صفحات الحوار

مديرة “كارنيغي” في بيروت.. حين يكسر الأكاديمي قوقعته

 

 

حاورتها: رشا الأطرش

لينا الخطيب: “داعش” نموذج هجين استفاد من تجربة “حزب الله

للحوار مع الباحثة اللبنانية الشابة، لينا الخطيب، نكهة تعدُّد، من النادر تذوّقه في أحاديث مع أكاديميين من دارسي ومتابعي الشأن العام، والسياسي تحديداً، في مثل بقعتنا المشتعلة هذه من العالم. الثقافة والسياسة، بنظرياتهما الكثيرة، لا يعودان منظارين أو زاويتين لرؤية الشرق الأوسط، بل أداتين، من ضمن عُدّة معرفية كثيرة المفاتيح. في كل يد مفتاح. وتنخرط لينا في محاولات فكّ المستغلقات، الواحد تلو الآخر… والأسئلة أهم من الإجابات.

عامٌ مرّ على تعيين لينا الخطيب مديرةً لمركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت (*). ولمُتابع نشاطات المركز وإصداراته، من أوراق ومقالات، أن يلاحظ الحيوية والطزاجة الجديدة الفائضة من أفكار البحوث الأخيرة، ومن عناوين الندوات الدورية التي بات جزء معتبر منها يُنظّم “حيّاً” وتفاعلياً، عبر الانترنت ووسائل الاتصال الحديثة، بين صحافيين وباحثين ومتخصصين، في الولايات المتحدة ولبنان ودول عربية أخرى.

لينا الخطيب، خريجة الجامعة الأميركية في بيروت (علم اجتماع وأنتروبولوجيا)، وحائزة الدكتوراه من بريطانيا في الاتصال السياسي (political communication)، انغمست أولاً في إبداعات العين. درّست، في بريطانيا، مادة السينما العالمية كوسيط إعلامي مرتبط بالسياسات الخارجية للدول، وجذبتها الفوتوغرافيا، وفن الغرافيتي والملصقات وغيرها من الفنون البصرية… ودائماً، ربطاً بالسياسة والشرق الأوسط. فكيف وصلت إلى طاولة تجمعها بمبعوث الخارجية الأميركية لسوريا، لتضع بين يديه توصيات سياسية، عَلِمت في ما بعد أن نصفها تم تبنّيه؟ كيف تستوي الطريق، بين استديوهات “إذاعة لبنان” الرسمية، ثم سينما أميركا اللاتينية، وأفلام الحرب اللبنانية، ومشاريع التجهيز الفوتوغرافي.. وبين مركز للبحوث السياسية والاستراتيجية تتردد أصداؤه في أروقة صناعة القرار الأميركي، والعربي – المشرقي خصوصاً؟

كيف نجعل الآخر.. آخر؟

يبدو أن الوظيفة الأولى للينا الخطيب، كمذيعة في “إذاعة لبنان”، هي التي أيقظت شغفها بالإعلام والسياسة، لكنها لم تكمل عملها الإعلامي في لبنان “لأني اكتشفت أن المكان الذي أستطيع فيه التعبير بحرية فعلاً هو الأكاديميا، لا الصحافة”، كما تقول في حوار مطوّل مع “المدن”. وفي بريطانيا، خلال عملها على رسالة الدكتوراه، انصبّ اهتمامها على أشكال تمثيل سياسة الشرق الأوسط (political representation) في الإعلام وعلاقة ذلك بالسياسة الخارجية للدول: “ركّزتُ على مصر والسياسة الخارجية الأميركية، لا سيما الحركات الإسلامية، وانتهيت من رسالتي في 2003… لماذا توجهت لتدريس السينما؟ بعد أحداث 11 أيلول كُتب الكثير عن الإعلام وخصوصاً التلفزيون، وأنا درّست السينما العالمية.. شغلني كيف تُمثّل القضايا الاجتماعية والسياسية في آسيا وأميركا اللاتينية وإفريقيا والشرق الأوسط، وكنت معنية بالسينما المصرية وهوليوود بشكل خاص. ألهمتني، خصوصاً، سينما العالم الثالث، التي تشبهنا، وتُنتَج بإمكانات مالية محدودة”.

لكن كتابات لينا لم تتمحور كلها حول السينما، بل الكتب الأربعة الأولى فقط: “كتبتُ أيضاً عن الحركات الإسلامية والدور السياسي للمرأة في لبنان. ومن كتبي عن السينما: تصوير الشرق الأوسط الحديث في هوليوود والسينما العربية (لبنان، فلسطين، المغرب، تونس،…)، حيث تناولتُ الصراعات في العالم العربي، وكيف ترتبط السياسات الخارجية بهوليوود، ونظرة المجتمع إلى نفسه.. ثمة دائماً نقد لصورة الغرب عن الشرق الأوسط، لكن ماذا عن نقد تصويرنا نحن لأنفسنا، وللآخر، وكيف نجعله آخر؟ الكتاب الثاني كان عن السينما اللبنانية: الحرب الأهلية في السينما في لبنان (1975 – 2008). تبيّن لي أن الأفلام الروائية كلها تركز على الحرب بطريقة أو بأخرى، في حين أني أحببت أن أتحدث عن العلاقات الداخلية في المجتمع اللبناني، وعلاقة المجتمع بالحرب، فقدان الذاكرة، التنصل من مسؤولية العنف، الانقسام الطائفي والمناطقي وتأثيره في المجتمع جغرافياً وديموغرافياً.. أفلام قليلة جداً ركزت، مثلاً، على رواية جنوب لبنان.. وكتبتُ بحوثاً عديدة ومقالات عن التلفزيون.. النتيجة أن اهتمامي زاد بالفنون البصرية، وطوّرتُ هوايتي في اشتغال الأفلام والفوتوغرافيا، لكن دائماً مع التركيز على السياسة في الشرق الأوسط”.

في العام 2006، شاركت لينا في مهرجان Docudays للأفلام الوثائقية، وآخر مشروع تجهيز فوتوغرافي عمِلت عليه (2012) لم يعرض في لبنان، بل في بلجيكا، ضمن فعالية بعنوان Newtopia عن الفن وحقوق الإنسان. وكان مشروعها بعنوان “الديكتاتوريات الساقطة”، الذي استلهمته خلال عملها على كتابها “سياسة الصورة في الشرق الأوسط” (نُشر مطلع 2013)، عن تطور الصراع بين المواطن والدولة، “عن الفرد حين يكون، في الشارع، بذاته، أداة تعبير، ليس في التظاهرات فحسب، بل حتى في خلال سيره العادي في الشارع، متحدياً الدولة، بلباسه أو سلوكه. بدأت المشروع العام 2008، مُركّزة على مصر وإيران وسوريا ولبنان وليبيا… وبدأ الربيع العربي.. تجولتُ كثيراً لالتقاط الصور أو تجميعها، من الشارع والفنانين والإعلام، وانتهيت بأرشيف ضخم تضمن أنواعاً عدة من الفنون البصرية والغرافيتي والملصقات، وكنت قد أجريت مقابلات مع ناشطين في سوريا ومصر.. أردتُ القول بأنه لا يسعنا تجاهل دور الصورة في سياسة الشرق الأوسط. وفي المقابل، عندما نتحدث عن الصورة، لا يمكننا تجاهل السياسة”.

وتتابع لينا: “ثم كان لا بد من مرحلة انتقالية، لانتقل إلى مكان أرحب، بعدما اكتشفت أن الانشغال بالتمثيل السياسي (representation)، دون السياسة بذاتها، قد يعيق معرفتنا بما يحدث في الواقع. لكنه، في الوقت عينه، يؤثر في واقعنا، بل وقد يخلق واقعاً موازياً. قررتُ أن أدمج التوجهين لأرى ما سيحدث. السياسة المباشرة صارت مكوّناً في فنون التمثيل البصري وغيره، ما عاد هناك فصل، اندثرت الهيكليات التقسيمية كما كنا نعرفها. اندفعتُ أكثر في اتجاه السياسة، وإن كانت رغبتي دائماً أن أقاربها من زاوية مختلفة عن التقليدي. أسَرتني فكرة الاهتمام بالأرض، أي العمل الميداني. وانتقلتُ إلى جامعة ستانفورد في كاليفورنيا، حيث بدأنا تأسيس برنامج بحوث عن العالم العربي. صحيح أن تجربتي الأكاديمية لم تكن نواتها السياسة بمفهومها السائد، لكن ذلك لم يكن ما بحثَت عنه ستانفورد آنذاك، هم أيضاً أرادوا الخروج على التقليدي من قبيل البحث في أسباب استمرار السلطوية العربية، أو الاستثناء العربي. وأنا كان رأيي أن هناك حراكاً سياسياً عربياً فعلياً، لكننا لا نراه لأننا ما زلنا نقارب الشأن السياسي العربي من المنطلقات التقليدية. وبدأتُ مع “برنامج الإصلاح والديموقراطية” في ستانفورد، في كانون الثاني 2010. في البداية، ركزنا على مصر واليمن، وكنا أول برنامج بحوث في أميركا يهتم باليمن ويتعامل مع باحثين يمنيين، لأن هدفنا كان إيصال الصوت العربي إلى دوائر السياسة الخارجية الاميركية والغربية، لا العكس.. واشتعلت الثورة اليمنية، وقاد الناشط السياسي المغربي، جمال بن عمر، الوساطة بين نظام علي عبد الله صالح وشباب الثورة، وكان قد عيّن مستشاراً خاصاً للأمين العام للأمم المتحدة لشؤون اليمن. هكذا، صرنا، كبرنامج، وبشكل ما، مستشارين لجمال بن عمر. ساهمنا في تعريف الأمم المتحدة بالناس على الأرض. وفي العام 2013، سعيتُ لأن يُعقد مؤتمرنا السنوي في بلد عربي، على غير المعتاد، ووقع الاختيار على تونس. وكانت المرة الأولى التي يجتمع فيها راشد الغنوشي والباجي قائد السبسي في قاعة واحدة، وفي نشاط عام واحد، بعدما كانا يرفضان التواجد في المكان نفسه. لكننا نجحنا في جمعهما، ولو لم يتحادثا. يومها، نشرت صحيفة “الصباح” التونسية، الخبر، في صفحتها الأولى، ما أسس لضغط شعبي للمصافحة، ثم إفراز مكتب تنسيق بين حركة النهضة وحزب نداء تونس”.

ثم غادرت لينا ستانفورد. أرادت العودة إلى العالم العربي، ليس بالمعنى الجغرافي فحسب، بل بالمعنى العملي أيضاً، “فقد شعرتُ بأني تعلمت كفاية عن السياسة الخارجية الأميركية، وبنيتُ علاقات جيدة بات في استطاعتي الحفاظ عليها. قلت لنفسي، فلأوظف خبرة ستانفورد بشكل أجدى، وأعمل مع باحثين عرب جدد من خلال مركز كارنيغي”…

الخطة: لا خانة منفصلة لـ”الباحثين الشباب”

لا بد إذاً من خطة عمل خاصة بالمديرة الجديدة للمركز في بيروت؟

“بالطبع”، تقول لينا، “أسعى إلى بناء فريق جديد من الباحثين لأن العدد الموجود لم يكن كافياً، وحرصت على الموازنة بين الباحثين المخضرمين من ذوي الخبرة، وبين الدم الجديد والأفكار الطازجة. والأهم بالنسبة إلي ألا يوضع ما يسمى بـ”الباحثين الشباب” في خانة منفصلة، فالباحث باحثٌ في النهاية. اهتمامي الأساس بالباحثين الميدانيين، منهم المقيم في المكان – موضوع البحث، ومنهم غير المقيم، لكن أحد باحثينا مثلاً انتقل للإقامة في طرابلس في شمال لبنان، لاستكمال بحثه، وأنا انتقلت إلى قطر لفترة لكتابة ورقة عن قطر.. ثانياً، نحن مركز يتمتع بتاريخ وإمكانات، ونستطيع المساعدة في تطوير عمل الباحثين العرب عموماً، وبناء قدرات الباحثين الجدد خصوصاً، كأن ننظم لهم ورش عمل للكتابة عن السياسات، وربط هؤلاء جميعاً بصنّاع القرار العرب، وهو توجّه ما زال غير مألوف في منطقتنا.. وهناك أيضاً الاتجاه المعاكس، كأن نحاول ايصال صوت الباحث العربي إلى الدوائر الأميركية الفاعلة سياسياً، ونشرتُنا الصادرة مرتين في الشهر تصل إلى آلاف المتخصصين في الشرق الأوسط وأميركا والعالم”.

فإلى أي مدى يمكن القول بتأثير مثل هذا العمل في الميدان العام، العربي أو الغربي؟

“صعب قياس التأثير”، تقول لينا، “فالسياسة الخارجية الأميركية لا تعتمد على الفهم العميق لما يحدث في المنطقة، أو لنقل أن هناك فهماً، لكن من دون أن يقترن – بالضرورة – بإرادة للتغيير، على الأقل حتى وقت قريب مضى.. ونحن نحاول تعميق الفهم علّنا نخلق هذه الإرادة. بعد مؤتمر جنيف الخاص بسوريا، مثلاً، كتبتُ ورقة تشمل ثماني توصيات، واجتمعتُ بمبعوث الخارجية الأميركية لسوريا، دانيال روبنستاين، وعلمتُ في ما بعد أنه تمّ تبني نصف التوصيات، ومنها ما تطرقت فيه إلى دول الخليج ربطاً بتمويل مجموعات إسلامية في سوريا، ونوّهتُ بأنها ليست طريقة فعالة لدعم الثورة. وفعلاً، سيتم وقف التمويل، خصوصاً أن لذلك تأثيراً في دول الخليج. ومن التوصيات أيضاً: زيادة التنسيق مع الخليج بالنسبة إلى سوريا، ولو أن ذلك لا يُنفذ بالدرجة المطلوبة. إضافة إلى ضرورة إدراج الملف السوري في المفاوضات النووية مع إيران، وقد بدأتْ تلوح قناعة ما بذلك.. يعني، نحن نحاول، لكن القرار ليس لنا… من جهة ثانية، أنا على يقين بأن السياسة الأميركية ليست واحدة اتجاه المنطقة. فمثلاً، عندما استقال السفير الأميركي في دمشق، روبرت فورد، من الإدارة الأميركية، أعلن بأنه ضد سياسة أوباما بالنسبة إلى سوريا.. وبعد خروج هيلاري كلينتون من وزارة الخارجية، أعلنت بأنها لا تتفق مع سياسة أوباما.. وتلك الصراعات لم تكن ظاهرة للعلن عندما كان هؤلاء في مناصبهم داخل الإدارة. ونحن في الوسط، كمركز بحوث، ويمكن لباحثينا أيضاً أن يقدموا آراء متضاربة، المهم هو تنويع منابع الأفكار ومساراتها”.

حداثتنا المتخلّفة وما بعدها.. بأي أدوت نعرف أنفسنا؟

وهنا، لا بد من سؤال: إذا كان معظم المجتمعات العربية ما زال، على مستوى الدولة والنّظم الاجتماعية والثقافية، في مرحلة ما قبل الدولة أو طور إنجازها في أحسن الأحوال… في حين تذهب طرائق العيش اليومي والتواصل وحتى التطرف السياسي والديني، إلى أشكال ما بعد الحداثة وأدواتها، لا سيما الإعلام البديل ووسائل التواصل الاجتماعي.. حتى تراكيب المجموعات المتشددة والتي باتت جزءاً من الشارع والدينامية السياسية والأمنية والاجتماعية، شئنا أن أبينا، وتستخدم تقنيات متقدمة لبث رسائل متخلّفة.. فهل ترى لينا الخطيب بأنها، بهذا المعنى، أصابت في التخلي عن نظريات التمثيل السياسي (political representation)، في الإعلام والفن البصري، والذي قد يبدو ترفاً أكاديمياً ومعرفياً في مثل حالنا العربية الراهنة، لصالح عمل بحثي تشبه أساليبُه هيكلية الحداثة (أو ما دونها) التي يتشكّل منها الحيز العربي العام، الحكومي والأهلي؟

“الرؤية المعتمدة على تفكيك التمثيل، ما زالت مهمة في رأيي”، تقول لينا، “ومن جهة ثانية، فإن مسار ما بعد الحداثة يؤكد أن هيكلية القوة لا تنتظم في خط مستقيم، والحال إن الحراك السياسي العربي لم ينتفِ بعد، رغم كل ما نشهده، من بروز “داعش” إلى تسلّم عبد الفتاح السيسي الحكم في مصر. سيعود الحراك. لكني لا أؤمن بالعودة إلى رؤيته من خلال نموذج عمودي للقوة، بل يجب أن نفهم كيف تنتشر أدوات القوة في مختلف الاتجاهات. في المقابل، الدول العربية، وبدلاً من إنهاض مؤسسات سياسية تستوعب العلاقات الإثنية والطائفية المتفجرة، ما زالت مراكزها الرسمية تُوزّع بمنطق قبلي وطائفي، ما يعني المزيد من مأسسة البُنى القبلية/الإثنية/الطائفية/الجماعاتية، بدلاً من امتصاصها.. لذا، أنا ضد تطبيق نظريات، نكون معجبين بها مسبقاً، على ما نراه ونعيشه. علينا أن نعاين الميدان ونستنتج النظريات”.

وتضيف لينا: “فلنأخذ تنظيم داعش مثلاً، ربما يكون أداؤه عابراً للحدود، وتصوره عن ذاته وعن دولته الإسلامية، إضافة إلى استخدامه لأدوات الإعلام الاجتماعي، أقرب إلى ما بعد الحداثة، لكن له تراتبية واضحة. وهذا ليس جديداً تماماً. حزب الله أيضاً، منذ انطلاقته، استخدم وسائل تواصل متعددة. حتى بمعنى علاقات القوى، في مصر مثلاً، السيسي لم ينتصر تماماً، والحراك السياسي المصري لم يخمد، بل ما زال موجوداً بأشكال أخرى، وسيعود للتبلور ميدانياً في وقت ما. وأنا شخصياً، ممن يقاومون باستمرار فكرة العودة إلى ثنائية: نموذج القوة المُقاس من فوق إلى تحت – في مقابل نموذج القوة المنتشرة او المنبثقة في أكثر من اتجاه”.

دولة قَبَلية وحراك عصري.. فأين المفر؟

ترى لينا أننا “اليوم، بين الإثنين: نشهد حراكاً سياسياً بسبل ما بعد حداثية، وفي الوقت نفسه، ما زالت تراكيب مؤسساتنا السياسية ومؤسسات الحكم قائمة على نموذج ما قبل الحداثة. لذلك، إذا قاربنا المشهد الراهن من منظار واحد، فلن نكون واقعيين. دراسات الاتصال (media studies) مثلاً تركز على “النوع”، من قبيل تويتر وفايسبوك، وهذا ما يحول أحياناً دون فهم السياق. الثورات العربية لم تُصنع بالسوشال ميديا، علينا تفكيك السياق على الأرض، باستخدام نظريات التمثيل، إلى جانب العلوم السياسية المباشرة. أنا ضد تطبيق نظريات نفضلها على ما هو أمامنا. أميل إلى فكرة المعاينة الميدانية واستنتاج النظريات، وهذا ما يدفعني إلى الركون جانباً لبعض الوقت كي أفهم، ثم أحلل وأفكك. لعل مشكلتي مع الأكاديميا الصرفة، التي لا تلتفت كثيراً إلى المعطيات الميدانية، أنها محصورة في برج عاجي، في حين أني أميل إلى موديل الأكاديمي/المثقف، الحاضر في الحيز العام وشؤونه. حتى خلال عملي في التدريس الجامعي، كنت أشارك في استضافات إعلامية وقنوات اتصال مع حكومات. الاكاديميون التقليديون لا يحبذون ذلك، لكني أرى أن الأكاديمي يستفيد عندما يخرج من قمقمه، والمجتمع يستفيد من التحليل الأكاديمي الرافد للتحليل السياسي او الميداني الصرف”.

“داعش” كنموذج هجين استفاد من “حزب الله”

من خبرتها في السينما، كيف ترى لينا الخطيب البصريات الراهنة، فيديوهات “داعش” وغيره مثلاً؟

“أميل مؤخراً إلى البحث عن القيمة المضافة للسياق، وما عدت آخذ بما أراه فقط”، تجيب لينا، “مثلاً، إذا نظرنا ملياً إلى فيديوهات العمليات العسكرية لداعش، نرى أن أي فيديو لا يظهر صراحةً جغرافية العملية، ولا معطيات دقيقة عن هوية الأشخاص. يعتمد داعش على الإيحاء، على عكس تنظيم القاعدة الذي كان تفخر بتحديد مكان العملية.. وهذا ما يسمح لداعش بتضخيم صورته وبأن يبدو أقوى مما هو عليه فعلاً. والمشكلة أن الإعلام غالباً ما ينساق في ذلك، يتبنى المبالغة ويساهم في مصداقيتها. داعش موجود، وعلينا أخذ الظاهرة بجدية، لكن من دون التخلي عن النظرة النقدية لبصرياته مثلاً، وهي إحدى أسس قوته”.

وتتابع لينا المقارنة: “تنظيم القاعدة أهدافه تخريبية، تهديمية، لا مشروع لديه لدولة إسلامية، لا مشروع بديلاً. أما داعش، فهو أكثر تعقيداً: هدم، ومفاوضات مع القبائل، وترهيب وترغيب، هؤلاء تعلموا من تجارب الحركات الإسلامية السابقة. تعلموا من حزب الله، مثلاً، الترغيب والترهيب، حتى مع جمهوره.. قمع من جهة، وشبكة خدماتية من جهة ثانية. القاعدة لم يملك مكتباً إعلامياً موحداً، فيما ولّف “داعش” إعلاماً اجتماعياً مركزياً. في داعش: تراتبية، استراتيجية عسكرية، خطف ممنهج، وسيطرة على منابع نفط ومياه، على عكس لامركزية القاعدة ونظام شبكاته المتوازية. في حين يجمع داعش بين الجيش والقوات شبه العسكرية. داعش نموذج هجين – عسكرياً وسياسياً. ومجدداً، لهذا السبب، لا يمكننا الاكتفاء، للفهم والتحليل، بواحدة من النظريات المسبقة أو المعتادة.. فلنأخذ فكرة إرسال طائرات أميركية بلا طيار إلى العراق. كيف ستنجح إذا كان داعش مزروعاً بين القبائل؟ كيف ستقضي على “داعش” من دون إبادة الناس؟ فلنفكر في الأمر سياسياً أولاً: إذا كانت هناك قبائل مع داعش، فذلك لأنها تعاني إقصاءً سياسياً (سنّة العراق مثلاً)، أو أنها تسعى لفائدة مالية، أو هي قبائل تنضم إلى القويّ لتحمي نفسها. العراق حلّه سياسي، وليس عسكرياً، شراكة في السلطة بين مختلف المذاهب، تعطي الثقة للسنّة والأكراد. القوة المفترضة لداعش هي ما يجتذب جهاديين، فلماذا لا نفرغها من قوتها؟ أو لعله المال، ما يعني أنه يجب التفكير في طريقة لتحسين اقتصاد المناطق التي سيطر عليها داعش. مثلاً، الرقة ودير الزور، مناطق لم تستفد يوماً من مواردها، في حين أن داعش، حين سيطر عليها، استفاد من تلك الموارد، وفي الوقت نفسه طوّر نظاماً ما لإعادة توزيع الثروة على الناس”.

والحال، على ما يبدو الآن في سوريا والعراق، إن الإدارة الأميركية، ومعها أكثر من خمسين دولة ضمن التحالف الدولي لمحاربة “داعش” والإرهاب، لم تتبنّ كل ما يصبّ في مكاتبها من أفكار ورؤى كتلك التي تحرص لينا الخطيب على إيصالها. لكن مديرة “كارنيغي” في بيروت” مثابرة ومصرّة: وظيفتها هي مدّ واشنطن برؤية عربية واعية وعميقة وواقعية، ولا بدّ من تراكم.. ولينا معروفة بعنادها.

 

(*) مركز “كارنيغي”، يعرف عن نفسه كمركز بحوث متخصص في السياسات الخارجية، مستقل، لا يبتغي الربح، وممول بوَقْف خاص. له مكاتب في عواصم عدة حول العالم، وهو من أكثر المراكز البحثية تأثيراً، إلى جانب “شاتهام هاوس” و”مؤسسة بروكينغز”، بحسب تصنيف بنسيلفانيا 2013.

المدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى