الرئيسية / صفحات الثقافة / مبدعون سوريون.. أين هي الكتابة من فيض الدم في سوريا؟

مبدعون سوريون.. أين هي الكتابة من فيض الدم في سوريا؟

 

نيفين الحديدي

كيف يمكن الكتابة عن حدث مأساوي بحجم الحرب؟ تبدو الإجابة عن سؤال كهذا أكثر تعقيداً في حالة الحرب السورية المستمرة منذ قرابة 7 سنوات، لما بلغته من درجة قبح، لم يسبق أن شهد العالم مثيلاً لها، كثير من المبدعين السوريين حاولوا مقاربة الواقع السوري المؤلم خلال سنوات الحرب؟ والإجابة عن تساؤلات كثيرة حول طبيعة ما يحدث، وكيف تفاعل الأدب شعراً ونثراً مع هذا المشهد المأسوي.

فهل استطاعت الأعمال الأدبية الجديدة تشخيص المأساة السورية؟ وما التغيرات التي طرأت على معالم الكتابة الإبداعية في سوريا في هذه المرحلة؟ وأخيراً: هل يمكن أن نطلق مسمى “أدب الحرب” على ما أنتجه الأدباء والكتاب السوريون حول الحرب في بلادهم خلال الست سنوات الماضية؟ وفي محاولة للإجابة عن هذه التساؤلات، توجهنا إلى عدد من المبدعين السوريين:

إسلام أبو شكير: الجمال في مواجهة القبح

يقول الروائي والقاص إسلام أبو شكير عن واقع الكتابة في سوريا اليوم: “هنالك حرب في سوريا، وهنالك أدب وفن أيضاً، منطقياً يبدو الأمر مثيراً للدهشة أن يترافق القبح في أقصى درجاته مع الجمال في أقصى درجاته أيضاً. لكن هذا لم يحدث للمرة الأولى، تكرر كثيراً، بل دائماً، وفي كل مكان شهد حرباً أياً كان حجمها أو مستوى ما تخللها من عنف”.

وكما في كل مرة يعود السؤال إلى الواجهة: هل عبر الجمال عن القبح؟” يتساءل الكاتب إسلام أبو شكير، ويقول: “في الحالة السورية فرضت درجة القبح غير المسبوقة تحدياً صعباً أمام الجميع، قوة الخيال في الأدب خصوصاً والفن عموماً لم تستطع مقاربة ما يحدث حتّى الآن. مازال الواقع يتجاوز الخيال. وكلما اعتقد الخيال أنه حقق انتصاراً ما، باغته الواقع بما يجعله خيالاً ساذجاً قاصراً”.

ويضيف الروائي أبو شكير، صاحب رواية (القنفذ): “هنا يكمن مأزق الكاتب في هذه المرحلة.. نعم.. هنالك الكثير من الأعمال الأدبية في الرواية والقصة والشعر وسواها من فنون الأدب، لكن شيئاً منها لم ينجح بعد في تشخيص الحالة، ولا في وصفها، ولا في استيعاب حقيقتها. ما زلنا في طور السؤال عن طبيعة ما يحدث، ولم نصل بعد إلى طور تصويره والتعبير عنه جمالياً. وكيف نصور ما لم نفهمه بعد؟!!، ما زلنا في طور الصدمة من أن هذا حدث أصلاً في وقت كانت فيه إمكانيّة تجنبه بسيطةً للغاية، ومتاحةً، وغير مكلفة على الإطلاق”.

لم ننتقل حتى الآن إلى المرحلة التي تتيح لنا أن ننتج (أدب حرب) كيف، والحرب ما زالت خارج الوعي، يؤكد الروائي أبو شكير، ويقول: “أدب هذه المرحلة خاص جداً. هو أدب صدمة. أدب أسئلةٍ مذهولة. أدب بحثٍ وتقصٍ. أدب مراجعاتٍ حائرة. أدب تطلعاتٍ ملهوفةٍ نحو إجاباتٍ تبدو بعيدةً ودائمة الهروب.. هذا الأدب ليس سوى بداية. مهم بكل تأكيد، وسينجو بعضه من مطب الارتجال والانفعال الفائض وطغيان المباشرة وتأثيرات الرغبة في التوثيق والتأريخ أكثر من الفن، ليغدو علامةً من العلامات، منجز مهم، لكنه ليس كل شيء”.

ويختم الكاتب أبو شكير بتأكيده على أن “الأهم هو ما لم يكتب بعد.. الأهم هو هذا الذي سيفرزه الوعي الجديد لدى الشباب خصوصاً، والذي تشكل في ظروفٍ تختلف عن تلك التي تشكل فيها وعي الجيل السابق، الشباب يكتبون الآن، لكنّهم بلا سلطةٍ للأسف. ما زالت السلطة بأيدي آخرين لم يجددوا بعد في آليات تفكيرهم، وما زالوا يعتقدون أن ما حدث هو مجرد تطور، في حين أنّه قطيعةٌ حادةٌ ونهائية مع ما سبق.. لا بأس في الانتظار قليلاً ليتاح لنا أن نحكم في ثقةٍ وطمأنينةٍ أكبر وأعمق”.

نجم الدين سمان: الخروج عن السائد والمألوف

الكاتب والإعلامي نجم الدين سمان، يرى أنه “في مخاض ثورات كبرى، أو في جحيم حرب مهما صغرت، سيتأخر قليلاً الابداع الأدبي ريثما يرصد هذا، لأن الابداع لا يُعنى بالتفاصيل اليومية إلا في سياقها الكلي وفي سياق تحولاتها، ومع ذلك يتخطى المبدعون هذا القاعدة المألوفة، لأن خيمياء الابداع هو الخروج عن السائد والمألوف، كما في الرواية السورية منذ 2011، حيث أنجز السوريون عدداً لافتاً من الروايات حتى الآن، من بينها روايات عن السجن السياسي، لم يتمكن كتابها من إصدارها قبل الثورة السورية: “القوقعة” لمصطفى خليفة، و”السوريون الأعداء” لفواز حداد، و”خمس دقائق فحسب” لهبة الدباغ.. نموذجاً”.

وكذا الروايات التي تفضح “المسكوت عنه” طوال عقود الاستبداد يتابع نجم الدين سمان: “وبعضها تناول الراهن وتحولاته خلال الست سنوات الماضيات كرواية: “وحدك تعلم” التي نُشرت الكترونياً ولا نعلم اسم مؤلفها حتى الآن، إضافةً إلى روايات: غسان الجباعي، ابراهيم الجبين، سمر يزبك، هوشنك أوسي، أيمن مارديني، مها حسن، عبد الله مكسور، ابتسام تريسي، عدنان فرزات، روزا ياسين الحسن، عبد المجيد الفياض، زهير أبو سعد، جان دوست، سميرة المسالمة، دينا نسريني، وبعضها صدر بالإسبانية كرواية ليلي نشواتي: “عندما تنتهي الثورة”، وبعضها تُرجم إلى أكثر من لغة، بالإضافة إلى روائيين تابعوا مسيرتهم الروائية خلال الثورة: خيري الذهبي، فواز حداد وممدوح عزام، وخالد خليفة وسواهم. واللافت للنظر هاهنا عدد الروائيات السوريات بالإضافة إلى غزارة إنتاج بعضهن، كما أشير إلى روائية إسبانية (جوليا كاراسكو)، استلهمت الثورة السورية في عملها: انتظرني في الجنة!”.

وبمثل غزارة الإنتاج الروائي، ثمة غزارة في الإنتاج الشعري يعلق نجم الدين سمان ويقول: فبالإضافة إلى شعراء تابعوا إبداعهم بعد الثورة منحازين إليها: فرج بيرقدار- رشا عمران- محمد علاء الدين عبد المولى- هالة محمد- عارف حمزة وسواهم، ظهر صوت الشاعرة وداد نبي لافتاً خلال الست سنوات الماضيات، وقائمة الأسماء طويلة لا تتسع لها هذه الإجابة، وتحتاج إلى دراسة مستفيضة، وبخاصة خلال رصد جيلٍ من الشاعرات والشعراء الشباب الجدد، أتمنى أن يقاربها نقدياً أحد مختص بالشعر أكثر مني”.

ويختم الكاتب نجم الدين سمان بالقول: “ثمة ملاحظة عن استبعاد ذكر القصة القصيرة السورية في كثيرٍ من أسئلة الاستطلاعات التي وردتني، وكأنما القصة هي الابن اللقيط في أدبنا السوري المعاصر!!”.

بدر الدين عرودكي: أدب “المأساة السورية” لا الحرب

يقول الكاتب والصحافي والمترجم بدر الدين عرودكي: “أرى أن عليّ البدء بالقول إنني لم أقرأ كل ولا حتى معظم ما كتبه السوريون خلال السنوات الست الماضية عن سوريا في وضعها الثوري، ثم في حالتها الراهنة منذ ثلاث سنوات كبلد محتل، تتناهشه ذئاب العالم أجمع وتحتله قوة عظمى هي روسيا، وقوة إقليمية هي إيران التي تحلم بتحقيق أمجاد إمبراطورية خيالية مهما كان الثمن. لكنني أظن أن ما قرأته على قلته، يسمح لي بإبداء رأي سيبقى مع ذلك حذراً ونسبياً.

نعلم جميعاً أن الثورة حررت السوريين: تفكيراً وتعبيراً، وقد فاجأت الأقلام السورية العالم العربي، وهي تنطلق من عقالها وتتناول بلا حرج ولا خوف، بل ولا رقيب داخلي، كل ما طبع أعماق حياة السوريين: العذاب والسجن والقمع والآمال الخائبة والذاكرة المحطمة”، يقول الكاتب عرودكي ويضيف: “وانطلقت أصوات لم يسمع من قبل بها أحد، استطاعت جمعاً وفي سرعة قياسية أن تفرض الحديث عن أصوات سورية جديدة، أسهمت في تقديمها مواقع صحفية إلكترونية، ومراكز أو مجموعات بحوث ودراسات اتخذت موضوعها الهم السوري في تجلياته جميعاً: نظام الاستبداد، والثورة، والمهجر/المنفى. وبدا أن هم هذه الأصوات كان إعادة بناء الذاكرة السورية التي كان تغييبها التدريجي لصالحه أول أهداف النظام الاستبدادي غير المعلنة في سوريا.

كان الإنتاج الأدبي في أشكاله المختلفة أيضاً، كان غزيراً ووافراً، وكان السرد القصصي ولاسيما عبر الشكل الروائي صاحب الحظ الأوفر على صعيد الكم بوجه خاص. وكانت فيه جوانب المأساة السورية المختلفة الهم الأكبر، وربما الوحيد في نتاج أصوات روائية راسخة أو مخضرمة أو صاعدة في المشهد الأدبي السوري”.

وعن تقييم الأدب السوري الجديد خلال سنوات المأساة، يؤكد عرودكي أنه “من المستحيل في مثل هذه العجالة تقويم هذا النتاج، ولا أظن أن الوقت قد حان بعد لمثل هذا التقويم، فالمأساة قائمة لا يزال يكتوي بنارها الجميع دون استثناء. والنتاج الأدبي يعاش ويكتب وينشر في قلب الحريق. ولابد من مسافة تسمح بالقراءة وبالتأمل. مسافة زمنية ولا شك، لم تتوفر بعد لأحد منا، وفي مقدمة هذه الأعمال برأي الكاتب عرودكي: “قصص وكتابات زكريا تامر فهو بنظري أهم من عبر عن العذاب السوري قبل الثورة وخلالها، وكتابه الأخير “أرض الويل” مثل بليغ على ذلك”.

ويلفت الكاتب عرودكي إلى بعض التجارب بقوله: “تكاد أكثر عناوين الأعمال الروائية التي صدرت خلال السنوات الماضية تقول موضوع الهم السوري مباشرة، منها على سبيل المثال لا الحصر: “عائد إلى حلب” لعبد الله مكسور، أو “طبول الحرب” لمها حسن، “السوريون الأعداء” و “الشاعر وجامع الهوامش” لفواز حداد، و “زجاج مطحون” لإسلام أبو شكير، و”جداريات الشام: نمنوما” لنبيل سليمان، و”لاسكاكين في مطابخ هذه المدينة” و”الموت عمل شاق” لخالد خليفة، و”الذئاب لا تنسى” للينا هويان الحسن، و”لعنة الكاميديوم” لابتسام التريسي، و “الذين مسهم السحر” لروزا ياسين حسن، و”أبواب العدم” لسمر يزبك”.

وأخيراً يختم الكاتب والمترجم عرودكي بتأكيده أنه “لو اعتبرنا هذه الروايات ممثلة لمجمل الإنتاج الروائي السوري المنشور خلال السنوات الخمس الأخيرة لأمكن القول إن فصلاً استثنائياً في تاريخ الأدب السوري يكتب اليوم تصلح له تسمية “أدب المأساة السورية”، لا “أدب الحرب”، لا أشك شخصياً في أن مثل هذه الأعمال ستكون تربة خصبة لدراسات قادمة تتناولها بوصفها وثيقة أو دلالة أو ــوهو بالفعل ما يحتاج إلى مسافة زمنية لتقريرهــ بوصفها مبدعاً أدبياً استثنائياً”.

مازن أكثم سليمان: موضة و”قناع شعري

الشاعر والناقد مازن أكثم سليمان يجيب عن سؤال القصيدة الجديدة في سوريا بالقول: “يبدو أن موضوعة الثورة والحرب قد باتت عند جيل كامل من الشعراء تشبه الموضة الشعرية، وهذا أمرٌ طبيعي لا اعتراض عليه من حيث المبدأ، غير أن المسألة أكثر تعقيداً مما نظن، ذلك أن تحول هذه الموضوعة عند كثير من الشعراء إلى ما يشبه (القناع الشعري) قد غيب عدداً من القضايا المسكوت عنها، أو ربما غير المُفكر فيها على أقل تقدير، وليس من المبالغة القول إن عدداً من شعراء لحظتنا الراهنة قد وجدوا في موضوعة الحرب طوق نجاة يرأبون به -كما يعتقدون- صدوعَ ضعف ذخيرتهم المعرفية والنظرية، ويعوضون عن غياب مشاريعهم ذات الخصوصية والتفرد، ولا سيما أن بعضاً من هؤلاء لم يكونوا أصلاً قد خرجوا قبل الثورة من عباءات الآباء الشعريين”.

إن “مفهوم (الالتزام الشعري) لا يعني بتاتاً تقديم خطاب (محاكاتي) مباشر في القصيدة”، يقول الشاعر سليمان ويضيف: “فهذا وعيٌ تبسيطي ينفي حتماً شعريتها، وقد قيل قديماً إن أعذب الشعر أكذبه، لذلك لابد من الإشارة إلى أن نسبة لا يستهان بها مما يُكتب الآن تحت عنوان شعر الثّورة والحرب يغلب عليه من حيث المبدأ الجانب التسجيلي الانطباعي، الذي يبقى إلى حد بعيد حبيس درجة الصفر في الكتابة، أو أسير خطاب التعبئة الخطابية القاصر فنياً، حيث يتحول المعجم الحربي عند شعراء كثيرين إلى عدة قصدية مُسَبَّقة، ومجموعة منتقاة من الآليات التقنية التكرارية التي يُحضر بها هؤلاء الشعراء الحرب وصفياً من الخارج، فضلاً عن عجز نسبة لا بأس بها من القصائد عن تحقيق الانتقال المجدي من التجرِبة الذاتية الخاصة إلى التجرِبة الإنسانية العامة. صحيحٌ أن الثَّورات والحروب تجارِب عالمية مشتركة، لكن ما الذي تضيفه قصيدة لا تخرج عن محاكاة السطح الخارجي للحدث، دونما أن تتمكن من تحويل مادة الحرب الأولية بوصفها إقامة في الحضور إلى فائض معنىً بوصفه اختراقاً للغياب؟!.

وهو الأمر الذي يتحقق بوصفه فهماً جديداً لمصطلح (الالتزام الشعري) بالتضافر الوجودي بين التجرِبة والتجريب عبر مكابدة عميقة بؤرتها جدلية الذات الشاعرة الوقائعية والذات الشعرية الافتراضية، وهدفها بلوغ الخصوصية الجمالية نصياً، إذ من المفترض نظرياً وفعلياً أن يتولد الحيز الفني وأن ينمو داخل النص، لا أن يكون سجيناً لما هو مُسبَّق في العالم الوقائعي، ذلك أن القاعدة النقدية الشهيرة تقول إنه ليس المهم موضوع القصيدة، إنما الكيفية الوجودية التخييلية التي ينبسط بها هذا الموضوع في عالم القصيدة التخارجي، والذي ينبغي له أن يفتتح أفقاً جديداً يدعوه غادامير الزيادة في الوجود، ويدعوه ريكور شيء النص غير المحدود”.

وبرأي الشاعر سليمان، فإن “مسألةَ ولادة حساسية شعرية جديدة في شعر الثورة والحرب في سورية مسألة مفهومية مركبة كما أظن، فإذا كانت هذه الحقبة تشير إلى انبثاق واضح وملموس لظاهرة شعرية عريضة ذات تيارات ومرجعيات متعددة، وإذا كان لا مناص من الكلام بالمعنى التاريخي عن جيلٍ شعري يوصف بأنه جيل الثورة والحرب، فإن مسألة التحقيب الفني، وتعيين الإضافات النوعية التراكمية أو المؤسسة على قطيعة ما، ما تزال بحاجة إلى مزيد من الجهود النقدية النصية الأصيلة، ولا سيما في ظل الكم الهائل الذي يضخ من الشعر ويصعب حصره، ففي سوريا توجد فضلاً عن الجيوش المتصارعة جيوشٌ من الشعراء، والشاعر الواحد نفسه قد تصنف نصوصه ضمن أكثر من اتجاه أو تيار، ناهيكم عن أن القضية في أحد أبعادها هي قضية وثيقة الصلة بنظرية النقد والتلقي الأصيل”.

ويختم الشاعر والناقد سليمان، بتأكيده أن “أي حديث عميق عن ولادة شعر مغاير ينبغي أن يلتفت إلى عاملين موضوعيين لا يمكن إغفالهما: أولهما عامل زماني يتعلق بحاجة الشعر إلى “مسافة زمنية” تبعده عن الانفعالية المباشرة بالحدث كي يستطيع تمثله فنياً، ولا تعني المسافة الزمنية هنا مرور وقت طويل بالضرورة، وإنما تعني أيضاً قدرة الشعراء الخلاقة على توليد مثل هذه المسافة تأويلياً وهم ضمن الحدث نفسه، وهذا ما يتطلب نمطاً من الدربة الاستثنائية النادرة التي تؤصل مفهوم الالتزام الشعري الجديد الذي اقترحته شخصياً في غير مادة منذ عام 2015. العامل الثاني يتعلق بالجانب المكاني، ذلك أن نسبة كبيرة من الشعراء السوريِين قد انتشروا خلال السنوات الأخيرة في أصقاع العالم، وباتوا يقاربون الحدث السوري من بعد، فضلاً عن اختراق تجرِبة الغربة والبيئات الجديدة لعوالم قصائدهم، وهذا ما يفتح الباب واسعاً أمام بحثٍ مطول عن التحولات الهُوياتية في أشعارهم”.

رشا عمران: كتابة غير متورطة “مع أو ضد

الشاعرة رشا عمران ترى أن “تسمية (أدب الحرب) لا تصلح لما يكتب حالياً، أحكي طبعاً عن النصوص التي أتيح لي الاطلاع عليها، رواية أو شعر أو يوميات، فكل ما يكتب حالياً يكتب من التأثير المباشر للحرب السورية، التأثير النفسي أقصد، وهو ما لا يمكن تسميته بأدب الحرب، بمعنى آخر، حين نتحدث عن أدب حرب ما، فكتاب هذا الأدب يفترض أنهم يعيشون يوميات هذه الحرب بكل تفاصيلها، القتل والقصف والدمار والهجرة والموت والفقدان والخسارات الكبرى، أن يعايشوا هذه الكوارث بيومياتها كاملة، يوميات يتم تدوينها، كي لا تسقط في النسيان، ويمكن الرجوع إليها فيما بعد”.

وعن الكتابة عن هذه المرحلة أدبياً، تقول عمران: “لا أظن أن من كتب عن الوضع في سوريا خلال السنوات الماضية عاش هذه التفاصيل، ربما هناك قلة قليلة جداً، كتبت من وسط كل هذا، أنا على الأقل، لم تتح لي قراءة هذه الكتابات، بالتأكيد هناك نتائج اجتماعية واقتصادية كارثية للحرب، طالت حتى الذين يعيشون في مدن آمنة أو شبه آمنة في سوريا، وكثر من الكتاب كتبوا ما يشبه اليوميات النثرية أو الشعرية عن هذه النتائج، لكن برأي الشخصي لا يمكن أن تندرج ضمن أدب الحرب، بالنسبة لنا نحن الذين نعيش في الخارج، بقيت كتاباتنا على هامش الحدث روائياً، وهي انعكاس للحدث اليومي على اللاوعي الفردي شعرياً”.

وبرأي الشاعرة رشا عمران صاحبة (بانوراما الموت والوحشة): “فإن الكتابات الأهم هي التي كتبت في السنة الأولى للثورة، عن يوميات الثورة، يوم كان الجميع في سوريا ومشاركاً أو على الأقل مراقباً قريباً للحدث اليومي، ولكن كل ما كتب حتى الآن بكافة صنوف الأدب، برأيي لم يصل إلى مستوى الحدث الواقعي، الواقع تفوق على خيال الكتابة بدرجات خطيرة، والكتاب اليوم متورطون بشكل من الأشكال بالحدث، ولكي نحكي عن أدب مرحلة من المراحل، نحتاج إلى كتابة غير متورطة مع أو ضد، وهو ما يحتاج إلى مسافة زمنية تفصل بين الكتابة والحدث، ويحتاج إلى رؤية تستند إلى التوثيق الذي يفترض أن ثمة من يقوم به خلال سنوات الثورة والحرب، سواء توثيق علمي ومنهجي أو أدبي على شكل يوميات نثرية وشعرية، أو بصري، وهو برأي أهم ما أنتج حتى الآن، فالصورة التسجيلية والفيلمية، استطاعت نقل الحدث كما هو، مع غلاف إنساني مهم، وهو ما لم يستطع الأدب فعله، أكرر دائماً، حسب ما أتيح لي من القراءات للأدب السوري خلال السنوات الست الماضية”.

وفيما يخص قيود الرقابة والموافقات الأمنية داخل سوريا وخارجها، تقول عمران: “شخصياً ليست لدي مشكلة لا مع النشر ولا مع الرقابة، ولا أظن هذه مشكلة موجودة لدى الكتاب السوريين، دور النشر جميعها تنشر للسوريين حالياً، هناك حركة ترجمة كثيفة أيضاً للأدب السوري الحالي، لا أعرف داخل سوريا ما هو الوضع بما يخص الرقابة، أتصور ثمة مشكلة غلاء بما يخص النشر، أما التواصل مع القارئ فحلته وسائل التواصل الاجتماعية ومواقع النت والبريد الإلكتروني، يمكن أن أرسل كتابي إلى أي أحد يطلبه، النشر الإلكتروني أيضاً صار وسيلة مضادة لأي رقابة، سواء أكانت رقابة على المضمون أو على اسم الكاتب”.

وعن جدوى الكتابة في أتون الحرب، تقول الشاعرة رشا عمران: “الكتابة لا تغير أي واقع، وسط الموت والحروب، هي تساعد على التجاوز، هي بمثابة علاج للكاتب، وهي فعل مقاومة ضد الموت، مهمة الحروب هي تعميم الموت المادي والنفسي، من لم تقتله الحرب، أصابه عطب نفسي، الكتابة تساعد الكاتب على مقاومة الإحساس بالعطب والموت، هي ربما أيضاً تساعد القارئ، القراءة أيضاً فعل مقاومة”.

خضر الآغا: معايير جديدة “للمستوى الأدبي

الشاعر والناقد خضر الآغا يقول عن واقع الكتابة الجديدة في سوريا: “السؤال الذي يمكن التفكير به هل ثمة معايير جديدة لتحديد “المستوى الأدبي” للأعمال التي ظهرت وتظهر بعد قيام الثورة ودخول البلد في حرب فناء يشنها النظام وأعوانه ضد السوريين؟، أعتقد أن إطلاق حكم على “المستوى الأدبي” يحتاج إلى معايير واضحة. غالباً لم تكن ثمة معايير واضحة قبل الثورة، وكان الأمر متروكاً لما يسمى: “الذوق الشخصي”، الأمر الذي ترك الحياة الأدبية في مهب الريح لاختلاف “الذوق” بين القراء. أعتقد أنه يجب أن تكون ثمة معايير جديدة، وريثما يتم ذلك يمكنني النظر في مدى اقتراب العمل الأدبي مما يحدث في سوريا، وفي القيمة التي يؤسس لها/ أو يدعو إليها. مثلاً: لا أصدق النصوص التي تعتبر ما يجري وكأنه هبط من السماء، وأقف ضد الأعمال التي تمجد القاتل، وهكذا… ضمن هذا المعيار يوجد القليل/ القليل جداً من الأعمال الأدبية/ الرواية خاصةً التي أعتبرها ذات مستوى متقدم. على الكتابة أن تسمي القاتل وتفضحه باستمرار وبلا هوادة”.

وبرأي الشاعر خضر، فإن “الكتابة لا يمكن أن ترتقي إلى مستوى حدث من هذا النوع: حرب إبادة.. الكتابة تؤرخ لبعض اللحظات، توثق بعض الجرائم، وبعض المآسي التي يعيشها الناس، يمكن للكتابة الأدبية أن تدخل في مناطق شديدة الخصوصية، في تفاصيل إنسانية مما لا تذكرها عادة الوثائق، كما لا يمكن أن نبحث عن الثورة/ أو عن الحرب في كتاب واحد: رواية/ ديوان شعر/ قصة أو مجموعة قصصية، وغير ذلك… هناك مجموعة كتابات يمكن لها مجتمعة أن تروي جانباً مما يحدث. الثورات والحروب عادة تنتج كتابة لا كاتباً، رواية لا روائياً، شعراً لا شاعراً”.

ويختم الشاعر والناقد خضر الآغا بتأكيده أنه: “حتى الآن لا وجود لمرحلة شعرية جديدة. هناك نصوص متفرقة وكتب متفرقة أنتجت خلال السبع سنوات، ليس من شأنها بعد، التأسيس لمرحلة جديدة. إن الدم السوري فاض على الكتابة وعلى الكتّاب، الكتابة في فيض الدم ترسو إلى القاع كثيراً”.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...