الرئيسية / صفحات المستقبل / مشاهد عابرة/ أمير الحسين

مشاهد عابرة/ أمير الحسين

 

 

قبل الهروب:

(أمام تمثال حافظ الأسد، منتصب وذراعه ممدودة يحيّي المارّةَ).

من المفترض أنه تم تحطيمُكَ. (تستدرك بسخرية) اوووه.. نسيتُ أن شعباً من تماثيلكَ كان يعيش بيننا نحن السوريين. (تدور حول التمثال عكس دوران عقارب الساعة) زرتُ ضريحكَ ذات مرة، مع وفدٍ مدرسي، لم أصدق حينها أنكَ ميّتٌ وأنكَ المدفونُ.. حقاً؛ لقد حقّقتَ أبديَّتَكَ في خيالي وفي خيال المقهورين أمثالي. حتى الحبوبُ المهدّئةُ لا تفلحُ في تحطيمكَ داخل رأسي، ولم تفلحْ حتى الآن في زرع وردةٍ على ضفاف ذاكرتي القاحلة. كأيّ طفلةٍ، كنتُ أريدُ أن أتناولَ الفواكه، لا في الأعياد وحسبُ، ولا في الوعكات الصحية وحسبُ.

أَكان حريّاً بأبي، الموظف البسيط، أن يرتشي ويختلسَ الأموالَ حتى نهنَأَ بالعيش الرغيد؟! بالتأكيد لا. عشنا الحرمانَ، لكنّ حياتَنا كانت نزيهةً. وهكذا كانت أحوالُ غالبية الشعب.

كنتَ طفلةً، وكم صدّقتُ يدَكَ هذه (تشير إليها) وأنتَ تحيّي المارّةَ على مداخل المدن وفي الساحات. صدّقتُ الوحدةَ/ الحريةَ/ الاشتراكيةَ. صدّقتُ أموراً كثيرةً، وما كان أبي يُفْصِحُ لي عن الحقيقة.

امتلأت سجونُكم بالناس؛ بكل مَن كانت تسوّلُ له نفسُهُ بالحرية والديمقراطية والعيش الكريم، في مسيرة لُقْمةِ العيش المغموسةِ بماء الكوابيس. كنا نخاف من ظلالنا، من المُخبرين في كل مكان، يشرئبون برؤوسهم من مسام جلودنا. وكم كنا نكرَهُ أنفسَنا في أتّون الصمت. كم مسكونةٌ أنا بأصوات كل الأبرياء – ضحايا الكلمةِ الحرةِ والحياةِ، في بلدي وفي العالم.

مسكونةٌ أنا بعويل وآهات النسوة الحرائر، بصراخ الأطفال، بحفيف الشجر المهجور، بخرير النهر المهجور. وحين دقّتْ ساعةُ الكرامةِ انتفضنا بكل سلام، في الشوارع والجوامع والساحات. هتفنا للحرية، للعدالة، للإخاء، للمساواة، للإنسانية… لكن لم نرَ سوى الموتِ جواباً على صراخنا..! هي ثورة الأشجار لاستعادة اخضرارها، هي ثورة الماء على الماء. تساقطت الأقنعةُ، تداعت الوجوهُ، وجِيءَ بالقَتَلةِ واللصوصِ إلى الوطن من كل حَدْبٍ وصَوْبٍ.

(إلى التمثال): الأرضُ، لمن الأرضُ؟ لمن يعمل فيها؟ لمن يولدُ فيها؟ لمن يموتُ فيها؟ لمن الأرضُ؟!

أمْ أنّ الوطنَ للجميع.. ولستُ أرى سوى أنّ الجميعَ صاروا للوطن قرابين.

والسماءُ، لمن السماءُ؟ للعصافير أمْ للطائرات؟!

ربما يجب أن نلومَ أنفسَنا، أنفسَنا التوّاقةَ إلى الحياة. يا للخراب المَهُولِ. مَن سيكفلُ إعمارَ البلد؟ مَن؟ المساهمون في الحرب يتكفلون، عادةً، بالجزء الأكبر؛ هكذا أنبأتْنا الحروبُ. لكن، هيهات أن تكون للبيت الجديد روحُ البيتِ القديمِ، هيهات أن تكون للحديقة الجديدة روحُ الحديقةِ القديمةِ..

***

بعد الهروب:

(أمام تمثال الحرية):

الحرية، أجل الحرية. حرية من حجر! من نحاس! من حديد!. أياً كان معدنُكِ التافهُ لا يهمّني. يقال إنه كان يجب أن تكوني في مدخل قناة السويس، لكنّ الخديوي اسماعيل رفض، فكان أن نصبوكِ هنا في نيويورك.. (ساخرةً) الأرض الجديدة. وكعربون صداقة بين فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية. الأرض الجديدة! أرض الحريات! أرض فرص العمل!

(تبتعد عن التمثال. تتحدث إلى الفراغ بنبرة جدية وصادقة):

لكنني أشكُّ في الأرض الجديدة، أيّاً كانت الأرضُ الجديدةُ. وأشكُّ في السيدة تلك (مشيرةً إلى التمثال) وأشكُّ في أنّ عصفوراً، يوماً ما، قد دنا منها. (إلى التمثال، باستهزاء): أليس كذلك سيدتي الجميلة؟ أليس كذلك .. يا فزّاعةَ الحريةِ؟. أينما كانوا نَصَبُوكِ لا فرقَ…(ضاحكةً ) حتى لو كنتِ في غرفتي.. (تستدرك، وباستهزاء) اوووه .. غرفتي لا تسعُكِ، لقد نسيتُ أنكِ كبيرةٌ وهائلةٌ، كما أنّ غرفتي متواضعةٌ وقد لا تليقُ بمقامكِ. (تتذكر، وهي تحكّ رأسها، ساخرةً) لكن، هل تعلمين لماذا رفضكِ الخديوي؟ رفضكِ بحجّة تكاليفكِ الباهظةِ يا سيدتي. (بنبرة جدية) ولكن، حقاً مَهرُكِ غالٍ.. أيتها السيدةُ العجوزُ. أجلْ، عجوزٌ، لكنّكِ جميلةٌ وقويةٌ، وليس للزمن عليكِ من سلطان.

(ضاحكةً بشيء من السخرية) عمرُكِ يربو على مئة سنة، وإنكِ أجمل ُمن جدتي لأمي (تتذكر جدتها بأسى).. جدتي المسكينة، نال منها الزمنُ ما نالَ.. ورحلتْ قبل الفاجعة التي ألمّتْ بشعبنا وبالوطن..

(تتمشى وسط الخشية) كم أفتقدُكِ جدتي. ما كانت لتكترثَ للقصف في المدينة؛ كانت ستظلّ صامدةً بإيمانها، كشجرة التين في بيتها.. أو كسلحفاة لا تَخرجُ من بيتها إلا جثةً هامدةً. أما نحن المغلوبين على أمرنا، هَرَبْنا… وبقيَ مَن بقيَ..، منهم دفاعاً عن الوطن، منهم نَهْباً للوطن، ومنهم مَن لا حولَ لهم ولا قوةَ.

قِيْلَ إن الطريقَ إلى الفردوس تمرُّ عبر جسورٍ من أجسادنا. أقفلنا أجسادَنا حتى في وجه الأزهار؛ خوفاً..، لكنهم حطَّموها. لا يبحثون عن الحقيقة؛ بل يشوّهون أوهامَنا الجميلةَ.

(تقترب من السيدة التمثال):

وما هذا الكتابُ الذي بيدكِ؟ هل هو “رأس المال” لماركس؟ هل هو كتاب “الأمير الصغير” لميكافيللي؟ ليس كتابَ التاو.. ليس الدامابادا .. ليس الكتابَ الأسودَ (تستدرك) ولا أياً من الكتب السماوية… سنسمّيه (تفكر قليلاً) الكتابَ الأبيضَ.. ما رأيكِ؟ الكتابَ الأبيضَ. لكن، ماذا في طياته، ما الجديدُ فيه، ومن كتبَهُ؟ آه أيتها الجميلةُ، أنتِ نفسُكِ لا تعلمين.. وتحملينه!.

أياً كان جوهرُ كتابِكِ لا يهمُّني في شيء؛ فقد شبعتُ من القراءة، من الفلسفات، من الوجود ومن العدم.

(تنتبه إلى السلاسل المفككة حول قدمي التمثال. وبدهشة): اوووه سلاسلُكِ مفككةٌ، لماذا لا تمشين؟ هيا.. هيا تحركي، ولنرقصْ معاً، هيا…، لا تستطيعين؟ أعلمُ ذلك، ولكن هل تعلمين أنتِ لماذا؟ لأن الحريةَ تنبعُ من داخل النفس، أيتها الجميلةُ البلهاءُ.

انظري .. انظري إليّ؛ لا سلاسلَ حول قدميّ.. ويمكنني الرقصُ

(بنبرة فيها أسى) لكنّ سلاسلي هي في داخلي.

كل الدروب تؤدي إليّ

لكن

أين أنا

أين أنا

أين أنا

ضفة ثالثة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

من إسقاط الكيماوي إلى الرياض/ إياد الجعفري

  تزدحم الرزنامة السورية، خلال الأسبوعين المقبلين، باللقاءات التفاوضية النوعية. ويبدو الأمر وكأن القوى المتصارعة ...