الرئيسية / صفحات العالم / مبادرة إيرانية ـ تركية في سوريا.. أو الفوضى!

مبادرة إيرانية ـ تركية في سوريا.. أو الفوضى!


قاسم عز الدين

يبدو أن المعارضات السورية تختلف على بيع جلد الدب قبل اصطياده. فالمؤتمرات واللقاءات التأسيسية تتوالى من اسطنبول إلى جنيف ثم من الدوحة إلى القاهرة فجنيف فاسطنبول مرة أخرى، وفي أغلب الظن أنها ستستمر وتتشعّب. والناطقون باسم هذه المؤتمرات واللقاءات يحرصون، أمام شاشات التلفزة الفضائية، على التأكيد أنها تكمّل بعضها البعض وأن المسميات التي يطلقونها على مجالسهم الوطنية وجبهات الإنقاذ والتحرير لا تتعدى اختلافات في الأسماء. ويعزون ضياعهم إلى حرمان المعارضات من العمل السياسي والتنظيمي في سوريا طيلة خمسين عاماً خلت. لكن واقع الحال على غير حاله أمام شاشات التلفزة. فهذه المعارضات، إلاّ أقل قليلها، تتصارع في ما بينها على النفوذ في صدارة المؤتمرات واللقاءات التي يمكن أن تمهّد إلى نفوذ وسلطان في المناصب الموعودة. وهي شأنها شأن المعارضات التقليدية التي ركبت على الثورات من خارجها في تونس ومصر، مشاريع سلطة لا مشاريع تغيير منظومة الاستبداد والقهر الوطني والسياسي والاجتماعي التي يثور عليها شباب الثورة وبسطاء الناس.

وليس صحيحاً أن حرمان هذه المعارضات من العمل السياسي والتنظيمي سبب ضياعها. فشباب الثورة وبسطاء الناس كانوا محرومين أيضاً من حق التعبير والتنظيم، لكنهم وجدوا طريقهم إلى التعبير والتنظيم على الرغم من القتل الوحشي الذي يتعرضون له، وعلى الرغم من الألغام الموقوتة التي تزرعها المعارضات، إلا أقل قليلها، والدول الراعية في صفوفهم. كما أن حرمان المعارضات من العمل السياسي والتنظيمي لم يمنعها زرافات ووحدانا من تبنّي تصورات ورؤى تعبّر عنها اليوم في مؤتمراتها ولقاءاتها وفي تحليلاتها وبياناتها، كأنها تعرف بالضبط ما تريد ولماذا. وهي تعرف فعلاً ما تريد عن سابق قناعة فكرية وهو في أحسن الأحوال (إذا تجاوزنا خلفيات بعضها الطائفي العصبوي) سلطة منتخبَة في صناديق الاقتراع تأخذ بشرعة حقوق الإنسان. وتتصور عن قناعة مسبقة أن هذه السلطة المرتجاة هي «دولة مدنية ديموقراطية تعددية». وهذا التصور ليس بريئاً كما يبدو في ظاهر الأمور، بل يلبي جموح المعارضات والنخَب الثقافية التقليدية، إلا أقل قليلها، للنفوذ والسلطة بالصلة مع الدول الراعية لمؤتمراتها ولقاءاتها. فشرعة حقوق الإنسان هي في مضمونها وتفاصيلها وثيقة حريات فردية للحد من غلواء سلطة الحكم في قمع الحريات الفردية، لا مبادئ مؤسِّسة لديموقراطية الدولة في أمنها القومي واستقلالها السياسي وعدالتها الاجتماعية. لكن المعارضات السياسية العربية ونُخبها الثقافية تبنّت، إلا أقل قليلها، منذ أول عهدها بالردة في أواخر السبعينيات شرعة حقوق الإنسان بمثابة «دولة ديموقراطية» في إثر ترويج الدول الصناعية الغربية ثقافة تعزيز ديموقراطية السلطة وإلغاء شروط ديموقراطية الدولة في مستعمراتها السابقة. وهذا التبنّي العارم سببه شراسة السلطات الحاكمة في القمع والاستبداد السياسي لكنه ليس السبب الوحيد ولا الرئيس. فالسبب الرئيس، على ما تثبت «واقعية» المعارضات التقليدية ونُخبها الثقافية، إلا أقل قليلها، في تونس وفي مصر، جموحها إلى النفوذ والسلطة من جهة، ومن جهة أخرى تلاقيها مع الدول الصناعية الغربية على نفس نموذج الدول الغربية في أسواق مستعمراتها السابقة. فقد أشاعت هذه الدول منذ السبعينيات أن دمقرطة السلطة وتعزيزها بحرية الانتخاب وحقوق الإنسان كفيلة وحدها بأن تحوّل توتة سياسات الدول الصناعية الغربية في مستعمراتها السابقة، إلى زيتونة سلام وازدهار واستقرار اجتماعي. وعلى هذا الأساس تلاقت مصالح وطموحات المعارضات السياسية ونخبها الثقافية، إلاّ أقل قليلها، مع استراتيجيات وسياسات مصالح دول «المجتمع الدولي» على الرغم من اختلاف في القراءة هنا واختلاف في المقاربة هناك.

تلاقت على نموذج التنمية في تشجيع الاستثمار والانفتاح الاقتصادي لزيادة معدلات النمو والدخل القومي. وتلاقت على أن السلطة الشفافة المنتخبَة في صناديق الاقتراع تصنع من هذه الوصفات السحرية عجائب تشمل «الأمة» بنعيمها. ثم تشمل «على المدى الأبعد» بعد أن تشبع «الأمة»، شباب وبسطاء الناس الذين يثورون على القهر والإذلال والاضطهاد. وتلاقت أيضاً على أن كل بلد يحل مشاكله بمفرده أولاً، في ترتيب أموره الداخلية على أحسن ما يكون من الوفاق في شكل الحكم، وفي مصالحه الاقتصادية في السوق الدولية ثم يتعاطف بعد ذلك مع إخوانه على قدر المستطاع. وفي حقيقة الأمر تلاقت على الأساس في ما يسمى «دولة المواطنين الأفراد» وعلاقة المواطنَة بين الفرد والدولة (السلطة). فهذه المقولة التي ترددها المعارضات السياسية ونخبها الثقافية، إلا أقل قليلها، في مواجهة الجماعات العصبية الطائفية والقبلية، هي في أبعادها أساس تحرير دولة «المواطنين الأفراد» من التزامات الجماعة الوطنية والقومية. وتحريرها من التزامات الجماعة «الفئوية» الخاصة بفئات صنّاع الحياة. وكذلك تحرير الدولة من قيود تنظيم المصلحة العليا في سياسة خارجية وسياسة دفاعية وفي تنظيم الاقتصاد الاجتماعي لصالح مجمل الفئات الاجتماعية لا لصالح مجمل الأفراد. فهي في أبعادها وعمقها مقولة إلغاء دور الدولة الناظمة للمصلحة المشتركة العليا في سياسات خارجية ودفاعية واقتصادية ــ اجتماعية. وهي في أبعادها وعمقها استبدال دور الدولة بدور سلطة تأخذ بحريات الأفراد، بدعوى أن السوق تنظم حاجات المواطنين الأفراد على أفضل وجه (اليد الخفية) إذا سهّلت لها السلطة المنتخبَة في صناديق الاقتراع حرية التجارة وحرية الاستثمار وحمتها بالأمن والقوانين والتشريعات إلى جانب جهود دول «المجتمع الدولي» بطبيعة الحال.

ومن يقل إن الدول الراعية لمؤتمرات ولقاءات المعارضات السورية لا يهمها «الإصلاح»، يُغفل أبعاد ما يهمها بحسب التطورات التي تعصف في كل بلد وفي المنطقة. فهي لا تخترع «مؤامرة» من لا شيء لكن حين يثور بسطاء الناس على منظومة الاستبداد والقهر تتآمر مع المعارضات وأجنحة السلطة لإيقاف «الإصلاح» عند الحريات الفردية ثم يأتي الباقي تلقائياً. ففي مصر وتونس تتآمر مع أجنحة السلطة السابقة ومع المعارضات الطامعة بالسلطة، للمحافظة على استمرارية السياسات السابقة (الخارجية والدفاعية والاقتصادية ــ الاجتماعية)، كأن شيئاً لم يكن. وفي سوريا تتآمر مع المعارضات الطامعة بالسلطة لتغيير السلطة بسلطة يقتصر دورها على تعزيزالحريات الفردية وحقوق الإنسان. وهذه المؤامرة لا تدور في الخفاء حتى ينفضح أمرها في إفشاء سرّها. ولا هي مجرد عصابة يمكن القضاء عليها بقبضة أمنية. بل هي آليات ورؤى وتدخلات تدور على الملأ نحو أهداف سياسية بيّنة لا تسمح للسلطة في سوريا بأن تزيلها بآليات بدائية مثل القمع والقتل وإفشاء سرّ المؤامرة. فالإدارة الأميركية يهمها في سوريا سلطة يقتصر دورها على تعزيز الحريات الفردية لأنها تعتقد أن هذا «الإصلاح» يُفضي إلى انصراف «دولة الأفراد» للبحث عن إشباع الحاجات في السوق، ما يتطلب «نبذ العنف» وتحقيق «السلام» مع إسرائيل في الشرق الأوسط. ويُفضي كذلك إلى اقتصار منافسة الأفراد المتحررين من القيود والالتزامات على السلطة، وتجنّب الغضب الشعبي ضد السياسات الأميركية المنحازة. ودول الاتحاد الأوروبي يهمها فضلاً عن ذلك «إصلاحات هيكلية اقتصادية» موازية «للإصلاح السياسي» تتيح لها حرية التجارة وحرية الاستثمار. وتركيا يهمها توظيف التحولات العاصفة في المنطقة لتوسيع نفوذها السياسي ومصالحها التجارية والاقتصادية. فهي لاعب إقليمي في إطار نموذج الدول الصناعية الذي بات معولماً حسب نموذج الحلم الأميركي، لا يتيح لدولة إقليمية أن تنافس في الحقل الإقليمي وأن تصل إلى أسواق الدول الصناعية ما لم تنجح بتوسيع نفوذها السياسي في حقلها الإقليمي. ودول النفط يهمها أيضاً توظيف التحولات في توسّع نفوذها السياسي خوف أن تستثمرها العدوة إيران، ويهمها تحسين وظيفتها في بيع الخدمات إلى الدول الصناعية، لعلها تساهم في تأجيل تطلّع أهل الخليج إلى الحريات.

والعجب العجاب أن الدول التي لم تستثمر نقطة عرق واحدة في تحولات المنطقة، بل استثمرت جهوداً وأموالاً طائلة للحيلولة دونها، تعمل على توظيف الثورات والمتغيرات لصالحها. أما الدول والقوى التي استثمرت جهوداً وضحايا تعمل كأن الثورات والتحولات مؤامرة عليها. فهي تفكر وتعمل كأن التحولات ينبغي أن تصب في «محور الممانعة والمقاومة» دون أن يواكبها هذا المحور ودون أن يتشابك معها في بناء مشترك نحو أفق أعلى من الممانعة والمقاومة. وهو الأفق الذي يزيل فراغ دول المنطقة السياسي والدفاعي والاقتصادي ــ الاجتماعي والثقافي… وينقل معه الممانعة والمقاومة إلى مصاف أعلى. لكن هذا المحور تمرّس طويلاً على المقاومة والممانعة حتى اعتاد انتظار نضوج المؤامرات كي يعمد إلى فضح سرّها ومواجهتها. فالسلطة السورية تخوّفت من الثورات العربية وانتظرتها عند أول مفرق في درعا وما زالت تأمل بإعادة سوريا إلى ما قبل تحولات المنطقة بالقبضة الأمنية وبوعود إصلاحات حريات فردية تلبي احتياجات دول «المجتمع الدولي». والرئيس الإيراني أحمدي نجاد ترك تركيا تصول وتجول ستة أشهر قبل أن يتلفظ بمسؤولية دول المؤتمر الإسلامي عن حل الأزمة في سوريا ومسؤولية السلطة عن الحل الأمني. وحزب الله يعقد ورشات عمل مستمرة لتوطيد علاقاته بالتيارات الإسلامية، الطامعة بالسلطة تحت جناح الدول الراعية للمحافظة على استمرار السياسات القديمة. وعلى الضفة المقابلة تعمل دول «المجتمع الدولي» وتركيا ودول النفط مع المعارضات الطامعة بالسلطة وقوى الثورة المضادة على إجهاض أهداف الثورات في توقفها عند الحريات الفردية وحرية الانتخاب. كما تعمل على أن يحل كل بلد أزماته السياسية والدفاعية والخارجية والاقتصادية ــ الاجتماعية بمفرده، في إطار نموذج الدول الصناعية لحرية السوق وحرية التجارة وحرية الاستثمار. وفي إطار نموذجه لإلغاء دور الدولة وتبنّي السلطة ثقافة «المجتمع الدولي» في السلام مع إسرائيل والحرب على إيران. وأمام هذه التحولات الكبرى لا يستطيع «محور الممانعة والمقاومة» مواجهة المؤامرات بفكر سياسي وآليات أدنى من آليات المؤامرة وفكرها السياسي. لكن يمكنه مواجهتها مع بسطاء الناس بفكر سياسي وآليات أعلى نحو: الاستثمار في الثورات وحقوق الشباب وبسطاء الناس في الحرية والكرامة الوطنية والعدالة الاجتماعية سواء بسواء. وفي العمل على إنشاء تجمع إقليمي يحفظ لكل دولة دورها وهويتها الوطنية، إنما يستند إلى إنشاء مؤسسات سيادية عليا مشتركة في السياسة الخارجية والسياسة الدفاعية والسياسة الاقتصادية ــ الاجتماعية. وفي تفكيك نموذج التبعية إلى نموذج الدول الصناعية القائم على حريات التجارة والسوق والاستثمار، وفي بناء آليات منفعة مشتركة وتبادل متكافئ واستثمار تضامني يحفظ حقوق الشباب وبسطاء الناس في نشاطات الاقتصاد الصغير. فالمؤامرة هي مشروع سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي وأمني وعسكري… ولا يمكن مواجهتها بغير مشروع بديل أعلى منها. وقد يكون أول الغيث مبادرة إيرانية ــ تركية في سوريا لتفكيك القبضة الأمنية وتغيير آليات الأجهزة الأمنية في اتخاذ القرار وتنفيذه، والأهم إشراك فعاليات الشباب وبسطاء الناس في حكومة مؤقتة تعمل على إطلاق الحريات في ورشات عمل تعبر عن مصالح بسطاء الناس وطموحاتهم في إعادة بناء الدولة ضمن إطار التجمع الإقليمي. وقد يحرج هذا الأمر السلطة التركية المستفيدة من الفراغ في توسيع نفوذها السياسي وتوسّع مصالحها التجارية في حرية السوق، لكنه يضعها أمام الثورات وبسطاء الناس في خيار من اثنين: خيار المنفعة المشتركة المتبادلة، أو خيار إعادة الامبراطورية العثمانية تحت جناح الامبراطورية الأميركية. وفي سوريا إما مبادرة لمواجهة المؤامرة في الاستثمار بالثورات وحقوق بسطاء الناس بالحرية والكرامة الوطنية والعدالة الاجتماعية معاً، أو تنجح المؤامرة بإجهاض الثورات وتحويل التحولات إلى فوضى حروب عصبية.

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...