مثال مشرقي

 


ساطع نور الدين

الثورة السورية تتطور وتكتسب زخماً إضافياً يوماً بعد يوم، وتسقط معها خرافات راجت منذ اللحظة الاولى لخروج الاشقاء السوريين الى الشوارع، وأهمها ان التغيير في دمشق، سيولد زلزالا مدمرا يضرب المشرق العربي كله، وتمتد آثاره الى الاناضول وبلاد فارس، وقد يتسبب بموجات تسونامي تجرف سواحل معظم الدول المطلة على البحر المتوسط، وتؤدي الى تعديلات جذرية على الخريطة الجغرافية – السياسية للعالم القديم كله.

الثورة تتصاعد وهي تشطب كل يوم أساطير شاعت عن المؤامرة الخارجية والدول العربية والاجنبية المشاركة فيها، وعن الجهات الداخلية التي كادت تبدو كأنها ميليشيات علنية مسلحة، أو خلايا سرية نائمة استفاقت فجأة لحظة الاحتجاج الشعبي الاول في مطلع آذار الماضي.. فإذا بالمشهد السوري يستعيد صوراً تونسية ومصرية عن نظام مغلق يستخدم القوة لكي يموّه خوفه، وشارع مضطرب يبحث عن آليات لتنظيم نفسه وتشكيل قيادته.

الثورة تحشد المزيد من المؤيدين، والنظام يخسر المزيد من المريدين. والصراع يقترب بسرعة لم يتوقعها الجانبان من مرحلة الحسم.. لكن المشرق العربي والعالم القديم لا يبدو متوتراً الى الحد الذي تكهن به كثيرون، ولا يبدو قلقا الى درجة إعلان الاستنفار على الحدود بين دوله .. التي تعيش في معظمها حالة من الترقب لما سيحصل في دمشق في الايام والاسابيع المقبلة، وما يمكن ان يفيض خارج الحدود السورية وهو لن يتعدى حسب التقديرات ما تفرضه الكوارث الطبيعية على سبيل المثال.

لبنان مثله مثل العراق والاردن وفلسطين وتركيا وايران التي تتابع دورة حياتها العادية ومواجهة أزماتها التقليدية، التي لا يمكن ان تنسب الى سوريا وحدها كما لا يمكن أن ترتبط بها دون غيرها.. مع ان النموذج اللبناني قد لا يكون صالحا لمثل هذه القراءة للحدث السوري التاريخي، لان الغالبية من اللبنانيين تترقب أن يؤدي أي تغيير في دمشق الى هزة قوية في بيروت، تضرب جميع التوازنات التي أرسيت منذ ان دخل الجيش السوري الى لبنان في مثل هذه الايام من العام 1976.

وهذا التقدير الذي يسهم في حالة من التربص المتبادل بين الطوائف اللبنانية، مبالغ به الى حد بعيد، وهو لا يقيس بدقة مستوى القلق الطبيعي التركي أو العراقي أو الاردني أو حتى الفلسطيني والايراني مما يجري في سوريا.. وهو قلق مشروع لن يؤدي طبعا الى حروب اقليمية كما أشيع، أو الى اضطراب إضافي في العلاقات بين الاعراق والطوائف والمذاهب في تلك الدول، بل ربما أدى الى العكس تماما، ما يمكن ان يسهم لاحقا بأن تصبح التجربة السياسية السورية المقبلة، والمتقدمة حتما على الفضيحة السورية الراهنة، مثالا للمشرق العربي بأسره.

أدق ما يمكن ان يقال الآن هو ان الثورة السورية ستحرر سوريا ولبنان معا. ومثلما ستسفر في نهاية مطافها عن عقد وطني جديد بين مكونات المجتمع السوري، كذلك ستنتج عقدا وطنيا مختلفا بين الطوائف اللبنانية، يقوم على تواضع الموارنة وتعقل الشيعة وهدوء السنة، وحياد بقية الاقليات.

السفير

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...