الرئيسية / صفحات الثقافة / متى كان القاتل يساوي وطناً، وهو أرخص ما في الدنيا !

متى كان القاتل يساوي وطناً، وهو أرخص ما في الدنيا !


محمد كتيلة

ما أتفه الحياة وما أبشعها وأنت تعيش عيشة الكلاب الشاردة في غبش البعيد البعيد وعلى صدى ظل موت لا يرحم .. وما أشقاك حين ترخص الوطن بالسكوت مما ترى وتسمع من فظائع وأهوال وبالصمت المقيت، دفاعاً عن هشاشتك ومهزلة  الحياة.. إكتمل المشهد المأساوي وسال دم، وتعفرت وجوه آدمية بالتراب وصلصال الأرض، توارت جثث في حدائق البيوت وبين الرموش والعيون، وعلى شرفات القلوب المهجورة، واختفت أخرى في الضواحي وعلى أطراف النواحي والمدن النائمة على أنقاضها والأحزان، وأنت لا أنت ولا كأنك ولا إنتماء ولا هوية ولا خجل ولا ندم ولا مروءة ولا شرف… لديك من الجبن الكثير، تدفن قرفك في خوفك وتدعي النزاهة والحياد… من هؤلاء ومن هذه الجموع من الضحايا، ومتى كان القاتل يساوي وطناً وهو أرخص ما في الدنيا، وأين هو الآن من متاهة وجعلكة الوطن… أتنتظر نهاية الدمار لتعلن إنتصارك على الخوف، وبأي قلب ستمشي في شوارع الخراب، المشتعلة بدم الأبرياء…وبأي إسم ستحفر إسمك المزيف على أعمدة الشهداء الواصلة إلى سقف السماء؟

يخرجون قبل الضوء،الجريح، وعند سفوح الفجر، وبعد الوضوء وبعد الصلاة وبالدم يشتعلون..من الوقت الضائع في زحمة الموت وانحباس الزمن يخرجون،  فرادى وجماعات وأقارب وأصدقاء وجيران وعائلات وموتى وجرحى ومزق أطفال وبقايا جثث وأشلاء متفحمة، وقد لا يخرجون ويقضي عليهم الدمار الوحشي، ويغتسلون بالأنقاض وينامون على صحارى الليل والأوجاع المتراكمة، ويصبحون على الموت، وينصهرون مع الغبار والشظايا وأنفاق الأدخنة السوداء والحمراء… فمن أنت أيها القاتل المتواري في ثياب الصمت والحداد، ومن هم هؤلاء القتلى الذين يغطون وجه الوطن ؟؟؟

يا لهذا الشقاء المر والعنيد، لا يأبه لطفل ولا يعترف بأحد.. يا لصوت العدم الكامن فيه.. تباً للقاتل السافل الغبي، الذي يقضي على كل ما في الوطن من أحياء وطبيعة وأشياء، لأجل تمجيد عنجهية خرقاء، وتخليد العبث في بعثرة المصائر ببث الرعب ونشر الفوضى ليل نهار وبلا توقف وعلى نفس واحد، وفي تقليب البيوت على أهاليها، وفي تقريب المسافة الرمادية الباهتة بين الموت والنهاية !!

يا لقاتل يفتنه خراب المدن ويطرب في تقليب جثث الضحايا وانتقاء ما يصلح منها، واصطحابها كرهائن ينتفع منها، وهل شهد التاريخ أفظع وأقسى من ذلك.. تباً للقاتل اللئيم الذي يولم الوطن بالمذابح  والمجازر، وتباً لمن يرى ما يرى ويكذب الضحية ويخاف منها ويبتعد عنها ولا يقرف أو يخجل من القاتل ..

سنترك لكم هذه المذابح كساريات لإنتصار العدم، كلوحات لخلود الوهم ونعلقها على الهواء الرخو، فارفعوها إلى أعلى مقام، ولتشرعوا في تزيين الأعلام وتنظيفها من النجوم وشارات النصر والمجد والرفعة والسؤدد… آن لكم أن تدفنوا الضمير وتعلنوا الحداد العالمي على مقتل الإنسانية ونحرها… الضحايا تدفن بصمت وتقتل بصمت وتحرق وتمزق ويعاد نصبها  آلاف المرات على مقدساتكم ونظريات الجنون، فأعدوا ما استطعتم من الكلام الفارغ كي يليق بالجنازة وأهل الضحايا، صافحوهم عن بعد، أوقفوا الأغاني وكمموا أفواه آلات التصوير، فاالمجازر التي لا تخطر على بال أي وحش آدمي، بلغت مداها، والقسوة في نحر الأبرياء وصلت إلى منتهاها وأقساها، إلى الحد الذي لا ترغبون ولا تشتهون.. عودوا إلى بيوتكم والفراغ الوحشي، لا تكذبوا على أطفالكم، قولوا لهم الحقيقة كلها، لا تنقصوا منها طفل ذبيح ولا صدر أم دفنت في الريح، بانتظار أن يعودوا أطفالها من المذبحة أو المقبرة،أو من شوارع الحداد… آن لكم أن تغلقوا النوافذ التي ينفذ منها دم الأبرياء ليدعوكم لزيارة عاجلة أو للوقوف على أطلال الجريمة… لا تخفوا عن أطفالكم أسماء من ذبحوا ولا من شردوا ولا من طردوا من أيامهم التي غيبها الدمار، ومن أعمارهم التي ألغيت من دفاترالحياة، لا تنزعجوا من أطفالكم ولا تقلقوا إن لاحقتهم الكوابيس في وضح النهار ومن بدء تفتح الصباحات المغسولة بالدم وأصوات القذائف والعويل والفقد واليتم وعدم الفهم والتباس المعنى، إمنعوهم من الذهاب إلى مدارس البعث والموت، واغلقوا شاشات الحواسيب والتلفزيون، وأبلغوهم كأوامر عسكرية، بألا يلتفتوا لجثة مطروحة على الرصيف أو ملقاة على أفاريز النوافذ أو قرب مداخل البنايات والأزقة، وأن يغضوا النظر عن الجثث التي تنام كل الوقت في الشوارع وتكدس وتكنس وترحل مع النفايات،  وأن لا يلتقوا بجريح أو مستغيث، وامنعوهم من الإختلاط باليتامى والشهداء الذاهبين إلى الله من أول الصحو، ومن لا يجد مأوى إلا في الظلام وتحت الأدراج وبين الأنقاض، ومن أضاع الأهل وفقد نعمة الكلام وحتى الصراخ، حذروهم بألا يستمعوا لجارة أو لصبية دائخة تصرخ ماقبل الإغتصاب وما بعد نهش الجسد وأنين العذاب، أو لقريب أوصديق، يطلب كش الذباب عن جسده المتعفن وروحه المتآكلة، أو لغريب يستنجد بالهواء، أخرسوهم ما شئتم، وجربوا أن تعطوهم أقلام الرصاص والدفاتر وكتب التاريخ القديمة،  ليدافعوا عن أنفسهم إذا ما تعرضوا لقصف عشوائي أو لمطر الصواريخ والقذائف العمياء … لكن ومهما تواريتم ومهما حاولتم، لن تستطيعوا أن تمحوا وجه الوحش الدميم، من عيون أطفالكم المتطلعة برعب للجهة التي سيأتي منها النهار، نهارالخلاص .

كاتب فلسطيني يقيم في كندا

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...