الرئيسية / كتاب الانتفاضة / برهان غليون / مبادرتين سياسيتين لحل الأزمة في سوريا –مقالات مختارة-

مبادرتين سياسيتين لحل الأزمة في سوريا –مقالات مختارة-

مبادرة دي ميستورا بين التقسيم والحل السياسي في سوريا/ طلال المهدي

منذ آذار (مارس) 2014، وضع الملف السوري في (فريزر) ثلاجة الصراع الدولي، مما أدى إلى استقالة المبعوث الاممي “الأخضر الإبراهيمي” بعد جولات مؤتمر جنيف(2)، بسبب الوضع الأوكراني الجديد الذي أفرز أولويات مستحدثة على ساحة العمل والفعل السياسي الدولي، ومر تعيين مبعوث دولي جديد “ستيفان دي ميستورا” لحل الأزمة السورية خبراً عادياً في الأخبار، حتى قام تنظيم (داعش)، باحتلال مدينة الموصل العراقية، والتوجه إلى إقليم كردستان العراق، والسيطرة على جزء كبير من الأراضي والمدن السورية في الشمال، والشمال الشرقي السوري، وإعلان قيام دولة الخلافة على هذه الأراضي السورية والعراقية من قبل الخليفة “أبو بكر البغدادي”، وتحطيم الحدود بين سوريا والعراق، المرسومة على أساس اتفاقية (سيكس – بيكو) التي ترسم حدود دول المنطقة منذ عشرينيات القرن الماضي، وكان البغدادي قد عين “أبي محمد العدناني” الناطق الرسمي باسم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” أميراً عاماً لولاية الشام في بيان “يعلو ويسمو بالحق في دولة العراق والشام الإسلامية”، وهذا البيان (منشور في منتدى”المشتاقون للجنة” الجهادي التابع للعدناني، بعنوان”الحركات العلمانية في سورية”).

1

هذه الوقائع دفعت المجتمع الدولي ممثلاً بمجلس الأمن إلى اتخاذ القرارين (2170،2178) الداعيين إلى محاربة ” داعش” و”النصرة”، والتنظيمات المصنفة إرهابية، وقطع سبل الدعم كلها عن الإرهاب.

ومع تضرر المصالح الغربية والأمريكية مما يجري في العراق والأراضي السورية؛ تشكل التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، الذي منعت ضرباته الجوية داعش من احتلال مناطق جديدة في كل من العراق والشمال السوري.

وأعطت إمكانية للقوى السياسية العراقية والدول الإقليمية والدولية الفاعلة للتدخل من أجل انتخاب رئيس عراقي، وتشكيل حكومة عراقية جديدة برئاسة “حيدر العبادي”، وهذا ما أسهم في فكفكة الاحتقان السياسي بين القوى السياسية العراقية من جهة، وتأجيل الصراع مع المكون الكردي حول إجراءاته من طرف واحد، من دون التنسيق مع الحكومة المركزية في العراق، ودفعت هذه الإجراءات إلى تنشيط قوات البشمركة والجيش العراقي لاستعادة بعض المدن والقرى والبلدات والأراضي العراقية، ووضع حد لتقدم قوات داعش في مدينة (كوباني، عين عرب) السورية، وإفساح المجال واسعاً لقوات الحماية الشعبية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي الوطني الكردي، والمدافعين عن المدينة، بإعادة تنظيم صفوفهم، وإرسال دعم من مقاتلي البشمركة والجيش الحر للإسهام في الدفاع عن المدينة وتحرير ما وقع من أحياء تحت احتلال داعش، وهو الذي فتح إمكانية لشن هجوم معاكس للبدء بتحرير محيط المدينة.

الصورة2(1)

في ظل هذه الأجواء تقدم المبعوث الاممي دي ميستورا بمبادرته الجديدة تجاه مدينة حلب، ,أطلق عليها تسميات عدة هي “تجميد النزاع، أو الصراع، أو القتال، أو وقف إطلاق النار” في سوريا، وتقاطعت هذه المبادرة مع ما نقلته صحيفة “واشطن بوست”، ومجلة ” فورين افيرز” الأمريكيتين عن التقرير النهائي لخطة إنقاذ سوريا بعنوان “خطوات لتسوية النزاع السوري”، الذي وضعه “ديفيد هارلاند” مدير “مركز من أجل الحوار الإنساني” ومقره في جنيف، وأبرز نقاطه أن “الحل في المدى المنظور يقوم على تجميد الحرب، والاعتراف بأن سوريا أصبحت دولة لامركزية بقوة السلاح، وأن المناطق التي ستوقع اتفاقيات هدنة ستحكمها الجهة المسيطرة عليها، وتجري بها انتخابات محلية، تحكمها إدارات سياسية، ويدفع الغرب تكاليف إعادة الأعمار فيها”.

ويبين التقرير أن الحل لا يقوم على الحكومة الانتقالية والمرحلة الانتقالية، ولا على تقاسم السلطة، بل في المصالحات والهدن المبرمة عبر”سلطة سلام وإعادة الإعمار”، وهي حال انتقالية يقرها “اتفاق برعاية الأمم المتحدة”، وهو ما يسمح “للنظام والمتمردين بتركيز الجهود والمواجهات على محاربة المتطرفين، مما يعجل بالقضاء عليهم، أما مصير الأسد يحدده السوريون عبر إصلاحات دستورية، وانتخابات بمراقبة دولية تجري بعد إنهاء الحرب، حتى ذلك يبقى الأسد رئيساً”.

إن مبادرة دي ميستورا تلقت رداً أولياً مشجعاً من النظام السوري، الذي فتح ملف القتال والوضع العسكري في محافظة القنيطرة وريفها والجولان، حيث يعتبره النظام يقع في إطار مسؤولية الأمم المتحدة، ويطالب النظام أن تبدأ المبادرة من الجولان والقنيطرة وجبل الشيخ؛ المنطقة ذات الحساسية الدولية، وهي تتشاطر في الحدود مع لبنان و(إسرائيل) التي تدعم جبهة النصرة، وتسهل أعمالها، وتستقبل جرحاها.

3

وكما يحاول النظام الاستفادة من مبادرة دي ميستورا وتوظيفها لصالحه، فإن الغرب والولايات المتحدة الأمريكية يستخدمها للحفاظ على التوازنات الراهنة في جبهة حلب، في محاولة لتثبيت مناطق التنظيمات العسكرية “المعتدلة” في أماكن وجودهم، ودعمهم من خلال هذه المبادرة عبر الأمم المتحدة والقرارات الدولية، واعتبارهم نموذجاً يحتذى، من شأنه أن يغري الكتل المعارضة التي تقف مع”داعش والنصرة”، في محاولة لاستقطاب السنة الداعمين لداعش والنصرة على أساس الدولة اللامركزية ومناطق الإدارة الذاتية، وتشجيع الفصائل والقوى العسكرية الفاعلة في سوريا على تمزيق مركزية الدولة، وتفتيت وحدة أراضيها، من خلال إقامة المزيد من مناطق الحكم الذاتي على أسس دينية وعرقية، عبر منظار الهوية الذاتية المتشكلة على مناطقية وجهوية الفصائل والقوى العسكرية التي تحارب وتقاتل النظام على مساحة الوطن السوري. وهكذا توضح مبادرة دي ميستورا أن الخطة الأمريكية تجاه الوضع السوري في بقائه جرحاً مفتوحاً يستنزف النظام السوري والقوى الإسلامية المتطرفة “داعش والنصرة”، وغير المتطرفة “الجبهة الإسلامية جيش الإسلام، جيش محمد… إلخ”، وبعض القوى الإقليمية الداعمة للنظام بمثل”حزب الله” و”إيران” في معركة “رحى الطاحون” من دون إمكانية للحسم العسكري للنظام أو المعارضة، وهنا تدخل المبادرة لتكريس المنجز الواقعي المقسم عبر فكرة “التقسيم الواقع”، وهذا ما يتيح استمرارية الحرب الأمريكية والدولية على داعش، في محاولة لترسيم حدود دولة “الخلافة الإسلامية” في الحد الأدنى على الأراضي السورية، ومواصلة الغارات الأمريكية والدولية عليها بين الحين والآخر، من دون الدخول في مرحلة الحسم العسكري مع تنظيم دولة الخلافة “داعش”، وبذلك ترسم مجموعة من الخطوط الحمراء للتنظيم من دون إلحاق الأذى بحدود سيطرته الميدانية، وهو ما فعلته على الأراضي العراقية، عندما توجه داعش نحو أربيل في العراق، ولم تسمح بحسم المعركة له في” كوباني، عين العرب”، حفاظاً على الإدارة الذاتية الكردية في سوريا، وهو ما يفتح الأبواب واسعة على المزيد من تقسيم وتفتيت الأراضي السورية، خاصة بعد نجاح قوات جبهة “النصرة” في السيطرة على محافظة إدلب وجبل الزاوية، وتعزيز حضورها وسيطرتها على ريف حلب بعد طرد جبهة ” ثوار سوريا” بقيادة “جمال معروف” من هذه المناطق.

كل ذلك يجري أمام القوى السياسية السورية المعارضة “الائتلاف” و”المجلس الوطني”، وباقي تشكيلات قوى المعارضة الخارجية، والمعارضة الداخلية هيئة التنسيق الوطنية وغيرها من قوى الداخل، وكأن قدر السوريين أن يكونوا أدوات للمصالح الدولية والإقليمية والعربية في الصراع على سوريا

4

أن ذلك يبعد الحل السياسي من أمام أعين السوريين ويضعه في إطار” حلم سياسي سوري” حتى التغيير في الشروط الموضوعية السورية والإقليمية القادرة على فرضه على الرغم من استمرار التفاوض الدولي على ملف إيران النووي (6+1) لمدة سبعة أشهر أخرى، وفي ظل تشكيل موسكو”مجموعة أصدقاء دي ميستورا”، التي تضم “روسيا، الولايات المتحدة الأمريكية، السعودية، تركيا، مصر، وإيران”، فهل تنجح هذه المجموعة في إحداث اختراق نحو حل سياسي سوري – سوري برعايتها وضمانتها؟!.

 

 

 

حوار موسكو المقبل…مخارج مشرّفة أم جولة اشتباك إضافية؟/ الدكتور جهاد مقدسي

يعاني السوري غياب الشفافية (ولو بحدها الادنى) لدى السياسيين المتوكلين بأمره في كلا الجانبين سواء المعارضين أم الموالين، فيجد نفسه في خضم حالة من التصريحات المتعددة والمتضاربة فإما تكون كلاسيكية لا تحمل أي تفصيل، واما تكون تصريحات ليست لها علاقة بحقيقة ما يتم ترتيبه فعلاً. وقد يعزى هذا لقناعة السياسيين أن الانقسام قد استكمل ابعاده في المجتمع السوري وبات جمهور كل طرف في جيب السياسيين بلا منازع.

وبالعودة الى التحرك الروسي فإن أهم ما يميزه هو عنوانه العريض: “حوار وليس مفاوضات”. فالروسي لا يتحرك من فراغ ديبلوماسي وقانوني بل يعتمد بمبادرته أو فكرته الحالية على أساس ديبلوماسي وقانوني”نعم هو أساس انتقائي لكنه واضح” ، وهو بند موجود في نص بيان جنيف “١” الفقرة “ب” التي تتضمن حرفياً عبارة “مسيرة الحوار الوطني” لذلك فإن الروسي يعمل على مبدأ أن ما سيجري في موسكو هو “حـوار وليس مفاوضـات” و هذه هي الكلمة الجوهرية لمن يود أن يعلم نوع اجتماع موسكو المقبل وسقفه.

ديبلوماسياً: الحوار يعني عصفاً فكرياً مفتوحاً للتوصل الى حلول توافقية… أما المفاوضات فهي تعني التفاوض على حل محدد ومتفق عليه سلفاً ثم البحث عن آلية تنفيذه بما يرضي الأطراف، لذلك فإن محادثات موسكو هي فقط “حوار مفتوح” وليست مفاوضات بين رابح وخاسر.

بالنسبة إلى المدعوين، فهم ثلاثة أطراف (النظام والمعارضة ثم شريحة “المستقلين وممثلي المجتمع المدني”) والفكرة هي أن يجتمع المعارضون في ما بينهم أولاً لصياغة سقف ما من وحي آخر التطورات و الدروس المستقاة . ثم تأخذ موسكو هذا الاقتراح وتساعد على ترويجه لدى الوفد النظامي (الذي سيكون على الغالب برئاسة وزير الخارجية، والذي عبّر بعض المعارضين للروس عن تفضيلهم صراحة، أن يكون وفد الدولة برئاسة العسكر أو القيادات الأمنية الفاعلة كدليل جدية وتفويض حقيقي).

“السلطة” تعلم أن هناك ثمناً سياسياً حتمياً، لكنها تأمل في عقلنة المطالب وتكريس سقف جديد لها يؤدي إلى دخول معارضين مقبولين إلى جسم الدولة السورية ومحاربة الارهاب التكفيري في شكل مشترك، وبالتالي اضعاف المعارضة المتمثلة بالائتلاف تحديداً. ولا تزال الاستراتيجية العامة هي الصمود العسكري ثم شراء الوقت حتى يؤدي ذلك الى إمكان احتواء معارضين واشراكهم في مسيرة تغيير ديموقراطي من دون وجود جمهورهم خلفهم (مكشوفي الظهر) وبالتالي خسارتهم ديموقراطياً في شكل حقيقي من دون الحاجة إلى المناورة والتدخل. وهنا لا يمكن لوم فريق سياسي على ذكائه فهو يخوض معركته الكبرى وليس أية معركة.

في الختام لا بد من دعوة الجميع من دون استثناء للاستماع الى نبض الشارع والمجتمع السوري… فالغالبية تأمل في حصول أي حوار سوري – سوري من دون التخلي طبعاً عن الثوابت الوطنية… فإذا كان حواراً فهو حوار وإذا كان مفاوضات فهي مفاوضات وإذا كان لقاء فهو لقاء، المهم الشفافية والصراحة فكل ما من شأنه أن يؤدي الى أي تفاهم مهما كان ضئيلاً سيخفف حتماً سقوط المزيد من الأبرياء ووطأة التدويل الذي يقتلنا كسوريين وبالتالي حماية ما تبقى من سوريا. وسبب التمسك بالقليل ليس اليأس أبداً بـل الـوعي أن الحل السياسي الكامل غير متاح اليوم ويا للأسف، و أن ما يجري العمل عليه هو “مسـيرة حـل”، لذلك فإن المحادثات تبقى أفضل وأشرف من حرب الأخوة. هذه الشفافية المطلوبة هي قمة الاحترام للجمهور السوري الذي يستحق التعامل معه كمواطن وشريك، ولا يستحق ان يستمر الجميع في بيعه الوهم .

سياسي سوري مستقل.

النهار

 

 

 

 

حلب بين تجميد ديمستورا وسياسات أردوغان/ علي العائد

تشير المقاربات السياسية لما بعد انطلاق العمليات العسكرية ضد تنظيم “داعش” إلى أن حلب ستكون محور العمل السياسي والعسكري، في تقاطع بين خطة المبعوث الأممي ستيفان ديمستورا، والمطالبات التركية بتشكيل منطقة عازلة في شمال سوريا على امتداد الحدود الدولية بين البلدين.

الشكوك حول نجاعة خطة ديمستورا قائمة، كون مقاتلي المعارضة يعتبرون تجميد جبهة حلب مقدمة لتمكين قوات بشار الأسد من المدينة. كذلك الأمر حول المنطقة العازلة وفق الرؤية التركية، حيث يذهب الظن إلى سعي تركيا إلى فرض أمر واقع في هذه المنطقة، وعلى حلب التي تماثل اسطنبول التركية في أهميتها التاريخية والسياحية، والمكملة لمدينة غازي عينتاب الصناعية.

فوق ذلك، الشكوك تحوم حول العلاقة بين داعش وتركيا، وقد يظهر في القريب، وفق تقديرات، أن تركيا تمثل المنقذ في منطقة شمالي حلب بعد انجلاء الغبار عن معركة عين العرب – كوباني. والفكرة تشير إلى تبادل أدوار بين تركيا وداعش، وتناغم مصالح، في هذه المرحلة على الأقل.

دخلت حلب متأخرة في الثورة السورية بعد قرابة عام ونصف منذ بدئها في منتصف آذار 2011.

وقتها كانت الآراء تتفق أن الثورة لا تكتمل، ولا تنتصر، إلا بدخول حلب فيها.

استجابة الحلبيين لنداءات الناشطين وتنسيقيات الثورة كانت بطيئة. وقتها كانت الثورة سلمية، والنداءات والشعارات كانت ترفع شعارات مدنية.

ولأن حلب دخلت متأخرة في الثورة، كانت الفترة قصيرة بين رفع الشعارات المدنية، والعسكرة.

في مراحل متقدمة، وخلال الأعوام منذ منتصف عام 2012، حذر مقاتلون في حلب من سقوط نصف المدينة الذي تسيطر عليه تشكيلات مختلفة من مقاتلي المعارضات مجدداً في يد النظام، ما يعني فشل الثورة في الخيار العسكري، والارتداد إلى الفرضيات الأولى لبدايات الثورة.

تشكل محافظة حلب الكتلة السكانية الأولى في سوريا (6.230 مليون نسمة)، وفق تقديرات المكتب الإحصائي لعام 2010، وبإضافة الأعداد المسجلة في دوائر الأحوال المدنية حتى نهاية 2012.

وتأتي العاصمة دمشق، وريفها، ثانية، بعدد يتجاوز أربعة ملايين نسمة.

وبذلك تضم المحافظات الثلاث (محافظة دمشق، محافطة ريف دمشق، ومحافظة حلب) أكثر من 40% من سكان سوريا المقدرين بحوالي 24 مليون نسمة.

لحلب مكانة هامة في تاريخ سوريا بعد الاستقلال. ولا يمكن اتخاذ أي قرار على المستوى العام إلا وتكون فيه لحلب اليد الطولى. وكانت تتمثل قوة المدينة في تجارها وصناعييها خلال حقبة الخمسينيات من القرن الماضي، وفي حزب الشعب المعادل في قوته لأحزاب العاصمة مجتمعة.

بعد استيلاء البعث على السلطة عام 1963، تغيرت المعادلة الحلبية، والسورية عموماً. لكن رغم محاولات تهميش حلب مازالت المدينة تمتلك قوتها الكامنة.

نجحت محاولات تهميش حلب ثقافياً، وجعلها مدينة طرفية، لكن التجار والصناعيين استمروا في دورهم الاقتصادي دون الولوج في السياسة التي احتكرتها الدوائر المحيطة بالحكم البعثي والأمن والعسكر في العاصمة. شأنها في ذلك شأن كل المدن السورية الأخرى، حيث التاجر والصناعي الناجح هو الذي يتحالف مع سلطة الأمر الواقع، بالمشاركة، والرشوة، وجعل الاستثناء هو القاعدة في القوانين الاقتصادية، بل وتفصيل قوانين اقتصادية على مقاس السلطة الحاكمة وحلفائها.

اليوم، تتقاسم السيطرة على مدينة حلب قوات نظام الأسد، وميليشيات غير سورية، من جهة، ومجاميع مقاتلي المعارضة المنتمين إلى قيادات عسكرية مختلفة. ونسبة السيطرة على المدينة تتراوح حول 50%، تبعاً لحالات الكر والفر، والانسحاب التكتيكي المتبادل بين الطرفين.

كان واضحاً منذ بدايات 2013 أن النظام لم يعد يملك العدد الكافي من الجنود لخوض عمليات مباشرة مع قوات المعارضة، وحتى استعانته بالميليشيات الطائفية لم تكن كافية لتحقيق نوع من التوازن بين القوتين، ولذلك اختار “سلاح البراميل المتفجرة” التي يتراوح وزنها بين 350 و1000 كغ، بما تحويه من المواد المتفجرة، وخردة الحديد. واستطاع بهذه الوسيلة إرعاب المدنيين الذين نزح منهم بعد موجة البراميل المتفجرة وحدها أكثر من 600 ألف نسمة، كون خطرها يتركز على المدنيين، وكون قوتها التدميرية تحيل في دقائق بناء من خمسة طوابق إلى ركام.

وتشير إحصاءات مراكز مراقبة الانتهاكات إلى أن 95% من ضحايا البراميل هم من المدنيين بين قتلى وجرحى، بينما يتمكن المقاتلون في أغلب الحالات من الاحتماء من خطرها.

حلب، الآن، رهان النظام المعارضة والنظام، كما كانت في بدايات الثورة.

راهن النظام على الرقة، وصلى بشار الأسد فيها صلاة أول عيد في الثورة، لكنها سقطت في يد الجيش الحر قبل أن يسيطر على المدينة “داعش” ويحولها إلى ما يشبه عاصمته، ومن ثم خرجت المحافظة بكاملها منذ شهور عن سيطرة النظام.

حلب، اليوم، مدار الحديث، تحت أصوات الحديد والنار، وخروجها من يد أي من الطرفين المتحاربين سيكون بمثابة الانتصار للطرف الآخر، أو هو بداية الانتصار. لكن الأصابع الإقليمية والدولية والأممية لا تزال تنسج خيوط مصالحها حول حلب، في غياب مستمر لأي جسم سوري، سياسي، أو عسكري، يمكن أن يقول كلمة وازنة.

 

 

 

 

حظوظ المبادرة الروسية للحل السوري/ غازي دحمان

تكاد حظوظ روسيا في تحقيق اختراق في جدار الأزمة السورية السميك تتساوى مع حظوظ ستيفان دي ميستورا في تجميد القتال في حلب، ذلك أن ما يجمع بين الخطتين انطلاقهما من قناعة مفادها بأن السوريين تعبوا من الحرب وهم سيتلقفون أي مبادرة تشكل فرصة للإستراحة من الحرب اليومية التي أنهكتهم، حتى لو لم تكن أطراف الأزمة مقتنعة بالحل، والتقاطع الآخر الذي يلتقي عنده التحركان الروسي والأممي تأثرهما بمواقف جهات تملك وجهة نظر معروفة عن الأزمة، روسيا، ثم إيران التي تقيم في تفاصيل وتقنيات خطة دي ميستورا.

هل تعب السوريون؟ تلك مجرد تقديرات افتراضية، قد تكون من الناحية النظرية صحيحة، لكن هل وصلت اطراف الحرب في سورية بالفعل الى تلك القناعة؟ الواقع الميداني لا يقول ذلك، فما دام الطرفان مصرّين على اجتثاث بعضهما بعضاً، فمعنى ذلك أنهما لم يصلا بعد إلى هذه المرحلة، والدول والمنظمات عادة لا تغامر في البناء على افتراضات نظرية غير مدعمة بمعطيات عملية وتعرّض صدقية ديبلوماسيتها لأخطار فشل مجاني وأكيد.

هل هو سباق روسي إيراني على شكل كباش على خط الأزمة السورية عبر حرب تصورات حلول للأزمة تنعكس نتائجها على عملية إعادة تشكيل الصراع أكثر من تجسدها في حلول واقعية للأزمة؟ تصريحات نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف في بيروت، وبخاصة تلك التي جرى تسريبها من مجالسه الخاصة مع حلفاء روسيا في لبنان، لا تنطوي على أدنى درجات التفاؤل في إحداث اختراق جدي للأزمة، كما إن قدرة روسيا على إحداث تغيير في دينامية هذه الحرب وصلت إلى ذروتها ولم يعد في إمكانها صناعة تغييرات حاسمة تعدل موازين القوى في الصراع، ما يعني أن التحرك الروسي يبيّت أهدافاً أخرى، وهذا يدفع النقاش إلى احتمالات أخرى لفهم هذا التحرك على حقيقته.

من ضمن تلك الاحتمالات التي يقع هذا النمط من الحروب على خطها دائماً، صراع الحلفاء، سواء الداخليين أو الخارجيين، وغالباً ما يحصل هذا الصراع بسبب الاختلاف على حصص النفوذ وعلى إدارة الصراع، انطلاقاً من اعتقاد كل طرف بأن له الحق بالتدخل بمقدار ما يقدمه من دعم ومساندة في هذه الحرب، ويشير الحراك الروسي الى استفاقة لا يبدو أنها في وجه أميركا التي لها سياقها ومسارها الذي لم يصطدم يوماً مع الإجراءات الروسية في دعم النظام، من خطوط إمداد إلى دعم ديبلوماسي، فالعلاقة بين الطرفين على هذا الخط لم تصل في يوم إلى مرحلة الاصطدام، ومن نافلة القول إن واشنطن وجدت في المانعة الروسية ملاذاً للاختباء خلف تلك الذريعة.

لكن يبدو أن التحرك الروسي بداية اصطدام مع الحليف الإيراني ومحاولة لإعادة تموضع جديدة داخل الميدان، بعد أن ظلت روسيا داعماً خارجياً في مجلس الأمن وعلى صعيد السلاح، وهو دور لم يعد كافياً وربما لم يعد مرضياً بالنظر الى عدم القدرة على تصريفه في المقايضات الدولية، أوعلى الأقل لا يأتي بثمن مواز لطموح روسيا فيما ترى أن إيران تحصد نتائج أكثر قيمة في تفاوضها مع الغرب بسبب حضورها الميداني في المنطقة.

ويفيد التدقيق في التحرك الروسي بأنه ممنهج وله تقنياته الخاصة في التموضع، فهو ينطلق من بناء كتلة سياسية، من النظام والمعارضة، تشكل حيثية لها وتتفق مع الفلسفة الروسية للصراع في مرحلة أولى، ولا شك في أن هذه الكتلة سيكون لها بناء مواز في الميدان، إذ ليس من الصعب ان تجد روسيا حيثيات لها في هذا الحيز، رغم كل مساحة الظل التي رسمتها إيران على المربع السوري الموالي. صحيح أن إيران أشرفت، ومنذ مرحلة مبكرة، على هندسة مسرح المعركة بواسطة جنرالها قاسم سليماني الذي بات يعرف كل نقلات وحركات الميدان وعناصره الفاعلة ومواقعها، غير أن روسيا إذا أرادت تستطيع أن تخلق الكثير من مواقع القوة والنفوذ لها في الداخل السوري، ليس على مستوى المعارضة الداخلية التي تملك معها خطوط تنسيق، ولكن أيضاً على مستوى القوى العسكرية، وبخاصة أن كثيرين من ضبّاط النظام الأمنيين والعسكريين هم أصحاب ثقافة عسكرية روسية، وإن الآلاف منهم متزوجون من روسيات. وعدا عن هذا وذلك فإن ظروف الفوضى وقلة الإمداد تتيح لطرف مثل روسيا الانخراط والتموضع في الداخل السوري، وبخاصة في ظل حالات التشظي الهائلة وعدم قدرة النظام على ضبط القوى في الشكل الذي كان قبل الثورة.

يترافق ذلك مع ظهور شخصيات ذات طبيعة أسطورية داخل البيئة العلوية تمتلك قواعد جماهيرية، وتقضم من مساحة جماهيرية بشار الأسد، مثل سهيل الحسن، وبعضها لها تأثير بحكم الأمر الواقع، مثل الكثير من قادة المناطق، وبعضهم ضباط أمنيون وقادة عسكريون سابقون مثل علي حبيب وعلي حيدر.

لا يبدو أن ايران سعيدة بهذا التحرك الروسي المستجد، وبخاصة أنها تدرك انه قد يشكل متغيراً لغير مصلتحها، فهو يتيح بدائل أمام نظام الأسد. صحيح ان إيران كانت أكثر سخاء في العطاء، لكنها لا تضمن أن تبقى على نفس الدرجة، كما ان روسيا قد تكون أكثر مقبولية لدى شرائح أوسع من النخبة السورية المؤيدة لبشار من سنّة ومسيحيين وعلويين.

من محفّزات هذا النوع من الصراع أن بنيته موجودة وتشبه البيئة التي أوجدت الصراع الذي حصل في الثورة ما بين «الجيش الحر» والكتائب المتطرّفة، وتغصّ بنية الجبهة المقابلة بالمتناقضات وبالتململ بين بقايا جيش سوري نظامي وميليشيات ذات طبيعة طائفية، لها مصالحها وأهدافها من الصراع ومواقفها المتناقضة من مآلات الأزمة، ولا يحتاج الأمر لأكثر من إطلاق ديناميات هذا الصراع من خلال التنازع على مساحات التأثير ومناطق النفوذ.

* كاتب سوري

الحياة

 

 

مبادرات خلّبيّة في الشأن السوري/ ميشيل كيلو

يطرح مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، مبادرة تجميد تدريجي للقتال في مناطق مختلفة من سورية، بدءاً بمدينة حلب، في مسعى يستهدف نشر الأمن في أكبر عدد من مدن سورية، وتطبيع أوضاعها وإمدادها بما تحتاج إليه من طعام وشراب ودواء، وأخذها نحو خطوة تالية، تتصل بالتفاوض على حل سياسي.

بدورهم، يطرح الروس مبادرة في زمن ليست المسألة السورية فيه أولوية أميركية، تركز واشنطن فيه على العراق ومحاربة الإرهاب، و”تدفش” القضية السورية إلى وقتٍ لا يعرف اليوم أحد متى يأتي، إن كان سيأتي أصلاً. يأمل الروس أن تمكنهم حركتهم من بلوغ حل ما، في زمن يظنون أن دور أميركا السوري يتراجع فيه، لأسباب بينها ما يعطونه من أولوية للحرب ضد الإرهاب، ولدورهم في العراق، والتحسن النسبي في أوضاع النظام العسكرية، وحاجة أوباما إلى تفاهم استراتيجي جديد مع إيران التي تضغط على إدارته، وتستغل خوفها من التورط في نزاع معقد وطويل في المنطقة عموماً، وسورية والعراق خصوصاً. ويعتقد الروس أن انشغالات أميركا تتيح لهم حرية حركة طليقة نسبياً، تخدم مخرجاتها مصالحهم بالدرجة الأولى، وأن هناك فرصة لنجاحهم في استدراج حضور معارض كثيف إلى موسكو، مع تفادي التخلص من بشار الأسد مدخلاً إلى الحل السياسي، أو شرطاً له، مع ما يمكن أن يفضي إليه ذلك في ظل أوضاع، هم الذين سيرسمون معالمها، بما يعنيه ذلك من أرجحية ينالونها على الصعيدين، السوري والإقليمي، بينما يتورط الأميركيون في حربٍ لا يعرفون متى تنتهي، وما إذا كانت ستنتهي حقاً.

إذا كان ما يقدمه دي ميستورا أقل من مبادرة، ويركز، في محاكاة للرؤية الروسية، على السوريين ودورهم المباشر في الحل، فإن الروس يكررون، اليوم، ما سبق لهم قوله منذ بدأ الصراع، وهو أن الحل يجب أن ينجزه السوريون فيما بينهم، وأنه لا يحق لأحد فرضه عليهم أو التدخل فيه، وأنهم لا يطلبون، لهذا السبب، تنحي بشار الأسد، لأن طلباً كهذا يعد تدخلاً أجنبياً يقرر الحل قبل التفاوض، وكلاهما ممنوع، فتنحي الأسد مسألة سورية وليس دولية، من صلاحيات المعارضة وحدها إقناعه به، إذا ما بقيت مصرة عليه، على أن لا يملي موقفها استقواءها بتطبيق اتفاق أو قرار دولي كجنيف واحد، على سبيل المثال، لأنه يقرر هو، أيضاً، نتيجة الحل قبل التفاوض، ويعتبر تدخلاً في الشؤون السورية!.

في منطق الروس، هناك ممنوعات ثلاثة، لا يجوز الاقتراب منها، هي: تحديد نتائج التفاوض بصورة مسبقة وخارج اتفاق الطرفين. تحديد أدوات الحل، كالقول بضرورة وجود “الهيئة الحاكمة الانتقالية” أداة تعمل لبلوغه. وجود مرجعية دولية سابقة للحل تعمل على تحقيقه، أو فرضه، في حال فشل الطرفان السوريان في التوصل إليه.

يجد الروس هذه الممنوعات الثلاثة في وثيقة جنيف واحد. لذلك يقولون بتجاوزها والامتناع عن جعلها إطارا للتفاوض، كما كان الأمر في جنيف 2، مع التأكيد، في المقابل، على أن بلوغ نتائج مطابقة لجنيف، عبر تفاوض سوري مباشر، وبدون شروط مسبقة، يعتبر أمراً مقبولاً في نظرهم. بكلام آخر: يقول الروس: اذهبوا وانخرطوا في تفاوض مع النظام، ليس هدفه محدداً مسبقاً، وليس فيه تحديد، أيضاً، للأداة التي ستوصلكم إليه، ولآلية بلوغ مرحلة الانتقال إلى الديمقراطية، وهي توافقكم مع أهل النظام على مشاركتهم برضاهم في الهيئة الحاكمة الانتقالية، كما يقول نص وثيقة جنيف.

على ماذا سيتفاوض المعارضون مع النظام، إن كان شرط دخولهم إلى قاعة المفاوضات تخليهم المسبق عن الانتقال الديمقراطي هدفاً يتم التفاوض في إطاره وقبوله المسبق، برضا الطرفين، وعن الهيئة الحاكمة الانتقالية كاملة الصلاحيات أداة ترسم الخطوات الضرورية لبلوغه وتنفذها، وعن قبول الطرف الآخر بالتعاون مع المعارضة كآلية تفاوضية؟ وعلى ماذا سيتفاوضون، إذا كان الروس يسقطون مرجعية التفاوض الدولية، على الرغم من أن موافقتهم على قرار مجلس الأمن رقم 2118، تلزمهم بالتطبيق الحتمي لجنيف واحد؟ وماذا يعني إسقاط المرجعية الدولية وإحلال مرجعية روسية محلها، غير الإبقاء على النظام وإفشال الحل السياسي الدولي الذي كانوا قد قبلوه هم والنظام، ويعلنون، الآن، تخليهم عنه، لصالح تفاوض مباشر، هدفه، كما قال ميخائيل بوغدانوف، نائب وزير الخارجية الروسي والممثل الخاص للرئيس بوتين، “إصلاح النظام”، أي التحاق المعارضة بالأسد، والتنكر لآلام الشعب وللثورة ولحرية الشعب السوري الواحد؟

سيكتشف الذاهبون إلى موسكو أنهم يقبضون على سراب، وأن القصد من لقائهم مع النظام ليس حرية شعبهم وأمنه، بل شقهم والتلاعب بهم، واحتواء بعضهم (أرجو أن لا يكون هؤلاء كثراً)، وان هذا هو الهدف الحقيقي المضمر للتفاوض، فضلا عن “حرقهم” وطنياً، وتحويلهم إلى أعداء لوطنهم، يضعون يدهم في يد الأسد، ويؤخرون سقوطه. عندئذ، سيندم من لن يفيدهم ندم، وسيكتشفون أنهم خُدعوا، لأنهم كانوا راغبين في أن يُخدعوا.

العربي الجديد

 

 

 

 

المشهد السوري.. تغيّرات 2014/ حسين عبد العزيز

بدأ العام 2014 بتفاؤل سوري كبير بإمكانية التوصل إلى حل سياسي ينهي الأزمة في البلاد، ويوقف حمام الدم، وكان انعقاد مؤتمر “جنيف 2” عنوان هذا التفاؤل. لكن، سرعان ما تبيّن أن الواقع السوري أعقد بكثير ممّا توقع الفاعلون الدوليون.

انهار “جنيف 2” مع إصرار النظام على اختزال الأزمة السورية إلى مكافحة الإرهاب، وكان من نتيجة ذلك ارتفاع وتيرة العنف إلى مستوى لم تعرفه البلاد منذ بدء الأزمة، وقد أدت ضربات النظام الفصائل السورية المعتدلة، وتراجع الغرب عن تأمين المساعدة لها، إلى تراجع تأثير هذه القوى على الأرض، لينحسر المشهد الميداني بين ثلاثة قوى، ليس لها مصلحة بقيام دولة ديمقراطية: داعش والنصرة والنظام.

أدى التغيّر الميداني الذي أحدثه داعش، بعد تمدده في الشمال والشرق، إلى تغيير التحالفات الداخلية، فصائل إسلامية وعشائر يعلنون الولاء للتنظيم، وآخرون يهادنون، فيما تؤجل قوى

أخرى المواجهة إلى حين.

ترافق ذلك مع حشد دولي لمحاربة التنظيم، تحت اسم التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة التي وجدت أن محاربة التنظيم تتطلب تفاهمات ميدانية مع حلفاء النظام، لا سيما إيران.

أما جبهة النصرة التي تعرضت لضربات موجعة، بداية العام، فقد استطاعت الحفاظ على وجودها جنوبي البلاد، فيما استعادت عافيتها أخيراً في الشمال، بتحقيق نجاحات ميدانية متميّزة، أبرزها السيطرة على معسكري وادي الضيف، شرقي مدينة معرة النعمان، والحامدية، جنوبي المدينة، في ريف إدلب الجنوبي. غير أن ما يلفت الانتباه هو مهاجمة النصرة قوى معتدلة، وتمددها في المناطق الخاضعة لها، بعد تصفيتها جبهة ثوار سورية. وإذا ما استمرت المعارك على هذا النحو، فإن النصرة وداعش سيهيمنان على كامل المشهد الميداني في الشمال والشرق إلى جانب قوات النظام.

حقق النظام، بدوره، إنجازات مهمة، أبرزها في حمص وحماة وغوطة دمشق، فضلاً عن القلمون التي كانت تشكل القاعدة الخلفية وخزان الإمداد الرئيسي (البشري والعتادي) لدمشق وريفها وللمنطقة الوسطى في سورية (حمص وريفها)، ولمناطق في البادية شرقاً.

دفع هذا الواقع فصائل عسكرية سورية إلى إعادة ترتيب تحالفاتها، فتم، في نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، تشكيل مجلس عسكري موحد، باسم مجلس قيادة الثورة السورية، ضم فصائل في الجبهة الإسلامية والاتحاد الإسلامي لأجناد الشام، وفصائل من الجيش الحر، مثل جيش المجاهدين وجبهة حق وحركة حزم، والفرقة 13 وغيرهم.

وفي حلب وريفها، أعلنت كبرى فصائل المعارضة، أخيراً، تشكيل قيادة موحدة عرفت باسم الجبهة الشامية، وتضم حركة نور الدين زنكي وجيش المجاهدين وتجمّع “استقم كما أُمرت” والجبهة الإسلامية في حلب وجبهة الأصالة والتنمية وحركة النور.

وترافقت التطورات الميدانية بتطور سياسي، تمثل بإجراء النظام انتخابات رئاسية أحادية الجانب، كان هدفها تثبيت الوضع السياسي في البلاد، واستثمار هذا الاستحقاق في أي تسوية مقبلة، وهو ما بدا جلياً في كلام نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، في زيارته، أخيراً، دمشق وبيروت، أن الانتخابات السورية شرعية والأسد رئيس شرعي.

وكما بدأ العام 2014 بتفاؤل سياسي، فقد انتهى أيضاً بتفاؤل سياسي، من خلال مبادرتين، الأولى، مبادرة المبعوث الدولي إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، تجميد الصراع في حلب، والثانية الحراك الروسي لإطلاق مفاوضات سياسية بين النظام والمعارضة.

وعلى الرغم ممّا يكتنف التحرك الروسي من غموض، لجهة الأهداف والتوقيت، فإن الخطوة استطاعت تحريك المياه السياسية الراكدة في سورية: المعارضة في الداخل والخارج تعملان على تشكيل موقف موحد، وهو أمر كان مفقوداً في “جنيف 2″، وإشارات سياسية من حلفاء النظام عن مرحلة انتقالية، ترضي طرفي الأزمة، فيما يظل مصير الأسد غامضاً في المبادرة الروسية، كما كان في “جنيف 2”.

انعكست التطورات الدراماتيكية التي شهدتها الأزمة السورية خلال عام 2014 سلباً على الوضع الإنساني، حيث ارتفع عدد القتلى إلى مئتي ألف قتيل مسجل فقط، والإصابات إلى مئات الآلاف، ناهيك عن عشرات أو مئات آلاف المعتقلين، ترافق ذلك مع صعوبة إيصال المساعدات الإنسانية للمحتاجين في مناطق النزاع، بسبب اشتداد المعارك وبيروقراطية الحكومة السورية.

كما شهد عام 2014 أكبر نسبة نزوح للاجئين السوريين حول العالم، بسبب وطأة الحرب في البلاد، حيث أكد بيان منظمة العفو الدولية أن لاجئي الأزمة السورية في الأردن ولبنان والعراق وتركيا ومصر وصلوا إلى 3.8 ملايين لاجئ، فيما يتوزع أقل من مليونين على بقية دول العالم.

العربي الجديد

 

 

 

 

موسكو وسياسة حافة الهاوية/ علي العبدالله

انطوت النسخة المعدّلة من العقيدة العسكرية الروسية على تغيّر بارز هو اعتبار الحلف الاطلسي خطرا عسكريا اساسيا، وأدرجت تأمين المصالح الوطنية في القطب الشمالي بين مهمات القوات المسلحة في زمن السلم. واحتفظت بتوجه سابق هو حق روسيا في استخدام القوة النووية دفاعا عن النفس، وردا على هجوم نووي، أو هجوم يوازيه من حيث الحجم أو درجة الخطر.

ماذا تريد موسكو من كل ذلك؟.

مع رئاسة فلاديمير بوتين الثالثة تبنت روسيا رؤية قائمة على قوة الدولة وضمان ولاء الكنيسة الأرثوذكسية والتمسك بالقيم الثقافية العريقة، واستراتيجية هجومية بهدف فرض هيبتها ودورها الإقليمي والدولي، وتبنت خطة اقليمية من مستويين: الاول استرجاع اراض تعتبرها روسية، والثاني استعادة نفوذها في دول الاتحاد السوفياتي السابق، فعملت على تعزيز الوجود العسكري الروسي فيها من خلال قواعد عسكرية في طاجيكستان وقرغيزيا بيلاروسيا وأوكرانيا وأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية وأرمينيا، كما عملت على تقوية منظمة معاهدة الأمن الجماعي، التي تضم حالياً ست دول، هي روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقرغيزيا وطاجيكستان وأرمينيا، والسعي للاحتلال موقع دولي كبير. فأطلقت، مستفيدة من تحسن سعر النفط والغاز، برامج اقتصادية وعسكرية لإعادة التوازن لوضعها الداخلي وزيادة قدرتها على التحرك الإقليمي والدولي.

وقد اتاح انفجار الربيع العربي لها فرصة لاختبار قدرتها على استعادة هيبتها ولعب دور دولي، غير ان تداعياته، وخاصة التدخل الغربي في ليبيا وحرمانها من كعكتها، وتهديد مصالحها في سوريا، وانتفاضة الشعب الاوكراني على الرئيس الموالي لها، وتسلم السلطة من قبل قوى سياسية اوكرانية تريد الانضمام الى الاتحاد الاوروبي، مع احتمال ان تنضم لاحقا الى الحلف الاطلسي، وانعكاسهما السلبي على المصالح الروسية ومكانتها الاقليمية والدولية دفعها الى الدخول في مواجهة غير مباشرة مع الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي عبر دعم النظام السوري، في مواجهة الثورة، والروس والاوكرانيين الموالين لها في المقاطعات الشرقية، وما ترتب على ذلك من ضم جزيرة القرم وانشاء كيانين انفصاليين شرق اوكرانيا، وارتفاع حدة التوتر والمواجهات السياسية والدبلوماسية وما تبعها من إجراءات عقابية اتخذتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ضد شخصيات روسية وأوكرانية موالية لروسيا، ونشر قوات للأطلسي في دول البلطيق وفي البحر الاسود واجراء مناورات وتدريب مع دول شرق اوروبا، واعلان الاطلسي عن استعداده للدفاع عنها في وجه أي عدوان روسي، وعزلها دوليا، وتشكيل التحالف الدولي لمحاربة الارهاب دون اشراكها، وتجاهل موقفها بالقصف داخل سوريا. فاتخذت قرارا برفع ميزانية المؤسسة العسكرية الى مستويات غير مسبوقة حيث رفعت حصة الأسلحة والمعدات العسكرية الحديثة عام 2013 الى 17 في المئة، على ان ترتفع هذه النسبة في عام 2015 إلى 30 في المئة، وفي عام 2020 إلى 70-100 في المئة. وهذا الى جانب رفضها الدخول في مفاوضات الحد من الاسلحة النووية ما لم تقبل واشنطن بشروطها وعلى رأسها تسوية مشكلة الدرع الصاروخي الأمريكي، وسحب الأسلحة النووية التكتيكية الامريكية من أوروبا، وإشراك دول نووية أخرى في محادثات نزع الأسلحة النووية يعني انها انزلقت الى سباق تسلح مع الولايات المتحدة. ومع تفاقم ازمتها الاقتصادية بعد تراجع اسعار النفط الى النصف وانهيار سعر الروبل(الاحتياطي الروسي 414 مليار دولار، في حين ان الدين الخارجي 700 مليار، وديون الشركات الروسية 500 مليار دولار، خُمسها يجب ان يسدد عام 2015) زادت حرارة المواجهة فاندفعت الى التصعيد السياسي والاكثار من استعراض العضلات وتبني تكتيك حافة الهاوية بتحليق طائراتها فوق دول اوروبية وتنشيط اسطولها في المحيط الاطلسي، وتوجيه التهم للغرب بالوقوف وراء تراجع اسعار النفط والعمل على زعزعة استقرارها والسعي الى اسقاط النظام، وتلويحها باحتمال انفجار حرب عالمية.

كانت موسكو قد قررت في عقيدتها العسكرية تعزيز الدفاعات الصاروخية ضد أي عدوان محتمل، وتطوير المكونات القادرة على حمل رؤوس نووية، والتي تــضم أنـــظمة الصواريخ، والغواصات النووية المزوّدة بصواريخ باليستية، وقاذفات استراتيجية، وذلك ردا على نشر الدرع الصاروخي الامريكي في اوروبا، وقيام واشنطن بتحديث سلاحها النووي التكتيكي عبر تمديد عمره ورفع درجة دقته وفعاليته، نحو 200 قذيفة من طراز “بي ـ 61” منشورة في بلجيكا وهولندا وألمانيا وتركيا، وتكييفه بحيث يصبح بالإمكان اطلاقه من قاذفات “إف ـ 35″، وللالتفاف على الفجوة في التصويب مع الاسلحة التقليدية الامريكية. ناهيك عن تحديث الاسلحة التقليدية حيث تم بالفعل تزويد الجيش الروسي بفوجي صواريخ من منظومات “يارس” الصاروخية الاستراتيجية، وأعيد تسليح لواءي صواريخ من القوات البرية بمنظومات صاروخية من طراز “إسكندر”، كما حصلت قاعدتان جويتان على أحدث قاذفات قنابل من طراز “سوخوي ـ ط34” وعلى طائرات تدريب من طراز “ياك ـ 130” ومروحيات “مي ـ 35 أم”، كما تسلم الأسطول الحربي طرادين صاروخيين استراتيجيين جديدين من نوع “بوريي”. وجرت إعادة تسليح ستة ألوية مشاة ولواء دبابات بدبابات حديثة من طراز “تي ـ 91″، كما حصلت التشكيلات العسكرية على وسائل اتصالات حديثة وتكنولوجيا جديدة لوسائل الحرب الإلكترونية. وقد نشرت في منطقة كاليننغراد لواء من صواريخ “إسكندر” التكتيكية، صواريخ قادرة على إصابة أهدافها على مسافة تبعد حوالي 500 كيلومتر، بما فيها المطارات ومستودعات الأسلحة، وكذلك مواقع منصات الدرع الصاروخي الأمريكي، بالإضافة الى تسلُم القوات المسلحة الروسية مؤخرا صواريخ “اس ـ 400” للدفاع الجوي. وقد بدئ بإنتاج محطات رادارية من نوع طفارونيج ـ دي أم، القادرة على متابعة كل ما يحدث في المجال الجوي حول روسيا على بعد يصل إلى ستة آلاف كيلومتر. وأعلنت موسكو أنها حصلت على ما يجعلها قادرة على اختراق منظومة الدرع الصاروخي الامريكي في أوروبا، في إشارة واضحة لتطويرها أنواع حديثة من الصواريخ، فقد أكد الكرملين ان منظومة الصواريخ الحديثة من طراز “اس 500” للدفاع الجوي والفضائي، هي قيد التصنيع، ستدخل في تشكيلة الدفاعات الصاروخية الروسية، مشيراً إلى أن وحدات من هذه المنظومة سيجري نشرها في منطقة القطب الشمالي. صواريخ “اس ـ 500”. كما تم تشكيل قيادة عملياتية في البحر الأبيض المتوسط، حيث ترابط حالياً مجموعة سفن تابعة للأسطول الحربي الروسي بشكل دائم، بالإضافة الى إنشاء شبكة قواعد عسكرية في منطقة القطب الشمالي، ونشر قوات الدفاع الجوي ـ الفضائي الروسية في أرخبيل “نوفايا زيملا”، وقيام ألوية التدخل السريع وسفن الأسطول الحربي بالانتشار على طول طريق الشمال البحري.

المدن

 

 

 

 

 

 

حوارات القاهرة وموسكو/ سلامة كيلة

حراك متتابع يتعلّق بالملف السوري، جرى ويجري منذ أيام، الأساس فيه عودة موسكو إلى الملف السوري، بعد انغماس في الأزمة الأوكرانية، حرّضه، كما يبدو، التقدم الأميركي نحو سورية، عبر “الحرب على داعش”، وجعل واشنطن طرفاً “ملموساً” في الملف، وكانت تتصرّف من بعيد، بدعم الحل الروسي، كما في جنيف1 وجنيف2، أو تسهيل دور “الجهاديين” الذين كان يعتقد نظاما دمشق وطهران أنهما يلعبان بهم، خصوصاً ضد الثورة في سورية والحراك الشعبي في العراق.

تريد موسكو حواراً بين أطراف المعارضة تستضيفه، يكون مقدمة لحوار بين المعارضة “الموحدة” والسلطة السورية. ويحاول النظام المصري أن يلعب دوراً، بدعوة المعارضة لتجتمع في القاهرة قبل الذهاب إلى موسكو، بأمل وصولها إلى تصوّر مشترك، يساعد على تسهيل المهمة في موسكو. ويقال إن هناك تنسيقاً بين العاصمتين، وإن واشنطن مطلعة عليه وتدعمه.

وقد تسربت أوراق تتعلق بنقاط التوافق في إطار المعارضة، وحول “خريطة طريق” لحل قائم على مبادئ جنيف1. وهي أوراق جدية ومهمة، حيث تنطلق من إبعاد الصفين الأول والثاني في السلطة في سورية أساساً للحل، وبالتالي، ترتيب صيغة الدولة في المرحلة الانتقالية. وربما هذه هي الورقة الأنضج في ما طُرح منذ بدء الثورة، خصوصاً بعد الاستعصاء، ثم الميل إلى تقديم حلول سياسية.

لا يبدو أن موسكو استفادت من تجربة جنيف2. لهذا، قررت أن يأتي الوفد نفسه الذي أفشل تلك التجربة، وأن يكون بشار الأسد السلطة التي يجب الحوار معها. وكأنها ما زالت تريد حلاً في ظل السلطة القائمة. وبهذا، هي لا تريد الحل، بل ما زالت تتمسك بسلطة لا إمكانية لحل في ظلها. هذا ليس نتيجة “تشنّج”، بل نتيجة فهم الواقع السوري الآن، والذي يقول إنه حتى وإنْ وافقت كل المعارضة على الحل في ظل الأسد، فإنه لن ينجح، لأن ما جرى ثورة تريد “إسقاط النظام”، وبغض النظر عمّا آلت إليه، لم تعد الجرائم التي ارتكبتها السلطة تسمح بأن يظل مرتكبها في السلطة.

وإذا كانت كل المعارضة غير مؤثرة في الواقع، فالذي يجعل الحل السياسي ممكناً أو يفشله هو “وضع الشعب”، أقصد الشعب بكل فئاته، والذي تعرّض للقتل وعانى من الدمار، وبات لاجئاً، وأيضاً الشعب الذي خيضت الحرب باسمه، وفقد أكثر من مئة ألف من شبابه “دفاعاً عن السلطة”. ليس سهلاً إقناع كل هؤلاء بأن الأمر انتهى بـ”تبويس لحى”، وأن كل القتل والدمار كان عفواً. وبالتالي، سوف يعود الوضع وكأن شيئاً لم يكن، أو أن تعديلاً بسيطاً حدث في بنية السلطة، وهو تعديل كان يمكن أن يتحقق بكل بساطة، من دون كل هذا الدم والدمار، وجنون السلطة الوحشي، واستجلب تدخلاً إقليمياً ودولياً، كان يصبّ في خدمة السلطة نفسها.

بالتالي، ليس مطلوباً أن يقدَّم الحل للمعارضة، أو تقبل السلطة حلاً يدمج المعارضة بها، فهذا لن يكون حلاً، لن يمتلك أي مقومات نجاح. لهذا، يمكن دمج بعض أطراف المعارضة في السلطة، لكن هذه الأطراف ستزول مع السلطة، بعد أن يظهر أن الحل ليس حلاً، وأن الصراع لم يخمد، على الرغم من كل معاناة الشعب.

هذا يعني ثلاث مسائل: الأولى أن على روسيا، إذا أرادت الحل، أن تؤسس كل نشاطها على إبعاد الأسد، وبالتالي، أن تدفع أطرافاً أخرى في السلطة توافق على مبادئ جنيف1، لكي تكون هي ممثلة السلطة. والثانية أن تعلن أنها تريد الحل من دون الأسد، والثالثة ألا تشارك المعارضة في حوار مع الطاقم نفسه الذي أفشل جنيف2، وأن تنطلق من حسم مسألة الحل من دون الأسد منذ البدء، وإلا دخلت في متاهة حوار فاشل، يضرّ أكثر ممّا يفيد.

العربي الجديد

 

 

المهمّ ما قبل موسكو/ سمير العيطة

في 16 شباط 1946، أي بعد بضعة أشهر من إنشاء منظّمة الأمم المتحدة، جاء أوّل استخدام لحقّ النقض في مجلس الأمن، بعد أقلّ من شهر على أوّل اجتماع له، من قبل الاتحاد السوفياتي ولمصلحة سوريا ولبنان. كان هذان البلدان قد قدّما شكوى إلى المجلس لإلزام فرنسا وبريطانيا بسحب قوّاتهما بالكامل من أراضيهما، من دون قيدٍ أو شرطٍ أو تفاوضٍ على أمور أخرى، كما كان وعد الجنرال ديغول. نشأ الخلاف حول الرغبة الفرنسيّة وأيضاً البريطانيّة في كسب بعض الامتيازات، بينها قواعد عسكريّة، تضمّنها اتفاقٌ عقداه بينهما في كانون الأوّل الذي سبقه. وقف الاتحاد السوفياتي حينها لمصلحة لبنان وسوريا. ويومها قدّمت مصر، التي لم تكن قد حصلت على جلاء قوّات الانتداب البريطانيّ، مشروع قرارٍ واضحا وملزما، تمّ رفضه. وقدّمت الولايات المتحدة مشروع قرارٍ آخر يجاري حليفتيها، فرنسا وبريطانيا، أتى «الفيتو» ليوقفه.

لم تكن روسيا، السوفياتيّة أم القيصريّة، بعيدة يوماً عن المشرق العربيّ. ويسجّل التاريخ لها مواقف مشرّفة تجاه شعوب المنطقة، كان لها أثر كبير على تحوّلاتهم، كما يوم أوقفت العدوان الثلاثيّ على مصر بالتهديد بضربة نوويّة، وساندتها الولايات المتحدة في ذلك. إلاّ أنّ موقفها تجاه تطوّر الصراع في سوريا، مُلتبِس ينتقده أغلب معارضي السلطة السوريّة. حيث نقضت، مجتمعةً مع الصين، ثلاثة مشاريع قرارات في مجلس الأمن تجاه الصراع في سوريا، مع أنّها جميعها أتت قبل أن يتحوّل هذا الصراع إلى حربٍ مفتوحة كما هي اليوم. وكانت الخلفيّة ما حدث في ليبيا وعليها.

اليوم، وفي ظلّ ظروفٍ روسيّة معقّدة، أخذت وزارتها للخارجيّة على عاتقها دعوة معارضين سوريين «للقاءات أوليّة» بينهم، ثمّ مع ممثلي الحكومة القائمة، «لمناقشة آفاق إقامة حوارٍ شاملٍ بين السوريين مع جدول أعمال مفتوح» (حسب نصّ الدعوة) مؤكّدة أنّ «لا بديل عن تسوية سياسية للأزمة الداخلية المزمنة في سوريا على أسس المبادئ الواردة في بيان جنيف في 30 حزيران 2012 الذي وافق عليه قرار مجلس الأمن 2118». ذلك القرار الذي أتى مهدّداً بالفصل السابع بعد استخدام السلاح الكيماويّ في دمشق، والذي «يؤيّد تأييداً تامّاً» بيان جنيف 1 «بدءاً بإنشاء هيئة حكم انتقالية تمارس كامل السلطات التنفيذيّة».

لا تكمن المخاطرة الأساسيّة لروسيا في ما سيؤول إليه هذا اللقاء التشاوريّ الأوّل، وإنّما في ما سيطلقه من ديناميّات. إذ اختارت الخارجيّة الروسية أن تكون دعواتها لأشخاص، وليس للأجسام السياسية المعارِضة، ما يجلب انتقادات. بالتالي، ستُطلِق هذه الدعوة حركة سياسيّة ضمن أجسام المعارضة ستكون هي المفصل. إذ إنّ ما سيكون مهمّاً هو قدرة المعارَضة السياسيّة على تخطّي خلافاتها، وأن تطرح على الرأي العامّ موقفاً موحّداً. فالخلافات طبيعيّة في ظلّ الديموقراطية وكذلك الذاتيّات، ولكنّ آلام الشعب السوريّ وتفتّت البلاد قد وصلت إلى حدّ يضع على الجميع مسؤوليّة كبرى.

الرأي العامّ السوريّ يطالب بنقلة نوعيّة تخرج البلاد من الصراع العبثيّ، وعلى ما يبدو أيضاً القوى الإقليّميّة الفاعلة. إذ من اللافت عدم انتقاد أكثر القوى دعماً للمعارضة لهذه الخطوة الروسية.

هكذا، وكما حين جرى التحضير لمؤتمر «جنيف 2» الذي كان المفترض فيه أن يراعي «تمثيل شعب سوريا تمثيلاً كاملاً والالتزام ببيان جنيف وبتحقيق الاستقرار والمصالحة»، ما يهمّ هو ما سيحدث قبل لقاء موسكو، وما الذي ستتفق المعارضة على طرحه على جدول أعمالها ويمكن أن يخلق نقلة نوعيّة للصراع. هل هو فقط النقاش حول جسم الحكم الانتقالي، أم مجموعة من الآليّات والخطوات يمكنها إيقاف الصراع وفكفكة أسسه؟

السفير

 

 

 

 

المشهد السوري القاتم وكثرة الطباخين/ حسين العودات

إن الظروف والوقائع القائمة في سوريا وطبيعة الصراع وتفرعاته وما نتج عنه من معطيات نفسية واقتصادية وسياسية وثقافية، تستبعد إمكانية الوصول إلى تسوية للصراع، متوازنة ودائمة في وقت قريب. ذلك لأن الأمور أصبحت أكثر تعقيداً مما كانت عليه طوال السنوات الماضية، حيث تشارك في صنعها: السلطة السورية والمعارضة السياسية والمعارضة المسلحة والمنظمات الإرهابية، وتتدخل دول الجوار بلا استثناء في هذا الصراع، كما أن لدول أخرى دوراً فيه مثل إيران وروسيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، فضلاً عن الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، وغيرهم الكثير (وآذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق «الحج27») وفي إطار هذا التداخل والتشابك وكثرة المؤثرين والشركاء في الصراع والطباخين والمتدخلين في التسوية : يصعب إيجاد حل متوازن سياسي في وقت قصير، لأن كل طرف يحاول تحقيق رغباته ومصالحه وآرائه «ليشهدوا منافع لهم» تتناقض مع منافع الأطراف الأخرى أو تتباين معها، سواء في الداخل أم بين القوى الإقليمية والدولية، ولعل الأزمة السورية هي من أكثر الأزمات صعوبة في العصر الحديث وأكثرها تأثراً بمواقف أطراف عديدة إضافة إلى تعدّد أصحاب القرار وتفاوت قدراتهم ومصالحهم.

لم يعُد بالإمكان الآن الإحاطة بالصراع السوري واستيعابه كما كان الحال ممكناً بُعيد الانتفاضة أو عند بداية الأزمة. ويزيد الأمور تعقيداً وجود متطرفين في داخل السلطة وبين صفوف المعارضة وقرب هؤلاء المتطرفين من مراكز اتخاذ القرار أو مشاركتهم فيه. كما يزيدها تعقيداً رفض أهل السلطة بشكل عام أي حل سياسي، إلا إذا وافق أو حقق جميع مطالبهم ورغباتهم في أن تبقى الأمور كما كانت عليه قبل الانتفاضة. وشجع أهل السلطة على ذلك أنهم استطاعوا سابقاً إفشال جميع المبادرات التي طرحت، سواء العربية منها أم الدولية، ما أكد قدرتهم على المناورة وعلى تعطيل أي مبادرة أو أي مشروع حل لا يعجبهم، وفي الواقع، لا يعجبهم أي مشروع تسوية يتضمن تغييراً أو تطويراً جدياً أو إصلاحاً. وفي ضوء ذلك، تبقى أي مبادرة أو مشروع حل، في نظر أهل السلطة، أمراً عارضاً يمكن إفشاله بانتظار إيجاد ظروف أخرى تحقق النصر النهائي لهم عسكرياً كان أم سياسياً، ولا يأخذون بالاعتبار مصالح شعبهم أو مصالح حلفائهم ودول الجوار وضرورات الاستقرار والسلم العالميين، وكلها تقتضي إطفاء النار السورية التي بدأت تحرق أطراف هذه الجهات، ولكن لا يستطيع أهل السلطة دائماً وبلا تبصر واعتماداً على «الفهلوة» رفض كل مبادرة عربية أو غربية لحل الأزمة، وسيجدون أنفسهم يوماً مضطرين للقبول بهذه المبادرات.

ويبدو أن السياسة الروسية (وربما بالاتفاق ضمناً مع السياسة الإيرانية) ألحّت عليها مصالحها التي أحدقت بها المخاطر جراء الأزمة الأوكرانية والخوف من وصول الإرهاب إلى القوقاز للعمل لإيجاد تسوية للأزمة السورية، فكانت مبادرتها الأخيرة هذه مؤشراً واضحاً على رغبة موسكو بالوصول إلى تسوية، برغم أن مشروع مبادرتها الحالية لا يوحي بأنه يرضي المعارضة، لأنه – بحسب رأيها – دعوة للقاء أو التشاور لا للتفاوض ولا حتى للحوار، وليس له جدول أعمال ومحاور واضحة ولا خريطة طريق تتضمن مراحل زمنية لحل الأزمة، مما دفع بعض أطراف المعارضة للاعتقاد بأن هدف المبادرة الروسية هو خلط الأوراق وإنقاذ النظام بعد أن أصابه الإنهاك والتعب العسكري والاقتصادي والضعف بشكل عام، ولا تهدف للوصول إلى تسوية عادلة، وكان الدبلوماسيون الروس واضحين، فأكدوا لجميع أطياف المعارضة السورية الداخلية والخارجية بأن لقاء موسكو يهدف للتشاور وتبادل الرأي بين أعضائها الثمانية والعشرين المدعوين لهذا اللقاء بشكل فردي، لا للوصول لاتفاق على خريطة طريق، وتحديد مدة زمنية تقود للنهاية السعيدة من خلال اجتماع وفدي المعارضة والسلطة الذي يلي اجتماع أعضاء المعارضة مباشرة.

كانت لافتة للنظر موافقة تيارات المعارضة السريعة على عقد لقاء يجمعها في القاهرة، تمهيداً للوصول إلى برنامج موحد وقيادة موحدة، بعدما كان «الائتلاف الوطني لقوى المعارضة»، الممثل الرئيس للمعارضة الخارجية يرفض سابقاً اللقاء بقوى المعارضة الداخلية، لأنه يعتبر نفسه الممثل الوحيد للمعارضة، بشقيها الداخلي والخارجي، المعترف به من عشرات الدول، ويتهم المعارضة الداخلية بالتخاذل ومداراة السلطة. وهذا ما دعا بعض المطلعين للقول إن «الائتلاف» استجاب لطلب سعودي دعاه للقاء بفصائل المعارضة الداخلية كنتيجة طبيعية للمصالحة الخليجية، إضافة لشعور «الائتلاف» بضعفه من جهة واستجابة لطلبات عديدة من القوى المؤثرة العربية والدولية من جهة أخرى. وعلى الأغلب، كان اجتماع القاهرة استجابة من قوى المعارضة جميعها للرغبة المصرية في الدخول شريكاً في حل الأزمة السورية بعدما ابتعدت مصر كثيراً عنها ولم تتدخل بها طوال أربع سنوات، برغم أنها ذات دور أساسي ومؤثر في المنطقة.

ويبدو أن الإدارة الأميركية شجعت على لقاء المعارضة في القاهرة لتخطف المبادرة من يد الروس بعدما رأت أنها يمكن أن تكون بداية حل وتفوز روسيا بقصب السبق، وهي لا ترغب بأن يكون الحل آتياً من موسكو، فضلاً عن أن معظم أطراف المعارضة والدول العربية ذات العلاقة تتمنى أن ينطلق الحل من القاهرة، أي من بلد عربي لا من عواصم أجنبية. وهذا ما يحقق الرغبة المصرية ورغبة الجامعة العربية ورغبات الدول العربية الأخرى. وعلى أي حال، اتفقت قوى المعارضة التي اجتمعت في القاهرة على أسلوب التعاون بين أطرافها مستقبلاً وصولاً إلى تشكيل وفد موحد يمثلها سواء جرى تفاوض مع أهل السلطة أم مع غيرهم، كما اتفقت على عقد مؤتمر تشاوري بين أطرافها في القاهرة أيضاً، يضم قوى المعارضة الداخلية والخارجية كافة، وصولاً إلى برنامج موحد (أو على الأقل ثوابت محددة) وخريطة طريق صالحة لتحقيق التسوية، وتكون المعارضة بلقائها هذا قررت ما كان يجب أن تقرره قبل أربع سنوات، وقبلت ما كانت ترفضه طوال مدة الأزمة.

يمكن الوصول إلى تسوية للأزمة السورية لو رغبت هذه الأطراف جميعها بذلك، لأنها قادرة على إلزام أهل السلطة وقوى المعارضة السياسية والمسلحة بالقبول بالتسوية، من خلال تنازلات متبادلة، وقبول حل يساهم فيه الجميع ويحقق إقامة نظام سياسي جديد مدني ديموقراطي تداولي، وهذا ما تخشى السلطة السورية القائمة إقراره، وتحاول الالتفاف عليه مسبقاً بالمماطلة والتسويف والتمسك بالتفاصيل، أو أحياناً بطرح شعارات رنانة كما كان شأنها مع حميع المبادرات السابقة العربية والدولية. وليس من المستبعد أن يقول الوفد الرسمي هذه المرة في موسكو إن السلطة لا توافق إلا على مشاورات فقط، وإذا أصرت المعارضة سيقول إن السلطة لا تجري مفاوضات مع أحد من مواطنيها لأنها تملك القوة العسكرية والشرعية والرؤيا الواضحة. وإذا أصر الآخرون تدعوهم لعقد مفاوضات في دمشق وليس خارج الحدود، باسم السيادة والوطنية.

لقد أصبح مشهد الأزمة السورية الآن كما يلي: عسكرياً، يستمر الصراع المسلح في سوريا ويزداد عنفاً ووحشية مع مرور الأيام بين السلطة والمعارضة المسلحة وبينها وبين المنظمات الإرهابية، وبين هذه وفصائل المعارضة المسلحة الأخرى وبين المنظمات الإرهابية بعضها مع البعض الآخر. فالكل يحارب الكل، وسياسياً، تحاول الديبلوماسية الروسية تمرير مشروعها الذي تشكك المعارضة في مصداقيته وفي جدواه. وتحاول المعارضة توحيد صفوفها وتتعاون لتفعيل دور مصري، ويلقى هذا تشجيعاً من دول الخليج، وتبحث السلطة السورية عن أفضل الطرق لإفشال أي مبادرة تحت وهم إمكانية تحقيق نصر عسكري تعد به منذ سنوات عدة، وتنتظر تركيا إقرار منطقة عازلة، وتدير الإدارة الأميركية وجهها باتجاه «داعش» وظهرها لسوريا، ولا يستطيع الأوروبيون عمل أي شيء فعال، وهو ما يجعل المشهد السوري قاتماً ومحزناً.

السفير

 

 

 

وساطة روسيا في سوريا كوساطة أمريكا مع الفلسطينيين/ د. فيصل القاسم

ومن نكد الدنيا على السوريين أن روسيا التي دعمت النظام السوري بكل أنواع السلاح والمال كي يقتل الشعب، ويشرده، ويدمر البلاد، ويقمع الثورة ليبقى حاكماً ولو على حطام الوطن، هي من تتنطع الآن لإيجاد حل للأزمة السورية. إنه العهر السياسي في أحقر أشكاله. لم ينس السوريون، ولن ينسوا السفير الروسي في مجلس الأمن الدولي وهو يستخدم الفيتو المرة تلو الأخرى ضد أي تحرك دولي لوضع حد للمأساة السورية. لن ينسوا ذلك الفيتو الذي، وإن كان بالتواطؤ مع أمريكا، إلا أنه كان دائماً يحقن النظام المتهالك بجرعة جديدة من الوحشية ليستمر في صلفه وعناده وهمجيته التي أدت إلى تهجير أكثر من نصف الشعب السوري وتدمير وطن كان اسمه سوريا بدعم روسي لا تخطئه عين. لن ينسى السوريون أن روسيا، وعندما وجدت أن النظام قد يتضرر من عقاب دولي بعد استخدامه الفاشي للسلاح الكيماوي، عملت كل ما بوسعها لتسليم السلاح الاستراتيجي السوري لأمريكا لتنقذ رقبة الأسد، وتعطيه مزيداً من الوقت كي يمعن في تدمير سوريا وتشريد شعبها.

والآن وبعد أن وجدت روسيا أن خطتها لفرض النظام على السوريين بالقوة الغاشمة قد فشلت، راحت تحاول إيجاد حل لا يحقق مطالب الشعب السوري، بقدر ما يحاول الحفاظ على ما تبقى من النظام، بعد أن وجدت أن جيش الأسد قد تلاشى، وأن وضعها الاقتصادي والسياسي في العالم لم يعد يساعدها كثيراً في الحفاظ على آخر مستعمرة لها في الشرق الأوسط.

لا أحد يمكن أن يعارض حلاً مقبولاً للكارثة السورية، لكن لا يمكن لسوري يمتلك قليلاً من العقل أن يثق بالنوايا الروسية الجديدة لحل الأزمة، لأن موسكو تعلم علم اليقين أن ذهاب بشار الأسد سيجعلها تفقد أغلى ما تملك في المنطقة، خاصة وأنه منحها عقود نهب الثروات السورية من غاز ونفط لربع عقد قادم مقابل دعمه بالحديد والنار كي يبقى في الحكم حتى لو خلت سوريا من شعبها، ولم يبق فيها سوى النظام وعصابته. وبالمناسبة كل عمليات تدمير المدن في سوريا كانت على الطريقة الشيشانية. فلو قارنا عملية تدمير مدينة حمص لوجدناها نسخة طبق الأصل عن الطريقة التي استخدمها الرئيس الروسي بوتين لتدمير عاصمة الشيشان غروزني. ومن يضع الخطط التدميرية لنظام الأسد لا يمكن أن تتوقع منه حلاً يرضي السوريين. واللعبة الروسية الجديدة لا تحاول وضع حد للمحنة السورية بقدر ما تحاول أن تضحك على بعض المعارصين السوريين، وتغريهم ببعض المكاسب الحقيرة كي تمعن في إجهاض الثورة، وكي تستعدي العالم على كل من يحاول لاحقاً معارضة النظام، ولو بالكلام. وإذا أردنا أن نلخص الطريقة التي تتعامل من خلالها روسيا مع المعارضة السورية المزعومة، يمكن أن نسردها في النكتة التالية:

يُحكى أن شخصاً التقى بفتاة في الشارع، فأعجب بها، ثم سألها إذا كان ممكناً أن يواعدها، فغضبت الفتاة غضباً شديداً، وبصقت عليه، لكنه سرعان ما عرض عليها ألف دولار كمقدمة، فرفضت رفضاً قاطعاً، ثم عرض عليها خمسة آلاف دولار، فأيضاً رفضت، ثم عرض عشرة آلاف دولار، فرفضت، فقال لها: «ما رأيك بخمسين ألف دولار»، فصمتت الفتاة قليلاً، ثم قالت: «لا بأس». عندها قال لها الشاب: «حسناً، فلنجلس ونتفاوض»، فجلست الفتاة، فقال لها الشاب: «عليك أن تعترفي الآن أولاً أنك قابلة للبيع والشراء، كي لا نقول شيئاً آخر. وبالتالي سأتعامل معك على هذا الأساس. إنسي السعر الأخير، وتعالي نحكي بزنس بشكل واقعي». وهكذا يتعامل الروس ويضحكون على بعض المعارضات السورية. وعدوا بعض المعارضين وعوداً كبيرة كالتخلي عن الأسد وغير ذلك، وعندما وافق بعض المعارضين على التفاوض، قال لهم الروس ما قاله الشاب لتلك الفتاة في الشارع: يعني بما أنكم قابلون بالتفاوض: تعالوا نتفق على السعر، وانسوا الوعود الكبيرة. التي أغريناكم بها كي تقعوا في شباكنا.

هذه هي قصة الوساطة الروسية لحل الأزمة السورية. يريدون الضحك على بعض المعارضين وتصويرهم على أنهم يمثلون الشعب السوري، بينما هم لا يمثلون سوى أنفسهم، ولا يمونون على أحد على الأرض، وقوتهم عسكرياً تكاد تكون صفراً. ثم تذهب روسيا إلى الأمم المتحدة لتقول للعالم: لقد وافقت المعارضة السورية على الحل، وبالتالي فإن كل من يعارض النظام، أو يتصدى له على الأرض من الآن فصاعداً هو إرهابي خارج عن طاعة الموالاة والمعارضة، ولا بد من تجريمه وتجريم كل من يدعمه بقرارات دولية تحت البند السابع.

إن الوساطة الروسية بين النظام السوري والمعارضين السوريين تشبه تماماً الوساطة الأمريكية بين إسرائيل والفلسطينيين. هل كانت أمريكا في يوم من الأيام نزيهة في وساطتها بين ربيبتها إسرائيل والفلسطينيين؟ بالطبع لا، فهي الخصم والحكم بالنسبة للفلسطينيين. وكذلك الأمر بالنسبة لروسيا والنظام، فالعلاقة بين موسكو والأسد كالعلاقة العضوية بين إسرائيل وأمريكا. وبالتالي على السوريين أن يسألوا أنفسهم: ماذا جنى الفلسطينيون من وراء قبولهم بالوساطة الأمريكية بينهم وبين إسرائيل على مدى عقود؟ لا شيء غير الضحك على الذقون. وكذلك السوريون، فإنهم إذا وثقوا بالوساطة الروسية بينهم وبين النظام السوري، فلن يحصدوا سوى الخيبة التي حصدها الفلسطينيون من أمريكا.

 

٭ كاتب واعلامي سوري

القدس العربي

 

 

 

تسوية أم تشتيت روسي للمعارضة؟

بدأت الماكينة الإعلامية العربية تجتر سيناريوهات لحل الأزمة السورية، بناء على دعوة روسيا لعدد من قيادات المعارضة لعقد اجتماع متوقع منتصف كانون الثاني/يناير الجاري بهدف التحضير لحوار محتمل مع النظام.

وبين هؤلاء رئيس الائتلاف السوري المعارض في المنفى المدعوم من الدول الغربية هادي البحرة، والرئيسان السابقان للائتلاف معاذ الخطيب وعبد الباسط سيدا.

موسكو الحليفة الرئيسية لنظام بشار الأسد، تريد – حسب تسريباتها – أن يشكل هذا اللقاء «غير الرسمي» فرصة للحوار بين المعارضة في الخارج والداخل بهدف «طرح أفكار» تسمح بالتوصل الى تسوية للنزاع السوري، الذي أوقع أكثر من 200 ألف قتيل منذ اذار/مارس 2011 ودمر نصف الجمهورية، فيما خرجت ثلاثة أرباع البلاد من سيطرة النظام لصالح «الدولة الاسلامية» و»جبهة النصرة» وبعض أطراف المعارضة في الشمال والجنوب.

السؤال المطروح، أليست روسيا هي ذاتها من عرقل وعطل النظام الدولي ومجلس الأمن والعدالة الجنائية لسنوات، وهي من زودت النظام بكل الأسلحة والخبراء؟

كيف يستقيم تشتيت خارطة طريق التسوية المعروفة في «جنيف 1» و «جنيف2» واللتين تتوفران على خطة وأسس ومظلة الحل في سورية؟

تقول الخارجية الروسية، صاحبة الدعوة، إنه في حال النجاح، ستتم دعوة ممثلين عن الحكومة السورية الى موسكو لتبادل وجهات النظر مع المعارضين، ولاطلاق حوار بين أطراف النزاع.

فاذا كانت موسكو ومعها القوى الغربية مجتمعة رعت اجتماع «جنيف 1» وأفشلته، فهل ستستطيع إقناع النظام بالتنازل للمعارضة هذه المرة؟

ألا تبدو الدعوة لأعضاء من المعارضة لإظهارها على أنها تمثل أفرادا بصفاتهم الشخصية لا أكثر، وبالتالي فرض الأمر الواقع على الارض، وارسال رسالة للغرب أنه لا يوجد هناك طرف معارض يعول عليه لاستبدال النظام الحالي، وهذا ما يكرس النظام ويعيد الشرعية له، مع إعلان هزيمة الشعب السوري؟!

إن كانت روسيا جادة في مسعاها للصلح هذا، فما هي الأدوات العملية لانفاذ أي إتفاق يمكن التوصل اليه؟

الدعوة التي أرسلت لأطراف المعارضة هي تصورات عامة هلامية ولا تُعد بنودا تصلح لمؤتمر، كما يروج له.

كما أن أبجديات أي مشروع للحوار يجب أن يتضمن خلق مناخ ملائم للحوار يسمح للمعارضة بأن تثق هذه المرة بجدية موسكو، عبر اقناع النظام في الشروع بتنفيذ البنود الستة لخطة المبعوث الدولي كوفي أنان كبادرة حسن نية، ووقف البراميل التي تقتل كل السوريين، والإفراج عن المعتقلين السياسيين السلميين، وبينهم 4 محسوبين على معارضة الداخل، لم يحملوا السلاح ولا نادوا بالعنف.

كيف يستقيم الحوار مع نظام وصف رأسه مؤخرا قوات المعارضة بالجرذان والسحالي والقوارض، فلماذا يرسل جماعته الى موسكو للتفاوض معها إذا؟

المعارضة تخوض مفاوضات موسكو أكثر قوة هذه المرة، فالنظام في حالة اقتصادية هشة جدا، وشريانه المالي القادم من إيران بدأ ينضب بسبب إنهيار أسعار النفط. كما أنه محشور داخليا وأقليميا ودوليا، ووضع روسيا السياسي والاقتصادي بات ضعيفا نتيجة العقوبات الغربية.

والرئيس الذي كان يزور مقاتليه في حلب وحمص ليشحذ هممهم، في بداية الثورة صار يعتبر الوصول لحي الزبلطاني على مرمى حجر من القصر الرئاسي انجازا.

الخشية أن تكون موسكو تريد أن تفتح ثغرة تسمح للنظام بالتخلص من تنفيذ بيان جنيف الملزم بموجب القانون الدولي. كما أن هذا الإجتماع لن يضم القوى الإسلامية التي تحكم على الأرض، وبالتالي لا يمكن تنفيذ أي إتفاق يمكن التوصل اليه إلا بها.

وعليه فان إجتماعات موسكو قد تكون خطوة علاقات عامة ورسالة للغرب والعرب بأنها جزء من المشكلة لا أساسٌ للحل.

 

 

سوريا: مبادرات خلّبية!/ ميشال كيلو

يطرح ديميستورا مبادرة يقول أن هدفها التجميد التدريجي للقتال في مناطق مختلفة من سوريا بدءاً بمدينة حلب، على ان يتم بعد ذلك امدادها بما تحتاج اليه من طعام وشراب ودواء، تمهيداً لخطوات تالية تأخذ سوريا إلى حل سياسي يتفاوض عليه السوريون انفسهم.

بدورها، تطرح روسيا مبادرة في زمن تبدو المسألة السورية وكأنها فقدت فيه اوليتها بالنسبة الى أميركا، التي قررت تركيز جهودها المباشرة على العراق والإرهاب، و»تدفش» المأساة السورية إلى وقت لا يعرف احد اليوم متى يأتي، او ما اذا كان سيأتي حقاً. تأمل روسيا ان تتمكن من بلوغ حل بسبب «تراجع» دور اميركا السوري، والتحسن النسبي في اوضاع النظام العسكرية، وحاجة اوباما إلى تفاهم استراتيجي مع طهران قوية، تستغل خوفه من نزاع معقد وطويل في المنطقة عامة وسوريا والعراق بخاصة، تكون بلاده طرفاً فيه. يعتقد الروس أن انشغالات أميركا تتيح لهم حرية نسبية حيال الوضع السوري، ستخدم مخرجاتها مصالحهم، ان نجحوا في استدراج حضور معارض كثيف ومتنوع الى موسكو، وتفادوا المطالبة برحيل بشار كمدخل إلى الحل السياسي او كشرط له، بينما أميركا متورطة في حرب لا تعرف متى تنتهي، وما إذا كانت ستنتهي حقاً.

اذا كان ما يقدمه ديميستورا اقل من مبادرة، ويركز، في محاكاة للرؤية الروسية، على دور السوريين المباشر في الحل، فإن الروس يكررون اليوم ما سبق لهم قوله منذ بدأ الاسد بذبح شعبه، وهو ان الحل يجب ان يكون سوريا/ سوريا، وانه لا يحق لأحد التدخل فيه، لان موسكو ترفض تنحي بشار كشرط له أو للتفاوض، وتعتبر ذلك تطبيقاً لإرادة دولية من طرف واحد، بما ان تنحي الاسد يجب ان يكون مسألة سورية من حق السوريين وحدهم اقناعه به!.

ـ هناك، في المنطق الروسي، ممنوعات ثلاثة لا يجوز الاقتراب منها، هي:

ـ تحديد نتائج التفاوض بصورة مسبقة وخارج اتفاق الطرفين السوريين.

ـ تحديد ادوات الحل، كالقول بضرورة وجود «هيئة حاكمة انتقالية» مكلفة ببلوغه.

وجود مرجعية دولية سابقة للحل تعمل على تحقيقه او فرضه، في حال فشل الطرفان السوريان في التوصل إليه.

هذه الممنوعات الثلاثة يجد الروس ملامحها في وثيقة جنيف واحد، لذلك يريدون تجاوزها كإطار تفاوض وحيد، مثلما كان حالها في جنيف 2، ويؤكدون، بالمقابل، أن بلوغ نتائج مطابقة لجنيف عبر تفاوض سوري/ سوري مباشر ودون شروط مسبقة هو امر مقبول منهم. بكلام آخر: يقول الروس للسوريين: اذهبوا وتفاوضوا مع النظام دون تحديد مسبق لنتائج التفاوض، وللإرادة التي ستوصلكم اليه، ولآلية انجاز الانتقال الى الديموقراطية بالتوافق مع اهل النظام على تشكيل هيئة حاكمة انتقالية برضاهم، كما يقول نص وثيقة جنيف.

على ماذا سيتفاوض المعارضون مع النظام، إن كان دخولهم المفاوضات يعني موافقتهم على تخليهم المسبق عن الانتقال الديموقراطي كهدف للتفاوض يقبله الطرفان، وعن الهيئة الحاكمة الانتقالية كاملة الصلاحيات كأداة تنفذ الخطوات الضرورية لبلوغه، واخيراً، عن قبول الطرف الآخر بالتعاون مع المعارضة كآلية تفاوضية؟. وعلى ماذا سيتفاوضون، إذا كان الروس يسقطون مرجعية التفاوض الدولية، رغم ان موافقتهم على قرار مجلس الامن الدولي رقم 2118 تلزمهم تطبيق جنيف واحد بمكوناته الثلاثة هذه؟. وماذا يعني اسقاط المرجعية الدولية غير احلال مرجعية روسية محلها، تبقي على النظام وتفشل الحل السياسي الدولي الذي كانت موسكو قد تظاهرت بقبوله هي والاسد، واعلنت منذ جنيف 2 تخليها عنه لصالح تفاوض مباشر بين السوريين موضوعه، كما قال نائب وزير الخارجية الروسي والممثل الخاص لبوتين السيد ميخائيل بوغدانوف، «اصلاح النظام»، أو التحاق المعارضة به والتنكر لآلام الشعب وللثورة ولحرية شعب سوريا الواحد؟.

سيكتشف الذاهبون إلى موسكو أنهم يجرون وراء سراب، وان روسيا اعجز من ان تفرض حلاً سياسياً على النظام أو على أميركا، وأن القصد من لقائهم الاسد ليس حرية وامن شعبهم، بل شقهم وعزل الائتلاف والتلاعب به وبهم واحتواء بعضهم من معارضات الخارج بصورة خاصة ارجو ان لا يكون هؤلاء كثراً!- الى جانب «حرقهم» وطنياً، وتحويلهم اعداء لشعبهم. عندئذ، سيندم الساعون وراء السراب ساعة لن يفيدهم ندم، وسيكتشفون انهم خدعوا انفسهم، وان الشعب لن يسير وراء المبادرة الروسية، لكونها تعقد الامور اكثر مما تسهلها، وخلبية!

المستقبل

 

 

حوارات موسكو السورية أو أوسلو الجديدة/ برهان غليون

عثر الروس في ما أطلق عليه اسم المبادرة الرامية إلى جمع المعارضة السورية في موسكو، وإعدادها للحوار مع نظام الأسد، على مناسبة استثنائية، ليعيدوا تعويم أنفسهم دبلوماسياً على الساحة الدولية، ويجدوا الأرضية المشتركة للتعاون مع الغرب، لعل ذلك يكون مقدمة لإعادة إصلاح العلاقات الروسية الأميركية المتدهورة.

فالحقيقة أن الرهان الرئيسي لسلسلة الاجتماعات التي ستتولى تنظيمها روسيا، إذا نجحت الدعوة، ليس بقاء النظام ولا حتى القضية السورية بأكملها، وإنما الخروج من العزلة والطريق المسدود الذي وصلت إليه سياسة الرئيس بوتين. وبما أنهم غير قادرين على التنازل في أوكرانيا لأسباب أيديولوجية وقومية ورمزية، فقد وجدوا أن أفضل ما يمكن أن يجمعهم مع الغرب هو بيع القضية السورية. ولا أعني بذلك أن لدى الروس الرغبة في التنازل في سورية في مقابل تمسكهم بأوكرانيا، وإنما مساعدة الغرب على التغطية على رغبته في التملص من التزاماته تجاه الشعب السوري، وإراحة باله من الانتقادات التي بدأت تتفاقم لسياسة أوباما، والغرب عموماً، التي أدت إلى تراجع المعارضة الديمقراطية السورية، وحصول طفرة كبيرة لقوى التطرف والإرهاب العالمية على أراضي سورية والعراق، بسبب تردد الغرب في دعم الثورة السورية، وإجبار الأسد على التنحي، كما كان قد طالب منذ السنة الأولى للثورة.

بمجرد قبول المعارضة السورية الالتقاء مع ممثلي النظام السوري، خارج أي إطار سياسي أو قانوني، وعلى أرضية ما سمي الحوار الوطني المباشر، ومن دون شروط، تكون موسكو قد ساهمت في دفن مفاوضات جنيف، وجميع قرارات مجلس الأمن التي تنص على مفاوضات رسمية واضحة، لها هدف محدد، هو الانتقال نحو نظام ديمقراطي، وآلية تنفيذية هي تشكيل هيئة حكم انتقالي تعد البلاد للحقبة القادمة، وشروط أساسية معروفة، في مقدمتها وقف إطلاق النار، وإطلاق سراح المعتقلين، والاعتراف بحق التظاهر السلمي، وتقديم المسؤولين عن الجرائم إلى المحاكمة. كل هذا سوف ينسى، ولن يبقى إلا ما يتفق عليه “المعارضون السوريون” الذين اختارتهم موسكو بالاسم، وبحسب ميولهم واتجاهاتهم القريبة منها، ليفاوضوا بعضهم على حساب تهميش الشعب السوري وتغييبه، تماماً كما فعل النظام من قبل، وتسليمه لتسلط أجهزة نظام القتل المنظم، من دون شروط، أي من دون غطاء سياسي أو قانوني تمثله قرارات الأمم المتحدة وبيان جنيف. ولا يعني ترك السوريين يتحاورون للوصول إلى حل، من دون رعاية دولية وقرارات ملزمة، في حرب يتدخل فيها العالم كله، وتخوض فيها إيران وروسيا حرباً طاحنة ضد الشعب واستقلال سورية وحريتها، لا يعني إلا شيئاً واحداً هو استقالة المجتمع الدولي، وإجباره السوريين على القبول بمفاوضات بشروط الأسد، أي بالتسليم للقوة.

الرابح الأول من هذا السيناريو هو الروس الذين سيمسكون، من خلال هذه العملية، بكل الأوراق، وسيتمتعون بهامش مبادرةٍ لا حدود لها تجاه الأسد والمعارضة والغرب معاً. وسيفرضون الحل الذي يتماشى مع مصالحهم وتصوراتهم التي لم يخفوها على أحد في أي يوم، وهي أولوية محاربة الإرهاب، أي التمرد والثورة وحركات الاحتجاج، وحماية النظام القائم وأي نظام، باسم الدفاع عن مؤسسات الدولة، وهذا كان موقفهم قبل الثورة وخلالها وسيستمر بعدها.

“لا يعير الروس أي أهمية لاحتجاجات المعارضة على سياسات الأسد وطابع نظامه الأمني، لأنهم، ببساطة، لا يتصورون الدولة هم أيضا إلا مؤسسة أمنية، ولا يعترفون بحقوق الشعب الروسي، حتى يعترفوا للشعب السوري بحقوقه الأساسية.

ولا يعيرون أي أهمية لاحتجاجات المعارضة على سياسات الأسد وطابع نظامه الأمني، لأنهم، ببساطة، لا يتصورون الدولة هم أيضا إلا مؤسسة أمنية، ولا يعترفون بحقوق الشعب الروسي، حتى يعترفوا للشعب السوري بحقوقه الأساسية.

والرابح الثاني هو الغرب، وفي مقدمته الولايات المتحدة التي تنتظر الفرصة، لتتحرر من التزاماتها تجاه الشعب السوري، بعد أن تبين لها أن ثمن هذه الالتزامات أكبر من المقاطعة الاقتصادية، والمساعدة الإنسانية والكلمات الطيبة، والغرب غير قادر على ذلك، أو ليس في وارد أن يقدم أي تضحية لصالح شعبٍ، لا يشعر تجاهه بأي تعاطف أو قرابة سياسية أو ثقافية أو إنسانية. ولن يستطيع أن يتملص من وعوده والتزاماته التي فرضت عليه في بداية الثورة، طالما استمرت المعارضة بالتمسك بقرارات مجلس الأمن وبيان جنيف وآليات تطبيقه المتفق عليها.

والمستفيد الثالث هو نظام الأسد الذي سيضمن، بهذه الحوارات الشكلية، تخفيف الضغط الدولي السياسي والعسكري عنه، وربما إعادة تأهيله، بدعم من الروس والعرب الخائفين من الإرهاب، الذي شجع عليه الأسد نفسه من قبل، مع تعديلات شكلية، بما فيها احتمال استبدال الأسد وبعض الشخصيات الكريهة المرتبطة به، لحفظ ماء وجه الغربيين، في حال نجحت موسكو في إقناع حليفتها طهران بإمكانية ضمان مصالحها الرئيسية من دونه، وهي مصالح ليس بإمكان الغرب تحملها، ولا الحرب ضدها، ومحورها تصميم إيران على الاحتفاظ “بجيش شعبي” في سورية، كما صرح نائب قائد الحرس الثوري، شبيه بجيش حزب الله في لبنان وأكبر منه.

ما يحصل للحركة الوطنية الديمقراطية السورية، في كفاحها ضد نظامٍ لا تقل رعايته الدولية عن التي حظيت بها، ولا تزال، المنظومة الصهيونية في فلسطين، هو طبق الأصل لما حصل للحركة الوطنية الفلسطينية عندما تخلت عن قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة، مرجعية لمفاوضات السلام، وتركت مؤتمر مدريد عام ١٩٩١، وبحثت عن “اختراق” من خلال قناة أوسلو السرية، والتي لا تخضع فيها المفاوضات لأي مرجعية قانونية، ولا تلتزم بأية ضوابط دولية. وكانت نتيجتها كارثة على حلم الدولة الفلسطينية، بمقدار ما أدخلت المفاوضات التي بدت واعدة، في البداية، في نفق لم تخرج منه حتى اليوم، مكّن تل أبيب من التحكم بمسارها وأجندتها واجتماعاتها، وتحولت فيها القضية الفلسطينية إلى مسألة ثانوية في السياسة الدولية، وتحررت فيها الولايات المتحدة من التزاماتها، وغسلت بفضلها إسرائيل من كل خطاياها وجرائمها التاريخية.

ينبغي للمشاركين المحتملين في اجتماعات موسكو أن يدركوا أن أي خروج عن إطار جنيف يعني تحرير المجتمع الدولي من التزاماته تجاه الشعب السوري المنكوب، وتركه فريسة لمحور الأسد إيران روسيا يستفرد به، مع مباركة الغرب والولايات المتحدة وتشجيعهما. وكل قبول من المعارضين السوريين بالأسد شريكا في مشروع إنقاذ سورية واستعادة السلام والاستقرار فيها، بعد قتله المنهجي والمتعمد مئات الألوف من أبناء الشعب السوري، وتشريده الملايين منهم، وتدمير شروط حياتهم الحاضرة ومستقبلهم، يعني غسل النظام وتبرئته من جرائمه. ويعني، أكثر من ذلك، تجريم الثورة والمعارضة، وتحميلهما المسؤولية في الجرائم التي كان الأسد ونظامه المسؤول الأول عنها، سواء تعلق الأمر بالتي ارتكبها مع ميليشياته مباشرة، أو التي دفعت إليها سياساته العدوانية والإجرامية.

أخيراً، لا أعتقد أن العالم قد عرف معارضة قبلت بأن تفاوض عدوها، والمسدس على رأسها، ونجحت في تحقيق أدنى نتيجة لشعبها. وكم سيكون من المهانة أن يقبل معارضون سوريون، أو من يطلقون على أنفسهم هذا الاسم، الدخول في حوار أو مفاوضات مع نظام لا يزال مستمراً في قصف المدنيين بالبراميل المتفجرة، لقتل المزيد منهم، وارتكاب مجزرة مرعبة كل يوم، يذهب ضحيتها مئات الضحايا بين قتلى وجرحى ومعطوبين مدى الحياة.

على الأقل، وحتى لا تظهر بمظهر العجز والذل والتسول على الحل السياسي من خصم لم يتعامل معها ومع الشعب كله، خلال نصف قرن، إلا بالسلاح، ولم يرحم طفلاً ولا شاباً ولا شيخاً، ولم يتردد في محاربة شعبه بالسلاح الكيماوي، من واجب المتحدثين باسم المعارضة، مهما كانوا، وحفظاً لكرامتهم الشخصية، حتى لا نقول احتراماً لدم الشهداء والضحايا، أن يرفضوا الجلوس على مائدة مفاوضات إلى جانب المتهم، رسمياً، بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية، من منظمات حقوق الإنسان، وأن يعلقوا مشاركتهم بوقف النظام استخدام البراميل المتفجرة والأسلحة الثقيلة ضد المدنيين، مع العلم أن الأسد خلال كل تاريخه، ابناً عن أب وأباً عن جد، لم يحترم كلمةً، ولم يعرف معنى الالتزام ولم يف بوعد.

سيسأل بعضهم ما هو الحل، إذا كان اجتماع موسكو ينذر بأوسلو سورية، تقود إلى التنازل بعد التنازل من دون نتيجة، وإلى المقامرة بتضحيات الشعب الهائلة؟

الجواب بالتأكيد ليس في الدعوة إلى استمرار الحرب، وإنما في التمسك بمبدأ المفاوضات القائمة على أسس متينة، تقود، بالفعل، إلى حل يضمن، في الوقت نفسه، استمرار الدولة ومؤسساتها، وتلبية الجزء الرئيسي من مطالب الشعب، وفي مقدمها حقه في تقرير مصيره بحرية، ووضع حد لحكم الوصاية البوليسية، ورهنه الدولة لمشاريع الهيمنة الإقليمية والدولية. وهذا ليس هدفاً صعباً ولا مستحيلاً، ولا حتى بعيداً، فالنظام قد هلك تماماً، وكذلك حلفاؤه الذين يواجهون أزمة اقتصادية واجتماعية وسياسية متفاقمة. ونحن، اليوم، في مرحلة عض الأصابع الأخيرة. والشعب السوري الذي خسر كل ما كان بإمكانه أن يخسره وما كان بإمكان أعتى أعدائه أن يكبده إياه، هو الأقدر والأقوى على الصمود، وإجبار خصمه الهمجي، مهما كان لؤمه، على أن يكون الأول في الصراخ والاستسلام. والشعب الذي قدم ما حيّر العالم من تضحيات، وما واجه من تحالفات، وما عانى من خيانات، هو الذي سيصمد، وستكون له الكلمة الأخيرة، ولن يقبل بغير الكرامة والحرية والنصر.

العربي الجديد

 

 

 

 

مبادرات “غامضة”/ سلام الكواكبي

في بداية ولايته الرئاسية (2007ـ2012)، أطلق نيكولا ساركوزي مشروع “الاتحاد من أجل المتوسط”. وتبين للمراقبين، في الوهلة الأولى، هشاشة بنيته وخلوّه من المضمون. دفع هذا الغموض مجموعات بحثية، كما دوائر رسمية معنية، إلى عقد ندوات في سعي إلى استنباط مضامين واضحة للمشروع. وفي جهدهم لتحديد معالم وخلفيات إطلاقه، طوّر المحللون ثلاثة أسباب، يتمحور أولها حول السعي إلى إدخال تركيا في وحدة إقليمية اقتصادية، تحجب عنها طموح الانتماء إلى الاتحاد الأوروبي. أما ثانيها، فقد تبيّن أنه رغبة في إدماج مستبدين متوسطيين (الأسد، مبارك، بن علي مثلاً وليس حصراً) في عمل إقليمي، بعيداً عن قيود مسار برشلونة (1995) الذي وضع معايير مرتبطة بالحقوق والحريات الأساسية. وثالث الأسباب تجسّد في الرغبة إلى إدخال إسرائيل في العائلة المتوسطية، بعيداً عن معوقات الملف السياسي المرتبط باحتلالها الأراضي الفلسطينية. ومع كل ما سبق، ظلّ المشروع خالي الوفاض عملياً، وما زالت المساعي مستمرة منذ إطلاقه لإيجاد معنى واضح له.

وفي إطار مفهوم الغموض “غير البنّاء” نفسه، انطلقت، في الأسابيع الأخيرة من العام المنصرم، مبادرات دبلوماسية عدة، تتعلق بالسعي إلى وقف المقتلة السورية. وكان أوضحها

“في إطار مفهوم الغموض “غير البنّاء” نفسه، انطلقت، في الأسابيع الأخيرة من العام المنصرم، مبادرات دبلوماسية عدة، تتعلق بالسعي إلى وقف المقتلة السورية. وكان أوضحها غموضاً خطة “تجميد الصراع” في مدينة حلب”

غموضاً خطة “تجميد الصراع” في مدينة حلب، والتي تبنّى تسويقها المبعوث الأممي الجديد ستيفان دي ميستورا. وبعد فترة من التساؤل حول الفكرة ومضامينها، ارتاح بعضهم إلى العملية التشاركية التي وصمت أسلوب دي ميستورا الذي بدأ عملية تقصّي آراء وتجميع أفكار ولقاء أطراف متعددة معنية بالمقتلة السورية. وكان بعضهم ينظر إلى هذا الأسلوب وكأنه رغبة في تقاسم الأفكار وإقناع الإرادات حول مشروع قائم، وواضح المعالم والأهداف. وبعد فترة وجيزة، ومن خلال البناء على التصريحات المتعددة، كما الشهادات الحيّة، لمن شارك في اللقاءات والمشاورات، تبين أن المبعوث الأممي أطلق فكرة عامة، وبدأ في عملية تجميع المضمون على مبدأ “من كل بستان وردة”، أو “من كل جبهة، نقطة دم”. واقتنع كل من قابلوه بأنهم أثّروا فيه وفي مضمون خطته. وربما حنكته الدبلوماسية، إضافة إلى قربه الشديد من مجموعة سانت إيجيدو التفاوضية في روما، قد مكّناه في إقناع محاوريه بأنه مصغٍ جيد. يُضاف إلى حسن النيات تلك، أن الوضع الإنساني الكارثي في هذه المدينة الشهيدة لم يعد يحتمل ترف النقاشات، فهي تتعرض لأبشع أنواع القصف والحصار والتهجير، وحيث لم تستطع كل الهيئات الأممية المساعدة، ولو في الحد الأدنى، في تخفيف معاناة سكانها.

المشروع إذاً، وفي معالمه الحالية، ليس وقف إطلاق للنار وليس هدنة. والأسئلة المتعلقة به يمكن أن تطرح إلى ما لا نهاية لغموضه الجليّ. فهل سيحتاج تطبيقه في صيغته المقترحة (وما هي؟) إلى قوى حفظ سلام دولية أو عربية أو إقليمية؟ وما صلاحياتها وحدود عملها؟ هل سيراقب حسن تطبيق المشروع موظفون أمميون بصلاحيات، أو من دون صلاحيات، كما جرت عليه العادة؟ وكيف سيتم فرضه؟ عبر مجلس الأمن والفصل السابع، أم كما بدا من تصريحات المبعوث توافقياً (بين من ومن)؟ هل سيعني التجميد، أيضاً، انسحاب القوات الأجنبية العاملة لدى جانبي الصراع؟ هل سيكون اللبنانيون والعراقيون وغيرهم في مليشيات القتل الطائفي معنيين بهذا الانسحاب؟ هل سيغادر جهاديو الموت لدى القوى المتطرفة من الطرف الآخر؟ من سيستطيع أن يفرض عليهم هذا الانسحاب؟ أية قوى معارضة سياسية سيكون لديها السيطرة العسكرية والسياسية والأخلاقية على الفصائل المُحاربة/المُتحاربة على الأرض؟ من سيكون له القدرة على فرض الانسحاب على قوى، من أية جهة أتت، وجودها مرتبط باللصوصية والتطهير الإثني؟ ما الخطوات اللاحقة للتجميد المقترح؟ هل ستعمم التجربة لتكون بداية مسار حل سياسي فعلي وفعّال في مجمل البلاد؟ كيف للجيش السوري الحر أن يفرض التجميد، إن وافق عليه واقتنع به، على إخوته الأعداء، من دون أية إمكانات مادية وتسليحية للسيطرة على الأرض؟

استيقظ الدب الروسي متأخراً. وخروجاً عن عادة السبات الشتوي المُحبّذ له، أطلق مبادرة غموضها مدعومٌ بضعف الثقة المستحقة التي بنت عليها موسكو سمعتها السياسية، من خلال دعمها المادي والمعنوي موت السوريين. وهي، أيضاً، تسعى إلى تأجيج خلافات المعارضة، لتزيد من تفسّخها. ويظل بعضهم يخشى من تكامل مقصود، أو عفوي، بين المبادرتين، الروسية والأممية، ما يُفقد الثانية صبغة الحياد النسبي.

يضاعف المبعوث الأممي من جهوده ولقاءاته، لتضمين مشروعه بنية واضحة، ولمحاولة الإجابة على كل هذه الأسئلة. وعلى الرغم من ضعف الأمل، إلا أن على قوى المعارضة التعامل معه بجدية وبعقلانية. ويجب السعي إلى تضمين المشروع بالمحتوى الإيجابي لدرء خطر تكرير تجربة القوقعة الفارغة التي تمخض عنها مشروع هلامي، كما “الاتحاد من أجل المتوسط”. كذلك يجب أن تتمكن المعارضة السورية من التوافق على منهجية سياسية، تبعد المشروع، قدر الإمكان، عن السيناريو الروسي. ثقة مشروطة بالمبادرة الأممية، وشكّ مشروع بالمبادرة الروسية.

العربي الجديد

 

 

 

حوار في الظلام/ فواز حداد

يتعارض قيام روسيا بدور وسيط سلام مع الدور الذي لعبته طوال السنوات الأربع الماضية، فهي لم تقف إلى جانب النظام مؤيدة بالمحافل الدولية فحسب، بل كانت طرفا فعالاً إلى جانبه في المقتلة السورية؛ ساندته بالسلاح والخبرات الميدانية، ما زالت حتى اليوم البواخر الروسية تحمل الذخيرة والعتاد إلى سورية. ما يضع دور وساطة الخير في قالب الهزل لا الجد، وإحلال وساطة الشر في مكانها الصحيح، هذا إذا شئنا الاستئناس بثنائية الخير والشر. الدول لا تغير مواقفها إلا تبعاً لمصالحها، إذا لن نفتش عن النوايا الحسنة، طالما أن ما يحكم الدول هو النوايا السيئة. لذلك معرفة السبب في تقدم روسيا بهذه المبادرة، يطلعنا على حدودها وأبعادها ومدى جديتها. فمواقفها لم تتغير، وهي المطلعة على استراتيجية النظام ومطالبات المعارضة. واليوم إذا كانت قد استطاعت إجراء توافق بينهما على مرحلة البدء، فالأهم أن تكون تصوراتها عن اجراء توافق على النهاية معقولاً، إذا كان، فمن الممكن تذليل ما بينهما. غير أن ما يلوح لا يحبذ هذا التفاؤل.

تخول روسيا نفسها بحكم ادارتها للمبادرة دعوة إيران إلى حضور طاولة الحوار، لأن لها حصة في الترتيبات النهائية، يجب الإقرار بها من المعارضة، ما يسهل عمليات التشاور والتفاهم، كما لتذكير النظام بتبعات التنازل المرفوضة، بجعلها مقبولة. هذه الاحتمالات وغيرها، لا تعدم الصواب مجتمعة من دون استثناء، فإيران استثمرت في الأزمة اقتصادياً وميدانياً ومذهبياً، ما يرشحها لتكون أبرز الخاسرين أو الرابحين.

بالنسبة إلى الصمت الأوربي والأمريكي، فالخلاص من الأزمة السورية المتعبة والشاقة، وهو أمر بعيد الوقوع، إذ “داعش” بالمرصاد، ثم أن التطمينات الروسية غير مطمئنة، لا يعول عليها سواء أفضت إلى حل أو لاحل، في جميع الأحوال، أصدقاء الشعب السوري سيعودون إلى اجنداتهم، فأثمان التأخير والمراوغة والمهل والتأجيلات، مدفوعة أثمانها من دماء الشعب السوري. أما التركي، فلا يثق بالمبادرة، يعمل منفرداً في الشمال، بما يحفظ له المساومة والمناورة في المستقبل القريب والبعيد.

لا يجهل الأطراف، وما أكثرهم، أن النظام عقدة الحوار، وما هو مطلوب فعلياً مرفوض منه، وهو وجود بديل له مقبول من كافة الفرقاء. فالصلف الذي تحلى به، لا تسنده سوى الدعايات الكاذبة، والادعاء بمقاربته القضاء على العصابات المسلحة، والسيطرة على المناطق المحررة مهما امتد الزمن، مع أن كل ما بوسعه فعله هو التقدم خطوة هنا والتراجع خطوة هناك، بمساعدة دولتين تسعيان لبقائه بأقل الخسائر، ريثما يقبل بواقع الحال المؤجل إلى حين، لكن ليس إلى الأبد الذي اعتاد عليه النظام.

سورية رهينة نفوذ الروس والايرانيين، وحماقة النظام أنه كان قادراً على توفير كل هذه المآسي على السوريين، لو أنه أصغى إلى عذاباتهم، حين كانت لديه الفرصة لمراعاة كرامتهم التي أهدرتها على الدوام أجهزة المخابرات، وكان الأدرى بها. المؤسف أن كل ما يأتي وسيأتي متأخر.

يعتقد الروس بابتكارهم معارضة الداخل أنها ستكون الحليف الأقوى لمبادرتهم، ومع أنه من أسهل الأمور الاطمئنان إلى تعاونها، لكن قبولها بما يطرح لا يعني تقدماً، سواء بها أو من دونها، فالمبادرة لن تتعدى مرحلة الصفر.

الاعتماد الوحيد للنجاح هو على الشعب المنكوب، لكن هذا الشعب ليس على قائمة المدعوين إلى الحوار، فهو لم يؤخذ باعتبارهم. إن ما يعانيه السوريون في الداخل والخارج، لا يشاركهم فيه رجالات النظام وأعوانهم، ولا معارضة الداخل والخارج. النظام العتيد ترك لجانه الشعبية بقيادة البوط العسكري ينهبونهم في بلداتهم وقراهم، وعلى الحواجز، ولم يوفر وسائله بتجويعهم. كما أن المعارضون، لم يحرصوا عليه، بل كانوا الأحرص على أنفسهم ومواقعهم ورواتبهم واقاماتهم، وتأمين اللجوء إلى الدول الأجنبية، حتى أن الكارثة المحيقة بمن يمثلونهم لم تدفعهم إلى اقصاء خلافاتهم جانباً والتوحد.

مأساة السوريين أيضاً هي السوريون أنفسهم، إذا أن النظام، جعلهم يتعلمون أن الاستئثار بالسلطة هو سبب مصائبهم. وما سوف يجري في موسكو، حوار في ظلام، وهو ظلام يشمل الشعب السوري الذي لا يمثله أحد في شأن يتعلق بمصيره، وإن كان يقدم أبناءه للموت من أجل بصيص من النور.

المدن

 

 

كتاب عرب

 

 

 

خطة إماراتية – مصرية – روسية لإنقاذ الأسد/ حسين عبد الحسين

لم يكن إعلان تمسك رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، هادي البحرة، بمقررات “مؤتمر جنيف 1″، بدلاً من جنيف الثاني، من قبيل المصادفة. ولم تكن إطلالته الإعلامية التي نفى فيها ما يتردد عن وجود مبادرات روسية ومصرية من باب المناورة. والبحرة كان صادقاً في قوله لصحيفة “الشرق الأوسط” إن “مصر تضغط لحل سياسي”.

الحركة الديبلوماسية المكثفة، التي تجري خلف الكواليس لفرض حل سياسي في سوريا يؤدي لبقاء الرئيس السوري بشار الأسد في الحكم، تقف خلفها كل من الامارات العربية المتحدة ومصر وروسيا.

الخطوة الأولى المطلوبة هي “تذويب” البحرة ومجموعته في جبهة معارضة واسعة تتضمن فصائل متعددة لا تمانع التوصل الى اتفاق سياسي في سوريا لا يؤدي للإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد. لذا استضافت مصر لقاء موسعاً للمعارضين، بعد سعي حثيث قام به نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، لإقناعهم بالذهاب إلى القاهرة وإنشاء جبهة موحدة تشارك في “مؤتمر موسكو” المزمع عقده الشهر المقبل.

ويبدو أن الهدف من لقاء القاهرة هو تحويل مجموعة البحرة إلى أقلية صغيرة في جبهة معارضة أكبر، فتصبح معارضته بقاء الأسد في الحكم أقل وزناً، ويصبح ذهاب المعارضة إلى موسكو للقاء وفد الأسد وتنفيذ مطالبه أمراً مؤكداً.

وذهاب المعارضة السورية إلى موسكو هو بمثابة انتصار سياسي مؤكد للأسد وداعميه الدوليين. فالبحرة قال إن لا أجندة حتى الآن لمؤتمر موسكو، وهذا صحيح، فالمؤتمر المذكور سيبنى على مقررات “مؤتمر جنيف” الثاني، لا الأول. أما في حال رفضت المعارضة السورية البناء على مقررات “جنيف 2″، فتظهر بمظهر معرقلة الحلول.

أما الفرق بين مؤتمري جنيف الأول والثاني فهو على الشكل التالي: في الأول، تفاجأت الولايات المتحدة قبول الروس عبارة تشكيل حكومة سورية مؤقتة تشرف على العملية الانتقالية، واعتبروا ان الحكومة المذكورة تعني حكماً تحييد الأسد واجراء الانتقال في غيابه. في مؤتمر جنيف الثاني، وتحت ضغط من الروس والأميركيين، ارتكبت المعارضة السورية خطأ بتراجعها عن مقررات “جنيف 1″، لكن عنجهية وفد الأسد انقذت المعارضين السوريين من هفوتهم.

ماذا حصل في مؤتمر جنيف الثاني؟ يروي السفير الأميركي السابق في سوريا، روبرت فورد، الذي كان من أبرز المشاركين في المؤتمر: “ذهبنا إلى جنيف في كانون الأول وشباط، ووضعت المعارضة على الطاولة أمام الأمم المتحدة اقتراحاً مكتوباً لحكومة وحدة انتقالية، ولم يطلب الاقتراح من بشار التنحي”.

وتابع فورد في مقابلة أجرتها معه مجلة “بروسبكت” في وقت سابق من هذا الشهر: “حاولت الأمم المتحدة حمل النظام على قبول التفاوض كمخرج للأزمة السورية، لكن النظام رفض قطعياً التفاوض، لذا في ظل هذه الظروف، ليس غريباً أن نتوقع أن يفاوض النظام فقط إن شعر بالمزيد من الضغط العسكري”.

ومما قاله فورد، يبدو أن الأسد كان يعتقد أن سبيله الوحيد للبقاء في الحكم يكمن في تحقيقه نصراً عسكرياً مؤكداً على الثوار. لكن بعد مرور قرابة العام، وبعدما بدا أن انتصار الأسد عسكرياً صار متعذراً، وبعدما أبدت دول كانت في مصاف مقاطعي الأسد ليونة في التعاطي معه، يبدو أن الأسد صار يدرك أن رياح الديبلوماسية الدولية تجري في مصلحته.

هكذا، سارع نظام الأسد إلى تأييد المشاركة في مؤتمر موسكو، حتى في غياب جدول أعمال للمؤتمر، فالأسد يدرك أن انعقاد المؤتمر، هو أمر في مصلحته. ولن يكون غريباً أن نسمع وفد الأسد يشيد بمقررات “جنيف 2″، ويدعو للتمسك بها في موسكو كنقطة إنطلاق للحل السياسي المزعوم.

أما في واشنطن، وبضغط ديبلوماسي هائل ونشاط اللوبي التابع للإمارات العربية المتحدة، تراجع الأميركيون المتمسكون برحيل الأسد، وصار فريق الرئيس باراك أوباما يتحدث عن النتائج المرجوة فقط: وقف إطلاق نار وهدنة إنسانية. أما كلام الولايات المتحدة عن ضرورة رحيل الأسد، فصار من الماضي، حتى أن أبرز الديبلوماسيين الذين حملوا هذا الشعار على مدى السنوات الثلاثة الماضية، صاروا جميعهم خارج وزارة الخارجية، فالسفير جيفري فيلتمان أصبح مستشار أمين عام الأمم المتحدة للشؤون السياسية، وفرد هوف تحول إلى محلل سياسي في “مركز رفيق الحريري” التابع لمركز أبحاث “مجلس الأطلسي”، فيما انضم فورد الى مركز أبحاث “معهد الشرق الأوسط”.

عندما التقى المعارضون السوريون في مصر، وخصوصاً المتمسكين من بينهم برحيل الأسد، وجدوا أنفسهم في ضيافة ديبلوماسية مصرية لا تميز بينهم وبين عدائها لجماعة الإخوان المسلمين. هكذا، مارست القاهرة الضغط على البحرة وصحبه لتبني “جنيف 2” كأساس لحل يتم التوصل إليه في موسكو. أما البحرة، فوجد أن خلاصه الوحيد أمام عدوانية القاهرة كان يكمن في القول إن لا جداول أعمال ولا مبادرات، لذا لا مؤتمر في موسكو. وأطل البحرة عبر الإعلام العربي في ما بدا وكأنها محاولات دق نواقيس الخطر الداهم.

وكما في القاهرة، كذلك في موسكو، سيجد البحرة التمسك بخروج الأسد من الحكم أمراً بالغ الصعوبة، وسيجد الائتلاف السوري نفسه في مواجهة روسيا ووفد الجامعة العربية ووفد الأسد ومؤتمر “جنيف 2″، وسط تقاعس أميركي، بل تواطئ مع الأسد وداعميه.

ديبلوماسيون سوريون عادوا إلى السفارة السورية في الكويت لتصريف الأعمال، والإمارات وعمان لم تقطعا علاقاتهما بالأسد يوماً، وكذلك العراق والجزائر والسودان ولبنان، واليوم تونس.

في مؤتمر القمة العربية المقرر انعقاده برئاسة مصر في القاهرة في آذار/مارس المقبل، قد يجد الأسد نفسه في موقع جيد للعودة ليشغل كرسي سوريا الذي تقرر إعطاءه في قمة الكويت 2014 للمعارضة، وقد تجد المعارضة السورية نفسها في مواجهة عالم يقف ضدها، باستثناء بعض العواصم العربية التي صارت تبدو، بشكل متزايد، غير قادرة على فرض نفوذها وحماية المعارضين السوريين من تغلب الأسد عليهم ديبلوماسياً، بعدما فشل في إلحاق الهزيمة بهم شعبياً وعسكرياً.

المدن

 

 

مؤتمر موسكو انقلاب سافر على جنيف 1/ محمود الريماوي

قبل موسكو، حليفة النظام الحاكم في دمشق، عملت طهران، الحليفة الأخرى له، على تنظيم ما سمته حواراً سورياً بين أطراف حكومية و”معارضة”، وكانت لقاءات هزيلة في الشكل والمضمون، أثارت حتى سخرية بعض المشاركين الحكوميين.

الآن، تستعد موسكو لتنظيم احتفال مماثل، تطلق عليه اسم حوار سوري سوري. بغرض البرهنة على أنها مثل طهران هي من تخوض الحرب ضد الشعب السوري، بأسلحتها العسكرية والسياسية والدبلوماسية والدعائية، وهي، أيضاً، من تصنع السلم على هواها، وبما يلبي مصالحها ومطامحها، ولو أدى ذلك إلى قتل المزيد من حقوق السوريين، الأساسية والطبيعية، في تقرير مصيرهم ومستقبل بلادهم، أسوة بسائر شعوب الأرض.

“الطيف الواسع والمتنوع والمتضارب من ممثلي المعارضة يقود إلى حرمان المعارضة من صوت جماعي موحد”

وابتداءً، فإن اجتماع موسكو يلتئم من أجل إسدال الستار على جنيف وجنيف 2، والانطلاق من نقطة الصفر، لرسم مستقبل سورية والسوريين، وفق سيناريو معد مسبقاً، وليس حسب ما يرتئيه السوريون. ويبدأ إسدال الستار على جنيف بإقصاء الأمم المتحدة والأطراف الإقليمية والدولية عن مساعي مساعدة السوريين لإنقاذ شعبهم ووطنهم، وانفراد طرف واحد، هو الطرف الروسي، ليس فقط بالتنظيم والرعاية، بل كذلك بوضع حلول تجري تسميتها نقطة انطلاق، فيما يتم إقصاء مضمون مؤتمر جنيف، والقفز عنه وكأنه لم يكن، وكأن إرادة السوريين والأطراف الإقليمية والدولية، بما فيها الأمم المتحدة لم تتفق عليه. ويستغل المنظمون الروس خطة المبعوت الأممي، ستيفان دي ميستورا، بشأن تجميد القتال في حلب، للقول إن اجتماع موسكو المزمع يقيم صلة وصل مع الإرادة الدولية وقراراتها، علماً أن مهمة المبعوث الدولي لم تكن تجاوز مؤتمر جنيف، القاضي بتشكيل هيئة حكومية انتقالية كاملة الصلاحيات. وبنظرة سريعة على منحى الاستعداد لعقد اجتماع موسكو، يتبين ما يلي.

أولاً: تتم دعوة المدعوين من المعارضة، وعددهم حتى تاريخه ثلاثون، بصفاتهم الفردية، بقصد الإيحاء أنه لا توجد أي تنظيمات أو كيانات سياسية أو حزبية سورية ذات شأن أو اعتبار. وتكون المعارضة، في هذه الحالة، مجرد بضع عشرات من الأشخاص فقط لا غير.

ثانياً: تتم دعوة ثلاث شخصيات من الائتلاف، بصفاتهم الشخصية، من جملة ثلاثين مدعواً، بقصد إسدال الستار على الائتلاف، وسحب البساط من تحت أقدامه بصفته ممثلاً للثورة والمعارضة، وعلى الرغم من الاعتراف الواسع بتمثيله، وذلك بموافقة ضمنية من الشخصيات الثلاثة المدعوة.

ثالثاً: الطيف الواسع والمتنوع والمتضارب من ممثلي المعارضة يقود إلى حرمان المعارضة من صوت جماعي موحد، وإلى نشوب خلافات علنية وشبه علنية ما بينها. بما ينقل إلى العالم صورة مفادها أنه ليس هناك معارضة حقيقية، أو جسم واحد لها، فلا يبقى أمام الجهة الراعية سوى أن تصوغ صيغة الحد الأدنى لما هو متفق عليه بين شخصيات المعارضة، وأن تحمل المدعوين على الاتفاق على الصيغة من أجل إثبات الجدية والترفع عن شخصنة الأمور!.

رابعاً: الصيغة المزمعة جرى إعدادها مسبقاً في موسكو، وتم تسريبها إلى وسائل الإعلام، وتدور حول مرحلة انتقالية وليس حول حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات. والمرحلة الانتقالية، حسب موسكو وباتفاق مرجح مسبق مع النظام في دمشق، تستمر بين سنتين وسنتين ونصف السنة، وتتضمن إجراء انتخابات نيابية وتشكيل هيئة تأسيسية، ودعم الجيش السوري لمحاربة الإرهاب، على أن تنتهي المرحلة بانتخابات رئاسية “من دون فيتو على أي شخص”.

خامساً: لا توفر الصيغة الروسية أي انتقال للسلطة، أو وقف إطلاق النار أو تأمين عودة عشرة ملايين نازح، أو الافراج عن مئات آلاف المعتقلين.

سادساً: في اليوم الذي نشرت فيه وسائل الإعلام الملامح الرئيسية للصيغة الروسية، فقد تم، الأربعاء 31 ديسمبر/كانون الأول 2014، نشر إعلان (تصريح) للخارجية الروسية، يفيد بأن توسيع نطاق العقوبات الأميركية على موسكو الذي تقرر، الأسبوع الجاري، يمكن أن يعرقل التعاون الثنائي في قضايا، مثل الأزمة السورية والبرنامج النووي الإيراني. وفي واقع الأمر، إن عقد مؤتمر موسكو، بالطريقة التي تتم بها الاستعدادات لعقده، بحد ذاته عرقلة للتعاون الثنائي مع واشنطن، ومع الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالأزمة السورية.

سابعاً: تم الربط بين الملف النووي الإيراني والعقوبات على روسيا والوضع في سورية في حزمة واحدة. وهكذا، فعلى الأطراف الدولية الخمسة أن تتفاوض مع موسكو إضافة إلى طهران، بشأن الملف النووي للأخيرة. وكذلك على أصدقاء سورية في كل مكان في العالم أن يتفاوضوا مع موسكو بشأن مستقبل سورية والسوريين. التذكير بحق الشعوب، ومنها الشعب السوري، بتقرير مصيرها، أو الالتزام بالمعايير الدولية، بما يخص الملفات النووية، أو الاحتكام للقرارات الدولية وأحكام القانون الدولي، هي مجرد ثرثرة وكلام بلا طائل بالنسبة للخارجية الروسية، فالمصالح الروسية فوق كل اعتبار.

ثامناً: بادرت الخارجية الروسية إلى دعوة طهران لاجتماع موسكو، علماً أن أمين عام الأمم المتحدة كان قد سحب دعوته إلى طهران لحضور اجتماع جنيف 2، بسبب رفض القيادة الإيرانية الالتزام بمرجعية المؤتمر المتمثلة بجنيف 1 (الحكومة الانتقالية كاملة الصلاحيات). وما زالت طهران على رفضها هذه المرجعية. مع ذلك، لا تتردد الخارجية الروسية بدعوتها إلى المؤتمر، ما يكشف، من دون أي لبس، الهدف الحقيقي لمؤتمر موسكو، وهو الالتفاف على هذه المرجعية والقفز عنها، خدمة للنظام القائم في دمشق ولدواعي استمراره، وليس من أجل تنظيم حوار سوري سوري، كما يزعمون.

تاسعاً: ثمة نقطة أخيرة، جرى تلويح موسكو بها، فمع استشعار الدبلوماسية الروسية أن مؤتمرها قد بات، وقبل أن يعقد، مكشوف الأهداف، وهي أهداف لا تمت بأدنى صلة لمصالح الشعب السوري، وحقوقه بالحرية والكرامة، فقد خرجت تصريحات من موسكو تفيد بأن انعقاد مؤتمر موسكو قد يسهل استئناف مؤتمر جنيف، وعقد جنيف 3. وللمرء أن يصدّق ذلك، ويأخذه على محمل الجد. فمؤتمر موسكو يهدف إلى تغيير مرجعية جنيف، واستبدال هدف حكومة انتقالية كاملة الصلاحيات بما يسمى إنشاء هيئة تأسيسية، هي، في الأغلب، هيئة استشارية شبه تشريعية، لا سلطة لها على الأرض، وتتعرض لكل أنواع الضغوط المباشرة وغير المباشرة التي يتعرض لها عموم الشعب من نظامه.

هكذا، اذن، وبعد تغيير المرجعية (أو السقف)، ومع نزع الصفة التمثيلية عن الائتلاف، ممثلاً شرعياً للشعب السوري، فإن الطريق تصبح ممهدة إلى جنيف 3، لا صلة له بجنيف 1 و2. بذلك، يضمن سيرغي لافروف، ناظر الخارجية الروسية، حرمان الشعب السوري من أية نقطة ضوء في نهاية النفق الطويل المظلم.

العربي الجديد

 

 

 

 

حاجة السوريين إلى الحوار/ ماجد كيالي

تبدي أوساط المعارضة السورية، بكل اطيافها، استعدادا ملحوظاً للجلوس على طاولة حوار مشتركة، للتوصل إلى توافقات سياسية معينة، بشأن حل المسألة السورية.

وعلى الأرجح فإن هذا التوجه يحصل بدفع من ضغوط كثيرة ربما أهمها شعور المعارضة بضعف مكانتها، الناجم عن تشتتها واختلافاتها وفقدانها صلتها بالتطورات على الأرض، لاسيما بعد تصاعد دور الجماعات المسلحة والمتطرفة، المتغطية بالإسلام. وأيضا، لتحسبّها من مضاعفات انحسار الاهتمام الدولي والإقليمي بالثورة، لمصلحة التركيز على مواجهة مخاطر الإرهاب المتمثل بـ”داعش”. وأخيرا، في محاولة منها لإيجاد ردود مناسبة على المبادرات السياسية المطروحة من المبعوث الدولي دي ميستورا، ومن قبل كل من روسيا ومصر.

في الواقع فإن المعارضة خسرت كثيراً جراء تأخّرها في اجراء حوار كهذا، وبسبب اختلافاتها، بحكم خضوعها للتجاذبات الإقليمية والدولية المتضاربة، بدل الحفاظ على استقلاليتها، وسلامة مسارها. وبديهي فإن هذا الوضع أضر بها، وبصورتها عند السوريين، كما بالثورة ذاتها، وهو ما أفاد النظام، من جهة، وسهل على القوى المتطرفة احتلال المشهد من جهة أخرى.

وكانت حادثة الاعتداء على المناضل عبد العزيز الخير في القاهرة (أواخر 2011)، الذي قضى سنين طويلة في سجون النظام، أول علامة تحذير على المخاطر التي تتعرض لها الثورة السورية، وقصور ادراكات قياداتها، وهي حادثة لاتقل في دلالاتها عن حوادث استهداف النشطاء من قبل الجماعات المسلحة، في ما بعد، في حلب والرقة، وضمنها الحادثة الأشهر المتضمنة اختطاف رزان زيتونة وسميرة الخليل وناظم حمادي ووائل حمادة، في دوما (قبل عام)، من قبل الجماعة المسلحة المسيطرة هناك.

في كل الأحوال، يحتاج السوريون إلى ورشات حوار في ما بينهم، أولاً، لأن القصة باتت تتجاوز اسقاط النظام، او التغيير السياسي، فبعد هذا الانفجار السوري، الذي طال المجتمع والدولة والهوية والمفاهيم، بات من المهم إعادة تعريف السوريين لذاتهم، ولإجماعاتهم، بمشتركاتهم واختلافاتهم. أيضا، تتأتى ضرورة هذا الحوار لإعادة الاعتبار للطابع السياسي للصراع القائم، بعد ان حاول النظام، والجماعات المتطرفة، تحويله نوعاً من صراع وجودي، طائفي وهوياتي.

تبقى معضلة أساسية، تتمثل بأن تأكيد الطابع السياسي للحوار يفترض اشراك جميع السوريين بكل اطيافهم به، بغض النظر عن موقفهم من النظام، فثمة “طوائف” الخائفين، والحائرين، والقلقين، بل وثمة من له مصلحة مع النظام، وهؤلاء كلهم لا يمكن تجاوزهم في أي سعي للتوافق حول التغيير السياسي، وحول تعريف سوريا، وصوغ مستقبلها. مفهوم أن المعارضة تتخوف من أي استدراج للحوار مع النظام، يستهدف إطالة تجديد حياته، لكن هذا ينبغي ألاّ يمنعها عن رؤية مصلحتها في التمييز بين السلطة، والنظام فهذا بديهي.

النهار

 

 

أزمة سورية واستحقاق «الحل» الروسي – الإيراني/ عبدالوهاب بدرخان

محطتان على طريق الحوار السوري – السوري. الأولى في الاسبوع الثاني من هذا الشهر في القاهرة حيث يُفترض جمع كل أطراف المعارضة أو معظمها للتداول في تشكيل «وفد موحّد» أو «مشترك». وهذه خطوة كانت آخر محاولة لتحقيقها بُذلت برعاية الجامعة العربية مطلع تموز (يوليو) 2012، غداة صدور بيان جنيف الأول في 30 حزيران (يونيو)، ونتجت منها «وثيقة العهد الوطني» التي تضمنت خلاصة توافقات مبدئية بين معارضتي الخارج والداخل بشأن مستقبل الحكم في سورية، من دون معالجة نقاط الخلاف التي تمثّلت آنذاك بالموقف من «الجيش السوري الحرّ» ودوره المتصاعد، فضلاً عن الموقف من النظام «إسقاطاً» له بالقوة أو تفاوضاً معه على حكم انتقالي بوجوده أو من دونه.

المحطة الثانية متوقعة في الاسبوع الأخير من هذا الشهر في موسكو، حيث يُفترض أن يبدأ «الوفد الموحّد» نقاشاً حول جدول أعمال الحوار ثم ينضم وفد يمثّل النظام الى ما بات يسمّى «مؤتمراً تشاورياً»، بمعنى أنه مفتوح وغير ملزم، لكن اذا وجد كل طرف أن الاطروحات مناسبة يمكن عندئذ تحديد بداية للحوار. ليس معروفاً اذا كان الراعي أو المضيف الروسي، أو أي من الطرفين، سيطلب وضع سقف زمني. وليس معروفاً أيضاً اذا كان الشروع في الحوار سيتزامن مع هدنة ميدانية أو نوع من وقف اطلاق النار، فهذا يتطلّب أن تكون الفصائل العسكرية مشاركة وأن يكون هناك التزامٌ فعلي على الأرض.

من الطبيعي تصوّر أن الجانب الروسي سيحاول القيام بدور الوسيط لتدوير الزوايا وتقريب وجهات النظر، مستعيناً بالاتصالات والتنسيقات التي يجريها (مع مصر وتركيا من خلال زيارتي فلاديمير بوتين) وتلك التي اجراها مع ايران. ويجدر التذكير بدوافع هذه الدول، فروسيا شعرت بأن «التحالف الدولي ضد الارهاب» أدّى الى تهميشها فيما هي منهمكة بالأزمة الاوكرانية، لكن اشكالات هذه الحرب في سورية فتحت لها ثغرة للعودة الى المشهد عبر تنشيط «الحل السياسي»، وعلى رغم الخلافات منحها الاميركيون والاوروبيون تأييداً أولياً، أي مشروطاً. لم تتردد ايران في دعم تحرّك روسيا لعلمها أنها لم تبدّل أياً من مواقفها المعلنة طوال الأزمة السورية، لكنها تتنكّر الآن بدور الوسيط، ثم إن الدولتين خشيتا من تعفّن الصراع وتهديده مصالحهما، ولذا تراهنان على حل سياسي لا يمانعه أحد لكنهما تحرصان على ترتيبه بما يناسبهما.

ولما كانت تركيا تواجه مشاكل مع الولايات المتحدة في ما يتعلّق بقضايا تركية داخلية وبـ «الحرب على داعش» ومخرجاتها السورية، فقد آثرت أنقرة أن تدفّئ التقارب مع موسكو، ولعلها سمعت من بوتين ما شجعها على مساندة صامتة للمسعى الروسي. ومعلومٌ أن «إسقاط نظام بشار الأسد» هو أحد الشروط التي أعلنها رجب طيب اردوغان لمشاركة تركية نشطة في التحالف ضد الارهاب. أما مصر التي تطمح الى استعادة دور عربي فسرّبت مصادر مختلفة مراراً عزمها على طرح مبادرة من أجل سورية، لكنها أدركت الحاجة الى دفع دولي ولم تلمس استعداداً لدى الولايات المتحدة، لذا واظبت على الاتصال والتشاور بغية إنضاج الأفكار والمواقف المتوافرة. وعندما أبدت روسيا نيتها تحريك الجمود في الملف السوري، وجدت مصر أنها تستطيع توظيف علاقاتها المعقولة مع المعارضة السورية وعلاقاتها السويّة مع النظام لتفعيل حل ينسجم مع ثوابت سياستها التي هجست دائماً بالمحافظة على وحدة سورية وبقائها في/ أو عودتها الى الكنف العربي، ما يتناسب مبدئياً مع أهداف السعودية.

تستند روسيا، وفقاً لما يردّده مسؤولوها ومنهم المبعوث ميخائيل بوغدانوف، الى أن النظام والمعارضة بلغا نهاية الطريق في الأزمة. وعموماً بات الجميع، وبالأخص ستافان دي ميستورا صاحب خطة «تجميد الصراع بدءاً من حلب»، يرددون أن النظام ليس قادراً على استعادة الحكم والسيطرة على كامل سورية وأن المعارضة بالكاد تستطيع الحفاظ على مناطق سيطرتها أمام هجمات النظام وغزوات «جبهة النصرة» وتنظيم «داعش». لا شك في أن هذا مبرر قوي للضغط على الطرفين للبدء بالتنازل وصولاً الى حل سياسي. وبناء على حصيلة المشاورات الروسية، يتبيّن أن موسكو تركز حالياً على الشكل وترحّل أي بحث في مضمون الحوار نفسه، بل تفضّل الإبقاء على الغموض بالنسبة الى المحاور الجوهرية التي يتوقف عليها الحل، وإنْ تذكّرت من حين الى آخر «بيان جنيف». واذا صحّت المعلومات عن لقاء بوغدانوف مع الأمين العام لـ «حزب الله»، وتأكيد الأخير أن «الأسد خط أحمر»، فقد يعني ذلك أن المبعوث الروسي دخل في التفاصيل، وطالما أن المكانة الايرانية لنصرالله زادت تميّزاً بفعل مشاركة حزبه في القتال، فلا بدّ من أنه يعبّر عن رأي المرشدية التي تولي موقفه من الحل في سورية أهمية خاصة.

لا تختلف روسيا مع ايران بالنسبة الى «الأسد خط أحمر»، فكلتاهما لا تنظر بارتياح الى «معارضة الخارج» وسقفها السياسي العالي وعلاقاتها الاقليمية، وتتوجس تحديداً من مطالبها المسبقة في ما يخص «رأس النظام». لا تنسى الدولتان أنهما ربطتا مصالحهما في سورية بوجود الأسد في السلطة، لكن الأزمة بلغت في بعدها «الداعشي» حدّاً يستدعي براغماتيتهما. فهما لا تجهلان أن «رأس الأسد» هو بالضرورة محور أي حل سياسي، وأن اصرارهما على بقائه بحجة «الحفاظ على الدولة والمؤسسات» لم يعد ذريعة قابلة للترويج لأنهما تعانيان من الاهتراء الذي انتابه ونظامه. أما الذريعة التالية أو بالأحرى خيارهما البديل فقد صيغ كالآتي: «الحفاظ على النظام من دون الأسد للحفاظ على الدولة والمؤسسات»، لكن مع افتراض توافق الروس والايرانيين، فإنهم لن يُقدِموا على إبدال الأسد بشخص آخر ما لم يفتح البازار أمامهم ليعرفوا مع مَن سيساومون وبأي ثمن وأي شروط.

في ضوء المعطيات الأولية، يبدو التحرك الروسي لمصلحة نظام الأسد، وهو لم يعلن موافقته على المشاركة في المؤتمر التشاوري إلا بعدما تعرّف الى مختلف التفاصيل. ولا تخفي الأطراف الثلاثة، روسيا وإيران والنظام، أنها تعوّل بشكل رئيس على معارضة الداخل وقابليتها للانخراط في حوار مع النظام واستعدادها للموافقة على حلٍّ يأخذ شكلياً بالخطوط العريضة التي تطرحها، لكنه حل يهدف خصوصاً الى تجديد «شرعية» النظام، وقد يتخذ شكل «حكومة مختلطة» يمكن أن تتولّى رئاستها شخصية معارضة لا تمانع وجود الأسد في الرئاسة، وأن يُعهد ببعض الوزارات الى معارضين آخرين. وقد يقال إن هذه حكومة «انتقالية»، في انتظار الدستور وقانون الانتخاب والأحزاب ثم الانتخابات نفسها فضلاً عن انتخاب رئيس («جديد»؟). في السياق، يُراد تهميش «الائتلاف» المعارض باجتذاب بعض وجـوهـه والحـؤول دون ترؤسه «الوفد الموحّد» للمعارضة وقيادته المفاوضات كما في جولتي جنيف أوائل 2014. ولأن مسار التفاوض سيكون طويلاً، فإن أعضاء «الائتلاف» المشاركين سيشعرون بأنه جرى توريطهم، فإذا واصلوا يحترقون سياسياً وإذا انسحبوا يُتهمون بالعرقلة والتعطيل، لكن الآخرين سيتابعون التفاوض… وصولاً الى «الحل».

ثمة أفكار متداولة في سياق التحضيرات، ومنها أن يجرى احترام تمثيل كل الفئات وضمان مشاركتها في كل المؤسسات. ولدى شرح هذه الفكرة يقال اختصاراً إنها قد تقتبس المعايير (الطائفية) التي صيغ بها «اتفاق الطائف» اللبناني. لكن، في كل الأحوال، هناك شروط أساسية لأي حل، كي يقترب من أن يكون حقيقياً، وأولها ألا يجرى تفصيله على مقاس الرغبات الروسية – الايرانية، وأن لا بدّ من أن يرسم خريطة خروج الأسد، طريقاً وبوابةً، بدءاً من إقرار إخضاع المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية للسلطة السياسية، أي للحكومة الانتقالية، بغية اعادة هيكلتهما وإبعادهما من التدخل في الحياة السياسية.

* كاتب وصحافي لبناني

الحياة

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سورية.. أستانة والخيار الروسي/ علي العبدالله

    أطنب ممثلو ثلاثي أستانة، الدول الضامنة، وفق الوصف المفضل لديهم، في وصف نجاح ...