الرئيسية / صفحات الحوار / مدير “مركز كارنيغي موسكو” ديمتري ترينين: في سوريا الروسية… الأمن والعسكر نواة الدولة

مدير “مركز كارنيغي موسكو” ديمتري ترينين: في سوريا الروسية… الأمن والعسكر نواة الدولة

 

 

مازن عزي

على هامش مؤتمر “مركز كارنيغي للشرق الأوسط”، السنوي الثاني “عالم في حالة توتر: آفاق العام 2018″، التقت “المدن” مدير “مركز كارنيغي موسكو” ديمتري ترينين، لمتابعة حديث كان قد بدأ قبل عام، حول الأهداف الروسية في سوريا، والعالم من وجهة نظر الكرملين.

البداية كانت من تصريح مستشار الأمن القومي الأميركي هربرت ماكماستر، الذي قال فيه إن “الجيوبوليتيك قد عاد إلى السياسة الأميركية، مع الانتقام”، فهل كان ذلك بتأثير من السياسة الروسية التي لطالما رأت محددات السياسة في عالمنا الراهن من منظور الجيوبوليتيك؟ ترينين يعتقد بأن ذلك صحيح، لكن الولايات المتحدة كقوة مهيمنة، على الأقل منذ نهاية الحرب الباردة، كانت قادرة على ممارسة “السلام الأميركي”، من منظور اعتراف العالم بهيمنتها، وهذا الأمر تغيّر الآن. إذ كانت تلك فترة نادرة في تاريخ الانسان، هيمن فيها بلد واحد، بشكل جوهري، على كامل العالم. لكن، وكما كل شيء في شؤون الإنسان، هناك نقطة ستتوقف عندها تلك الهيمنة.

بشكل أولي، فإن أزمة العام 2008 المالية العالمية أطاحت بصورة الرأسمالية الأميركية كرأسمالية عليا، لا تنتقل إلا من الجيد إلى الأفضل. وحدث ذلك، بحسب ترينين، بسبب الصينيين، الذين كانوا مقتنعين في ذلك الوقت، بأن “إجماع بكين” منافس لـ”اجماع واشنطن” كنموذج اقتصادي. في العام 2014 تدخلت روسيا في أوكرانيا، وفي العام 2015 تدخلت عسكرياً لوحدها في الشرق الأوسط. وهذه كانت المرة الأولى، منذ نهاية الحرب الباردة، التي تقوم فيها قوة كبرى بذلك، بعيداً من حدودها، ومن دون موافقة الولايات المتحدة، ومن دون أن تكون جزءاً من تحالف تقوده الولايات المتحدة. وهذا ما أطاح بموقع الولايات المتحدة المهيمن في الشرق وفي العالم.

في العام 2016، من وجهة نظر الكرملين، روسيا شنّت هجوماً مضاداً من “تلقيح المخاوف”، الذي أسمته أميركا “اعتداءً فاضحاً” على السيادة شنته موسكو للتأثير على نتائج الانتخابات الأميركية. من وجهة النظر الروسية، فإن موسكو لم تفعل شيئاً لم يسبق أن قامت به الولايات المتحدة من قبل.

نعيش في عالم مختلف، بحسب ترينين، فيه قوى كبرى مثل الصين وروسيا، ودول أخرى مؤثرة بقوة في أقاليمها، تسعى لتحقيق مصالحها وسياساتها الخاصة. كما هو حال تركيا وإيران والسعودية. وليس للولايات المتحدة تحكم كامل بكل التطورات الصغيرة في هذه المنطقة. وهذا تغيّر رئيسي آخر.

هذا بالإضافة إلى ثورة حدثت في مفهوم الردع؛ كوريا الشمالية، دولة من العالم الثالث، ومتخلفة بكل معنى الكلمة، تمسك بسلاح فتاك متطور، تهدد به الولايات المتحدة.

لا يعتقد ترينين بأن روسيا ندّ للولايات المتحدة إذا نظرنا إلى ناتج الدخل القومي وغيره من القضايا. روسيا أصغر بكثير. وهي ليست الاتحاد السوفياتي. لكن روسيا عادت قوة عظمى تعترف بها بقية القوى العظمى، وتريد من الولايات المتحدة أن تتعامل معها كندّ.

روسيا أنفقت 1,5 مليار دولاراً على عملياتها في سوريا، وهو ليس مبلغاً كبيراً، بحسب ترينين، وقد تمكنت من خفض نفقاتها إلى هذا الحد، بالاعتماد على تكتيكات ذكية، واستراتيجيات عسكرية ذكية، وفهم جيد للوقائع السياسية، وإرادة قوية جداً، والدعم المحلي الكبير الذي أعطي للرئيس بوتين. ولا يجب على روسيا التفكير بنفسها على أنها قوة عظمى، أو قوة من حجم مساوٍ للولايات المتحدة، فالناس الجدّيون في روسيا لا يعتقدون بذلك.

روسيا حققت ما خططت لتنفيذه في سوريا، رغم أنه استغرقها وقتاً طويلاً، ولم تكن العمليات دائماً كما أراد لها القادة السياسيون. الروس حققوا عسكرياً ما خططوا له؛ هزيمة “داعش”، وقصف المعارضة إلى أن جاءت إلى طاولة المفاوضات. وما تحتاجه روسيا الآن هو تحويل نجاحها العسكري إلى استراتيجية ديبلوماسية، تقود إلى نهاية في سوريا تكون مُرضية. لكن الطور الديبلوماسي، أصعب من العسكري الذي كانت فيه روسيا وبشكل واضح العامل العسكري المهيمن، في حين كان الآخرون ضعفاء، أو تحركوا في الهامش، كما فعلت الولايات المتحدة التي لم تحاول الإطاحة ببشار الأسد ولم ترغب في حرب مع الروس في سوريا.

في الطور الديبلوماسي، على روسيا التعامل مع بشار الأسد، الذي أصبح أقوى ولا يريد أي تغيير سياسي كبير في الطريقة التي تدار بها سوريا. و”بات لروسيا تأثير أقل على بشار، لأنه نجا، وأصبح أكثر جرأة، شكراً للروس، لكن ذلك أصبح تاريخاً، ولم يعد بشار رئيساً في ورطة يتبع الروس في ما يقولونه له. الأسد في موقع أقوى”.

ترينين كان قد أفرد فصلاً كاملاً من كتابه الجديد “ما الذي تنويه روسيا في الشرق الأوسط”، عن الحرب الروسية في سوريا، مستفيداً من خلفيته كضابط سابق في “الجيش الأحمر”، ومن معرفته الوثيقة بدوائر صنع القرار في الكرملين.

إيران، كانت حليفة روسيا في الحرب، حليف ظرفي، وليس من الضروري أن تكون شريكاً مقرباً على الصعيد الديبلوماسي. لإيران طموحاتها الخاصة في سوريا، لا تشاركها فيها روسيا. فروسيا لا تدعم استراتيجيات إيران الإقليمية، لذا فالعلاقة قد تتغير بين الطرفين. وعلى عكس الطور العسكري، الخلافات الآن أهم. كما على روسيا الآن التعامل مع اللاعبين الآخرين في المنطقة، كالسعودية وإسرائيل وتركيا وقطر. فاسرائيل لم تكن سعيدة بالاتفاق الروسي الأميركي على خفض التصعيد جنوبي سوريا، لأنها تتخوف من مليشيات إيران الشيعية بالقرب من مرتفعات الجولان. والعلاقات بين تركيا وروسيا معقدة جداً، وقد اشتبكتا سابقاً في سوريا، ما قاد إلى نفور استمر شهوراً، أمكن تطويقه في النهاية، لكن شيئاً لا يُنسى. الأتراك لديهم مصالحهم الخاصة، على الأقل بخصوص الموضوع الكردي. وتؤمن روسيا بأنه من حق الأكراد أن يكونوا طرفاً في التسوية، ولا يمكن الاستغناء عنهم. ويفضل الروس نوعاً من الاستقلالية للأكراد، كما في العراق. لكنهم يتفهمون مخاوف تركيا الأمنية “المشروعة”، ولا تريد روسيا أن تتقوض تركيا بفعل المتمردين الأكراد.

على الروس، من وجهة نظر ترينين، أن يمشوا على حبل رفيع جداً بين مجموعة من اللاعبين الإقليميين، وأطراف محلية. ويهتم الروس بأن تكون سوريا بلداً موحداً، على الورق، لديها نوع من آلية جزئية في الحكم، تتضمن ممثلين عن كافة المجموعات الطائفية والعرقية. الروس يدعمون بشار الأسد، لكنه ليس دعماً غير مشروط، وينظرون إليه كرمز للاستقرار، وإلى ما تبقى من الدولة السورية. كما أنهم ليسوا مهتمين بشخص بشار، وليسوا مرتبطين به.

 

ويريد الروس بالطبع الاحتفاظ بحضورهم العسكري والبحري في سوريا، وأن يظل الجيش السوري متوجهاً إلى روسيا، من حيث التسليح والتدريب. ويعتقد الروس أن الجيش السوري هو من سيحافظ على النواة الرئيسية للدولة، في نهاية المطاف، مع رعاية بنية سياسية فوقية.

في رأي ترينين، سوريا الروسية هي موطئ قدم لروسيا في المنطقة، ولن تتخلى عنها.

وبخصوص إعادة الإعمار، سوريا بلد مدمر بشدة، ويجب على أحدهم تمويل ذلك، وهو ليس روسيا بالتأكيد، ولا إيران. الأوروبيون والهنود والصينيون سيقومون بذلك، وسيكون لهم قول أكبر في ذلك، في حين أن روسيا لن تكون منخرطة كما فعلت في الطور العسكري. فروسيا في طورها الديبلوماسي لن تسعى إلى أن تكون مهيمنة، ولا أن تفرض رأيها على أحد، بل ستقوم بدور المُسهّل. فمن خلال سوريا يمكن الحديث مع جميع الأطراف.

من وجهة نظر الواقعية السياسية الروسية، فإن نواة الدولة في سوريا ستبقى القوى الأمنية والجيش، وستكون هناك بنية سياسية فوقية، لم يصفها ترينين بالديكور، لكن سوريا لن تكون ديموقراطية غربية، حتى لو كان لها برلمان أو دستور.

نواة الدولة السورية، بحسب ترنين، سيظل مسيطَراً عليها من الجيش والقوى الأمنية، وسوريا ستظل، كأمر واقع، مقسمة بين قوى تحتل أجزاء مختلفة منها.

الروس يجدون أنه من الصعب التأكد من أن النظام في دمشق لا يبالغ في لعب دوره. روسيا قامت بالحرب، وحمت النظام انطلاقاً من مبدأ عدم السماح لأحد، داخلياً أو خارجياً، بالانقلاب عليه. وهذا ليس له علاقة ببشار الأسد أو سوريا، بل بالنظام العالمي، والذي يعني روسيا والولايات المتحدة. بحسب ترينين، فالكرملين يقول: “إذا كنتم تفكرون بمصطلحات الربيع العربي أو تغيير النظام، فنحن نخالفكم الرأي، ويمكننا تخريب جهودكم”.

ليس لروسيا حالياً استراتيجية كلية بخصوص ما ستكون عليه الأمور في سوريا، وما يحدث الآن من وجهة نظر الواقعية السياسية الروسية، هو أن سوريا مهيمن عليها من قبل الجيش الروسي الذي يمتلك رؤيته الخاصة للعالم ولسوريا. وهو من قام بالعمل، لا الديبلوماسيون، ولا المدراء الماليون الروس، ولا حتى الرئيس بوتين.

الجيش الروسي هو من أنتج النصر، وهو من يعرف كيفية عمل الأشياء. والجيش الروسي في موقع قوي لتحديد استراتيجية روسيا في سوريا، ولديه أهداف واضحة جداً لتحقيقها. في الجيش، بحسب ترينين، “إذا كان بامكانك فرض إرادتك على العدو، فعليك ذلك”، في حين تدور الديبلوماسية حول البحث عن طرق غير مباشرة. وهنا لدينا انقطاع ما في اللوحة، ففي حين يضغط الجيش بقوة، تمّ دفع الديبلوماسيين الروس، أحياناً، إلى الهامش. وترينين يعتقد أن بشار الأسد، ربما قد تلاعب بالجيش الروسي في مواجهة الديبلوماسيين الروس.

لا يعتقد ترينين بأنه تجوز مقارنة مؤتمر سوتشي بمؤتمر يالطا، فهناك فرق كبير؛ في يالطا تمّ تمثيل 3 قوى منتصرة، تمكنت خلال شهور قليلة من هزيمة النازية، واحتلال ألمانيا، وأصبحت حاكمتها المُطلقة. روسيا وإيران وتركيا، عقدت مؤتمر سوتشي، لكنها لن تصبح أبداً قوى عظمى في سوريا، فهي لا تتحكم في سوريا، ولا يمكنها فرض إرادتها المطلقة.

ويخاف ترينين من أن يبالغ الروس في لعب دورهم، فـ”أحياناً إذا غامرت بحظك أكثر قد تفشل. عليك أن تعرف أين تتوقف”. الانسحاب من سوريا، هو جزئي، وقد قال بوتين إن روسيا ستبقى في هذا المكان من العالم. والإعلان عن الانسحاب تمّ في بداية الحملة الانتخابية الرئاسية لبوتين، وأراد بوتين أن يعلن أن روسيا انتصرت في سوريا، وأن المهمة أنجزت بشكل واسع، والقوات الروسية ستعود إلى قواعدها في الوطن قبل عيد الميلاد. وهذا يتعلق بالسياسة المحلية الروسية. إذ أن قوات محددة ستبقى في سوريا، وبعض الطائرات ستظل تقلع من روسيا، وإن دعت الحاجة ستعود.

ما يقلق ترينين، أنه “يجب أن تعلم أين تضرب، ومتى تتوقف”، فليس ضرورياً الانخراط في صراع محلي أكثر من اللازم. ومن الأكيد أنه وبعد فترة من المفاوضات الديبلوماسية بين المعارضة والنظام، سيأتي وقت لعقد مساومات حقيقية، و”لا أعرف متى وأين سيبدأ ذلك”.

والروس لا يتعاملون فقط مع المعارضة بل مع داعميها أيضاً. والمعارضة هزمت، وليست في موقف يسمح لها بأن تكون في موقع المُشترط. فروسيا تعرف أن بشار الأسد ومجموعته، هم جزء لا يمكن الاستغناء عنه في أي تسوية، رغم أنها تضغط على بشار الأسد لتقديم نوع ما من التنازل، باسم الاستقرار المستقبلي.

المدن

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف عيساوي: “فايسبوك” منبري لتقصي الإلحاد

    حاوره: وليد بركسية “هذه المقابلة ستجعل أي تلفزيون يرفض العمل معي في المستقبل”. ...