الرئيسية / صفحات مميزة / مخاطر تقديس الكلمات!

مخاطر تقديس الكلمات!


ميشيل كيلو

في الستينات من القرن الماضي، كنا شبانا صغارا نعتقد جازمين أن نجاح الثورة العربية يتوقف على المظاهرة القادمة. كنا نقرأ كل شيء، ونحاول معرفة كل شيء، ونؤمن أننا يجب أن نكون أكبر من جيلنا وعمرنا، لأن الثورة أمانة في رقابنا، وكذلك الحزب، والطبقة العاملة، والوطن، والأمة، وكل هذه الكلمات، التي كانت في حينه مقدسة وسحرية.

بالنسبة لنا، كان من المستحيل أن تكون هذه الكلمات المقدسة خاطئة، وأن يكون من لا يؤمن بصحتها مواطنا صالحا، إن كان يعتبر مواطنا أصلا . بدورها، أضفت القداسة طابعا سحريا على الكلمات، بينما طبعت تفكيرنا وسلوكنا بطابع لاعقلاني ومنجب للعنف، مفعم بنزعة انفعالية عدوانية وقابلة للتفجر في كل حين، يفسر التأثير الذي تمارسه كلمات مماثلة لها اليوم عدوانية نفر قليل من شباب إحدى ‘التنسيقيات ‘ ضد من حضروا مؤتمر المثقفين في دمشق، وما خاضه هؤلاء ضدنا من حرب كلامية.

في الستينات كان من الخطورة بمكان أن تشك ولو بينك وبين نفسك في الحزب أو الأمة أو الثورة، وأن تحاول تفكيك هذه الكلمات أو مناقشتها، فذلك كان يعادل قيام مؤمن بمحو آية عن جدران مسجد أو نزع صليب عن حائط كنيسة. كان الحزب وطننا النقي الطاهر، وبديل وطننا القائم، اللعين والظالم. وكان أداتنا إلى إقامة مملكة سماوية عادلة وطاهرة على أرض البشر النجسة، فويل لمن يفكر ولو مجرد تفكير في الخروج عن نصوص تراتيل المدائح التي تكال له وطقوس العبادة التي تمارس حياله.

للكلمات المقدسة فعل السحر. إنها تقتل عقل صاحبها وتعمي بصره وبصيرته، وتمنعه من رؤية الواقع، لكونها توهمه أنه مضمر فيها وأنه لا يستطيع أن يكون خارجها أو أن يفلت من حروفها، وإلا كان واقعا مزيفا، فإن حفظ المؤمن / المسحور هذه الكلمات، لم تعد لديه حاجة إلى أي شيء غير تكرارها. عندئذ، يصير تحققها الوهمي مساويا لتحققها الواقعي، فيكفي مثلا أن تقول الثورة حتى تصير ثوريا، وان تعامل الآخرين وكأنك تعيش في ثورة تتحقق، أي باعتبارك ثوريا انتمى وانتهى أمره إلى عالم تحكمه قيم ومثل عليا يجب أن تصير مطمح الخلق أجمعين، وإلا فالويل لهم من تهم الرجعية والخيانة.

لا داعي للقول إن الكلمات المقدسة تلغي بسحريتها السياسة بما هي فاعلية عقلية، وتضفي عليها هالة انفعالية تغلفها وتقتل أية قيمة إنسانية يمكن أن تكون فيها أو تلازمها. ذلك، يجعل من يرددونها نقيين وخلصا، بغض النظر عن خلافاتهم وتبايناتهم، ويفرض عليهم العمل بآليات تفكير وممارسة واحدة، واستخدام لغة واحدة ومفردات محددة عند وصف الآخر والتعاطي معه، فهو خائن في جميع الأحوال، ولا بد من طرده من عالم الطهر، وضمه إلى مجمع الشياطين والخونة.

لعب تقديس الكلمات دورا هائلا في إفشال موجة النهوض العربي، التي تلت الحرب العالمية الثانية، من حيث أوهم قطاعات شعبية هائلة وسياسيين ومثقفين كبارا أنهم يقبضون على الواقع والتاريخ، بينما أخرجتهم في الحقيقة منهما، ووضعتهما على هامش الواقع الحقيقي.

وزاد من عمق وأثر الفشل ما لازم ردود الأفعال عليه من موجات تطرف أعقبت الواحدة الأخرى، بلغت ذروتها في التطرف اليساري الذي اجتاح الأفكار والممارسات جميعها، ولعب دورا خطيرا في القضاء على أية فكرة ديمقراطية وعلى المبدأ الديمقراطي ذاته، وحال دون توطنها في تربتنا الخاصة، وحرم الحركتين القومية والاشتراكية من العمق البشري، الذي كان من شأنه أن يتفاعل معها ويصير حاملهما الحقيقي.

واليوم، ذكرتني حملة شنها نفر قليل من شباب ‘التنسيقيات’ السورية على مؤتمر المثقفين بدمشق بالستينيات، وأفزعتني لكونها أعادت إنتاج أسوأ ما في تلك المرحلة : الاعتقاد بإمكانية إنتاج الواقع انطلاقا من كلمات يضفى عليها طابع مقدس، يكفي تردادها كي يتخلق حقيقة فعلية أمام أعيننا، وتحسم الصراعات الضرورية لوجوده، بينما هي تحجبه عن أعيننا وتغطيه بأقنعة الأوهام، وتجعله سحريا فيفلت من أنظارنا وعقولنا ونكون أول ضحاياه، رغم توهمنا أننا نقبض عليه بيد من حديد، ونحيط بجميع جوانبه، ونغوص إلى أعماقه!.

أقول هذا بعد أن استمعت إلى بعض ما قيل على لسان ناطق باسم واحدة من التنسيقيات، وما قاله بعض من حضر مؤتمر المثقفين وهو يكرر مسحورا: الشارع، الشباب، التنسيقيات، إسقاط النظام… الخ. لقد اعتقد هؤلاء أن ترداد هذه الكلمات يضع الشارع وراءهم ويسقط النظام بالفعل، فهم كمن يكرر في طقوس السحر كلمات يعتقد أنه يمكن إنتاج الواقع انطلاقا منها بمجرد تكرارها، مع ما يترتب على ذلك من آليات مفجعة في الفكر والعمل، ثم من فشل غالبا ما يكون مؤكدا، خاصة إذا ما اعتقد المسحورون بالشارع أن تكرار اسمه على ألسنتهم يعفيهم من كسبه ووضع خطط تتيح لهم انتزاعه من أيدي من يمسكون بزمامه منذ قرابة نصف قرن، ويمكن أن ينازعهم عليه من القوى المتطرفة، إن سقط النظام، فلا خطة إذن غير إحلال عبادة رجل الشارع العامي محل عبادة رجل السلطة السائدة.

ينطلق هذا الخطأ القاتل غالبا من بلاهة إيمانية تجعل عضو الـ’تنيسقية على حق دوما، وغيره على خطأ باستمرار، وتجعل من يريد إسقاط النظام ثوريا ومن لا يجاريه خائنا، ومن يقول بالحوار منبوذا، لأن للحوار هدفا تآمريا يلازمه بالضرورة هو إنقاذ النظام، بينما يتكفل شعار إسقاطه بتخليص الشعب منه في جميع الأحوال.

هل يعلم هؤلاء كم من الشارع يقف معهم فعلا، وكم هي نسبة من يؤيدهم منه ونسبة من يؤيد غيرهم: النظام والإسلاميون والمحايدون من أصحاب المصالح والمعتقدات المتنوعة؟. وكم هي نسبة المحايدين والواقفين جانبا من المواطنات والمواطنين، ونسبة الخائفات والخائفين بينهم؟. هل يعرفون أن حامل الحركة الشعبية هو حتى الآن المجتمع الأهلي، الذي ليست مفاتيحه في يدهم وليس معهم وإن سمح لهم بمشاركته التظاهر؟

وهل يدرون أن نصف سكان سورية، الذي يعيش في مدينتي دمشق وحلب هم من الشارع أيضا، وان كسبهم يتطلب جهدا يختلف عن تكرار بعض الكلمات الجوفاء؟. وأن هناك محافظات لم تنزل إلى الشارع بعد كطرطوس والسويداء والرقة؟. وهل فكروا في سبل كسب المجتمع الأهلي، الذي يعد حاسم الأهمية بالنسبة إلى تحييد التطرف والنزوع إلى العنف والطائفية وإخراج النظام من مواقعه في الشارع، وكذلك بالنسبة إلى انتصار القيم الحديثة وتفادي هزيمة الحراك الشعبي؟

إنهم يقولون ‘الشارع ‘ويتحدثون عنه وكأنه في جيوبهم أو موال لهم، ويعتقدون أن مجرد ذكر الكلمة على ألسنتهم يجعل منهم ممثلين حصريين لقطاعاته المختلفة، هذا إن كانوا يعون حقا أنها مختلفة!.

مثلما تحدثت الأحزاب الشيوعية في الستينات عن الطبقة العاملة باعتبارها ملكا لها وفي جيبها الخاص، يتحدث هؤلاء الآن عن الشارع وكأنه لهم وفي جيبهم. ومثلما أحلت نفسها محله في طور تال لأنها لم تتمكن من كسبه، سيحل هؤلاء أنفسهم محله مستقبلا دون أن يتمكنوا من كسبه، وستتكرر في الحالتين التجربة المرة: تجربة إعفاء الذات من معرفة الواقع والإقرار باستقلاله عنها، وإيجاد سبل للتأثير فيه لصالحها، تجنبا للفشل الذي انتهت إليه الأحزاب في الستينيات، وأتمنى أن لا ينتهي إليه من يتحدثون عن أنفسهم باعتبارهم الشارع، مع أنهم ما زالوا برانيين بالنسبة إلى قطاعاته الواسعة. لا يطرح هؤلاء السؤال الجوهري: كيف نكسب الشارع، بل يكتفون بالحديث باسمه. وهم يفعلون الشيء نفسه حين يتحدثون عن ‘الشباب’، الذين يختصرونهم في جماعتهم أو أنفسهم، وعن ‘الانتفاضة ‘، التي يعتقدون أنها منتصرة لا محالة، مهما اتخذوا من قرارات خاطئة وتجاهلوا الواقع. تنتصر الانتفاضة في نظرهم لسبب أوحد هو أنها انتفاضة من جهة وعادلة من جهة أخرى، وليس لأن من يقومون بها يعرفون كيف يتدبرون شروط انتصارها، كأن جميع انتفاضات التاريخ وحركات الشباب انتصرت، أو كأنه يكفي لانتصار قضية ما أن تكون عادلة ومؤيدة من جماهير وقوى مظلومة!.

ليس إلغاء العقل أفضل أساليب النجاح، عندما يكون للخصم خبرة واسعة في الصراع ضد الشارع والشعب والشباب. وليس تقديس الكلمات والخضوع لسحرها حلا لمشكلات التعامل الصحيح مع الواقع. إن إلغاء العقل والرضوخ لسحر الكلمات المقدسة هو بالأحرى طريق الفشل المؤكد، فكيف إذا كان هذا كله متدثرا بغطاء كثيف من نزعة ذاتية مرضية، كان أستاذنا الياس مرقص يعتبرها سببا رئيسيا لما أصاب العرب من فشل، على مر تاريخهم الحديث.

أحببت أن أضع هذه الملاحظات تحت أنظار شباب سورية، الذين يضعون اليوم حريتهم فوق حياتهم، ويصنعون لنا زمنا كريما وإنسانيا، لأنه سيكون من الخطأ أن يحجم جيلنا عن لفت نظرهم إلى ما قد يشوب عملهم من ثغرات ونواقص وعيوب، فيها مقتل القضية التي يدافعون عنها، ويستشهدون من أجلها، ونؤمن بصحتها وفرص نجاحها، ليعالجوها قبل فوات الأوان!.

‘ كاتب وسياسي من سورية

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

− 1 = 1

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هل هي معركة أم بداية الحرب الايرانية الاسرائيلية – مجموعة مقالات –

  سورية تتلقى الضربات وإيران تحصد الغنائم/ برهان غليون بعد أسبوعٍ عاصفٍ في السماء السورية، ...