الرئيسية / صفحات مميزة / مستقبل الثورة السورية

مستقبل الثورة السورية


مروان عبد الرزاق

-1-

– المستبد, أو المتسلط, لا يرى إلا ذاته كائنا بشريا يستحق الحياة, أما الرعية أو المحكومين, فهم في أحسن الأحوال ليسوا أكثر من بهائم بحاجة إلى راعي يقودهم ويرعاهم, ويقدم لهم بعض الفتات, كي يكونوا قادرين على الاستمرار في خدمة السلطان أو المستبد أو الملك. أو يراهم كأشياء جامدة, كأحجار الشطرنج تحتاج إلى من يحركها حتى ينتصر الملك أخيرا, وهم لا يملكون أي عقل وأحاسيس وعواطف وانفعالات بشرية. ولذلك فالمتسلط يقتل رعاياه بدم بارد دون أن يشعر بأي تأنيب للضمير, ويعتبر هذا من حقوقه الطبيعية. ويستمر في القتل حتى لحظاته الأخيرة.

ولأنه يستمد شرعية وجوده من امتلاكه القوة والعنف, لذلك يستمر النظام الاستبدادي في قتل المتظاهرين, والاعتقالات الجماعية, والتعذيب, والذي يشمل الجميع, بهدف وقف التظاهرات المطالبة بإسقاطه. وكلما ارتفع زخم الثورة, ازداد القمع والقتل شراسة وفتكا بالمدنيين السلميين, أو ببعض أفراد الجيش الذين يرغبون الالتحاق بالثورة. ولن يكون للقتل حدود يقف عندها, وسيستمر بذلك حتى رحيله, تحت الشعار الذي يسطره على جدران المدن:”إما الأسد, أو لا أحد”. وهو الشعار ذاته في ليبيا, وكل الدول العربية, مع تبديل الأسماء فقط. وهو شعار أكثر تكثيفا ووضوحا من شعار”إما أنا أو الفوضى”. ويعبر أفضل تعبير عن ماهية الاستبداد, حيث يعتقد المستبد أن العالم لن يكون موجودا بعد رحيله.

– ويرى المستبد ذاته واحدا, أوحدا, مختلفا, وأفضل من كل المستبدين الآخرين, ودائما يتملكه نزوع الصراع والاستيلاء عليهم, وتسخيرهم لصالحه, كي يكون المستبد الأول والوحيد في العالم. وهذا ما جرى في التاريخ القديم والحديث. وهو لا يقرأ التاريخ ولا يستنتج منه الدروس والعبر التي تشير كلها إلى النتيجة الحتمية لكل مستبد, وهي الموت المأساوي بأشكاله المختلفة. انه يعمم الجهل على كل الرعية, إلا انه الأكثر جهلا. انه لا يقرأ إلا تاريخه فقط, وأبديته في السلطة. وكل المستبدين يواجهون نهايتهم المأساوية على أنها مفاجأة, خارجة عن مسيرة الحياة الطبيعية.

ولذلك لا يمكن للنظام السوري, أن يتصور, أو يتخيل, أن مصيره يمكن أن يكون مثل مصير بن علي ومبارك والقذافي, ثم علي صالح على الطريق. إن بنيته القريبة من بنية القذافي جعلته يعلن الحرب الدائمة على الشعب. ولا يخطر في ذهنه بأن هذا الشعب قادر على إسقاطه, ولذلك نراه يخرج كل فترة ليعلن أن الأزمة انتهت, وهو سيبقى يراها عابرة حتى رحيله. والخوف الوحيد الذي ينتابه هو التدخل العسكري الأجنبي على الطريقة الليبية, أو العراقية. ولذلك نجده صراحة يهدد بتقسيم سوريا وإحداث زلزال في المنطقة, إذا تدخل حلف الناتو, دون أن يلاحظ أن ذلك متطابق مع أهداف الغرب الساعية إلى تفتيت الشرق الأوسط, إلى كيانات طائفية, واثنيه, لضمان استمرار سيطرته على المنطقة.

– والمستبد أيضا لا يقبل بأن يشاركه أحد في السلطة, ولا يرى في رعيته من هو مؤهل لهذه المشاركة, وحتى أفراد الحاشية هم أجراء وليسوا شركاء. ولذلك فهو غير قابل للإصلاح.

ولذلك لم يعمل النظام على أي إصلاح حقيقي منذ نصف قرن يمكن من خلاله أن يؤدي لأن يشاركه احد في السلطة. ولن يقبل بأي مشروع إصلاحي حقيقي في المستقبل, مهما كان مصدره. ولذلك نجده يرفض كل مشاريع الإصلاح التي تقدمت بها المعارضة, والجامعة العربية, والدول الأوروبية, منذ بداية الانتفاضة وحتى الآن. ولم يقدم التاريخ حتى الآن أي نموذج لمستبد تحول إلى أصلاحي أو نصير لحرية الشعب.

ومازالت عقلية الثمانينات تتحكم بسياسته وطريقة تعامله مع الشعب, دون أن يلاحظ أن الانتفاضة الشعبية الراهنة, ليست حركة مسلحة كحركة الإخوان المسلمين في الثمانينات والتي استطاع أن يسحقها ويخرج منها منتصرا. انه غير قادر على رؤية الانتفاضة الشعبية السلمية التي تنادي بإسقاطه, وهو مستمر في رؤيته لها كعصابات إرهابية مسلحة, ومتآمرين, وجراثيم, وخارجين عن القانون. وعملاء للخارج..الخ

انه لا يرى أن هذه الرعية تحولت إلى شعب حي يريد استرداد حريته وكرامته المهدورة منذ نصف قرن. وأن سورية دخلت مع العالم كله القرن الحادي والعشرين, وأصبح الاستبداد عائقا أمام تطورها, ولم يعد ملائما لها تسلط الفرد المستبد أو العائلة.

فالنظام وجد نفسه في أزمة لم يشهدها من قبل. وهو لا يملك إلا الحل العسكري لسحق الانتفاضة. كما يدفع الانتفاضة إلى حمل السلاح بقصد أن يجرها إلى ملعبه ويقضي عليها باعتباره الأقوى عسكريا, ويحرفها عن مسارها السلمي, ويجردها من قيمها وثقافتها الجديدة حول الحرية وحقوق الإنسان. ويصورها كعصابات إرهابية مسلحة, سلفية طائفية, بهدف اثارة الغرائز, والمكونات الطائفية, كي يظهر بموقع الحكم بين الطوائف, والحامي للأقليات. ومن المستحيل أن يكون قادرا على رؤيتها, انتفاضة شعب, يريد الحرية,والكرامة, والتخلص من الإستبداد, أي من النظام ذاته.

-2-

أما الانتفاضة السورية العفوية التي وُلدت عارية على يد أطفال درعا. وُلدت يتيمة بدون أخوة وأخوات. فقط: الأم(الشعب) هي التي حضنتها, وألبستها حلتها الثورية, والمزينة بأغصان الزيتون, ونثرتها في كل المدن السورية لتطالب بالحرية والكرامة.

وُلدت في أرض موات سياسيا واجتماعيا. لم تجد معارضة سياسية أو منظمات أهلية أو نقابية تستند إليها, كما هو الحال في تونس ومصر واليمن. حيث وجدت الانتفاضة في تونس الاتحاد العام للشغل رفيقا لها منذ البداية. والانتفاضة في مصر وجدت أحزابا معارضة حتى لو كانت ضعيفة, وهامش في حرية الصحافة والقول السياسي, بحيث استطاعت احتلال ميدان التحرير والاعتصام فيه منذ الاسبوع الأول. بالإضافة إلى ذلك, كان للجيش في تونس ومصر الدور الحاسم في وقوفه إلى جانب الشعب. وكذلك الانتفاضة في اليمن وجدت إلى جانبها أحزاب معارضة, وحراك سياسي, وفضاء سياسي واجتماعي, أمكنها من خلاله التظاهر والاعتصام بشكل دائم في الساحات ولشهور طويلة. ومازالت مستمرة تواجه جيشا وأجهزة أمنية, ذو تركيب عائلي قبلي, مهمتها الاولى حماية المستبد من الشعب.

أما الانتفاضة السورية فلم تجد أي هامش يمكن أن تتحرك به. فالقمع التاريخي أغلق كل المنافذ التي يمكن للرأي الآخر أن يعبر عن نفسه. ولم تستطع الأحزاب المعارضة القديمة انتزاع أي هامش للحرية يمكن أن تتنفس من خلاله. ولذلك لم تجد الانتفاضة سوى الجامع, المكان الوحيد المسموح فيه للتجمع, ثم الانطلاق منه, والتعبير عن الرأي عبر التظاهر السلمي.

ومع دخول الانتفاضة شهرها الثامن, قدم الشعب السوري حتى الآن, عشرات الآلاف من الشهداء, والمفقودين, والمعتقلين, والمطلوبين, ومازالت الانتفاضة مستمرة. والشعب السوري الذي حطم جدار الخوف, واكتشف قوته من خلال انتفاضته السلمية, لم يعد يقبل بأية إصلاحات يقوم بها النظام من اجل إعادة إنتاج الاستبداد بأشكال جديدة, ولذلك فهو متشبث بشعاره الوحيد”الشعب يريد إسقاط النظام”. ولن تتوقف الانتفاضة حتى إسقاط النظام, وإقامة الدولة المدنية الديمقراطية.

يبدو أن الصراع المفتوح بين النظام من جهة, والشعب ممثلا بالانتفاضة, من جهة أخرى, لا يشير إلى أي حل حقيقي يمكن أن يضع نهاية له. المسألة ببساطة إما النظام أو الشعب. والصراع لم يعد يقبل الحلول الوسط.

فالنظام بحكم بنيته لا يمكن أن يقبل بأحد يشاركه السلطة. وكل المؤتمرات التي يعقدها, والحوارات التي يجريها مع حاشيته, والمراسيم والقوانين الجديدة, للإعلام والأحزاب والانتخابات وتعديل الدستور, وإلغاء المادة الثامنة ومشتقاتها, وسيقبل في المستقبل, بمشاركة بعض الأجراء, في انتخابات رئاسية شكلية على الطريقة المصرية القديمة..الخ. كل ذلك لن يستمع إليه الشعب, لأنه بالمحصلة ليس أكثر من ترقيع مفضوح للاستبداد.

والانتفاضة بالمقابل لا يمكن أن تقبل بمشاركة هذا النظام السلطة. لأنها بالأساس لا تهدف إلى السلطة, أو مشاركة النظام القديم. إنها تهدف إلى إزالة النظام الاستبدادي ومرتكزا ته التي بُني عليها منذ نصف قرن, وإقامة دولة مدنية ديمقراطية تعددية تعبر عن الإرادة العامة للشعب كله, وتصون حرياته وكرامته.

وتاريخ البشرية يفيدنا في توقع النهايات الكبرى: بأن الصراع المفتوح بين النظام الاستبدادي والشعب الذي يتوق إلى الحرية, سينتهي حتما بانتصار الشعب, لأنه لا يمكن لأي نظام مهما كانت قوته وجبروته أن ينتصر على شعب يريد الحرية. لكن بالتأكيد, لا أحد يمكن أن يقدم إجابة شافية عن السؤال الذي يدور في أذهان السوريين جميعا في هذه المرحلة: إلى متى سيستمر هذا الصراع؟ وكم من الضحايا سيقدم الشعب ثمنا لحريته, وكيف, ومتى سينتهي, وينتقل المجتمع إلى مرحلة البناء الجديدة؟

لأنه لا يوجد ثورة في العالم يمكن نقلها من المخطط إلى الأرض كتشييد البناء مثلا, والمخطط الزمني اللازم لذلك.. ومسار كل ثورة يختلف في التفاصيل من مجتمع لآخر, حتى لو كانت الأهداف ذاتها.              وهذا يدفعنا لمحاولة قراءة مسار الثورة السورية ومستقبلها, والتوقف عند بعض المراجعات الضرورية, لهذا المسار الذي يصبح أكثر تعقيدا وخطورة.

-3-

رغم النشوء اليتيم للثورة السورية, إلا أنها حققت العديد من الانجازات الهامة, ليس على صعيدها الذاتي ونضجها وفرزها لقيادتها وتنسيقياتها في كل المدن والبلدات والقرى فقط, إنما على مستوى المجتمع كله والسلطة, بحيث أصبحت قاطرة للجميع رغم الحصار والقمع والقتل المستمر من قبل السلطة.

من جهة أخرى, إن توقف انتشار الانتفاضة عند حدود المدن الكبرى(حلب ودمشق), والأقليات الدينية والقومية, التي لم تنهض وتنضم للثورة حتى الآن. وتأثرها بالانتصار السريع للثورة في تونس ومصر, والقمع الوحشي الذي تعرضت له منذ أيامها الأولى, دفعها للتعبير عن النزق الثوري منذ الأشهر الاولى.

وتجلى ذلك النزق في العديد من المظاهر:

أولا: دعوة المدن الكبرى والأقليات والجيش إلى الانضمام للثورة عبر التسميات المختلفة لأيام الجمعة: الجمعة العظيمة, صالح العلي, العشائر, أزادي, بركان حلب, حماة الديار. إلا أن الانتفاضة لم تستمر بدعواتها في الداخل, بهذه الطريقة النزقة, لأنها عرفت أن الانضمام للثورة لا يتم بالدعوة إليها, على طريقة الولائم العامرة بالمشاوي والمأكولات الشهية.

هذا النزق هو تعبير عن أزمة حقيقية تواجه الانتفاضة. فعدم نهوض المدن الكبرى يعني أن الثورة لن تنتصر بشكل سريع كما حصل في تونس ومصر. والصراع المفتوح, خاصة إذا استمر لفترة زمنية طويلة, يفرز في كل مرحلة من مراحله, عوامل داخلية وخارجية, وقوى جديدة, وأزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية جديدة, قد تكون غير متوقعة, ويمكن لها أن تلعب أدوارا مهمة في الصراع.

وتوقف الانتفاضة عند حدود المدن الكبرى حرمها من انضمام نخب الطبقة الوسطى المتمركزة في هذه المدن, من مثقفين, وفنانين, وصحفيين, ومحامين, وقضاة ومهندسين, وأطباء, ومنظمات أهلية ومدنية. هذه الطبقة التي تميل عموما إلى الاستقرار الاقتصادي, وعدم المبادرة إلى المواجهة, إضافة إلى الأقليات التي تشكل حوالي 30% من السكان في المدن الكبرى, كانت بحاجة إلى الاقتناع بالبرنامج السياسي للانتفاضة, حتى تتجرأ وتواجه العنف الفظيع للأمن والشبيحة في الشوارع وأقبية المخابرات. وهذا أدى إلى عدم قدرة الانتفاضة على احتلال ساحة واحدة في سوريا والاعتصام فيها, وبقيت انطلاقة التظاهرات محصورة في الجوامع, وهو المكان الوحيد لإمكانية التجمع, وهذا أظهر الانتفاضة لدى الرأي العام الداخلي والخارجي كتمرد إسلاميين, وليست انتفاضة شعب يسعى إلى الحرية وبناء الدولة الديمقراطية الحديثة.

ثانيا: بدلا من مناقشة الثوار للأسباب الحقيقية لعدم النهوض هذا والعمل عليها, يتم العمل متأثرين بالتجربة الليبية, على تصدير الأزمة للخارج, وتم تتويج ذلك النزق, بطلب “الحماية العربية”, ثم “الحماية الدولية”. وكذلك الانتقال إلى شعار “الشعب يريد إعدام الرئيس”, بدلا من محاكمته, كما هو الحال في كل الثورات العربية الأخرى.

إن المطالبة بالحماية الدولية, مع ارتفاع بعض الأصوات لتبرير حمل السلاح من قبل البعض ردا على وحشية النظام, يعني عسكرة الثورة, وخسارتها لسلميتها, وهي أهم عناصر قوتها. كما شكلت الانشقاقات الفردية عن الجيش وانضمامهم للثورة, عنصرا جديدا أُضيف لأزمة الثورة. حيث ازدادت شراسة النظام, وأصبحت مسألة عسكرة الثورة أكثر غموضا أمام الرأي العام في الداخل والخارج. وربما تكون هذه الانشقاقات مفيدة للثورة لو كانت بحجم أكبر يجعلها قادرة على السيطرة على جزء من الأرض, إلى جانب الثورة السلمية الشعبية, وليست مختلطة معها.

وثالثا: ترافق ذلك مع استجابة المعارضة إلى الشارع المطالب بتوحيدها, لكن هذا التوحد تم بشكل مشوه وأقل بكثير مما كان يتمناه الجميع. حيث رُسمت الحدود بين معارضات مختلفة. معارضة الخارج ممثلة بالمجلس الوطني السوري, الذي يتكون من الإخوان المسلمين, والليبراليين المقيمين في الخارج, وقسم من معارضة الداخل, والأكثرية فيه أسماء غير معروفة من قبل الشارع السوري. وقد حددوا مهمتهم: باسقاط النظام الاستبدادي, وإقامة الدولة المدنية الديمقراطية, وتوفير الحماية الدولية للمدنيين, والدعم اللوجستي للانتفاضة, وسعيهم لاعتراف العالم بهم كبديل(وحيد!) عن النظام. ومعارضة الداخل الممثلة بهيئة التنسيق الوطنية, والتي ضمت القوميين وبعض اليساريين, والذين دعوا إلى دعم الانتفاضة, والى إسقاط الاستبداد ضمن السلطة.

إن التقسيم الذي حصل بين معارضة الداخل ومعارضة الخارج, أساء للثورة, وجعلها بدون قيادة سياسية حقيقية في الداخل, معروفة ومقنعة لأغلبية السوريين. وهذا التقسيم ليس تقسيما جغرافيا, وتوزيعا للأدوار بين الداخل والخارج, على قاعدة المعارضة الموحدة, التي يجمعها الهدف المشترك, وهو بناء الدولة المدنية الديمقراطية. إنما للأسف جاء التقسيم بناء على خلاف جذري حول كيفية إسقاط النظام الاستبدادي. حيث تمحور الخلاف حول التدخل الخارجي وضرورته لإسقاط النظام, أم رفض هذا التدخل.

فالمجلس الوطني – الذي نال ثقة أغلبية الهيئة العامة للثورة التي تقود الانتفاضة في الداخل, واعتبر نفسه بذلك ممثلا وحيدا للثورة في الداخل والخارج – بدلا من أن يعمل على انجاز برنامج سياسي للمرحلة المقبلة, ويُقنع الأغلبية به, ويعمل على تطوير الوسائل السلمية والإعلامية للانتفاضة, بدأ يعمل على الحماية الدولية, عبر الجامعة العربية, وكأنها مهمته الرئيسية الوحيدة.

وهذا يُشير للعودة إلى قناعات ترسخت في أذهان المعارضة عبر العقود الطويلة للاستبداد, ملخصها أن الشعوب غير قادرة بمفردها على إسقاط أنظمتها الاستبدادية, ولابد لها من الإستعانة بالخارج. وهي قناعات تجاوزها الربيع العربي, في تونس ومصر واليمن. هي عودة إلى الوراء في مسار الثورة.

وفي المقابل أبرزت هيئة التنسيق الوطنية في الداخل: “لا للتدخل الخارجي”, كعنوان رئيسي لمؤتمرهم, والذي فيه نوع من التملق للنظام, الذي سمح لهم بعقد مؤتمرهم بشكل علني في دمشق.

وقد رافق الغموض مفهوم الحماية الدولية للمدنيين, هل هو: إدانة, مراقبين دوليين, حماية للمدنيين العزل, تدخل سياسي, أم عسكري, حظر جوي, منطقة عازلة..الخ. ورغم كل التفسيرات المختلفة للحماية الدولية, فإن هذه الحماية لن تؤدي إلا إلى شيء واحد وهو: التدخل العسكري, على الطريقة العراقية أو الليبية, أو على الأرجح طريقة سورية جديدة.

إن المجلس الوطني السوري يعمل على طريقة المجلس الليبي, ومن قبله المؤتمر الوطني العراقي, الذي استدعى الاحتلال الأمريكي للعراق, ومازالت آثاره المدمرة راهنة في أذهان كل السوريين. مع ملاحظة أن الفرق بين سوريا والعراق, هو في وجود ثورة شعبية في الشارع السوري, تعمل على إسقاط النظام, وهذا لم يكن موجودا في العراق. والعراق بلد نفطي وبهدد دول الخليج العربي, خزان النفط العالمي, أما سوريا ليست نفطية, ورغم جوارها لإسرائيل فهي لم تشكل تاريخيا أي تهديد لها. ونقطة التشابه الهامة هي في مكونات المجتمع السوري والعراقي, المتعدد الانتماءات المذهبية والقومية, وكذلك سيطرة الأقلية المذهبية على الدولة والمجتمع.

وتفجير هذه المكونات واللعب عليها من قبل الاحتلال في العراق, جعل من إسقاط صدام حسين, ليس فتح بوابة الحرية كما تعمل الثورات العربية الآن على يد شعوبها, إنما خطوة إلى الوراء, بإعادة إنتاج الاستبداد الطائفي المذهبي, والحرب الأهلية التي أزهقت مئات الآلاف من الأرواح البريئة وفق الهوية الطائفية. وتشابه المكونات السورية مع العراق, يجعل من أي تدخل عسكري في سوريا, لايختلف في آثاره عن العراق, وليس كالتجربة الليبية, ذات النسيج الاجتماعي الواحد.

والمجلس يستخف بعقول البشر عندما يقول نحن نسعى لحماية المدنيين, ونرفض التدخل العسكري الخارجي. ليس لأن المجلس يرغب بذلك, إنما لأن النظام لايمكن أن يسمح بأي نوع من أنواع التدخل بالطرق السلمية, والانتقال السلمي للسلطة, في ظل الصراع الوجودي بين الشعب والنظام. وأيضا فإن العقوبات الاقتصادية, والإدانة, وطلبات التنحي, وتقديم النظام لمحكمة الجنايات الدولية…الخ. كل ذلك, لن يُسقط النظام.

والسعي نحو الحماية الدولية, أدى إلى تحويل الأنظار عن الهدف الأساسي للانتفاضة, وهو الحرية, وبناء الدولة الديمقراطية, إلى مناقشة التدخل الخارجي ومخاطره, وهي اللعبة التاريخية للسلطة, وهذا يسيء للانتفاضة وأخلاقياتها, وقيمها, وأهدافها, وخاصة في المدن الكبرى التي تضم الأغلبية الصامتة, والتي ينتظر الجميع الشرارة لانضمامها للثورة.

والمفارقة الكبرى الآن في سوريا أن الانتفاضة الشعبية وقيادتها هي التي تطالب بالحماية الدولية, وليس زمرة من الأشخاص, يمكن وصفهم بالعمالة, أو المتآمرين كما يصورهم النظام. ومن الطبيعي أن كل من يقف ضد هذا التدخل يُعتبر حليفا للنظام, وضد الشعب. وبالمقابل الجميع يعرف الآثار الوخيمة لهذه الحماية, وهو التعبير الملطف للتدخل العسكري, والذي سيزيد من غزارة الدم النازف, وسيحول مسار الثورة من ثورة الحرية, إلى ثورة تقودها الأجندة العربية الخليجية, والغربية الأوروبية والأمريكية والتركية, التي تم إسقاط النظام من أجلها. وهذه الأجندة غير مُدقق فيها حتى الآن, وهي حتما ليست لصالح الشعب السوري. لأنه تاريخيا لم يتدخل الغرب في بلاد العرب من أجل الشعوب وتحررها, إنما هو تاريخيا نصير للاستبداد, طالما هذا الاستبداد يحافظ على مصالحه, ومصالح إسرائيل.

لقد عمل النظام منذ انطلاقة الانتفاضة, على عسكرتها وتحويلها إلى تمرد مسلح, واصفا إياها بالعصابات المسلحة, إلا أنه فشل في ذلك. إلا أنه مع التدخل الخارجي, ستتحول الثورة السلمية وثقافتها الجديدة الداعية إلى الحرية والكرامة, إلى انتفاضة مسلحة, تصبح طرفا رئيسيا في حرب أهلية طاحنة, تُدخل البلاد في دوامة عنف لايمكن السيطرة عليها, في مجتمع يختزن في داخله, غضب وعنف بدون حدود, ترسخ في النفوس السورية عبر التاريخ.

إن هذا الانزياح في مسار الثورة السورية خطير للغاية. فالتدخل الخارجي سيجعل الثورة تخسر سلميتها, وستخسر إمكانية إنضمام المدن الكبرى والأقليات إليها. وبالمقابل سيحدث إنقسام اجتماعي, وحرب أهلية, طرفاه الرئيسيان: أنصار التدخل, ومعارضيه. وسيكون الهدف الصراع على السلطة, وليس إسقاط الاستبداد وبناء الدولة المدنية الديمقراطية.

أن تنزاح الثنائية: ثورة شعب مقابل نظام استبدادي, سيؤدي إلى الحرية والكرامة وبناء دولة حرة ديمقراطية, إلى ثنائيات بديلة:

أنت ضد التدخل, اذن أنت ضد الثورة, ومع النظام في استمراره في قتل المدنيين, كما تقول المعارضة.

أنت مع التدخل, يعني أنك خائن ومشترك في المؤامرة الخارجية ضد الوطن, كما يقول النظام.

وكل الشعب والمعارضة, تطلب الحماية الدولية للمدنيين, وليس التدخل العسكري الخارجي, لكن لايمكن تحقيق هذه الحماية إلا بتدخل عسكري خارجي دولي يقف إلى جانب الثورة لإسقاط النظام. وهذا التدخل سيدمر سوريا. ماهو المخرج؟ اليس من الممكن أن نكون مع الشعب وثورته وحريته, وأن نكون بالوقت نفسه ضد التدخل؟

يأمل أغلب السوريين, منتفضين وصامتين, أن يحسم المرحلة الأولى, إنقلاب عسكري, ينقل سوريا عبر مرحلة انتقالية, إلى بر الأمان, حقنا للدماء التي تنزف كل لحظة, وليس كل يوم. أو أن تأخذ الثورة السورية مسار الثورة اليمنية. أي أن يستمر الصراع داخليا إلى أن ينتصر الشعب ويسقط الاستبداد بيديه, بدون أي تدخل عسكري خارجي. إلا أن الثورة في سوريا لم تقطع الأشواط التي قطعتها اليمنية, التي بقيت سلمية, رغم أن الشعب اليمني كله يملك السلاح, مدعومة بالمدن الكبرى وبعض القبائل, وإلى جانبها جناح مسلح منشق عن الجيش يحمي هذه السلمية. ولايهم كثيرا الزمن الذي قد تستغرقه كي تنتصر. والثورة اليمنية مستمرة, رغم دعم السعودية ودول الخليج للرئيس صالح. إلا أنه سيرحل وسيُحاكم مع عائلته, وحاشيته, رغم كل المبادرات الخليجية لإنقاذه.

إن النزق السوري لم يأت من فراغ. إنما وصل الشعب السوري إلى حالة “فليأت الشيطان”, بعد نصف قرن من اضطهاد وبطش النظام, وبعد عشرات الآلاف من الشهداء والمفقودين والمعتقلين, خلال ثمانية أشهر من عمر الانتفاضة, والاهانة والتمثيل بالناشطين, والتجويع وقطع الماء والكهرباء والطعام…وغير ذلك الكثير. والنظام هو المسؤول عن وصول الشعب إلى هذه الحالة, ومطالبته بالحماية الدولية, لأنه لا يمكن أن يُلام الشعب, وهو في موقع الضحية, المهدورة كرامته وحريته. وبالتالي لايمكن أن يكون الإنسان إلا مع الشعب, حتى عندما يستنجد بالشيطان.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...