الرئيسية / صفحات سورية / محرّكات الأزمة السورية/ محمد سيد رصاص

محرّكات الأزمة السورية/ محمد سيد رصاص

 

 

حصل استعصاء سوري بعد قليل من نشوب الحراك المعارض البادئ من درعا يوم 18 آذار (مارس) 2011، تمثل بعدم قدرة النظام على هزيمة الحراك، خلافاً لما حصل في أحداث 1979-1982 ضد جماعة الاخوان المسلمين، وبعدم قدرة «الحراك المعارض» على هزيمة النظام من جهة أخرى، وثالثاً بعدم قدرتهما على الوصول إلى تسوية. هذا الاستعصاء أنشأ «الأزمة السورية». حتى يوم 18 آب (أغسطس) 2011 عندما طالب باراك أوباما الرئيس السوري بالتنحي، كانت الأزمة السورية ضمن الإطار المحلي. ولوحظ في ذلك الشهر انتقال أنقرة إلى القطيعة أيضاً، مثل واشنطن، مع دمشق، وكذلك الرياض والدوحة، فيما كانت باريس قد سبقتهم جميعاً منذ تموز (يوليو).

في أيلول (سبتمبر)2011 طرحت مسودة لـ «المبادرة العربية» وتبناها مجلس وزراء خارجية الجامعة يوم 2 تشرين الثاني (نوفمبر). وفي 22 كانون الثاني (يناير) 2012 وُلدت «المبادرة العربية الثانية»، وفيها نص على «تفويض رئيس الجمهورية نائبه الأول بصلاحيات كاملة للقيام بالتعاون التام مع حكومة الوحدة الوطنية لتمكينها من أداء واجباتها في المرحلة الانتقالية»، فيما كانت المبادرة الأولى تقول بـ «تشكيل حكومة وحدة وطنية ائتلافية برئاسة رئيس حكومة يكون مقبولاً من قوى المعارضة، وتعمل مع الرئيس».

كان الفيتو الروسي- الصيني في مجلس الأمن الدولي يوم 4 تشرين الأول (أكتوبر) 2011 قد أعطى ملامح أولى لتدويل الأزمة السورية وملامح الجدار الذي سيرتطم فيه التعريب، قبل أن يؤدي الفيتو الروسي- الصيني الثاني يوم 4 شباط (فبراير) 2012 ضد مبادرة 22 كانون الثاني المحمولة إلى نيويورك إلى موت التعريب. كانت خطة كوفي أنان، المتبناة في البيان الرئاسي لمجلس الأمن يوم 21 آذار (مارس) 2012 والقراران 2042 و2043 في نيسان (أبريل) اعلاناً لبدء التدويل، ليتكرس هذا في بيان جنيف1 الصادر يوم 30 حزيران (يونيو) 2012 عن اجتماع «مجموعة العمل من أجل سورية» من دون حضور السوريين، ومن دون حضور طرفين فاعلين على الصعيد الإقليمي في الأزمة، أي إيران والسعودية، مع غياب لافت لمصر.

أوحى هذا المجرى بين درعا 2011 وجنيف 2012 بأن تدويل الأزمة تخطى سورنتها وتعريبها. كان فشل السورنة ناتجاً عن فشل السوريين في التلاقي على تسوية أو عن عدم قدرة أحد طرفي النزاع على حسمه لمصلحته. لم يستطع التعريب العوم في بحر الأزمة السورية ما دامت موسكو ألقت بثقلها منذ الفيتو الأول وما دامت أنقرة وطهران أثبتتا فاعلية استقطابية في الأزمة السورية فاقت كل الأطراف العربية الأخرى في بحر العام 2011. ولم يستطع الإقليمي إطلاق رصاصة الرحمة على التعريب بل كان هذا عبر موسكو في مجلس الأمن يوم 4 شباط (فبراير) 2012، وإن كانت فاعلية الاقليمي الراجحة في الأزمة قياساً بالأطراف العربية الفاعلة قد ساعدت الروس في ذلك. وفي نيسان (أبريل) 2012 قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، أثناء اجتماع مع وفد «هيئة التنسيق» في العاصمة الروسية، إن «روسيا تدافع عن موسكو في دمشق».

هنا، كان «بيان جنيف1» إطاراً حدّد سقف الأزمة السورية وحدودها ومآلاتها، وهو عملياً كان حصيلة فعلية للتوازن الأميركي- الروسي الذي نجحت موسكو للمرة الأولى منذ انتهاء الحرب الباردة في تحقيقه أمام واشنطن في أزمة كانت مكثِّفاً كبيراً للعوامل الدولية والإقليمية. ولم تكن محركات تنفيذ «بيان جنيف1» قائمة آنذاك، بل وُضعت فيه المحددات والسقوف والمآلات فقط، ليكون أقرب إلى إعلان نوايا أميركي- روسي، أو تفاهم ثنائي، تجاه أزمة «ما». ربما كان هذا ناتجاً عندهما عن إحساس بتداعيات هذه الأزمة إن تطورت في مسارات لا يريدانها، ومن الأرجح في هذا الصدد أن «بيان جنيف1» في مقاصده وفي طريقة صياغته الملتبسة، هو أقرب إلى القرار242 الصادر عن مجلس الأمن في 22 تشرين الثاني (نفمبر) 1967، لتنظيم تسوية الصراع العربي- الإسرائيلي بعد أشهر قليلة من حرب 1967، فقد أنشأ حالة سماها محمد حسنين هيكل «اللاسلم واللاحرب».

في صيف 2012 لم يحظَ «بيان جنيف1» سوى بقبول النظام السوري ولم يكن أحد من المعارضين قابلاً به سوى «هيئة التنسيق»، فيما رفضته كل الأطراف الإقليمية الفاعلة على اختلاف مواقعها. ولجأ معظم المعارضين السوريين إلى تشجيع خيار «العنف المعارض» أو تبنيه أو ممارسته. وجاء تفعيل البيان عبر لقاء موسكو يوم 7 أيار (مايو) 2013 بين وزيري الخارجية الأميركي والروسي. وكان لافتاً أن حل أزمة الكيماوي السوري أتى عبر الثنائية الأميركية- الروسية وقاد بعد أسبوعين إلى القرار2118 يوم 27 أيلول (سبتمبر) الذي مزج بين الكيماوي و «بيان جنيف1».

وفتح القرار 2118 الطريق نحو «جنيف 2» الذي تمتع برافعة دولية، كما أن موته كان أيضاً بسبب دولي تمثل بالتصادم الأميركي– الروسي الحاصل منذ 21 شباط (فبراير) 2014 عندما أُسقط الرئيس الأوكراني فيكتور يانوكوفيتش الموالي لموسكو على أيدي قوى محلية موالية للغرب الأميركي- الأوروبي.

خلال أربعة عشر شهراً وضع «بيان جنيف1» في الثلاجة. تم تحريك النار تحت طنجرته في الفترة الواقعة بعد اتفاق لوزان الموقع في 2 نيسان (أبريل) 2015 بين مجموعة 5+1 وطهران حول الملف النووي.

السؤال: هل كل هذا يشكل محركات كافية لتحريك الأزمة السورية نحو الحل في جنيف3 عبر «بيان جنيف1» أم لا؟

* كاتب سوري

الحياة

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...