الرئيسية / صفحات الثقافة / محكومون بالتكرار/ باسم النبريص

محكومون بالتكرار/ باسم النبريص

 

 

شيء قاهر يدفعني للخروج من البيت، كل ثلاثة أيام. مرة واحدة صمدت أسبوعاً كاملاً، ثم بعدها احتجت إلى المشي اليومي، لأبرأ من تيبّس الظهر والرقبة. أخرج إلى الحياة بحذر من يهبط درجاً في العتم.

أفكر فيمن سبقوني وأهمس: لو كانوا واثقين بأنفسهم قليلاً ما استبدلوا حيواتهم بالكتابة. أصل الباب وأخطو أمتاراً فإذا كلبان يتشمّمان العواميد القصيرة أمام البناية، وصاحبتهما الشابة تدخن. أقول لنفسي: محظوظ من له روتين يومي فهذا يعني بعض الثقة بالعالم. ثم ألاحظ أن نزهة الكلب الصباحية، لا يقوم بها إلا المتقاعدون. أما المسائية، فلأصحاب الوظائف غالباً.

أفكر أن جاري في الأعلى، لا هو من هؤلاء ولا أولئك. فهو يترك الكلب مسجوناً في الشرفة، فيبول هذا على شرفة بيتنا.

مُساكنتي الإسبانية تقول “معلش”. وتغسل بول الكلب كلما وجدت بللاً على البلاط، أو رائحة. تقول إنه حيوان مسكين ولا بد أن يقضي حاجته.

أقول لها: كلّمي صاحبه، فهذا لا يجوز. تغض هي الطرف، ولا أعود أنا للتمتع بالشرفة أبداً.

شيء قاهر يناديني لأخرج. فقد بلوت من قبل وحدة الوقوف بالشرفة ومراقبة حيّز كبير من العالم. أما الآن فماذا أفعل في سجن الغرفة المقبض، وليس قدّام شباكها الوحيد إلا مستطيل إسمنتي به الغسالة والمنشر وأدوات التنظيف؟

أخرج، وأخرج، لا لألبي نداء المدينة، فلم تعد هذه ولا غيرها ينادي. بعد خمس سنوات، انتهت الدهشة وغاض الانبهار بكل جديد.

صار زمني الداخلي يحكمني لا الخارج. وبما أنه كذلك فهو محكوم بالماضي أكثر منه محكوماً بالحاضر والمستقبل.

تعودني على نحو غامض الآن كلمات من “فقهاء الظلام”، عن الإنسان وحياته القصيرة المحكومة فعلياً بالتكرار وليس بالأمل كما زعمَ المرحوم سعد الله.

أفكّر أن الكاتب أكثر من الجميع محكوم بالتكرار حتى يموت. فماذا لديه غير غرفة ومكتب وحاسوب وكلمات ترخي قيادها حيناً وتشمُس أغلب الأحيان؟

والعجيب أن معظم كتابنا يواصلون جهاد التحبير حتى النفس الأخير أو ما قبله. لا يمنعهم إلا مرض أو سفر.

أفكّر أن الاستثناء الوحيد كان الطيب صالح رحمه الله. تقاعد، لأن الكتابة تحتاج إلى بهدلة، وهو غير مستعد أن يتبهدل في سن الأربعين هذه.

أفكر متى يتقاعد جاري العُلوي عن لا مبالاته بالكلب، فأعود إلى الشرفة لأرى وأستمتع بذلك المشهد الواسع نسبياً من العالم؟ الجبل هناك، وتلك الأرزات النافرات أعلى السفح، كأنهن الموكلات بحراسة الأفق؟

لو تقاعد جاري، وعدت للشرفة، لربما أطيل مكوثي في البيت لأربعة أيام. ذلك أنه ما من جديد في ناظري، وقد صار القُرْب حجاباً.

أفكر في الرحلة كلها، ويتأكّلني الندم. كان المفروض أن أعيش أكثر وأكتب أقل. فقد فلتت أشياء كثيرة من يديّ، تينك اللتين انشغلتا بالحروف، وتركتا الظروف من حولهما تسير كما يحلو لها.

أفكر في ماركيز: “أكتب لأُفرح أصدقائي”. يبدو الرجل إيثارياً كيسوع مزيّف، بينما لو قال: لأُفرح عائلتي، لكان جوابه معقولاً أكثر.

أفكر في عائلتي وكم ظلمهم انشغالي. وأقول إن على الواحد منذ اليوم أن يكف عن الطمع في مزيد من الكلمات. وأن يُكثر من الخروج والتواصل مع ملح الأرض.

لكنني أعرف نفسي، فهي مجرد أمنية وليست قراراً. ألم يقل سليم بركات إننا محكومون بالتكرار؟

* شاعر فلسطيني مقيم في برشلونة

العربي الجديد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قصيدة لبابلو نيرودا

    أستطيع كتابة الأبيات الأكثر حزناً هذا المساء أكتب مثلا: “هذة الليلة مليئة بالنجوم، ...