الرئيسية / صفحات مميزة / ما ليس بكاءً على الأطلال/ عزيز تبسي

ما ليس بكاءً على الأطلال/ عزيز تبسي

الأطلال، أهي تعبير عن الحضور أم الغياب؟ أم حضور ثقيل يذكر بالغياب ويرثيه بالكلام البيّن تارة، وبالصمت المحجب بالرقم الأثرية والأحجار المبعثرة والوثيقة تارة أخرى، أم يتقرى بأناة في ملمس التاريخ ومكره ويستنبط تعاليمه المكنونة؟ عمل الطغاة بتوالي عهودهم على توطين مشاعر تشبه صمت القبور التي تسببوا بها، لكن هذه الأطلال ليست قبوراً، رغم كل الخراب الذي حمله الغزاة على أكتافهم وفي عقولهم وتحت سنابك خيلهم….. الموتى لا يتحدثون، نحن من يتحدث عنهم وبإسمهم، نحن من يقول كانوا يحبون اللوز قبل إزهاره، وبعد تفتح براعمه…نحن من يقول كانوا يسيرون حفاة على دورب شاقة أملوا أن تصل بهم إلى منابع الآمال الثورية الكبرى…ونحن نقول كذلك لم نشهد لحظة موتهم، كنا على الأسطحة نراقب الأنواء المنذرة بإنفجار أورام الإستبداد وتعقب مسيل صديدها….هؤلاء ليسوا موتى عاديون لنكتفي برثائهم ونمضي الهويني إلى نهايات أسوار المقبرة، هؤلاء من فجر الأمل الإنساني وإنتزعه من حضيض يأسه، وعملوا على حقن مصول الحركة والفعل في كل الجنبات المتيبسة من الجسد الإجتماعي المحاصر بالسكينة والإنتظار. نقف في إستهلالية القرن المنصرم، لنتفقد بعض من مصائر الآمال الكبرى للشغيلة والشعوب المضطهدة، والتي باتت منذ ظهور علائم الأزمة العميقة على التجربة السوفياتية وشقيقاتها كمقدمة لإنهيارها، يُدفع بها دفعاً منهجياً لإزدرائها ونسيانها والتنكر لها، الآمال الكبيرة التي كان يكفي ذكر بعضها أو كلها لتلهب الأفئدة وترفع مثاقيل العقول والإرادات إلى أفلاكها، تلك التي تُرمى منذ وقت كجثث، ويجري سحلها بقلوب وعقول ميتة، هي عينها قلوب أعدائها، لتأخذ مكانها على أرصفة المنبوذين والمشردين والشحاذين…ويُعمل على رميها بمنهجية في مكب النفايات. توجّب التنبه الدائم، لتلك الإيعازات التاريخية التي تأتي مشفوعة بنبرة التجارب المرة: حذاري الثورة الناقصة، الثورة المصادر على إندفاعاتها، الثورة المشبهة بالقطط التي تأكل أبنائها، الثورة التي تستجيب للآني والطارئ وتتكيف معه وتعجز بعد ذلك عن التحرر منه، وتتجاهل أنها بذلك تحوله إلى ثابت عضوي من ثوابتها، أي تشوّه من تشوهاتها، حذاري إكتشاف أمراض الثورة المضادة بين ظهراني الثورة والتأخر عن إستئصالها. ونتساءل ترى من الذي خفف المقادير الثورية في وليمة الشغيلة والشعوب المضطهدة، ومن الذي أخذه الشرود عن إنحرافاتها وعجز عن تداركها؟ أم أننا لم نبارح تلك العادة الرديئة، بتحميل الأفراد كلهم أو بعضهم، حتى في تكونهم الجذل كطليعة ثورية، ما يعجزون التحرر منه، والذي يتبعهم كظلهم، نعني ثقل البنية الإجتماعية، أي أن ما صنعته السيرورات التاريخية في عقود من الزمن، لا يمكن تجاوزه كله، ببرهته من الزمان التاريخي، حتى لو تثنى لأي ثورة قيادة إستثنائية. في الوصول إلى اللحظة الثورية، لم يتشفع التاريخ قبلاً، لما بقي رابضاً من مناقب الإمبراطوريات التي باتت تتهاوى بجديلة من المفاعيل، إختزلت إلى الحرب الإمبريالية الأولى وإعتبرت قابلتها الثورية، وبات يعاد النظر بعد ذلك في تشكيلها الجديد، نعني الإمبراطورية النمساوية-الهنغارية المقدسة والإمبراطورية العثمانية والإمبراطورية القيصرية الروسية. لن تأخذ حركة التاريخ الصاعدة بدفع الشعوب، بالذرائع التي يتذكرها الطغاة وزبانيتهم لحظة دنو أجلهم التاريخي. ترى من هذا الحريص على إستمرار تجارب سياسية وصلت إلى حدودها التاريخية، وقمعت شعوبها وجوعتهم وإزردتهم ولم تكف كذلك عن التحدث الفخم بإسمهم، حتى لو كانت هذه المرة هي التجربة السوفياتية، التي أمل زعيمها بعد الوفاة المبكرة لقائدها وإغتيال ونفي الطليعة المبدعة من رجالاتها الكبار، الوصول إلى الإشتراكية عن طريق أساليب الإستبداد الآسيوي الأكثر وحشية وهمجية!! دعنا في البداية نثبت واقعة علمية، أن حركة التاريخ لا تؤخذ على حين غرة، كما تؤخذ الفتاة الشاردة في غابة مظلمة، أو محفظة الرجل الخارج من غرفة المحاسبة حاملاً المعادل المالي لبعض أتعابه، لذلك من العبث الخبيث الإسهاب بذاك الحديث الذي تفرضه الدوائر الأيديولوجية الإمبريالية ويوضع كمضغة في فم أعوانها الصغار من الإسلاميين والليبراليين، عن إرادوية لينين ورفاقه الطليعيين. إعتمد هؤلاء في مقارباتهم على قتل التجربة وتشويه منطوقها وتبديد أثرها، والتوهم بإعادة كتابة تاريخها وفرضه في المدونات الصفراء والإعلام، أو ما إفترضوا أنه كذلك، وكأنهم يعملون على التخلص من كابوس ثوري قض مضاجعهم. الثبات على الإرادوية كأداة تفسيرية للواقعة الثورية، يهدف إلى تبرئة الفوات التاريخي الذي صنعه بعهود طويلة متتالية النظام القيصري ومن خلفه الرأسمالية الطرفية الروسية، وتبرئة العدوان الحربي الإمبريالي المبكر على الثورة الفتية، والعمل المنهجي على حصارها وتجويعها وإرباكها بالحروب الأهلية، وتجاهل تعثر الثورات العمالية والشعبية في القارة الأوروبية، التي أنهتها الأنظمة الرأسمالية بالقمع الوحشي والإغتيال السياسي والمذابح. ما إقترحه الثوار في ذاك اليوم المجيد، لا يبارح قط المهام التي عجزت البورجوازية الروسية الكسيحة عن إنجازها، طيلة فترة حكمها :السلام بالإيقاف الفوري لحرب الإمبرياليات التي إستنزفت طاقات الشعوب وحيواتهم، توزيع الأراضي على الفلاحين، كهربة الريف، تعميم التعليم، إقرار حق تقرير المصير للشعوب المضطهدة…..لم يكن على طاولة الثوار أي بند من بنود الثورة الإشتراكية، ولم يكن ذلك لوهن في العزيمة الثورية ولا لغياب للرؤية والإرادة الملازمتين لها، بل لكونهم عرفوا مجتمعهم بكل دقائقه وحيثياته، وعرفوا الطريق الشاق والمؤلم المؤدي إليها، ولطالما عاينوا في كتاباتهم وكراساتهم التي أسست سياسياً ومعرفياً للثورة، تركة التخلف والمديونية والتبعية التي صنعتها هذه الرأسمالية الطرفية. تباكى تماسيح الليبرالية طويلاً على غياب الحريات العامة في هذه التجربة، بإفتراض أنهم نصل من أنصال الحرية، ومدفع من مدافعها، ودبابة من دباباتها وتفكروا مدلكين مؤخرة رؤوسهم، أنها أصل من أصول الفكر الذي تستلهمه وتتأسس عليه، أي في الماركسية، التي جرى وصفها بعبارة غامضة: الشمولية، والتي لا تعبر بدورها عن أي معنى، ولا تقول شيئاً ذا قيمة فكرية يطمئن إليها، هي أقرب للهو والطيش الذي إعتادوا عليه. ولكن لماذا نعطي هؤلاء الليبراليون العرب قيمة لا يملكونها، إن كان الليبراليون الأمريكيون والأوروبيون هم الترجمان الفكري للصناعيين وتجار العبيد والحملات التمدينية للشعوب الهمجية بعد نهبها وإبدادتها، ومروجي الحروب الأهلية والحروب الكوكبية….فما هؤلاء الليبراليون العرب سوى الخلف الذليل لخصيان وغلمان قصور الإستبداد العسكري الآسيوي، لا يقولون إلا ما يضعه أسيادهم في أفواههم، ويلوكونه كنعال تقشر طلائها وإنحلت سيورها. لا نعطيهم قيمة لذاتهم، بل للثقل المالي والإعلامي الذي يقف خلفهم ويسوق ما يجترونه من كلام خفيف ليس لهم، هم أقرب للراقصين والراقصات اللذين يسيطرون على عموم حركة الفنون، ولا يقدمن فناً… كان من الرائع أن يستهل القرن بالثورة….ومن المهول أن يختتم بثورة مضادة، يكون الأحفاد الإفتراضيون للثوار ركناً من أركانها وجذوة من نارها، وتكون منتوجاً ثقيلاً لسيرورة شاقة، تفلتت من الرقابة وممكنات التصويب، لتقع أخيراً في عاقبة حتميتها، وهي ضرورة لعقابها التاريخي.

عزيز تبسي حلب تشرين الأول2013

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...