلا أنه في الحقيقة انتهى إلى الوعود والتسويفات التي وصل حدها الأدنى إلى نهاية العام. ولم يضع أي خطة أو تاريخ محدد لأي نقطة من النقاط سوى انتخاب مجلس الشعب الجديد (والذي هو خطوة روتينية أساساً ستتأخر ثلاثة أشهر حتى آب المقبل).

3)  يمكن إذاً الطرح بنسبةٍ كبيرة أنّ هذا الخطاب من حيث التوقيت يهدف لتنفيس الضغط التركي في المقام الأول بمحاولة لتقديم ما يشبه البرنامج الزمني غير الواضح، وهذا ما جعل الخطاب يتم في هذا الوقت بالتحديد دون إمكانية الانتظار أكثر من ذلك. أيضاً أشار الرئيس تلميحاً إلى ما سماه “الشائعات” ويقصد بها الأخبار التي سرت حول فرض الإقامة الجبرية عليه واعتبر أنّ هذا الخطاب دليل على أنّه ما يزال رئيس الدولة. وبيّن أن هذا الخطاب إثبات إلى أن جميع هذه الشائعات خاطئة، وهو الهدف الثاني من هذا الخطاب. كما يؤكد الرئيس الأسد في بداية الخطاب أن الثقة بينه وبين شعبه موجودة وأن العلاقة بينهما تعتمد على الفعل لا القول (وفي هذه الحرفية محاولة للرد على تصريحات ميدفيدف وأوغلو في أنّ على الرئيس الأسد التحول من الأقوال إلى الأفعال)، وفي الوقت الذي يشيد فيه الرئيس الأسد بالثقة بينه وبين شعبه استعرض مثالين معاكسين هما أولاً خوف المغتربين من استلام جوازات سفرهم لعدم ثقتهم بالسلطة وثانياً خوف النازحين من العودة إلى سوريا تخوفاً من بطش النظام بهم. وهما نقطتان كان الأجدر معهما فتح التساؤل عن عدم ثقة الشعب بالنظام وليس الإشادة بالثقة بينهما.

في الوضع الأمني:

1)  أحال الرئيس الأسد ما يجري في الفترة الأخيرة إلى حوادث “شغب” و”ترويع” و”تخريب” و”قتل” ضمن صيغة إنشائية عاطفية محكمة. ويجد أنّ الحل يكمن (بأن نسيطر على الأحداث بدلاً من أن تسيطر علينا) وفي هذه الصيغة تساؤل حول ضمير المتكلم فيها والذي يبدو من استقرائنا لباقي فقرات الخطاب أنه يعود إلى السلطة – كما سنشير لاحقاً – وليس إلى الشعب السوري. ولم يشر الخطاب كيف يمكن أن نسيطر على الأحداث بدلاً من أن تسيطر علينا، ولم يطرح أي خطوط عريضة لهذا الحل.

2)  الإشارة بأن سوريا “كانت في جميع مراحلها هدفاً لمؤامرات مختلفة قبل أو بعد الاستقلال” والإشارة إلى أن مواقفها السياسية الممانعة هي سبب من اسباب استهدافها، وبالتالي فالمؤامرات كالجراثيم تتكاثر ولا يمكن إبادتها (لمصطلح الإبادة أهمية لغوية في الإشارة إليه لاحقاً) ومن هنا وضع الرئيس الأسد خيارين لا ثالث لهما وهما أن المؤامرة إما “رسمت في الخارج ونفذت في الداخل” أو “أن الاضطراب الداخلي شجع المتآمرين على العمل ضد سوريا” وهنا يسقط الاحتمال الثالث.

3)  يشير الرئيس الأسد في مقاربة صحيحة إلى الضغوطات الخارجية والمصالح التي تكمن خلفها، ومن ثم يربطها بالمؤامرة القائمة على سوريا دون أن يشير إلى أن الخطوات الخاطئة التي اتخذتها السلطة هي التي أدت إلى منح الذريعة الإقليمية لتركيا للتدخل في الوضع الداخلي في سوريا. يجمع بين الخطابات الثلاثة للرئيس الأسد قاسم مشترك هو أنّ أياً منها لم يتضمن اعترافاً من السلطة بأخطاء (سواء في النظرية أو التطبيق) واقتصار حديثه على أنّ المشكلة هي مشكلة أولويات زمنية وتراتبية، وبالتالي لم يقدم الرئيس الأسد أهم ورقة كانت مطلوب منه وهو اعتراف ولو بسيط بأن السلطة “أخطأت” على الأقل.

4)  للمرة الأولى في خطابات الرئيس الأسد يتم الاعتراف بوجود “متظاهرين” واعتبارهم جزءاً من النسيج السوري، ثم الفصل بين المتظاهرين وأصحاب الحاجات فصلاً لغوياً شكلياً تحول إلى فصل عضوي. فأشار إلى أن أغلب أصحاب الحاجات لم يخرجوا في المظاهرات وبالتالي يحمل هذا الطرح فكرة أكثر تلغيزاً هي أنّ المتظاهر ليس صاحب حاجة فقط بل يلزم وجود عنصر آخر للدفع إلى التظاهر وبالتالي يضمّن في معنى حديثه أن هناك أصحاب حاجات شرفاء لم يتظاهروا وأصحاب حاجات مشكوك بهم هم الذين تظاهروا (في واقع الحال يمكن مقاربة هذه الفكرة من جهتين جهة الموالاة وجهة المعارضة كما هو معروف). وضمن بند الحاجات أشار الرئيس الأسد إلى تراكم ثلاثة عقود من الرفض الأمني (ويقصد مسألة الإخوان المسلمين) واعتبر هذا الأمر خطأ يجب إصلاحه. ولم يتحدث أبداً عن آلية هذا الإصلاح (هل هو بالمفهوم الضيق حيث الحل هو برفع اليد الأمنية عن أقارب الإخوان المسلمين؟ أم أن الحل هو بالمفهوم العام حيث ينبغي رفع اليد الأمنية الطاغية عن المواطنين السوريين عموماً؟) .

5)  تناول الرئيس الأسد قانون العفو من حيث النص وتناسى موضوع المبدأ والتطبيق. وركّز على أن البعض اعترضوا على عدم شمولية مرسوم العفو للمزيد من المحكومين (وهم غالباً من العشائر وتجار المخدرات كما ظهر في مصادر الإعلام المختلفة) وطالب وزارة العدل بدراسة إمكانية التوسع في المرسوم. لكنّه لم يتحدث في آليات ومشاكل مرسوم العفو والتي كان أهمها أن قانون العفو لم يختص سجناء الرأي بعفو منفصل وإنما دمجهم مع المحكومين الجنائيين والخارجين عن القانون، وأنّ قسماً كبيراً من سجناء الرأي ما زال في السجون، وأن حملة الاعتقالات ما زالت مستمرة، وأن سجناء الرأي لم يكونوا بحاجة إلى مرسوم عفو لإطلاقهم بل كان يجب أن يتم إطلاقهم بتأثير مرسوم رفع حالة الطوارئ في البلاد.

6)  هام: تناول الرئيس الأسد مسألة المحكومين والفارين من العدالة وأشار إلى عددهم الكبير والتخوف من آثارهم التخريبية دون أن يشير إلى أنه قد أطلق (في هذا الوقت الحرج) أعداداً هائلة من المجرمين والخارجين عن القانون بمرسوم عفو طبّق عليهم بالدرجة الأولى فخرجوا في يوم المرسوم ذاته. ورغم أن 24 ألفاً منهم فقط تتجاوز عقوبتهم الثلاث سنوات من السجن لكنّه يستفيد من التضخيم إلى عدد أكبر هو 64 ألف خارج عن القانون (بمن فيهم أصحاب المخالفات الصغيرة الذين قد لا تتجاوز عقوبتهم الثلاثة أشهر وكذلك الفارين من خدمة العلم وهم نسبة جيدة) وفي محاولة لتضخيم المسألة يؤكد الرئيس على العدد 64 مراراً ويقاربه مقاربة عسكرية بتمثيله على أنه يقارب “خمس فرق عسكرية” في محاولة لربطه معنوياً بتبرير لوجود الجيش على الأراضي السورية (مع خطأ الربط منطقياً لأن قوة الفرقة العسكرية تنبع من كونها كياناً واحداً بقيادة واحدة). ويبدو أنه بدلاً من تحقيق آمال أغلب السوريين في بحث مسألة الجيش بحثاً صارماً مقترناً بالنقد الذاتي فهو يبرر المسألة تبريراً هشاً بعيداً عن الموضوع. وهناك الكثير من الأسئلة تجاهلها الرئيس الأسد مثل: إذا كان الجيش منتشراً لمحاربة هؤلاء المجرمين فلماذا عفا عن أصحاب الجنايات في هذه الفترة بالتحديد؟ (هل هي محاولة لاستخدامهم كورقة لتبرير انتشار الجيش والاستمرار في الحل الأمني؟) ولماذا تجاهل مسألة السلطات الأمنية والداخلية المترهلة؟ هل نتحدث عن 64 ألف قطعة سلاح على الأقل دخلت البلاد بدون علم السلطات؟

7)  تناول الرئيس الأسد التكفيريين (بالمعنى الديني للكلمة) باعتبارهم ينتمون لعصور أخرى ثم فسّر المصطلح على أنهم مجموعة ممن ينشر الفوضى باسم الحرية واعتبرهم العقبة الكبرى في طريق الإصلاح رغم تأكيده أنهم قلة قليلة ورغم عدم دعم كلامه بوجود أي طروحات تكفيرية مذهبية دينية في سوريا (وهي طروحات أيديولوجية مختلفة عن الطروحات الطائفية كما هو معروف). وربما ينبغي ربط هذه الفكرة بالتصريح الذي أدلى به مؤخراً (في أنه لا يلوم من يتظاهر بل يلوم من يصور التظاهرات) خصوصاً وأنه استطرد في موضوع التصوير أثناء شرحه للفكرة.

8)  اعتبر الرئيس الأسد أنّ جميع هذه الإشكالات التي تحدث عنها لا تشكل سوى نسبة ضئيلة جداً من الشعب السوري، فالاهتمام الأساسي عند الرئيس إذاً ينصب على الجزء الصغير متجاهلاً الكبير وفي هذا سقطة واضحة. وهاجم الخطاب الطائفي وقال أن هذا الخطاب لا يمثل الشعب السوري ولا قيمه ولا أخلاقه وهي نقطة لا شك في إيجابيتها، لكنّه توسّع في اتهام مسلحين بمجازر جماعية في جسر الشغور دون أن يعرض نتائج التحقيقات ومصادر معلوماته وبالتالي لم نعرف كيف بنى هذا الرأي. وهو تأكيد على الاتجاه الواضح للسلطة بعدم الشفافية والاستئثار بالخطط والسياسات لنفسها واكتفائها بالإعلان عنها دون المشاركة فيها. كذلك برر دخول الجيش إلى المعرة بأنه كان رداً على احتلال “جيوش” لمحطات وقود “استراتيجية”. ويصف هذه الجيوش بأن لديها أحدث أنواع الأسلحة بما فيها الآليات المجهزة بمدافع ضد الحوامات. أما كيف دخلت هذه الآليات إلى سورية وما هي محطات الوقود “الاستراتيجية” في المعرة فهي أسئلة يتجاهل إجابتها.

9)  اتهم مجموعات مسلحة بأنها فعّلت الإضراب العام بقوّة السلاح وأغلقت المحلات (دون دليل واضح وملموس) في الوقت الذي كان الإعلام السوري يصرّ فيه على تصوير الحياة الطبيعية في كل مكان من سوريا وإثبات أنه لا يوجد أي إضراب أو إغلاق للمحلات. في الوقت ذاته اتهم هذه المجموعات بإغلاق الطرق بين المحافظات دون أن يبين لماذا لم تقم أجهزة الشرطة والجيش بالتوزع على هذه الطرقات ضمن خطة معينة لضمان سلامة الطرقات، ولماذا تقصدت أن تبقي هذه الطرقات دون مراقبة أو حماية.

10)    اعتبر أن المظاهرات القائمة حالياً تؤدي إلى هدم القيم لدى الجيل الجديد وتعليمه عدم احترام الدولة، وفي هذا الطرح منطقية لكن من الضروري مقارنته بالقيم التي تنتهجها الدولة من عدم احترام كرامة الإنسان وخصوصيته والانفراد بالرأي وتجاهل الرأي الآخر سياسياً وإعلامياً.

11)    أشار الرئيس الأسد إلى أنه أحب أن يسمع آراء المواطنين بعيداً عن أي قنوات تقوم بفلترة المعلومات، مع العلم أن جميع الوفود التي قابلته قد تمت فلترتها من قبل أجهزة الأمن المختصة واختيارها لتقابل الرئيس الأسد. نحن أمام خيارين خطيرين أولهما أنه يعلم ذلك والثاني هو أنه لا يعلم. واعتبر الرئيس الأسد أن لقاءاته كانت “مفيدة وصريحة وعميقة وشاملة” ونحن إذ نشك في شمولية لقاءاته بسبب انحيازها وفلترتها أولاً، فنحن ثانياً نضع خطين تحت كلمة (مفيدة) لعدم معرفتنا بالمقياس الذي يحدد فائدة هذه اللقاءات على أرض الواقع بشكل ملموس.

في مطالب وفود الشعب السوري:

1)  استعرض الرئيس المطالب بشكل عام وأكد على أن أساس الفساد هو غياب المؤسسات، ولم يبحث في أسباب غياب المؤسسات في ظل النظام الحاكم في سوريا واعتبر أن الموضوع موضوع “تشريعات مؤسساتية متطورة” لا أكثر، لذلك لم يطرح حلولاً واضحة.

2)  يعتمد الرئيس الأسد مفهوماً طويل الأمد ومائعاً للحوار الوطني في سوريا. فهو لا يريد أن يتم هذا الحوار الوطني عبر مجموعات من الأحزاب والكتل تشكل نظاماً يوازي السلطة، بل هو يريد “استحداث” حوار يشارك فيه الشعب بمجمله ككتلة واحدة متفاعلة فيما بينها ويريد “إحداث” لجنة تشرف على “اختراع” آلية لهذا الحوار. وواضح أن حواراً كهذا لا يمكن إلا أن يسبب المزيد من البلبلة والضياع خصوصاً في دولة لم تمارس السياسة في حياتها. إنما نجد الرئيس الأسد متحمساً للفكرة ويتحدث بصيغة إنشائية جميلة عن الحوار الوطني وأنه عنوان المرحلة الحالية وعن ضرورة وجود جدول زمني واضح. لكنه للأسف لم يستطع تحديد معنى واضح للحوار الوطني ولا تحديد جدول زمني واضح له. ولكنه أكد أنّ هناك هيئة للحوار الوطني ستشكل قريباً وتبدأ مهامها، لكن ليس معروفاً متى ستعمل ومتى ستبدأ ومتى ستنتهي. فالهيئة لا تحاور، بل تشرف على الحوار وتضع الآليات وتضع الجدول الزمني ثم يتم الحوار ثم يرفع الحوار للجنة ثم ترفع اللجنة نتائج الحوار وتفلترها وتقدمها للرئاسة التي تجيب اللجنة…. إلخ.

3)  تابع الرئيس الأسد في الحديث فاستعرض رفع حالة الطوارئ في البلاد وقانون تنظيم التظاهر السلمي ومرسوم العفو ومسألة الأكراد بشكل سطحي دون أن يتناول الانتقادات أو السلبيات التي تحدثت عنها الوفود مطولاً ودون أي نقد ذاتي لتأثيرات هذه القرارات في الشعب السوري. لا ننسى أنه في الخطاب الأول استجاب لانتقادات مرسوم زيادة الرواتب مضيفاً إلى حمل خزينة الدولة عشرات المليارات وبشكل غير مدروس (اعترض عليه لاحقاً فيما بعد في أنه حمّل الدولة عبئاً لا تطيقه) أما اليوم فهو يتخلى عن فكرة أن أياً من هذه القرارات والمراسيم قابل للانتقاد. كما برر استمرار الاعتقالات بأنها تتم ضمن غطاء قانوني وليست ضمن تأثير حالة الطوارئ، دون أن يبين معايير ضمان سير القانون في هذه الحالات خصوصاً وأن الانتماء البعثي للنائب العام وبالتالي ضمان توجيهه السياسي ما يزال ساري المفعول.

4)  تحدث عن مشاريع انتهت صياغة مسوداتها كقانون الانتخاب وقانون الإدارة المحلية (وهما مشروعان كان الرئيس قد وصفهما في تصريحاته لوفد جوبر بأنهما “فاشلان”) وتحدث عن مشروع قانون الأحزاب الذي لم تبدأ لجنته بالعمل بعد (والمفترض أن مسودته موضوعة منذ 2005) لكنه لم يشرح سوى الأسماء ولم يقدم أهم النقاط التي وردت فيها، وإنما عرض مديحاً عن هذه القوانين وكيف ستحقق الرفاهية والعيش الكريم للمواطن السوري. وأغرق الخطاب بمجموعة من الأسئلة قال أنه لا يملك الإجابة عنها. وإذا كانت كل حصيلة مشاوراته ونقاشاته هي هذه الأسئلة التي لا يملك لها إجابة فمن المحبط أن صياغة هذه الأسئلة فقط استغرقت ثلاثة أشهر كاملة.

5)  أكد الرئيس أن السلطة مقتنعة بالإصلاح وأنه لا يوجد أي شخص في الدولة يعارض الإصلاح، في الوقت ذاته أكد الرئيس أن الفساد في جميع أجهزة الدولة منتشر ولا يمكن القضاء عليه نهائياً وإنما يمكن التخفيف من آثاره. إذاً لم يقدم الرئيس سوى تأكيدات لفظية على أن الدولة جادة في الإصلاح لكنه لم يقدم براهين ملموسة حتى الآن.

6)  أكد الرئيس أن علينا أن نعطي الحوار فرصة لأن هذا الحوار سيحدد مستقبل سورية، وفي هذا الطرح استجداء للوقت بكل تأكيد وبدون أدنى شك. إن الرئيس الأسد يقدم افتراضاً في أن الحوار الوطني هو مسألة محددة المدة متاحة لمرة واحدة فقط تبدأ ثم تنتهي وبالتالي فعلينا أن نعطي الحوار الوطني أطول مدة ممكنة كي لا نتسرع في اتخاذ القرارات ولأنّ هذه القرارات ستؤثر على (الأجيال القادمة). هذه القاعدة المنطقية تكاد تشف عن نوايا السلطة بمنح ظروف ديمقراطية مؤقتة تسحب تدريجياً أو مباشرةً حسب الظروف المحيطة.

7)    عرض الرئيس الأسد مسألة تخفيض سعر المازوت على أنها المطلب “الأكثر إلحاحاً” من قبل الوفود الشعبية (والتي كان قد صرح لوفد جوبر بأنها خطوة غير مدروسة وأدت إلى عبء كبير على الدولة وكان يجب ألا تتم). ومن حق أي مواطن سوري أن يشكك في أن هذا المطلب كان أحد المطالب الملحة (عدا عن كونه الأكثر وروداً والأكثر إلحاحاً). أيضاً عرض الرئيس الأسد (كالمطلب الثاني من حيث الإلحاح) مسألة تخفيض تكاليف البناء. وبالتالي يبدو أنه يتحدث عن مطالب الصناعيين والتجاريين والمستثمرين وليس عن مطالب الشعب بشكل عام.

إشادات واستحقاقات:

1)  عرض الرئيس الأسد إلغاء أكثر من 120 موافقة أمنية في المؤسسات الرسمية، كما عرض الفصل بين الأجهزة الأمنية والمؤسسات الحكومية وهو طرح إيجابي بالتأكيد إذا تم تطبيقه بالكامل.

2)  طرح ضرورة البحث عن نموذج اقتصادي يحتذى، ووصف سياسة التنمية التي كان النظام السوري يتبعها بأنها سياسة متوازنة ولكنه في نفس الوقت اتهمها بعدم تحقيق العدالة بين الغني والفقير وبين الريف والمدينة.

3)    طالب الجميع باتخاذ مواقف، واعتبر الوقوف على الحياد تعميقاً للجرح.

4)  تحدث عن لجان التحقيق وأكد أنها وصلت إلى نتائج لكنه لم يعرض اي نتائج وإنما أكد أنّ عدداً من الأشخاص المتورطين قد أوقفوا. وفي الوقت الذي أعلن فيه إحصائيات عن أعداد المطلوبين والفارين الـ 64 ألفاً لم يعلن عن عدد الموقوفين على الأقل.

5)  اعتبر الأسد دعم الليرة السورية واجباً وطنياً وطرح موضوع مساءلة كل مواطن أخلاقياً (كيف دعمت الليرة السورية). ولا بد إذاً في نفس السياق من طرح تساؤل للدولة عن كيفية معالجتها واحتوائها للأزمة سلمياً بحيث تنقذ الليرة السورية. وبدلاً من ذلك يعطي الرئيس الأسد أفضلية لحملة (رامي مخلوف) الشهيرة ويشيد بها.

6)  دعا الرئيس الأسد المهجرين إلى العودة إلى مدنهم وقراهم بشكل عاطفي دون أن يقدم أي بوادر حسن نية، ودون أن يشير إلى مسألة عودة بعض النازحين في بداية الأحداث وقبض الأجهزة الأمنية عليهم فور دخولهم.

7)  أشاد الرئيس السوري بدور الشباب في بناء الوطن والدفاع عنه واستحضر مثالاً غايةً في السوء هو (الجيش السوري الإلكتروني) والذي هو مجموعة من “الشبيحة” يغرقون الفيسبوك بتقارير عن الصفحات المعارضة للرئيس الأسد. وبالتالي يظهر لنا التأكيد الثالث على اعتبار من يقف مع الرئيس الأسد مناصراً لسوريا. وأنّ الوقوف مع سوريا يشترط الولاء لشخص الرئيس الأسد.

8)  طرح الرئيس الأسد ضرورة وجود الجيش لأن (أجهزة الشرطة ليست جاهزة بما يكفي لإحلال الأمن بنفسها) وهو نفس العذر الذي استغله حزب الله في لبنان للحفاظ على وجود ميليشياته المسلحة (الجيش اللبناني غير قادر على حماية لبنان بنفسه دون مساعدة حزب الله).

9)  أكد الرئيس الأسد في نهاية خطابه أن القناة الطبيعية للمطالبين والمعارضين هي الأحزاب السياسية، ولكنه لم يفسر تأخره في هذا البند.

ملخص الخطاب:

لم يتضمن الخطاب أي طروحات جديدة، فقد دافع عن أخطائه الحالية وتناسى السابقة. كما قدم تسويفات تمتد حتى عام 2012 ووعوداً بجدية الإصلاح، وطالب الشعب بالوقوف معه لإبقاء الجيش في الشوارع السورية. كما أكّد أنه لا يملك إجابات عن أي أسئلة تخص الإصلاح وأنه ينتظر القيام بحوار وطني غير معروف الآلية والأجل، وصرح بأن الحوار الوطني يجب أن يأخذ مداه لأنه سيحدد مستقبل البلاد (وكأنه سيتم لمرة واحدة ثم يتوقف).

هذا الخطاب سيكون في رأيي من أهم أسباب انفضاض جزء كبير من الشارع السوري عن شخص الرئيس بشار كصاحب قرار، فقد أثبت أنه لم يتخذ أي قرارات ولا يبدو أنه سيتخذ أي قرارات حاسمة في مرحلة هي من أصعب وأدق المراحل في تاريخ سوريا بأكمله.

حلب

20/6/201

موقع جدار

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...