مبادرة مصالحة وطنية


أحمد نظير الأتاسي

سوريا على مفترق طرق ويجب على كل إنسان أن يختار وبترو بأن يسال نفسه التالي: هل أريد أن أعيش مع هؤلاء الناس يصيبني ما يصيبهم؟ أم أني أريد أن لا أرى وجههم بعد الآن؟ أم أني أريد أن أستعبدهم إما بقوة المال وإما بقوة البسطار العسكري؟ المسألة مسألة إتفاق، والعقد شريعة المتعاقدين. فإذا أردنا أن نعيش معاً بكل طوائفنا التاريخية وقومياتنا وثقافاتنا فعلينا أن نؤمّن حرية الإعتقاد بقوة القانون وبالمساواة أمامه، وأن نفسح المجال للجميع للمشاركة السياسية والإقتصادية والثقافية بضمان تكافؤ الفرص؛ لا أكثر ولا أقل: القانون، الحرية، المساواة أمام القانون، تكافؤ الفرص في جميع المجالات. مهما كانت حضارة المجتمع ومهما كان نظامه الإقتصادي أو الإجتماعي أو السياسي فهذه هي مكونات العدالة التي لا يكون العيش المشترك المتناغم ممكناً دونها. الأزمة في سوريا الآن لن تنحل إلا بالمصالحة والمصارحة والتعاقد الإجتماعي.

نعم النظام ديكتاتوري وجرّ الطائفة العلوية معه لكن التأزم الإجتماعي ليس وليد البارحة وليس من صنع النظام وحده. إن التأزم وليد قرون من التعامل المجحف مع فئات واسعة من المجتمع تتعدى حدود الأقليات الدينية أو القومية وإن كانت هذه الأقليات إحدى أهم مكوناتها. مسألة ملكية الأرض الزراعية قديمة، ولم تنجح لا تنظيمات العثمانيين ولا محاولات الفرنسيين ولا تأميمات عبد الناصر ولا إصلاحات حزب البعث في حلها. مسألة أهل الذمة ونظام الملة العثماني ودخول الفرنسيين على الخط لم يؤد إلا إلى مجازر 1860 في جبل لبنان ومن ثم في دمشق وحلب. وصراع العثمانيين مع الصفويين ووضع العلويين في ملة الكفر (آسف لكن هذا كان وضعهم الإداري ذاك الزمن) كانت نتيجته عداء لا ينتهي بين الجبل والسهل أو الساحل؛ وكانت عقوبة العلوي حين يُلقى القبض عليه مثل عقوبة البدوي الغازي وهي الخوزقة (الحقيقة مرة). دويلات الفرنسيين الطائفية لم تنجح في حل الأزمة وإن سمحت للعلويين بفك العزلة المضروبة حولهم؛ وتنسيب الأقليات والفلاحين في القوات الخاصة الفرنسية لم يجلب إلا سخط أهل المدينة من السنة؛ وإعدام شكري القوتلي لسلمان المرشد لم يكن إلا تركيعاً للعلويين لسلطة دمشق (وفعل القوتلي الشيء ذاته مع الدروز وكذلك الشيشكلي). طبعاً هذا غير العداوات الإقليمية التي جاءت نتيجة عزل حلب عن محيطها وإلحاقها بسلطة دمشق، وعزل دمشق عن محيطها الذي كان فلسطين والأردن، وعزل الجزيرة عن امتدادها الفراتي الطبيعي الذي هو العراق وجنوب تركيا لأن الإنكليز والفرنسيين كونوا الدولة السورية حسب مصالحهم خلال وبعد الحرب العالمية الأولى. سورية أمة لم تتكون تاريخياً لأنها أرادت أن تتكون؛ سوريا أمة تكونت من تقطيع أوصال أنظمة إقتصادية وإجتماعية ورميها مع بعضها ضمن حدود واحدة. لكن آن الأوان الآن لتشكيل الأمة السورية برضا أبنائها وبموافقتهم على العيش المشترك والتكافل.

الكلام عن أغلبية سنية تاريخياً لها الحق في فرض نظامها غير صحيح، لأن سوريا الكبرى والتي تشمل بلاد الشام لم تكن فيها أغلبية بل كانت فيها مجموعات بعضها أكبر من بعضها الآخر لكن كلها دون حد الخمسين بالمائة من السكان. ثم جاءت إتفاقية سايكس-بيكو لتفرض حدوداً جديدة تغيرت معها النسب، ولا تزال النسب تتغير يوماً بعد يوم كما هي حال الدنيا أبد الدهر. لم يكن السنة أبداً فئة متجانسة يمكن أن تكون أغلبية فكرية أو إجتماعية أو ثقافية. فهناك الفرق بين الريف والمدينة، والفرق بين الأكراد والعرب، والفرق بين البدو والحضر. ثم هناك فروقات طبقية (حسب الدخل والمهنة) ومناطقية (تنافس بين المدن) وفكرية (علمانية يسارية وإسلامية محافظة). وحتى من الناحية الدينية فهناك فروقات مذهبية (صوفية وحنفية وشافعية ومالكية والآن سلفية) وفي درجة التدين والإقتناع بما تعنيه الهوية السنية (الخلاف حول الحجاب وحرية المرأة والسلفية). فمن يتكلم عن دولة الأغلبية السنية يريد فعلاً أن يفرض وجهة نظره الخاصة تحت غطاء الأغلبية. الديمقراطية لا تقوم على أغلبية واحدة أبدية لا تتغير. إنها تقوم على أغلبية الرأي حول موضوع بعينه ثم يأتي الموضوع التالي لتتغير تشكيلة الأغلبية. كذلك فإن نسبة المسيحيين تغيرت كثيراً خاصة بعد الهجرات إلى الأمريكيتين؛ وتغيرت نسبة الأكراد (الذين كانوا جزءاً من سوريا حتى قبل الإسلام) نتيجة الهجرات والإندماج اللغوي؛ ولا أحد يعرف نسبة العلويين؛ والهجرة أثرت أيضاً على نسبة السنة بشكل لم يُدرس بعد. إن معاملة المسيحيين على أنهم ضيوف بين المسلمين فيه إجحاف تاريخي وكثير من الإحتقار؛ واعتبار الأكراد مهاجرين جدد جهل بالتاريخ فهم قديمون قدم العرب والمسيحيين وغيرهم من مكونات المنطقة السكانية؛ ومعاملة العلويين على أنهم من الملة الكافرة إجرام ودعوة صريحة للقتل والتطهير الديني. أما إسلامية الدولة فلم تكن تاريخياً قراراً ديمقراطياً بإجماع الأغلبية وإنما فرضاً من النخب الحاكمة التي كانت في الأغلب نخباً عسكرية خارجية مثل السلاجقة الأتراك والأيوبيين والمماليك والعثمانيين. وحتى خلال ما يسمى بالفترة العباسية لم تكن هناك حكومة مركزية تفرض نظاماً موحداً لأن سلطة العباسيين تقلصت كثيراً بعد وصولهم إلى الحكم بحوالي المائة سنة، وحكمت سوريا خلالها سلالات مختلفة دينياً ولغوياً. أما الأمويون فلم يكن حتى معاصروهم من الفقهاء وأهل الحديث ينظرون إليهم على أن دولتهم إسلامية. إذن حان الأوان لهجر كل الكليشيهات الأيديولوجية والإتفاق على تكوين أمة ودولة يرضاها الجميع.

نعم الأزمة الآن هي في النظام الديكتاتوري الذي لا يعرف إلا مصالحه لكن البعد الطائفي يعرقل الحل. لا أحد يريد الحرب الأهلية ومعنى ذلك أن لا أحد يريد للأزمة على ما هي عليه الآن أن تستمر. البعد الطائفي يعرقل الأزمة لأن النظام ومن أجل ضمان بقائه جذب أعداداً كبيرة من الطائفة العلوية وكثيراً من الأقليات الدينية بدعوى أنه يحميهم. “يحميهم من الأغلبية السنية التي أذاقتهم العذاب والإحتقار على مدى قرون.” بالطبع هذا ادعاء غير دقيق لأن الدولة العثمانية لم تكن تمثل إلا أسرتها الحاكمة ولم تكن الأغلبية السنية هي الحاكمة بقدر ما كانت الأيديولوجية السنية للدولة العثمانية هي الحاكمة. الفرق كبير لأن الإجحاف يزول بإزالة الأيديولوجيا وليس بإزالة الناس؛ كما هو حالنا الآن فالقمع سيزول بإزالة الأيديولوجيا الطائفية لدولة الأسد وليس بإزالة الطائفة العلوية. إذن لا بد من فصل الطائفة عن نظام الأسد المبني على أساس طائفي. ليس هذا كلاماً ملغزاً أو متناقضاً. عندما تقرر أعداد كبيرة من الطائفة العلوية وبوصفهم علويين يؤمنون بهوية علوية فضح كذب النظام والإبتعاد عن دعمه بالجنود من أبنائها فإنها تكسر هذا التكتل الذي نراه الآن وبالتالي تقضي على الإستقطاب الطائفي وتجعل من النظام مجرد ديكتاتورية يلتف حولها المستفيدون منها فقط. وهنا أؤكد أن أعوان النظام من كل الطوائف لكن هؤلاء لا يدعمونه بسبب إنتمائهم الطائفي وإنما بسبب مصالحهم. لكن ما يميز الطائفة العلوية أن دعمها الآن لنظام الأسد مبني على أساس أنه يحمي غالبية أفراد الطائفة (وليس كل أفرادها طبعاً). كل ما في الأمر هو كسر الأيديولوجيا الطائفية للنظام حتى يصبح مجرد نظام قمعي ديكتاتوري كغيره من الأنظمة الديكتاتورية في آسيا أو إفريقيا أو أمريكا الجنوبية. ولا بد من التنويه هنا بأني لا أتعامل مع أفراد ولا أتهم أفراداً وإنما أتعامل مع ايديولوجيا ونظام وأجهزة قمعية، ولن يكون كسر النظام بكسر الأفراد إلا في مراحل متقدمة جداً من الصراع ضده حين يستميت أعوانه في الدفاع عنه ويتماهون معه تماهياً كاملاً بحيث لا يزول إلا بزوالهم، وهؤلاء لا طائفة لهم إلا النظام ومصالحهم المرتبطة بهم بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو القومية حتى ولو كانوا جميعاً من فئة واحدة. بكلمات أخيرة، نريد أن تكون الثورة ضد النظام وليس ضد طائفة، أي ضد ممارسات وليس ضد انتماءات دينية ليست هي الأساس خلف الممارسات القمعية. ولهذا يجب أن نتوجه إلى الطائفة العلوية ونعرف وجهة نظرهم وسبب تمسكهم بهذا النظام الديكتاتوري. وليسوا الوحيدين، فهناك مسيحيون يعتقدون بأن النظام يحميهم من أغلبية سنية وكأن الأغلبية لا تتعامل معهم إلا على أساس الدين.

1. المشكلة الأولى هي الفقر المعمم بين أفراد الطائفة العلوية. نعم هناك فقراء من كل الطوائف لكن انتماءهم الديني لن يكون عائقاً أمام صعودهم الإجتماعي والإقتصادي. العوائق التي تقوم على أساس الولادة في فئة معينة عرقية أو دينية أو قومية أشد وطئة لأن إزالتها شبه مستحيلة إذ على المرئ أن يغير جلده أو لغته أو دينه. لا بد من إيجاد مخرج لهؤلاء الفقراء بعد أن كان العمل في المخابرات أو الجيش أو أجهزة الدولة الطريقة الوحيدة لتحسين أوضاعهم المادية والإجتماعية. 2. المشكلة الثانية هي الحرية الدينية وحرية الإعتقاد بشكل عام. كيف تريد لإنسان أن يحيا بأمان إذا لم يكن القانون قادراً أو راغباً بحمايته من القتل، نعم القتل وإلا فما معنى التكفير أليس تصريحاً وإذناً بالقتل؟ وما معنى محاربة التشيع؟ وما معنى التهم المستمرة والإقصاء الإجتماعي وكبح حرية التعبير والإعتقاد العلني؟ إذا كنت لم تسمع بفتوى إبن تيمية لأنك من الأغلبية السنية فهي كابوس مستمر لأي علوي، ولسنا هنا نفتح جروح الماضي القديم فالأساس الشرعي الذي استند عليه العثمانيون لوضع العلويين في ملة الكفر هو فتوى إبن تيمية. والأساس الشرعي لإرهابيي القاعدة الذي يفجرون أنفسهم في حشود الشيعة هو فتوى إبن تيمية. مهما يكن الشخص وقصته وحياته ففتواه منفصلة عنه الآن ولا بد من إزالتها. أنا لا أقول القبول المتبادل بالأفكار لكن يجب إلغاء فتوى التكفير والتكفير بشكل عام وتجريمه واعتباره تحريضاً على القتل. 3. المشكلة الثالثة هي في الأعداد الهائلة للشباب العلوي في صفوف المخابرات وقوات ماهر الاسد وفي تربيتهم العقائدية على أيدي نظام الأسد ومجرميه، والأعداد الأقل لكن الهامة في مؤسسات الدولة. أين سيذهب هؤلاء الناس؟ من سيعيد تأهيلهم؟ كيف سيجدون عملاً؟ من سيعطيهم عملاً إذا اعتبرهم بقية الشعب أنهم سبب المشكلة أو الملة الكافرة أو أعوان النظام؟ الخوف حقيقي والقضية قضية حياة في خدمة المجرمين أو موت بطيء جوعاً وعزلة وتهميشاً، فما الحل؟ الحل هو المصالحة الوطنية وإيجاد الأساس الدستوري والقانوني الإجرائي لضمان المساواة وتكافؤ الفرص وحرية العقيدة. حسن النية لا يكفي، والوعود لا تكفي والكلام المعسول عن وحدة الصف الوطني تكذّبه قرون طويلة من التاريخ. ولا يجب أن يكون الحل مفصّلاً على مقاس الطائفة العلوية وإنما في تعميم الإصلاحات على جميع أفراد المجتمع، أي يجب أن يكون الحل بنيوياً يعامل الجميع على قدم المساواة دون محاباة لهذا أو لذاك ستؤدي في النهاية إلى إيجاد إمتيازات جديدة لا بد من كسرها يوماً. وإليكم الحل كما أراه وهو إقتراح، كل كلمة فيه قابلة للمناقشة والمجادلة والتغيير مادام ذلك باتفاق الأطراف جميعاً. وسابدأ بالمرحلة الإنتقالية التي ستكون متناقضة بعض الشيء مع المبادئ العامة لكنها مرحلة مؤقتة هدفها بناء الثقة وتقديم الضمانات. ثم تأتي المرحلة الدائمة التي يتساوى فيها الجميع.

أولاً المرحلة الإنتقالية

وتمس إرساء المصالحة الوطنية على أسس قانونية، إعادة هيكلة وتأهيل الأجهزة الأمنية، إعادة هيكلة وتأهيل بعض أقسام الجيش، إيجاد ضمانات قانونية ومادية وأمنية لتنفيذ عقد المصالحة، تعديل الدستور بانتظار طرح دستور جديد على الإستفتاء، إيجاد قيادة سياسية وعسكرية قادرة على نقل البلد إلى بر الأمان خلال سنة أو سنتين حتى يحين موعد الإنتخابات البرلمانية والبلدية والسلطات التنفيذية على مستوى المحافظات والمدن والبلدات.

لجنة تقصي الحقائق والمصالحة الوطنية (إختصاراً لجنة المصالحة)

1. تشكيل لجنة تقصي الحقائق والمصالحة الوطنية على نمط مثيلتها في دولة جنوب إفريقيا التي تكونت بعد إلغاء نظام الأبارتيد.

2. الذين عملوا في أجهزة القمع (المخابرات، الجيش، المأجورون) أثناء الإنتفاضة (وقبلها في حالات محددة) يمثلون أمام اللجنة لتقديم إعترافات كاملة وصادقة عن أعمالهم. العفو ودرجة الملاحقة والعقوبة الجنائية يحددها النص التأسيسي للجنة الذي سيتفق عليه المشاركون في هذا العقد.

3. لا يشمل العفو كل من يرفض المثول أمام اللجنة أو يعطيها معلومات كاذبة أو يرفض طلب العفو والصفح مع الإعتذار ويرفض أن يقسم على ولائه لدستورها. من يشملهم العفو يقومون بتقديم ساعات عمل مجاناً للمجتمع، وتحدد اللجنة مدد الأعمال وأنواعها وأماكنها حسب حالة كل فرد.

4. ويعتبر المعارضون الذين قاموا بأعمال عنف مضادة في حكم من شارك بالقمع وعليهم المثول أمام اللجنة وينطبق عليهم ما ينطبق على غيرهم ممن ذُكر آنفاً.

موظفو الدولة خارج الجيش والمخابرات والمأجورون

1. يحتفظ كل موظفي الدولة (خارج الجيش والمخابرات) من العلويين وغيرهم بوظائفهم إلا من شارك في جرائم إقتصادية أو تتصل بالقمع يتفق على طبيعتها المشاركون في هذا العقد. الموظف الذي كان يعمل كمخبر أو تم تجنيده كمأجور بالإضافة إلى وظيفته في الدولة لا يحتفظ إلا بالأخيرة، وعليه كمخبر أو كمأجور أن يمثل أمام لجنة تقصي الحقائق والمصالحة الوطنية.

2. الإحتفاظ بالموظفين أو تسريحهم أو تأهيلهم يتبع اللوائح الداخلية. ولا يكون فيه تمييز حسب الإنتماء أو الرأي أوالماضي ماقبل التعاقد. وكل حالات التمييز تُقدم للجنة المصالحة في مدة حياته وبعدها إلى مكتب المحتسب.

3. تحديد مناصب و أسماء القيادات السياسية والإدارية (على كل المستويات الإدارية) الذين سيمثلون أمام محاكم جنائية أو إقتصادية ضمن الإتفاق التأسيسي للجنة المصالحة. ولا يصدر قرار الإعدام إلا إذا كان ضرورياً وفقط على القلة في رأس الهرم التي أعطت الأوامر ووضعت الخطط وأدت إلى أذية خاصة أو عامة لا تغتفر.

العاملون في المخابرات والمخبرين المأجورين والجيش

1. لا يمكن محاكمة العاملين في المخابرات والمخبرين العلويون وغيرهم برتبة (ملازم مثلاً) وما دون، شرط أن يقدموا إعترافات كاملة لانخراطهم بأي عمل أدى إلى قتل أو سجن أو تعذيب أو إيذاء المعارضين للدولة من فترة السبعينات وإلى الآن. تُقدم هذه الإعترافات للجنة المصالحة الوطنية.

2. يحتفظ العاملون في المخابرات من العلويين وغيرهم برواتبهم الجارية عند إقرار هذا العقد ولمدد تتناسب مع إمكانية إعادة تأهيل أو توظيف كل فرد ومدى خطورة الجرائم المرتكبة (وهذا تقرره لجنة تقصي الحقائق) وعمره وإلتزاماته العائلية (متزوج، أولاد، معيل). ولا تتجاوز هذه المدة السنة إذا يجب عندها أن تكون إعادة هيكلة أجهزة المخابرات قد إنتهت. التغييرات تشمل الفرز إلى الشرطة، البقاء ضمن المخابرات مع إعادة التأهيل، أو العزل بعد المدة التحضيرية المذكورة وبعد إعادة التأهيل والمساعدة في إيجاد عمل.

3. لا يمكن محاكمة العاملين في الجيش من العلويون وغيرهم برتبة (نقيب مثلاً) وما دون، شرط أن يقدموا إعترافات كاملة لانخراطهم بأي عمل أدى إلى قتل أو سجن أو تعذيب أو إيذاء المعارضين للدولة من فترة السبعينات وإلى الآن. تُقدم هذه الإعترافات للجنة تقصي الحقائق والمصالحة الوطنية.

4. يحتفظ العاملون في الجيش من العلويين وغيرهم برواتبهم الجارية ووتعويضاتهم عند إقرار هذا العقد وسكنهم ولمدد تتناسب مع إمكانية إعادة تأهيل أو الإحتفاظ أو توظيف كل فرد أو إحالته على التقاعد، ومدى خطورة الجرائم المرتكبة (وهذا تقرره لجنة تقصي الحقائق) وعمره وإلتزاماته العائلية (متزوج، أولاد، معيل). ولا تتجاوز هذه المدة السنتين إذا يجب عندها أن تكون إعادة هيكلة الجيش قد إنتهت.

5. إلغاء الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري وأية قوات لا تخضع لإمرة هرم القيادة في الجيش. ويوزع أفرادها على قطعات الجيش حسب الإختصاص ويُراعى تأهيلهم العالي في توزيعهم (كتوزيع المؤهلين منهم إلى فرق العمليات الخاصة). وينطبق عليهم ماذُكر في الفقرة الرابعة.

6. تنتهي مرحلة إعادة التأهيل (أو الإحتفاظ أو توظيف كل فرد أو إحالته على التقاعد) بعد مدة لا تتجاوز السنة يتم بعدها إما الإحتفاظ بالجندي برتبته ومنصبه أو بإعادة توظيفة ضمن الجيش أوبإحالته إلى التقاعد أو بتنفيذ الحكم الصادر عليه من خلال لجنة المصالحة. ولا يكون فيه تمييز. وكل حالات التمييز حسب الإنتماء أو الرأي أوالماضي ماقبل التعاقد تُقدم للجنة المصالحة في مدة حياته وبعدها إلى مكتب المحتسب الفرع العسكري أو الأمني.

7. تحديد رتب ومناصب و أسماء القيادات المخابراتية أو العسكرية الذين سيمثلون أمام محاكم جنائية أو إقتصادية ضمن الإتفاق التأسيسي للجنة المصالحة. ولا يصدر قرار الإعدام إلا إذا كان ضرورياً وفقط على القلة في رأس الهرم التي أعطت الأوامر ووضعت الخطط وأدت إلى أذية خاصة أو عامة لا تغتفر.

ضمانات عسكرية وأمنية

1. يحتفظ الجيش في جبال العلويين بأربعة ألوية منفصلة في قيادتها عن بعضها البعض لكن بينها لجنة تنسيق بخمسة أعضاء، واحدة منها مدرعة وواحد لوجستية. وتكون الألوية برئاسة ضباط علويين تعينهم قيادة الجيش وتوافق عليهم لجنة منبثقة عن النواحي (أنظر لاحقاً للتعريف) ويكون أفراد الألوية بنسبة 70 بالمئة على الأكثر من العلويين، وكذلك بالنسبة للجنة التنسيق عدا العضو الخامس الذي تعينه قيادة الجيش دون موافقة محلية ويعتبر عضواً مراقباً. يكون الإحتفاظ لمدة لا تزيد عن ثلاث سنوات وبعدها يكون أحد الألوية معيناً من قيادة الجيش بجنوده وقيادته دون نسب ودون الحصول على موافقة السكان.

2. بعد الثلاث سنوات الإنتقالية، يتعهد الجيش بإنشاء قاعدة عسكرية في الجبل تكون موقعاً لفرقة الجبل (المختصة في القتال في الأراضي الوعرة) التي ستُشكل لاحقاً من أربعة ألوية (ثلاثة من الألوية السابقة الذكر يتم دمجها بالفرقة). ويكون 60% على الأكثر من أفراد هذه الفرقة من سكان الجبل و50% على الأكثر من قياداتها من سكان الجبل أيضاً دون الحصول على موافقة السكان. اللواء المذكور في الفقرة السابقة يبقى منفصلاً عن الفرقة.

3. رؤساء الشرطة المحليين في الجبل تقترحهم وزارة الداخلية ولا يثبت تعيينهم إلا أن يقبل بهم المجلس البلدي للبلدة المعنية وإلا فعلى الوزارة إقتراح غيرهم. (ونقترح ترتيباً مماثلاً في كل أنحاء الوطن كجزء من المرحلة الدائمة). أفراد الشرطة يعينون محلياً بنسبة لا تقل عن 60% (ويتم تعريف المحلية من قبل المتعاقدين)

4. تحتفظ الأحياء ذات الغالبية العلوية خارج المحافظات الساجلية الجبلية بمجموعات حماية أحياء من أفراد الجيش الشعبي يكون للأحياء المعنية تمثيل لا يتجاوز 70% فيها. تقوم هذه المجموعات بحماية الممتلكات والأرواح والمراقبة الليلية وتكون عوناً للشرطة

ضمانات إدارية

1. يتبع الجبل لمحافظات اللاذقية وطرطوس وبانياس حصراً. تُلغى المناطق ويُحتفط بالنواحي كتقسيمات إدارية ويكون لكل ناحية قصبتها ولكل محافظة عاصمتها الإدارية.

2. المحافظون ومدراء النواحي والمجالس البلدية ورؤساء البلديات والمخاتير في كل المناطق منتخبون من سكان التقسيم الإداري المعني (على الاقل سنة سكن متواصلة).

3. يُعتمد مبدأ اللامركزية في إدارة النواحي والبلدات والمحافظات من أجل التخفيف من التمركز في المراكز. ويُسمح لكل تقسيم إداري بإصدار قوانين محلية لا تتنافى مع الدستور أو مع قوانين الدولة.

ضمانات دستورية وقانونية وإجرائية

1. إعتبار العلوية طائفة إسلامية ولها مجلس إفتاء (مؤسسة غير حكومية له تمويله الخاص وأوقافه الخاصة وقانةونه الداخلي الخاص) ومحاكم شرعية (تابعة للدولة ومرتبطة بمجلس الإفتاء أيضاً) وأوقاف مستقلة (تابعة للأبنية الدينية المعاد تشكيلها كمؤسسات غير حكومية). وجعل بعض أو كل الأعياد العلوية التي لا تتوافق مع أعياد الطوائف الأخرى والأعياد وطنية إما عطلات وطنية أو ضمن المحافظة أو ضمن الناحية أو البلدة. (والامر نفسه ينطبق على المسيحيين وغيرهم من الطوائف).

2. تجريم التكفير على المستوى الوطني وإعتباره تحريضاً على القتل لأن الحكم على النيات من شأن الخالق.

3. حذف المادة الدستورية (في الدستور الإنتقالي والدستور الدائم) القاضية بأن يكون رئيس الدولة مسلماً. وتعديل المادة القاضية بأن الشريعة الإسلامية هي مصدر للتشريع بحيث تشمل شرائع كل الطوئف الدينية ومذاهبها، وبحيث تشمل التراث القانوني العالمي والعقل المتقصي العلمي والإتفاقيات العالمية الموقعة.

4. نقل مهمة التعليم الديني إلى المؤسسات المجتمع المدني المختصة ويُعطى لطلاب المدارس الحصة الأخيرة من يوم الأربعاء كفرصة للإلتحاق بهذه المؤسسات لتحصيل تعليمهم الديني.

5. الجرائم والجنايات التي يثبت فيه الأساس الطائفي أو القومي المتعمد تُعامل معاملة خاصة وتؤدي إلى عقوبات رادعة أكبر.

6. لا يُكتب الدين أو المذهب أو الإنتماء القومي أو مكان النفوس على بطاقة الهوية الشخصية أو على إخراج القيد العادي. ويتم إثبات هذه الصفة بإخراج قيد خاص تمييزي يحوي الإنتماء ومكان النفوس (وندعو إلى إلغاء تقسيم الناس إلى مناطق نفوس والإقتصار على مكان الإقامة).

7. التمثيل في مجلس الشعب يكون على أساس التقسيم الجغرافي وليس اللوائح والقوائم الحزبية حتى يكون لكل ناحية إنتخابية (عشرة آلاف ناخب مثلاً) ممثل واحد من أبنائها وبهذا نبتعد عن المحاصصة بين الأحزاب ونقترب من التمثيل الحقيقي للسكان المحليين.

8. العلويون اللذين يسكنون المدن والمحافظات غير محافظات الساحل والجبل يعتبرون سكاناً في هذه المناطق وينطبق عليهم ما ينطبق على غيرهم من السكان هناك، أي أنهم ينتخبون ممثلين بحسب تقسيم إنتخابي متفق عليه يجعل لكل عشرة آلاف مواطن مثلاً ممثلاً واحداً.

ضمانات ثقافية وتنموية

1. المساعدة بمعونة مالية من الدولة ولمرة واحدة بفتح مدارس شرعية للمذهب العلوي في عدة مدن تحت رئاسات مستقلة عن الدولة وتعتبر مؤسسات تعليمية إما ربحية أو غير ربحية لكن غير حكومية.

2. السماح بمحطات راديو محلية خاصة لا تتجاوز حدود المدينة أو المنطقة. وبقناة تلفزيونية وطنية خاصة موجهة لأفراد الطوائف الدينية أو الأقليات القومية. وقد يكون لهذه المحطات طابع ثقافي أو ديني دون السماح بالدعوة أو بالتجييش الطائفي.

3. إنشاء جامعة حكومية في صافيتا وجامعة في جبلة، والسماح بالجامعات الخاصة. وتسهيل حصول الطلاب على قروض للتعليم وإعطاء منح للمتفوقين على مستوى المدرسة الثانوية خاصة في المناطق النائية ومن ذوي الدخل المحدود. وتحوي جامعة صافيتا أو جبلة على مركز للدراسات الحراجية وحماية البيئة وعلى مركز لدراسات الزراعة الجبلية. ويتم التركيز على الإختصاصات التقنية وتأهيل المدرسين والإختصاصات الزراعية والسياحية والإدارية.

4. إنشاء بنك إعمار الجبل وتسهيل القروض للفلاحين ولأصحاب الأعمال الحرة الصغيرة والصناعيين. وتشجيع السياحة والزراعة الجبلية وجذب الإستثمارات.

4. تتعهد الدول ببناء ثلاثة منتجعات سياحية في أماكن يتم الإتفاق عليها واعتماد أموال وخبرات وممولين محليين.

5. تتعهد الدولة ببناء ثلاث مستشفيات حكومية كبيرة في مدن مختارة من الجبل وليس الساحل وتسهيل قروض لبناء مستوصفات وعيادات في البلدات الأصغر.

قيادة المرحلة الإنتقالية

1. سيكون للعلويين من ضباط وسياسيين وحزبيين وممثلين دور في قيادة المرحلة الإنتقالية بنسب متفق عليها بعد تحديد آليات ومؤسسات هذه القيادة.

ثانياً المرحلة الدائمة

وتبدأ هذه المرحلة بالتوازي مع المرحلة الإنتقالية باتخاذ تدابير دائمة وتستمر بعدها. كل الحقوق والتسهيلات المعطاة للجبل ستُعطى لبقية المناطق حسب الحاجة والإتفاق. يتم التركيز على المناطق الجنوبية والشمالية الشرقية المنكوبة وخاصة فيما يخص المياه والزراعة. ستأتي مقترحات المرحلة الدائمة بعد الإطلاع على ردود الأفعال على تدابير المرحلة الإنتقالية.

2 تعليقان

  1. سيدي الكريم

    من زمن لم اقرأ مثل هدا المقال الشجاع. وقد كنت طرحت موضوع مصالحة جنوب افريقيا على السيد غسان المفلح في الحوار المتمدن. وعندما اشرت الى اعتدار كل طائفة عن الأضطهاد الدي الحقته بالطوائف الأخرى, أنكر السد المفلح ان العلويين تحديدا قد تعرضوا لأضطهاد وقبل الأمر عن الطوائف الأخرى
    تحياتي واحترامي

    أمين حليم

  2. اعتقد ان الدافع واقعي لاعطاء المنتمين للطائفة العلوي الاطمأنان والامان ولكن هذا يتم بمواطنة شاملة وليست بأمتيازات بمعنى يجب ان تكون الدولة المنشودة القادمة لا دينية وليست ايدلوجية ايضا والضمان بالتشديد على عدم تمايزها ضمن معادلة مواطنة ودولة لكي لايطالب كل طرف بضمانات وتصبح دولة طوائف او تركيز هذا الشعور عند النخب التي ستبرز في المرحلة الانقالية بالخصوصية وهو ما يتناقض مع معنى الدولة لكل مواطنيها وبتقديري ان الكاتب يشدد على ضمانات للطائفة العلوية لشعوره ان المرحلة القادمة ستكون عسيرة وهو شعور مبرر لكن دروب الجحيم ممهدة بالنوايا الحسنة وهذا الشيء نجده يتكرر عبر التاريخ وفي شتى بقاع الدنيا مثل العراق لبنان وقد تكلم بها كبار المفكرين كماركس حول المسألة اليهودية …مع صادق التحية استاذ اتاسي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

− 4 = 1

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...