الرئيسية / كتاب الانتفاضة / أنور بدر / محنة الأيديولوجيا: المثقف السوري المتعالي..والهوة بين الشارع والنخب

محنة الأيديولوجيا: المثقف السوري المتعالي..والهوة بين الشارع والنخب


أنور بدر

سأعود إلى سنوات السجن الأولى التي مضى عليها ربع قرن ونيف من الزمن، حين كان السجن مساحة لكل أطياف الوطن وتلويناته الجغرافية والإثنية والدينية، بل وما هو أكثر من ذلك أيضاً، فقمع النظام القومي لحزب البعث الحاكم يتسع أيضا للوجود العربي المجاور تحديدا والذي يتماهى مع تعبير المنطقة باللغة السياسية، حيث اكتشفنا في هذه المساحة التباس الهوية السورية إن لم يكن غيابها لصالح ما يمكن أن نطلق عليه مصطلح الجهويات وفق تعبير أخوتنا المغاربة.

ففي هذه المساحة ينحاز أبناء حوران وجنوب سورية إلى أي سجين قادم من الأردن، بغض النظر عن انتمائه الحزبي أو الأيديولوجي، وتبدو هذه الصورة أشد حضورا فيما يتعلق بالعلاقة بين العراقيين وأبناء المناطق الشرقية، حيث اللهجة واللباس والعادات والتقاليد وحتى الفلكلور الغنائي، ولن أجانب الصواب إن تحدثت عن العلاقة التي تجمع أي لبناني بأبناء الساحل السوري ابتداء بعلاقتهم مع صوت فيروز وامتدادا إلى التبولة والكثير من المظاهر الثقافية والفلكلورية أيضا، ومن باب المعاملة بالمثل نقول بأن أي سجين من حلب وريفها تحديدا كان يبدي استعداده لاستقبال أي سجين وافد من تركيا وحتى استضافته بما تيسر من مأكولات المطبخ الحلبي الذي ينتسب لجده العثماني، انتسابا تعززه غزارة المفردات التركية الأصل في اللهجة الحلبية الدارجة أو العامية، وتبقى العاصمة دمشق ووسط سورية الذي تمثله عموما محافظتا حمص وحماة دون أي امتدادات إقليمية.

هذه الحقيقة الجهوية كانت من القوة بحيث نجحت كثيرا في تخطي المعتقدات الدينية والخلفيات المذهبية، ونجحت أكثر في تخطي الانتماءات الحزبية والسياسية، لنكتشف ضبابية الشعارات القومية لحزب البعث الحاكم الذي أهمل أهم وظائف الدولة الحديثة في تأكيد هويتها المجتمعية، خاصة وأن تقسيمات سايكس بيكو التي صنعت الحدود السياسية لدول المنطقة بدايات القرن المنصرم لم تكن معنية أصلاً بالبحث عن تلك الهوية أو تأكيدها.

أهملت دولة البعث الهوية السورية باعتبارها تعبيرا عن الوجود المجتمعي الحديث لكتلة بشرية ضمن حدود ودولة ذات سيادة وعلم ونشيد وطني، كما أهملت كل التفاصيل الصغيرة لتلك المكونات المجتمعية وتلويناتها المذهبية والإثنية لصالح أيديولوجيا قومية تتجاوز حدود الأرض/ الوطن، وتتجاوز حدود الشعب/ السكان، كما تتجاوز حدود الدولة/ السيادة. وبالتالي غاب مفهوم العقد الاجتماعي بين الدولة/ السيادة أو السلطة وبين الشعب/ السكان، ذلك العقد الذي ينتج المواطن ومفهوم المواطنة.

هذه الأيديولوجيا أنتجت نوعا من المثقفين السوريين الذين توزعوا بين ولاءات طوباوية خارج حدود الزمان والمكان، وبين ولاءات حزبية وسياسية لا تكترث أيضا بشرطي الزمان والمكان. بغض النظر عن مسمياتهم الحزبية وولاءاتهم ما بين السلطة والمعارضة، فالأيديولوجيا القومية لحزب البعث الحاكم خرج من رحمها أكثر من بعث وأكثر من مسمى حزبي، ولهذا نجد أن الكثير من الأحزاب المعارضة حاليا للسلطة السياسية لا تستطيع أن تتقبل فكرة الدولة السورية بدون إضافة العربية إلى تلك التسمية، رغم اضطرارها للتحالف مع أكثر من حزب كردي أو آشوري في خضم الأزمة الراهنة. وبذات المستوى يمنع قانون الأحزاب الجديد في سورية تشكيل أي حزب سياسي على أساس العرق أو الدين، فيما يحتفظ لنفسه بامتياز التعبير عن القومية العربية.

مع أن هذا الامتياز يصطدم بغياب التطابق بين حدود الأيديولوجيا القومية وحدود الدولة السياسية، مما يحيل تلك الأيديولوجيا إلى طوباوية تتمسك بشعار الوحدة العربية أكثر مما تعيش تناقضاتها المجتمعية الصغيرة والكبيرة، وبشكل خاص بعدما فشلت كل المحاولات التوحيدية في تاريخنا المعاصر، فكانت أيديولوجيا الممانعة حاملا تعويضيا لحزب خرج عن ثوابته القومية وهو يدخل دهاليز التحالفات السياسية مع إيران في وجه العراق وفي وجه النطاقات العربية الأخرى، تلك الممانعة التي لم تستطع الوصول إلى حدود الفعل السياسي، غير أن أحد ميزات الأيديولوجيا أي أيديولوجيا، تكمن في قدرتها على البقاء والنمو داخل الرحم الأيديولوجي النظري لها. وهنا تظهر محنة المثقف الأيديولوجي الذي يعيش أقوى لحظات النوستالجيا إلى ذلك الرحم الأيديولوجي الذي عصفت به تيارات الثورة وانتفاضات الشعوب، فتفارق معها ومع تاريخه الثوري والشعبوي أيضا، وإلا كيف نستطيع تفسير مواقف الكثير من المثقفين الفلسطينيين ومثقفي الأردن ولبنان وبعض فناني مصر الذين تأخذهم العزة في عبد الناصر كما حصل مع نوري الشريف أو يسرى؟

أليست هي الطوباوية التي أنتجت شكلاً جديدا من المثقف المتعاليٍٍٍ على شعبه وأزمات هذا الشعب؟ مثقف يرفض كل تعبيرات الشارع الذي خرج للتعبير عن ذاته، بحجة أن تلك التعبيرات التي يسمعها لا تعبر عن الشارع ؟ أليست أزمة هذا المثقف المتعالي أنه لا يسمع في الشارع أصداء أيديولوجيته المنتهكة في الشوارع العربية ولا يجد فيما يراه ظلاً لأوهامه، فلا يخجل من إعلان وقوفه إلى جانب الاستبداد وضد الشعب؟ أليس هذا المثقف أحد تعبيرات أزمة المعارضة السورية والتي تجلت بالهوة السحيقة بين الشارع والنخب؟ شارع يدفع من دمه ضريبة التغيير، ونخب تتداعى وتماحك في أولوية الدجاجة أم البيضة وطبيعة المرحلة القادمة؟

في أصداء هؤلاء المثقفين سنهمل من انحاز إلى السلطة المستبدة لأنه خيار واضح، وسنتوقف مع أولئك الذين يعلنون انتماءهم للمعارضة، وأول ما يحضرني الآن تلك النزعة التي تؤكد على نزع القدسية عن الشارع، مع أن المشكلة لا تكمن في قدسية ذلك الشارع، بقدر ما تكمن في الرغبة القوية عند هؤلاء المثقفين للتعبير عن شارع يفترضون أنه لا يعرف مصلحته الحقيقية، ومن أجدر من هؤلاء المثقفين في حقول المعرفة، وبشكل خاص معرفة مصالح الناس أو الشارع؟!

وفئة ثانية تنحاز لمطالب الشارع العادلة لكنها تخشى حينا وتخاف أحيانا من اقتراف أي فعل قد يؤدي لجديد لم تختبره بعد في معامل التحليل التي سكنت منظومتها القيمية، تخشى من الفوضى، وتخشى من التطرف، وتخشى من الغرب، وتخشى من الإسلام السياسي، وتخشى من التهام الأقليات، كما تخشى من نهب الثروة القومية، وكذلك من اندثار الوحدة الوطنية، وكأن الأنظمة العربية الحاكمة هي التي تشكل سدا منيعا ضد الفوضى والتطرف والغرب والإسلام السياسي وضياع حقوق الأقليات أو نهب الثروة القومية، وهي أيضا السد الوحيد لتعزيز الوحدة الوطنية!!!

الفئة الثالثة الأكثر تذاكيا بين صفوف المثقفين المتعالين على حراك الشارع الثوري هي تلك الفئة التي تعلن أنها مع إسقاط السلطة الاستبدادية، لكن علينا أن نفرق بين سلطة الحكومة المستبدة وبين سيادة الدولة وبين مفهوم الوطن، فئة تنطلق من ذات الأرضية التي ينطلق منها الشارع وتعبيراته الثورية، لكنها وبكل أسف تنتهي بالاصطفاف في الخندق الآخر والمضاد لمطالب الثورة والتغيير، وبالتالي هي شاءت أم أبت فإنها تعمل على تأبيد السلطة الاستبدادية لو استطاعت إلى ذلك سبيلاً، لأن هذه السلطة لن تتنازل عن صفتها الاستبدادية التي هي سبب ديمومتها بل وجودها أصلاً.

في النهاية نكتشف أن علينا أن نغادر حقل الأيديولوجيا وإشكاليات المثقف المتعالي، خاصة عندما يكون الخيار متعالقا بمستقبل الوطن وثورة الشعب، ففي اللحظة الثورية لا مجال لأنصاف الحلول، ولا مجال للخشية والتردد، بل النصر حليف الاتجاهات الأكثر جذرية دائما.

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...