الرئيسية / صفحات الثقافة / متى يسرق الأدباء؟/ عباس بيضون

متى يسرق الأدباء؟/ عباس بيضون

 

تثور من حين إلى حين فضيحة، تدور حول سرقة منسوبة إلى أديب سطا على أدب آخر. مثل هذه الفضيحة إن صحت تسميتها كذلك تغذي سوقاً تجتذبها الفضائح من أي لون كانت، وهي في العادة تقبلها كما هي وتنشرها كما هي. الفضيحة من هذا النوع مثلها مثل النميمة تتداول كيفما كانت واينما كانت. أن يسرق أديب أديباً آخر تؤخذ على انها بحت سرقة. لقد امتدت يد جانية إلى نتاج متروك وأخذت منه جزءا حراماً، أي ان الأمر لا يعدو أن يكون بحت سرقة، إزاء أمر كهذا يكثر القول عن دراية وعن غير دراية، ويتناقل الناس الخبر عن علم وعن غير علم، تعم الشكاية ويصرخ المجني عليه، أو من يحسب نفسه مجنيا عليه، متظلما مطالباً بالحماية ويتداول الخبر أهل حكي ونميمة وأخبار، غالبا لا يدقق أحد في المسألة ولا ينخلها أو يروزها فشأن الفضيحة دويها وضجتها، وليس لها عيار أو ميزان. السرقة الأدبية سرقة ككل السرقات ومن يخوضون فيها لا يفرقونها عن أي سرقة أخرى إلا بأن للعين هذه المرة ممن يفترض فيهم النزاهة والأمانة وقد خانهما. أما كيف كان ذلك وكيف تم وبأي مقياس وأي عيار جرى تعيينه، فهذه أمور لا تهم أحداً.

حين نتكلم عن سرقة أدبية لا تخطر لنا إلا انها سرقة، والأرجح أن العرب في قديمهم كانوا مفرطي الحساسية تجاه أمر كهذا، طالما قيل أن فلان أخذ البيت الفلاني عن هذا او ذاك، وأن في هذا سرقة واضحة. طالما درج هذا في نقد الشعر، هذا بيت أخذه فلان عن فلان فلا فضل له فيه ولا يد ولا مأثرة، انه سرقة خالصة، كان هذا أساس علم كامل خاض فيه الكثير وتواتر هذا من عصر إلى عصر حتى وصل إلى عصرنا. بين العامليين من كان مختصا بذلك وقد نشرت مجلة العرفان في حينها مقالات كثيرة عما أخذه المتأخرون من المتقدمين. غير أن العرب هم القائلون على لسان الجاحظ أن المعاني مطروحة في الطريق يتتابع عليها الناس جميعاً، وأن الفضل هو في الصياغة وتخريج المعنى في كلام وألفاظ، إذا كانت المعاني فعلا مطروحة في الطريق فإن أحداً لا يأخذ من أحد، المعاني ليست ملكا خاصاً وإنما هي ملك شائع ومتاح مباح للجميع، فلا عبرة إن وقع معنى على معنى ولا عبرة إن ورد في قصيدة بيت ينسج على غرار آخر، والنسج هنا ليس موكولاً إلى اللفظ وانما هو في المعنى. كأنما الشاعر العربي يجد أن ثمة معاني معدودة محصاة تتوارد في الشعر وتتواتر فيه، وأن هذه المعاني ملك عام لا يخص أحداً ولا ينسب إلى أحد. انما هي معان مكرورة، للمديح أركانه ومعانيه وللوصف أركانه ومعانيه وهذان ركنا الشعر إلا أن للهجاء أيضاً أركانه ومعانيه وان تكن هذه غير مقيدة بالصرامة نفسها، وهي بذلك أقل حصراً وأقل فرضاً، فلا شك أن الهجاء أكثر تحرراً وأقل إلزاماً. المديح والوصف هما ركن الشعر الرسمي الذي وظيفته كانت بلاطيه، وكونها بلاطيه فإنها تشمل المديح وقفاه الرثاء اللذين يضمان أخلاطاً من الوصف، وربما اشتمل المدح على الغزل. ذلك لا يمنع أن للوصف أيضاً غرضه المفرد والمستقل أحياناً، كما أن للغزل أيضاً غرضه المفرد والمستقل الا ان ذلك يستوجب ان يُنزعا من منظومة الشعر الرسمي البلاطي، وان ينزلا بذلك إلى ثانوية واضحة، وان تكون لهما إبان ذلك درجة أعلى من الفردية والتحرر، لكن الهجاء كان بالطبع لعبة الشعر وملهاه الأثير، كان الهجاء بذلك مدار الشعبية واللعب والابتكار والتحرر.

لسنا هنا لنناقش قول الجاحظ، المعاني مطروحة في الطريق فوراء كلام الجاحظ منظومة من القيم لا من المعاني. ومرد هذه المنظومة هو المديح البلاطي، فالكرم والشجاعة ركنا المديح البلاطي ليسا معنيين وانما هما غرضان، والشعر يولد معانيه الخاصة التي هي أكثر من تشابيه ومن نعوت، وانما هي حقائق وانصاف حقائق تسطع من اشتباك الفكر بالتجربة باللغة، وتبدو كأنها وقائع الشعر وحقائقه. مثل هذه المعاني تستولد ولا تؤخذ فالمستوى الذي تنشأ منه يبرق ولا يتكرر برقه. يبرق في موضعه ويتجاوز مصادره جميعاً أي الذات والتجربة الخاصة واللغة. في الشعر العربي الكثير من هذه المعاني لكن ما فهمه الجاحظ من المعاني هو القيم والتشابيه ولم يخطر له أن الشعر يولد معانيه التي هي بنت تجربته المتشابكة.

بيد أن السرقة الأدبية نفسها مفهوم ينبغي أن نعرضه على التدقيق. طالما ثارت فضائح بهذا الصدد لكننا لا نعرف كتابا ثبت أنه مسروق. النص الأدبي ليس متاعاً ليسرق وليس شيئاً متعيناً فينقل. النص الأدبي هو اضغاث وتوهمات وسرابات وتقاطعات وليس بهذا المعنى شيئاً بقدر ما هو بحث عن الشيء. ليس النص الأدبي خبراً أو صوغاً أو تخيلاً أو لغة، انه كل هذه مجتمعة أو كل هذه متشابكة متدامجة فماذا يسرق اللص من كل هذه المنظومة. يسرق كلمة أو صورة او استعارة أو كتابة وماذا يفعل بها إذا فرزها وأفردها عن الجسم المتدامج الذي تعنى شيئاً فيه ولا تعنيه إلا فيه ولا تكونه إلا فيه. إذا كان الأمر كذلك فما بال السرقة الأدبية تقض مضاجعنا وهي في الغالب من اضغاث القراءات ومن لواحقها.

السفير

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...