الرئيسية / صفحات سورية / متى تتحول المعارضات السورية إلى معارضة ثورة ..

متى تتحول المعارضات السورية إلى معارضة ثورة ..


د. هدى زين

بعدما دخل حراك الثورة السورية نفقا ضاق فيه المسار وتناقصت فيه المخارج وباتت تُفرض عليه الظروف الموضوعية الخانقة .. أصبحت مسؤولية القوى الذاتية في تفعيل دورها العملي باتخاذ موقف حازم شجاع مقاوم بتجميع شتاتها من أجل إنقاذ مايمكن إنقاذه في لحظة الأزمة التي تبدو أنها انسدادية الطابع ..

لم يعد أمرا خافيا على أحد أن هيستيريا تحرك مراكز القوى الدولية والاقليمية فيما يخص الملف السوري ماهو إلا بدافع السيطرة والنفوذ والتحكم في منطقة تمثل أهميتها الجيوـسياسية والاستراتيجية عاملا حاسما في بلورة شكل الهيمنة وصراع المصالح وتمرير مشاريع الدول المعنية والخوف من أن تفقد هذه الدول أوراق لعبها في هذه المنطقة البركانية .. وإن الحركة المكوكية التي تهرول فيها دول كثيرة في العالم لفرض مصالحها في المنطقة وسرعة تطور الأحداث وتعقدها وازدياد كارثيتها في سوريا تظهر بشكل جلي لالبس فيه أن كل القوى المعنية بالملف السوري: أي أن أمريكا وفرنسا وبريطانيا وروسيا والصين وتركيا وايران واسرائيل والسعودية وقطر لايؤرق لياليها قتل الآلاف من السوريين والتنكيل بهم أفظع تنكيل بقدر ما تؤرقها قضايا أخرى مثل : على يد من يجب أن يسقط النظام ومن سيمسك مفاتيح الحكم في المنطقة بعد سقوطه وإلى أي جهة دولية أو اقليمية ستعلن سوريا الجديدة صداقتها أو حتى ولاءها وكيف يمكن الحصول على أكبر قدر ممكن من التحكم في مستقبل التغيير وأي محور دولي أو اقليمي ستكون له الحصة الأكبر من المكاسب السياسية .. كل هذا يُشترى بدماء الشهداء وبوحشية العنف الذي يمارسه نظام الأسد الذي تحول إلى نظام قاتل دون زيادة أو نقصان .. الجميع يُتاجر بدماء السوريين وبعذاباتهم وآلامهم .. النظام يقتل والأخرون يُتاجرون .. الجميع يهيئ لنفسه مكانا في الساحة السورية يؤمن فيها شيئا من مصالحه ويمضي الوقت بالادانة والعقوبات الفارغة والاجتماعات الهزلية لتقطيع الوقت ريثما تنضج جهوده في إعداد خططه التي فيها مزيج من توجيه الثورة حسب بوصلته الخاصة وليس حسب بوصلة الشعب السوري وبنفس الوقت تمرير الصراع ضد التحالفات المعادية عبر دماء وثورة سوريا .. وهنا نحذر كما قالت يوما روزا لوكسمبرغ : إن انحراف الثورة أكثر خطورة عليها من هزيمتها ..

أمام هذه الحقيقة التي أصبحت لاتحتاج تحليلا عميقا ولاخلفية معرفية شاملة بشؤون السياسة علينا نحن السوريون أن نحزم مواقفنا ورؤانا بجرأة وصراحة مع الذات ومع بعضنا وأن نكون أوفياء لأهداف ثورة شعبنا العظيمة ولدماء أبناء مجتمعنا المثخن بالجراح .. فإما أن نتحمل المسؤولية التاريخية الكبرى التي أوكلها إلينا شعبنا بوطنية خالصة وإما أن نتحمل مسؤوليتنا أمام التاريخ بتسليم الثورة ومصير الشعب لقوى خارجية اقليمية ودولية لايساوي عندها دماء مليون سوري شيئا أمام خسارة مصالحها في المنطقة ..

إذا المعارضة السورية التائهة مرة أخرى …

بقدر مايزداد الوضع الميداني تعقيدا في سوريا بقدر ماتزداد تعقيدات وانقسامات المعارضات السورية .. وبقدر مايزداد التدخل الاقليمي والخارجي في حيثيات المشهد السوري بقدر ماتزداد وضوحا تحالفات وارتهانات المعارضات السورية لهذه الجهة أو تلك .. وكلما ضاق الخناق على شفافية المعارضات السياسية في مواجهة الحاجة الموضوعية لتوحيد ونتظيم حراك المعارضات كلما زادت المزايدات والتعبئات العاطفية ومسابقات تقزيم الاخر للهروب من حالة العجز الحقيقية ومن اتخاذ خطوات سياسية عقلانية واقعية تنتج أفعالا مؤثرة توجه الأحداث نحو المصلحة السورية ..

لم تفهم المعارضات السورية بعد على الصعيد العملي أن نجاح الحراك الثوري لن يؤتي ثماره إذا لم يوازيه حراك جماعي منظَّم مشترك للمعارضة ينظم ويدير الحراك الثوري عبر المسار السياسي .. لم تدرك المعارضات السورية التائهة في مداراتها الضيقة أن دعم الخارج لجهة معارضة دون الأخرى لايمكن أن يكون لمصلحة الشعب السوري وثورته أولا لأن الدعم الموجه والأحادي لايلغي وجود المعارضات الأخرى ولايلغي دورها مهما حُيدت للتهميش وثانيا لأن هذا يعمل على ترسيخ حالة الانقسام في المعارضة التي تسمح لأجندات الدول المعنية بتمرير مشاريعها ومصالحها في المنطقة بسهولة وتطيل بعمر نظام القتل الحاكم الذي يعرف تماما كيف يستفيد من هلامية المعارضة .. وإن الاعتقاد من أي جهة في المعارضة أن هذا الدعم الأحادي لتكتل معارضة دون الاخر يعطيها الحق والقوة في اعتبارها لذاتها أنها الممثل الشرعي الوحيد للشعب هو اعتقاد ينم ليس فقط عن فكر اقصائي في مضمونه وانما عن فقر بفهم طبيعة الأشياء وقوانين تحقيقها لذاتها .. فليس أكثر سذاجة من التصور أن قوة الدعم الاعلامي والمادي وحتى السياسي لجهة معينة من المعارضة تعني الحق في أو القدرة على الغاء دور المعارضات الأخرى في الواقع .. وأكثر منه سذاجة هو الدعوة الإقصائية بانضمام المعارضات المختلفة تحت مظلة أحادية أي إلغاء خصوصيات المعارضات الأخرى والذوبان في الخطاب المطروح من جهة معارضة معينة .. فها نحن نرى اليوم أن نظام الأسد بكل جبروته وطغيانه وشمولية سلطته بعد أكثر من أربعين عاما من منهجة إلغاء الاخر لم يستطع إلغاء الاخر الذي يثور اليوم ضده بمقاومة لامثيل لها ..

إذا وقبل كل شيئ على جميع أطياف المعارضة أي المجلس الوطني وهيئة التنسيق وبقية تشكيلات المعارضة الأخرى والمستقلين أن تقف أمام نفسها وقفة صدق ومسؤولية حقيقية وأن تحاسب نفسها وتعتبرأنها هي بنفسها مسؤولة عن عدم قدرتها حتى اللحظة الراهنة على العمل المشترك مع بقية المعارضات بما يتناسب مع مستوى ماقدمه شعبنا ومستوى ماتتطلبه منا الظروف الموضوعية المعقدة والمتسارعة ..

ثم على جميع أطياف المعارضة وضع رؤية للامكانيات الواقعية الأقل كارثية للخروج من النفق المظلم الذي تقل فيه المنافذ يوما بعد يوم ومن ثم الاتصال بتكتلات المعارضة الأخرى واللقاء بها جميعا دون تعال وتحجر ودون الارتهان لقوى اقليمية أو خارجية .. والعمل الجدي المحموم للوصول إلى اتفاق على مشروع مشترك تُحدد فيه العناوين الأساسية لفترة مابعد سقوط النظام لتجنب الانزلاق في حرب أهلية إن وقعنا بها فستكون جهنمية وحشية ولتجنب استفراد فئة من المعارضة بالسلطة على حساب التشكيلات الأخرى حتى لاينشأ صراع داخلي جديد ضد استبداد جديد .. ولابد أيضا من وضع خطتي عمل مشتركة : الأولى للداخل تكون فيه سندا سياسيا منظما موحَّدا وموحِّدا للشعب السوري االثائر منه والصامت تشكل من خلالها جبهة ميدانية سياسية عريضة لإسقاط النظام والثانية خطة عمل مشتركة لمواجهة دول العالم بخطاب سياسي موحد ورؤية سياسية واضحة ليس فقط لإسقاط النظام وإنما أيضا للقدرة على حماية البلاد من الفوضى والاستبداد بعد سقوطه ..  فإذا استطعنا أن نتعالى على تفاصيل خلافاتنا وأن نضع نصب أعيننا أهداف ثورتنا سنكون أكثر قدرة على تجنيب سوريا لعبة صراع التحالفات بين الشرق والغرب على منطقة الشرق الأوسط عبر سوريا لأننا سنكون أكثر قدرة على خلق قنوات اتصال في كل الاتجاهات مع كل الدول المعادية والصديقة للنظام السوري بحيث نخلق نوعا من التوازن في إنتاج موقف داعم للشعب السوري ومعارضاته بدل منح الفرصة لمحاور دولية لإدارة حروبها مع الاخرين على أرض سوريا وعلى حساب شعبها ..

لم ترتق المعارضات السورية بعد إلى مستوى معارضة ثورة أي معارضة مقاومة .. بل إن بعضها في كثير من الأحيان ـ سواء كان يدري أو لايدري ـ يلعب دور الثورة المضادة ..  فبينما يدير النظام العسكري الأمني في سوريا حربا ضروسا ضد شعبه وتتقاذف أمواج الثورة بين المد العسكري غير المنضبط والجزر السلمي غيرالمدعوم من المعارضة ومن الفئات المترددة غير الفاعلة في الحدث .. تقف المعارضة كآلة محنطة لاتنتج إلا كلاما واتهامات مبعثرة ومزاودات تعبوية وأحيانا مبتذلة همها استقطاب الشارع وتغيب فيها وعنها القضايا المركزية للثورة والتحرك الفعلي من أجل إنجاز المهام الأساسية لتحديد شكل العقد الاجتماعي للدولة السورية المدنية الديمقراطية القادمة وبالتالي تشكيل مبادرة سياسية مشتركة وكبيرة تستطيع أن تكون الوجه السياسي للثورة أمام العالم ولاتقدم للنظام هامش مناورة أرعن على جسر انقساماتها وتشرذم مشروعها الثوري الذي لم تحمله وتتحمل مسؤوليته بعد .. إن لم تستطع المعارضة أن تمسك بزمام المبادرة بسبب تصاعد التدخل الأجنبي وتعقد التطورات في الحقل الميداني وتشابك مصالح الأطراف المتدخلة في الوضع السوري فأقل مايمكن أن تنجزه هو أن لايتولى الخارج وحده سواء كان عربيا أم اقليميا أم دوليا الإمساك بزمام الأمور .. ومما لاشك فيه أن المعارضة لن تكون قادرة عليه إذا ظلت حبيسة قوقعاتها الحزبية أوالائتلافية ورهينة الخارج الذي يدعم بالمال وغيره ..  إضافة إلى أن الانقسام الكبير بين صفوف المعارضة أصبح شرطا ضروريا لتعاظم قوة النظام ومن لامصلحة له بنجاح أهداف الثورة ..

 لابد من تحمل هذه المسؤولية التاريخية الكبرى والكف عن الاستبداد والاستفراد في حق تمثيل الشعب والسفسطة التي لامكان لها في هذه اللحظة الخطيرة .. لابد من إدراك أن مهمة المعارضة هي أثقل وأكبر من أن تكون مجرد تسويق للخطاب السياسي عبر الاعلام .. وعلى الجميع أن يبدأ من نفسه ويدعو الجميع للجلوس على طاولة واحدة بنية وإرادة الاتفاق وليس بنية وارادة المراوغة والخداع والنرجسية والاستعراض .. وإلا فلتضع المعارضة وطنيتها أمام إشارة استفهام كبيرة ..

إن حراك المعارضة لايتقدم إلى الأمام ولايصبح فاعلا ومفيدا إلا بقدر مايكون انعكاسا حقيقيا وليس وهميا أواعلاميا فقط لتطلعات فئات الشعب المتنوعة .. والعمل على تحقيق تطلعات الشعب لايعني تقديس كل مايقال في الشارع أو ترديد كل مايصدر من هتافات أو بيانات من فئات الشعب والمزاودة على تبنيها .. إن نجاح دور المعارضة يتحقق حينما تتحول المعارضة إلى معارضة ثورة أي معارضة مقاومة  وحينما تتحول هذه المعارضة إلى قيادة سياسية ثورية تدفع بالثورة إلى الأمام .. إن نجاح دورها مرتبط ارتباطا وثيقا بتحمل مسؤولياتها الكبيرة هذه وباستنباط آليات نضالها المتنوعة لدفع الثورة إلى الأمام  بشكل مدروس وعقلاني .. وهذه المهمات الصعبة لايمكن تحقيقها أبدا على طريقة المعارضات السورية البائسة .. فما تفعله اليوم معارضاتنا المنهكة من تكرار ذاتها والدوران حول خطابها هو التنافس على الظهور الاعلامي والحج على كعبة كل دولة في العالم و قبول الدعم المالي من هنا وهناك والتسويق الاعلامي والتعبئة الفارغة والتسلق على جدران المنابر وربما بعض الأعمال الاغاثية ..

لقد آن الأوان لهذه المعارضات أن تدرك أن مهماتها تتطلب وعيا ثوريا وصبرا أيوبيا وجهودا جبارة وعملا مشتركا حقيقيا وطرح رؤى ومشاريع محددة لمسائل معينة وليس السباحة في عالم الخطابات الوطنية العامة في فضاءات الاعلام  فحسب .. آن الأوان لأن تعتبر كل تشكيلة معارضة أنها هي ذاتها المسؤولة عن هذا الانبطاح السياسي والتخشب النرجسي وأن لاتعتبر أن المعارضات الأخرى وحدها المسؤولة عن ذلك .. آن الأوان لتطرح المعارضة السؤال على نفسها : ماذا فعلت من خطوات عملية لتنظيم ودعم الحراك الثوري في الداخل .. ماهي الاليات التي يجب طرحها مع المعارضات الاخرى لضبط ومركزية المجموعات المسلحة ذات المرجعيات المختلفة والقيادات المختلفة التي بدأت تنتشر والتي لاتنتمي جميعها الى مظلة الجيش الحر الذي يحتاج بدوره الى موقف واضح ومحدد من المعارضات السورية .. ماهي الخطوات العملية التي يجب إعدادها لسد الفراغ الأمني والعسكري والاقتصادي الخ بعد سقوط النظام أي كيف نوظف كفاءاتنا وطاقات أبناء شعبنا استعدادا لهذه الفترة حتى نتجنب انهيار كيان الدولة ..

 إن معارضة المقاومة ليست جعجعة وبعبعة وبيعا وشراء .. إنها تنظيم وعقلنة وإدارة للعمل النضالي والحراك الثوري الذي لايمكن له أن ينجح بدون التخطيط الدقيق له وتطويره وإنضاج خطواته حتى لايصل إلى مرحلة الانسداد .. وتفعيل دور معارضة المقاومة هذا لاعلاقة له بالاعلام والدعاية والتعبئة وإنما بوعي عميق مسؤول مدرك لحجم المسؤوليات التي تقع على المعارضة وعلى العمل الجماعي المشترك بين أطياف المعارضة المختلفة  .. وهذا يتطلب بدوره حسا وطنيا عاليا ووعيا ثوريا حقيقيا وإرادة جريئة قادرة على أخذ قرار حاسم من أجل البدء في العمل العملي من أجل شعب لايستحق من معارضاته التائهة حتى الآن إلا أن يحظى بمعارضة مقاومة ..

فأين أنتم يامعارضات سورية من قاموس معارضة مقاومة ..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...