صفحات سورية

( مشروع مبادرة كوردية للتغيير في سوريا) نحو دولة تعددية, ديمقراطية, علمانية

 


د. سربست نبي

يحوم شبح التغيير في أيامنا هذه في سماء الشرق الأوسط. شرع يدكّ الجمهوريات الوراثية المستبدة واحدة تلو الأخرى. وأخذ يطبع المكان بطابعه الخاص , ونعني الجغرافية السياسية للمنطقة, التي باتت تحفل بتحولات متسارعة وغير مسبوقة, بالكاد يستطيع المرء تتبعها.

تمنح هذه  التحولات فرصة هائلة لشعوب المنطقة  للانعتاق من ربقة الاستبداد الصدئ  وفساده المزمن, الذي هيمن طوال عقود من الزمن على الحياة في تلك المجتمعات. وهي تتماشى مع رغبات شعوب المنطقة في الانعتاق, ويتسق مع إراداتها في الظهور بمظهر جديد على مسرح التاريخ, على نحو يتعارض مع وضعية القهر التي فرضت عليها. ولا ريب في أن هذا الحراك سيعيد تشكيل بانوراما تاريخنا المعاصر ومستقبل شعوب المنطقة. وهو وضع فريد بكلّ المقاييس, يستدعي منا إعادة تعريف ما هو تاريخي وما هو سياسي في اللحظة الراهنة. وإدراك ما هو الجوهري في هذا التغيير وتميّزه عما هو عرضي.

جميع الأنظمة  الاستبدادية هي الآن في حالة تقهقر في المنطقة. كيف إذن نفسر هذا التحول العاصف في النظم السياسية وفي المجتمعات؟ وما الذي يمكننا أن نتوقعه بالنسبة لمصير قضيتنا القومية سياسياً؟ وما هو الدور المحتمل والمؤثر الذي بمقدور الكورد السوريون القيام به؟ وفي هذا السياق  يتعين علينا أن نلحّ بصورة دائمة على التقابل الأساسي, بنظرنا, بين واقع الشعب الكوردي القائم, واقع العبودية والاضطهاد والإملاق, وبين ما ينبغي أن يكون عليه واقعه مستقبلاً, وما نطمح إليه.

الشعب السوري إذ يبرهن اليوم علانية, وبصورة عملية, على نطاق واسع تأييده الحاسم للتجول الديمقراطي, وإسقاط نظام الاستبداد البعثي بالطرق السلمية الأرقى والأنبل, وينشد حكومة مدنية ديمقراطية تعددية, تمثل هذا الطيف الاجتماعي والسياسي السوري كله على نحو عادل, فإن هذا التأييد لا ينبثق فقط من قناعة السوريين أن النظام يمثّل شرّاً وفساداً فحسب, فهذا من مبدئه وطبيعته أصلاً, إنما أكثر من ذلك لأن هذا النظام ببنيته الشمولية أصبح نافلاً ومضاداً للتاريخ ولمستقبل السوريين جميعاً, بحيث بات محالاً التعايش معه, وأمس تفكيك هذه البنية والتخلص منها ضرورة تاريخية وأكبر تحدٍّ مباشر أمام السوريين جميعاً.

أن نتصالح مع مستقبلنا, كـ كورد وسوريين, أن نكونه, في هذه الجغرافية السياسية, تلكم هي المسألة الرئيسة, وما يمكن أن نتوقعه من هذا التحول التاريخي. وفي هذا  السياق تشكل الدولة الوطنية- المدنية الإطار السياسي والحقوقي الأرقى لتنظيم الحياة المشتركة في هذه الجغرافية. كل ذلك عبر مساهمتنا الحرّة في تقرير مصيرنا السياسي, والسعي إلى أن يكون مستقبلنا هو ذاتنا, ولاشيء غير ذاتنا, المستقبل الذي ينبغي أن نسهم في صناعته ونحقق ذاتنا فيه تحققاً حرّاً.

في مسيرة  التغيير هذه لن تكون لنا من هوية أو دور إلا ما نعمل.ومن الهام أن نعيّ ذاتنا كشعب وعياً مباشراً فيها ونجسده كإرادة حرّة. وعليه ينبغي أن ننهض, أن ننتفض على واقع العبودية القومية والاستبداد,  ونعبر عن ذاتنا كي نطبع التغيير بطابعنا الخاص, لأن في هذا مصلحة واقعية وتاريخية لنا.

يتعين علينا  أن ننتمي بوعي إلى واقع التغيير, ونساهم بقوة في تحديد مصائره, فلا يحتمل  أن نكون غير مكترثين بما يجري حولنا  من تحولات, أصبحت ساحتنا السورية مسرحاً رئيساً لها. وفي هذا الموقف بالذات يبدو الحذر واليقظة ضروريان كي لا نسجل إخفاقاً آخر في تقرير مصيرنا.

تقود الحركات  التكتونية السريعة هذه إلى  نشوء نظم سياسية جديدة في الشرق  الأوسط, واندثار أخرى حكمت باسم الحاكم الأوحد, الأب الواحد الذي لا شريك له. ويصاحب ذلك انزياح عن حقل الأيديولوجيات  التي هيمنت باسم الحزب الواحد, والعرق الواحد, والشرعية الوحيدة, التي أفرزت أشدّ أشكال الولاء انحطاطاً.

ففي ظل هذه  النظم البالية استأثرت طغمة في ذاتها القرار السياسي والاجتماعي واحتكرتهما. ومن هذا المنطلق استبدت بإرادة الأغلبية, بعد أن استعارت لسان الأمة وصارت ناطقة باسمها, وزعمت أنها تتحدث باسم العموم ومصالحه. ويلاحظ أن هذا الادعاء بتمثيل مصالح العموم والتشدق بالشرعية كانا يشتدان و يتناميان بازدياد قمع هذه النظم لمجتمعاتها وتصاعد بطشها.

روّجت هذه النظم, على اختلافها وتنوع أنماطها, لقناعة مفادها أن المصلحة الوطنية الحقيقية, وسلامة النظام سياسياً واجتماعياً, تكمن في التماهِ بين الدولة والمجتمع وحزب وحيد يختزل في نفسه الشرعية السياسية والقانونية, ويحتكر كل وسائل الإقناع, وينطق باسم المجتمع وشرعيته. وهذا التماهِ أو الدمج بين البنى الثلاث أطاح بالشرط السياسي و القانوني لردع السلطة ومقاومة عسفها. فصار من المتعذر تصحيح عيوبها ونواقصها, وتعويض مثالبها. ومهدت بذلك لشرعنة أخطائها التي تراكمت حتى غدت بنظرها انجازات وطنية وملاحم. وليس من المنطقي والمعقول, بعد كل هذه العقود, أن تستمر هذه القناعة وتهيمن على حياة السوريين, إذ لابدّ من رفضها بحزم ودون هوادة, لأنها شكلت وتشكل الأساس الرئيس لبقاء التسلط والاستبداد. إن احتكار السلطة على هذا النحو مثل الجذر الحقيقي لكل ركود اجتماعي وفساد سياسي واقتصادي عرفته سوريا طوال عقود.

هكذا صادرت هذه النظم أسس المشاركة السياسية الحرة.وقضت على كلّ إمكانية للتداول السلمي للسلطة, وكبحت كل مساهمة فردية أو جماعية للمواطنين. وبالمقابل فرضت بالقوة نمطاً معيناً من الوعي السياسي والأيديولوجي على المواطنين وسلبت عنهم حرية التفكير والتعبير, وأنهكت المجتمعات بشعاراتها الأيديولوجية, انطلاقاً من عدم ثقتها بوعي هؤلاء. ونجم عن ذلك وهن في الشعور بالمواطنة وهشاشة  في الانتماء, أفضت في النهاية إلى تدمير روح الاجتماع المدني والإنساني, وعمقت من تفكك المجتمع, وأتلفت كل فضاء تواصلي, وعززت النزوع الارتدادي إلى انتماءات عصبوية متخلفة, وأسست بالتالي, على مستوى الوعي, مقدمات التناحر الفئوي في المجتمع, الذي تحول إلى جمهرة سلبية, قلقة وعدمية, محتقنة ومفككة, تسودها الشك والكراهية.

هذه  السمات تنطبق إلى حدّ كبير  على الحالة السورية, التي استمرت, ولا تزال, منذ نصف قرن على  هذا النحو. وبسبب من ذلك لم  تتحول السلطة في سوريا إلى  سلطة دولة مواطنين بالفعل, إنما  في أحسن حال غدت سلطة بطش منظمة, كانت أولى برعاية العبيد. فقد اعتقدت أن من شأن القمع والخوف وحدهما أن توحد المجتمع وتحميه. بينما يخبرنا التاريخ أن جميع النظم التي عوّلت على القمع عجزت في نهاية المطاف عن الدفاع عن نفسها وعن المجتمع وحمايتهما, ما لم يكن هناك مواطنين أحرار يستشعرون حريتهم وينافحون عنها. إن مجتمع العبيد الراكع لسلطة القمع لا يقاوم قط, والنظام الذي يؤثر القوة والبطش يوّلد  الرعب في أذهان مواطنيه ويشيع الريبة وعدم الثقة. وفي نهاية المطاف, يؤدي كلّ ذلك إلى القطيعة بينه وبين الأساس الاجتماعي لشرعيته واستمراره, كما يؤكد العديد من مفكري السياسة.

المعضلة الرئيسة أمام السوريين الآن , التي تشكل تحدياً تاريخياً وسياسياً لهم, في مرحلة التغيير, تكمن في كيفية التحول إلى سلطة دولة مدنية, تستند على مبدأ المساواة السياسية بين مواطنيها. وهذا التحول يشترط قبل كل شيء الفصل السياسي والاجتماعي للدولة عن الجماعة العرقية وإلغاء وصاية الحزب( الواحد الأحد) وهيمنته على الجهاز الأيديولوجي والإداري للدولة. إن تحرر الدولة سياسياً من الأيديولوجيات العرقية والدينية, هو في الوقت نفسه مقدمة ضرورية لتحديث الدولة والمجتمع المدني. فقد أسس دستور عام (1964) لهيمنة الحزب الواحد على الدولة والمجتمع, وبموجب المادة الثامنة من الدستور الحالي أصبحتا أسيرتين للحزب الذي تحوّل إلى غول سياسي وأيديولوجياختزل كل الولاء الوطني في نفسه وفي شعاراته, وتحوّل هو بدوره إلى عتبة لتأبيد القائد المستبد. ومن الدلالات السياسية والرمزية لتغيب الدولة الوطنية والانتماء لها في هذه الحقبة, شيوع مفهوم( دولة البعث) في خطاب الإعلام الرسمي وطغيان نشيد البعث وعلمه, وتغييب النشيد والعلم الوطنيين.

 

لا ريب  في أن طابع السلطة في سوريا هو نتاج التاريخ  الذي مرّت به, ولا يمكن فهم هذا  الطابع إلا في ضوء هذا التاريخ. فهذه السلطة رغم أنها مثلت جهازاً سياسياً منظماً ومؤسسات حاكمة, إلا أنها فشلت في أن تكون سلطة مواطنين أحرار,  وعجزت عن أن تجسد تمثيلاً سياسياً حقيقياً للسوريين طوال ذلك التاريخ.

فمنذ انقلاب آذار 1963احتكر البعث وأيديولوجيته القومية الحياة السياسية في البلاد وقسرت المجتمع على التطبع بشعاراته الثوروية وعلى السير طبقاً لمصادراته الأيديولوجية ومقاصده, وقد انعكس ذلك على مجمل مناح الحياة العملية والنظرية. إذ قدّ الدستور السوري الحالي على مقاس دستور حزب البعث, بل يمكن عدّه مجرد حواشي على متنه الأيديولوجي. و تميّز بهيمنة الأيديولوجية القومية العنصرية عليه, التي تؤكد سيادة عنصر قومي دون غيره, وربط المواطنة السورية واختزالها في مطالب الأيديولوجية العروبية. ففي مقدمة الدستور التي تعدّ جزءاً لا يتجزأ منه.  يلاحظ استخدام كلمة( عربي) و( عربية) أكثر من ثلاثين مرة, ويعزز هذا المنحى القومي المنطلقين (1-2). ثم تترى المواد والفقرات التي تؤكد ما سبق. في الفقرة(1) من المادة الأولى تحدد اسم الدولة بـ( الجمهورية العربية السورية) وفي الفقرة(2) منها ( القطر العربي السوري هو جزء من الأمة العربية) وعلى كل فرد سوري جدير بالمواطنة أن يلتزم بالعمل من أجل وحدة الأمة الشاملة, فـ( المواطنون في الجمهورية العربية السورية هم فقط العاملون من أجل الوحدة العربية الشاملة. وفي المادة (4) اللغة العربية هي اللغة الرسمية, حيث تمّ تجاهل وجود أية لغات قومية أخرى في البلاد وإنكارها. وتُلزٍم جميع المواد التالية: (7)(63)(90)(96)(116) رئيس الجمهورية, ورئيس الوزراء والوزراء ونوابهم, وأعضاء مجلس الشعب, عبر القسم الدستوري بالعمل على تحقيق أهداف الأمة العربية في الوحدة والحرية والاشتراكية. كذلك الأمر مع المادة(11) الخاصة بمسؤوليات القوات المسلحة. وفي الاقتصاد والتخطيط الاقتصادي المادة(13), كما في التعليم والثقافة طبقاً للمادة(21) حيث ورد( يهدف نظام التعليم والثقافة إلى إنشاء جيل عربي قومي اشتراكي, علمي التفكير, مرتبط بتاريخه, معتز بتراثه, مشبع بروح النضال من أجل تحقيق أهداف أمته في الوحدة والحرية والاشتراكية) والمادة(23)( الثقافة القومية الاشتراكية أساس بناء المجتمع العربي الاشتراكي الموحد, وهي تهدف إلى تحقيق القيم الأخلاقية والمثل العليا للأمة العربية), وحتى في النطاق القضائي بينما كانت الأحكام تصدر فيما مضى باسم( الشعب السوري) صارت بموجب المادة(132) من الدستور الحالي تصدر باسم( الشعب العربي في سوريا). وماذا بعد كل هذه الـ(بعثنة) العروبية للبلاد, التي استعانت بكل تقنيات احتكار السلطة من النازية واستلهمت ممارساتها الأيديولوجية وخبراتها البيروقراطية!!!

الواقع  أن هذه السلطة سوّغت لنفسها, على الدوام, بداعي تمثيل المصلحة العامة والعليا, انتهاك القانون والدستور الذي وضعته بنفسها, وبررت الوسائل المستخدمة لذلك, حيث تفننت في تقنيات اغتصاب السلطة وتوسعت في مداها. ومن خلال ذلك لم تعتد إلا بالحفاظ على استمرارها كغاية قصوى. فاستحالت العروبة في ممارساتها وفكرها إلى نزعة عدوانية إقصائية, وقومية متعصبة. وانحدرت اشتراكيتها إلى شكل وقح وفجّ للابتزاز والنهب. وجعلت( حريتها) المعلنة المواطن السوري مجرد مستهلك للشعارات الأيديولوجية الشمولية والسيئة الإعداد.

لقد استباحت  سلطة الاستبداد, طوال عقود طويلة من الزمن, الحدود المرسومة لها, وتمادت إلى أقصى حدّ في الإساءة إلى حرية المواطن وكرامته, فلم تكترث بأية قواعد دستورية أو معايير إنسانية رادعة, ولم تخضع لأيّ حساب. من هنا حوّلت الإنسان- المواطن, الذي يجب أن تكون كرامته وأمنه غاية بحدّ ذاتها, إلى مجرد أدوات حيّة لممارسة عسفها. وسعت دون هوادة إلى جعل السوري يركع لها ويجثو على ركبتيه مطأطأ الرأس, وسلبت عنه كل خيارات الحرية, فحولت البلاد بذلك إلى سجن كبير, وجعلت من العباد أسرى فيه. فلم يكن المواطن يتمتع بأدنى حدّ من الحرية أو أيّة حقوق أخرى, ولم يكن له أيّ خيار بالاعتراض على التجاوزات القمعية للسلطة.

إن مكانة  الإنسان المعنوية وسموّه تفرض على  أيّ نظام سياسي أن يصون كرامته وحريته, ولا يجوز لأية سلطة أن تتعرض لها  بأي حالٍ من الأحوال. وهذا المبدأ كان محالاً في سورياالبعث لانتفاء الشروط السياسية التي تمكن الأفراد من تحديد القواعد التي يجب أن يرتكز عليها نظام الحكم, وغياب دور المحكومين  في ضبط السياسات العامة للسلطة الحاكمة وتحديدها, وإقصاء المواطنين عن المساهمة السياسية وعن ممارسة السلطة. فضلاً عن غياب الفصل والتمييز بين السلطة القضائية والتنفيذية, هذا الفصل الذي تقتضيه بنية الدولة الحديثة.

للوهلة  الأولى يبدو الدستور السوري وكأنه  يتكئ على مبدأ فصل السلطات, مثلما  هو معلن في الباب الثاني من الدستور. دون هذا الإعلان الأولي فأن  جميع النصوص الأخرى تنفي هذه الإمكانية, بل العكس تعزز من اختزالها في السلطة التنفيذية ودمجها فيها. فالسلطة التنفيذية, ممثلة برئيس الجمهورية, تهيمن بصورة فعلية على الأخريتين و تحتكر في نفسها جميع صلاحياتها. ومجرد الإقرار في المادة(8) بوجود سلطة عليا تعلو على جميع السلطات الأخرى, هي سلطة الحزب القائد في الدولة والمجتمع, هو كاف لنفي أيّ أهمية أو دور للسلطات الأخرى.

يمنح الدستور  السوري صلاحيات شبه مطلقة لرئيس  الجمهورية, الذي ترشحه القيادة القطرية, وليس لأحد أو أية مؤسسة تشريعية  أن تعترض على هذا الترشيح. وتسوّغ مقدمة الدستور وتكرّس هذه الصلاحيات أو السلطة بشرعية ثورية مطلقة اختزلها في حزب البعث. فهو( الذي فجّر ثورة الثامن من آّذار1963, وهو الذي يمثل إرادة الأمة وتطلعاتها نحو المستقبل, وكون مسيرته النضالية جاءت بالحركة التصحيحية في 16 تشرين الثاني 1970….الخ) بهذه المكانة يمنح الأمين العام, قائد الثورة كل هذه السيادة والإرادة المطلقة, أو المكانة شبه المقدسة,على المجتمع والدولة, من هذه الصلاحيات: حلّ مجلس الشعب, المادة (107). إعداد مشاريع القوانين وإحالتها لمجلس الشعب, المادة(110). يعترض على القوانين التي يقرّها مجلس الشعب, المادة(98). يتولى سلطة التشريع في كل الأحوال, ويلغي أيّ تعديل للدستور يقرّه مجلس الشعب بأكثرية ثلاثة أرباعه, ما لم يوافق عليه .المادة(111) الفقرات(1/2/4), المادة(149).

فضلاً عما  سبق, لرئيس الجمهورية, بموجب الدستور, صلاحيات قضائية تتعدى كل حدّ. فهو يترأس مجلس القضاء الأعلى, ويسمي أعضاء المحكمة الدستورية العليا, المادة(139). ويقترح تعديل الدستور, ويلغي المهام الدستورية لمؤسسات الدول في بعض الأحوال, المادة(113). وله صلاحيات عزل وتعيين الوزراء, المادة(95). والموظفين المدنيين والعسكريين, المادة(109). وبالمثل له صلاحيات عسكرية وأمنية لا حدود لها, انظر المواد(100) (101) (103).

كما أن مصادرة دور السلطة التشريعية تتجسد بصورة عملية في المادة(53) التي تؤكد على ضرورة أن يكون نصف أعضاء مجلس الشعب من العمال والفلاحين. ولأن الدستور يقرّ بأن حزب والبعث, وأحزاب جبهته الوطنية, هو الممثل الشرعي الوحيد للعمال والفلاحين, فأنه بذلك يضمن استمرار هيمنته على المجلس من خلال قوائم جاهزة, معدة بصورة مسبقة, وينفي كل إمكانية واقعية للتنافس الانتخابي الحرّ والنزيه. وهذا الأسلوب في ضمان الهيمنة والتسلط ينسحب في الوقت نفسه على انتخابات الإدارة المحلية ومجالس البلديات, والنقابات المهنية والجمعيات, التي يلزمها الدستور بموجب المادة(49) بالمشاركة في تحقيق المجتمع العربي الاشتراكي وحماية نظامه. مما قاد بالنتيجة إلى تقويض كل إمكانية أو شرط لنشوء قوى مدنية فاعلة وتطور مجتمع مدني حيوي قادر على السجال مع الدولة و مقاومة عسف السلطة وتماديها. وشكل ذلك عتبة تاريخية لاستمرار اغتصاب السلطة السياسية حتى وقتنا الراهن.

وخلال نصف قرن, تقريباً, فرض الاستبداد البعثي دستورياً نظاماً للامتيازات بديلاً عن مساواة المواطنين جميعاً, وكرّس تقسيماً قوامه درجة الولاء السياسي للحاكم- القائد, للأيديولوجية, للحزب الأوحد على حساب الولاء للوطن. وتمّ تصنيف المواطنين وحقوقهم بموجب ذلك. وبالمقابل جعل العيش مستحيلاً على المختلفين معه, الذين عدّوا مشبوهين ومارقين وخطرين على الانسجام الوطني.

وألغى  عملياً كل تعددية في الحياة  السياسية بموجب المادة(8) من الدستور  التي تنصّ على أن( حزب البعث  العربي الاشتراكي هو الحزب  القائد في المجتمع والدولة,  ويقود جبهة وطنية تقدمية تعمل  على توحيد طاقات جماهير الشعب,  ووضعها في خدمة أهداف الأمة  العربية) وبدورها صادقت أحزاب الجبهة وأقرّت في ميثاقها الأساسي(7-3-1972) بأن منهاج حزب البعث ومقررات مؤتمراته موجّه أساسي للجبهة في رسم سياساتها العامة  وتنفيذ خططها, فضلاً عن اعترافها بقيادة حزب البعث للجبهة والهيمنة عليها بأكثرية النصف + 1. على هذا النحو استلمت بصورة مفرطة للبعث وتماهت مع سياساته.

أصبحت الطاعة العمياء عقيدة الحكم ومحكّ  المواطنة الصالحة لدى سلطة الاستبداد, وعُرّفت هذه الطاعة( الخنوع) بدلالة الحرية المسؤولة. وكانت هذه هي الحرية القصوى والممكنة, التي يستطيع أن يتطلع إليها المواطن السوري. وبالمثل مجّد الأمن والسلام الداخلي, الذي عنى سلام المقابر والموتى( كما وصف هوبز). وكرّست وحدة قوامها الإكراه والخضوع. و كي يثبت ولاءه وجدارته الوطنية, في ظل نظام كهذا, لم يكن أمام الفرد- المواطن من بدّ سوى التنازل عن وعيه وضميره للحزب الحاكم وقائده الأوحد, وعن كرامته للأجهزة الأمنية. على هذا النحو اقترن مفهوم الأمن والاستقرار في خطاب النظام  وممارساته بكبت جميع أشكال الحريات طوال عقود طويلة.

كان الشعب  السوري برمته مشبوهاً في نظر السلطة مالم يثبت العكس, عبر تأكيد ولائه  المطلق للنظام بشتى السبل والممارسات. فكان عليه أن يهتف في كرنفالات تمجيد  النظام بشعاراته, ويتحرك وفق إرادته حتى يغدو في حالة إمحاء تامّ معه. لقد أراد النظام عبر جملة ممارسات تعبوية كهذه فرض وعيّ سياسي موالٍ مشترك على المجتمع, مما أثار الكراهية والحنق نحوه.

في مثل  هذه الحال كان السكوت وعدم معارضة النظام لا يجدي نفعاً ولا يحظى بالرضا التام للسلطة , التي كانت تريد أن تقوّل المواطن ما تريد هي قوله. وعلّة هذا الأمر أن الشعب كان مشبوهاً, بنظر النظام, لا مقتضى أفعاله وأعماله,  وإنما بموجب نواياه المضمرة والمفترضة. ولهذا السبب أيضاً كان يشعر على الدوام أن هناك ما يهدد أسسه, واتسمت ممارساته نحو المجتمع ومواطنيه, بموازاة ذلك, بالقسوة والارتياب.

التغيير والمسألة الكوردية. سؤال التغيير كوردياً:

التغيير بات حتمياً في سوريا, مثلها في ذلك  مثل الدول الأخرى. وكما يشير مسار تطور حركة الاحتجاج في الشارع السوري فأن  المآل الحتمي لنظام الاستبداد  هو التغيير, نظير أنظمة الاستبداد التي تداعت تحت ضربات السخط الشعبي وغضب الشارع. فهذا النظام باق حتى الآن في الظاهر فحسب, لكن بقائه ليس دليل قوته, إنما العكس دليل ضعفه, وهو يستمر بفضل ضعفه هذا, إنه هشّ إلى حدّ كبير في الداخل.

لكن من الهام  أن نعلم أيضاً أن هذا المصير أو المآل  لن يكون مستنسخاً, بالضرورة, عن التجارب  الأخرى وإن تماثل معها في بعض خصائصها. وهذا ما يستدعي من الكورد ونخبهم السياسية الترقب والحذر والتفاعل النقدي الإيجابي مع الموقف.

بات التغيير  أقرب الآن بالنسبة للشعب الكوردي  خصوصاً أكثر من أي وقت مضى. بموازاة ذلك أصبح يعي بعمق ضرورة تخطي وضعه الراهن المذلّ, نحو وضعٍ يليق بكرامته الإنسانية.

كانت إرادة  التغيير حاضرة على الدوام لدى الكورد السوريين, إلا أنها كانت تسبق وعيّ التغيير ومنفصلة عنه. كانت إرادة مجردة لا تاريخية, وقد باتت الآن متلازمة مع الوعي التاريخي بالتغيير ومتوحدة به.

لقد جسدت ملحمة آذار 2004 تماماً مثل هذه الإرادة, إلا أنها كانت تفتقر في الوقت نفسه إلى وعيها الذاتي براهنها وبقدرتها على التغيير. كانت مجردة رغبة سالبة واندفاع صارخ, رافض للقهر القومي والمهانة التي كان يعيشها الكورد. ومع ذلك شكلت برهة تاريخية ضرورية في مسيرة هذا الشعب نحو الحرية و الانعتاق, برهنت وقائعها على أن إرادة التغيير في غرب كوردستان ليست مجانية, وأن قضية شعبه ليست هامشاً سياسياً أو حاشية جيوبولوتيكية على القضايا المركزية, أو عتبة للمساومات الكبرى, بل تتمتع بالأهمية التاريخية والسياسية ذاتها, وبذات المكانة الإنسانية والقدرة على التأثير في موازين القوى.

وأفصحت هذه الهبّة بقوة عن أصالة الهوّية السياسية والتاريخية للقضية القومية في غرب كوردستان, وعبرت واقعياً عن الإرادة الشجاعة والمثالية للكورد السوريين من خلال القضاء على مستبقيات خطاب الجبن والعجز, الذي تكرّس طوال عقود من العبودية القومية, وأشاعته ذهنية سياسية منهكة ومتهالكة, وأزالت أخيراَ سحر الخوف على العقول والقلوب وفككته.

كانت برهة قصيرة لإثبات استقلالية الإرادة  التاريخية للشعب الكوردي, إلا  أنها كانت تجربة عميقة وخصبة لا تقدر, علمته نكهة الحرية, وأكدت جدارته بالكرامة الإنسانية.

معضلة الكورد السوريين لم تعد, بعد الآن, مع نظام الاستبداد  العنصري في سوريا, لأن مسألة بقاء هذا النظام من عدمه غدت مسألة وقت ليست إلا. إنما المعضلة الرئيسة هي مع تركة النظام السياسية والاجتماعية, من استعباد وتشويه وإقصاء وتعريب للكورد والجغرافية الكوردية….  الخ التي ينبغي أن تزول بزوال النظام, وهذا هو المحك الذي ينبغي لأيّ نظام بديل ومحتمل أن يثبت جدارته الديمقراطية وشرعيته الوطنية الشاملة عليه. ولهذا لا يبدو ثمة فارق هام وجوهري حتى هذا الوقت, من الناحية السياسية , أن يكون الكورد أول الثائرين على النظام أو آخر من يعلنون الثورة عليه. فما يبدو جوهريّاً بالنسبة لنا وحيوياً بالنسبة لمستقبل قضيتنا هو إعلان الثورة أولاً على تركة النظام العنصري.

من هذا  المنطلق تبدو مسألة التغيير من أجل ذاته( التغيير من أجل التغيير) عبثية وتشكل خيانة وطنية وإنسانية, لأن الغاية القصوى التي يبرر بها  التغيير تنبع من مبدئها, وهي التخلص من الاستبداد السياسي- العنصري وميراثه, والإتيان بنظام ديمقراطي- تعددي يقوم على المساواة بين المواطنين ويضمن اختلافهم. وهذه المساواة المنشودة لا تتجه بأثرها نحو مطالب المستقبل فحسب حتى يضمن الكورد حقوقهم المشروعة والعادلة, وإنما يتعين أن تتحقق كذلك بأثر رجعي, وذلك عبر إزالة آثار الغبن القومي والاضطهاد الذي تراكم خلال عقود من سياسات البعث. وعليه يبدو ضرورياً وأمراً ملحاً أن تتطهر تماماً الدولة السورية, مستقبلاً, من ماضيها الاستبدادي والعنصري, وتتخلص من ميراث التعسف بحق الكورد, عبر مجموعة من التدابير السياسية والتشريعية, وحتى الرمزية, التي تؤهلها لأن تكون دولة عموم مواطنيها, وتثبت على هذا النحو أنها مستقلة عن كل المظاهر الأيديولوجية والعنصرية التي طبعتها بطابعها.

ما يجدر ذكره, في هذا السياق, أنه ليس ثمة  بينة أو قرينة تنبئ عن استعداد المعارضة العربية السورية على الاعتراف بالحقوق القومية للكورد السوريين, أو إعلان القطيعة مع ميراث البعث  العنصري وسياساته الإنكارية تجاه الكورد وقضيتهم حتى هذه اللحظة. وهذه القوى حين تجد نفسها مرغمة  على الحديث عن الشأن الكوردي السوري إنما تتحدث بطريقة عمومية وضبابية  أقرب ما تكون إلى تصريحات وزراء  أعلام حكومة البعث وناطقيه. وهي في ذات الوقت تطالبنا بتأييد مطالبها السياسية بحزم دون الاكتراث لحقوقنا العادلة بالمقابل. ويتعذر اليوم الحديث عن تحالف مشترك للمعارضة السورية, شامل للكورد والعرب, بغياب هذا الخطاب الديمقراطي, الجذري والشامل, الذي يحتوي مطالب الكل ويستغرقها, ويؤكد على عدالة القضية القومية للكورد السوريين.

إن الاعتقاد بسوريّة القضية الكوردية والاعتراف  بها, من جانب هؤلاء, لا ينبغي أن يقوما على أساس وعيّ عروبي مجرد, وإنما من خلال وعيّ سوري مشخّص. وعيّ بالمواطنة القائمة على الاختلاف والإقرار بالتعددية السياسية والتاريخية والثقافية.  وهذا الاعتقاد لا يكون ممكناً إلا عبر الإقرار الدستوري والسياسي أن هويّة سورية السياسية ليست عربية فقط, ولا ينبغي أن تكون عروبية كذلك, إنما هي تعددية. وينبغي لأيّ لأي نظام سياسي محتمل أن يستمدّ شرعيته من المجتمع السوري بتنوعه القومي والثقافي والاجتماعي والتاريخي القائم, وأن يجد أسسه الواقعية في هذا التنوع ويعكسه في مبادئه العامة. وعادة ما يكون الدستور هو الناظم لهذه المبادئ العامة ولعلاقاته. ولهذا من العدل تماماً أن ينصّ الدستور السوري مستقبلاً ويحدد بوضوح أن الدولة السورية هي دولة متعددة القوميات, وأن العرب و الكورد يمثلان القوميتين الرئيستين. إلى جانب الاعتراف بحقوق الجماعات القومية الأخرى كـ الكلدو آشوريين وغيرهم. وأن على أيّ دستور ديمقراطي محتمل لسوريا أن يقرّ بالتساوي التامّ بين العرب و الكورد في المكانة والدور, وفي الحقوق والوجبات, كمدخل عادل ورئيس لحلّ القضية القومية للكورد في سوريا. وعليه أن ينصّ كذلك بأن البرلمان, أو أيّة سلطة أخرى, لا يملك حق المساس, بهذا المبدأ, أو يحدّ من شموليته ومن تحققه في كلّ مناح الحياة السياسية أو الاجتماعية, وأن أيّ قانون يمسّ هذا المبدأ أو وجاهته يطعن في دستوريته, ويعدّ مخالفاً لعقد التأسيس والشراكة, وباطلاً في نهاية المطاف.

الانتماء  لسوريا هو أعدل الأشياء بيننا, هذا  ما ينبغي إعلانه والتأكيد عليه. وبكل المعايير ليس هناك ممن هو سوري أكثر من سواه أو أقلّ( سوريّة). سورية هي للجميع دون تفاوت أو تفاضل. ولا معنى لحرية أيّة جماعة من دون هذه المساواة بين الكل. وعلى أيّ نظام سياسي محتمل يتصدى للتغيير أن يبرهن على أرض الواقع, وبصورة عملية, أن سوريا هي كورديّة بمقدار ما هي عربية, وعربية بمقدار ما ستكون كوردية. وهي في الآن نفسه  ليست كوردية, أو لن تكون كذلك, بمقدار ما لن تكون عربية وحسب. وعدم القبول بهذه البداهة السياسيةوالثقافية سيقود المجتمع والدولة مجدداً إلى الخضوع لطغيان فئة أو جماعة عرقية, ويستبعد البقية.

إن طموح الكورد في المواطنة التامّة والمساواة  الحقيقية لا ينبغي أن يفهم على أنه  اختراع أيديولوجي أو سياسي, إنما هو شرط سياسي وتاريخي لكمال الدولة السورية ونضجها, ومقدمة لشرعيتها و استمرارها, وتجسيدها لوحدة إرادة السوريين جميعاً. وهذا هو الجواب الحقيقي على السؤال التاريخي الكبير: هل الكيان السوري سيظلّ صالحاً لبقاء الكورد فيه أحراراً, ومتساوين مع غيرهم, دون قسرٍ, أو إنكار, أو إكراه, أو إرهاب , وكيف؟  هنا تبرز أهمية تكريس القناعة التالية, إن حرية الكورد ومساواتهم في سوريا هي شرط لحرية جميع السوريين ومساواتهم. ذلك أن قضية حرية السوري بوجه خاص, وحرية السوريين بوجه عام, تتصل عميقاً بمسألة مساواة السوريين جميعاً على اختلاف انتماءاتهم, فإن لم يتساوى الجميع يغدو الحديث عن حرية السوريين لغواً فارغاً.

إن كمال التحرر السياسي للدولة السورية, وبروز دولة المواطنة الشاملة والقوانين المدنية الموحّدة, التي تنفي كل إمكانية لممارسة القهر السياسي والاضطهاد بحق جماعة أو فرد, يعني في الوقت نفسه, اكتمال المجتمع المدني ذاته وتقدمه, الذي يشكل التنوع الخصب والاختلاف هويته الواقعية. ومن ثم فأن عجز الدولة السورية, مستقبلاً, عن التغلب على حالة اللاتكافؤ السياسي والاجتماعي بين تلك التعدديات والجماعات القومية المكونة للمجتمع السوري, بتحولها مجدداً إلى سلطة فئة عرقية أو حتى دينية أو طائفية, يعدّ ذلك إخفاقاً ذريعاً لها عن أن تكون دولة الحرية والمساواة والأمن لجميع مواطنيها, ويقوض بالتالي كل إمكانية واقعية أو شكلية لنشوء عقد اجتماعي- سياسي ومدني قائم على التسامح والاختلاف والتعايش, عقد شراكة جديد في الحياة الوطنية.

لقد عارض النظام البعثي في سوريا, نظير البعثي العراقي  الآفل, القائم على التسلط الفردي والقومي, هويّة سوريا التاريخية- التعددية بالجوهر القومي الخالص, أو العرقي. وغدا ذلك الحقيقة الرسمية للسلطة في سوريا. ومن هذا المنطلق فقد تنكر للواقع القائم ليس على المستوى السياسي فحسب, وإنما أيضاً على مستوى الواقع الاجتماعي والتاريخي.

وأرست أيديولوجيا الاستبداد أسساً عرقية ومذهبية  للنظام السياسي في سوريا وكرّستها. وكان على المجتمع برمته, بما ينطوي  عليه من تنوع تاريخي وتعدد, أن يتوافق مع قيم النظام السياسية والثقافية توافقاً  كلّياً. وأن يستبعد, بالمقابل, قيمه الخاصة وهويته القائمة على الاختلاف بغرض إثبات تجانسه التام مع المزاعم  الأيديولوجية المعلنة. فلم يكن بوسع أيّ فرد آخر ممارسة دوره السياسي, من موقع هويته القومية أو خصوصيته  الثقافية. إذ كان عليه أن يتطبع مع المجالين السياسي والاجتماعي حتى يتطهر فيهما تماماً, ويتماه. كلّ ذلك عبر وسائط, أو من خلال حزب, أو جهاز كليّ القدرة. فلا يبقى لهذا الفرد من هوية مجتمعية أو خصوصية إنسانية, أو قناعة, أو رأي, إلا بمقدار ما يستجيب لهذا الغرض

الوطن يكون للجميع, على نحو عادل ومتساو, حين  لا يميز بين مكوناته في الحقوق والمكانة, وحيث ينتفي فيه التسلط والجور والاستعلاء القومي. وبخلاف ذلك يسود التنازع  والاحتراب ويكون مآله التفكك. وتتأسس هذه الشراكة الحقيقية, التي ينتفي فيها التمايز والتراتبيات,  على التسليم بالمساواة القصوى كمبدأ لسلوك الدولة وقاعدة لممارساتها. وهذا الأمر يتطلب, كما أشرنا, أن يترجم النظام السياسي هذه المساواة بين الجماعات السورية بحيث يتناسب مع تطلعات الكل وإرادتهم في البقاء والعيش المشترك, بموجب عهد مواطنة جديد ينتفي فيه كل إمكانية لعدم التكافؤ في الفرص وفي تأكيد الذات الجمعية والهوية, وتلغى الشروط النظرية والعملية, التي عززت, وتعزز, من مكانة جماعة على حساب أخرى.

وحين لا تكون الدولة منحلّة في هوية قومية أو عرقية ما, أو مذهبية, أو أية أيديولوجية أخرى, ولا تكون محددة بها أو مستلبة لها, تكون كل جماعة قومية موضوعاً للحقوق وغاية لها على قدم المساواة مع الأخريات. وبمقتضى هذا الإقرار يحق لها المشاركة في الحياة السياسية وفي التمثيل السياسي.

وحين لا تعود أيديولوجية قومية بعينها, دون  سواها, هي روح الدولة و جوهر السلطة السياسية, أو تختزل طبيعة تلك في الأولى, تصبح الأخيرة ممثلة لجميع  مكوناتها. فلا ينشأ أيّ تعارض بين  انتماء الفرد الخاص وانتمائه العمومي  للدولة أو المجتمع السياسي. فالخاص يصبح متمثلاً في العام والعام يغدو ممثلاً للخاص في هذه الحالة.

هكذا يتمّ إلغاء التفاوت السياسي بين  الأفراد والجماعات حين ينزع الطابع الأيديولوجي القومي عن الدولة المتعددة الثقافات. وعندئذ تؤلّف المواطنة وحدتها, وتنحل الفوارق وأشكال التمييز  بالمواطنة وبوساطتها بالذات. وتحرر الدولة الوطنية من الأيديولوجية القومية, أو العرقية,على هذا النحو, يعني في المحصلة تحرر المواطن سياسياَ من انتماءاته قبل المدنية. وتحررها من أيديولوجية البعث يعني عدم اعترافها بأي امتياز لقومية أو تفاضل لعرق دون سواه, وتأكيد ذاتها كدولة مواطنة على نحو محض, بصفتها دولة مواطنين ليس إلا.

لا تكترث  الدولة المتحررة من الأيديولوجية القومية بخصوصية مواطنيها القومية, طالما وأنها لا تعد من القومية أو العرق أساساً لها. وهذا ما يؤسس لمفهوم أو تصورٍ جديد للمواطنة قائم على المساواة التامة في الحقوق والواجبات,  عوضاً عن التصور العرقي السائد والمهيمن. وفي المآل يؤدي إلى نظام مدني متميز عن سلطة البطش العنصري والاستبداد. فالمواطنة الحقيقية التي استبيحت في دولة البعث وأقصيت عملياً عن الحياة السياسية, ستبدو كذلك غامضة وملتبسة ومشوّهة على الدوام ما لم تترجم في شكل نظام يمثل العموم بالفعل.

هنا يغدو سند الكوردي أو العربي, أو الآشوري, في التمتع بحقوقه نابعاً من صفته كائناً سياسياً, وهو في هذا يتساوى مع غيره من الأفراد. إذ لا يعود  بمقدور الدولة أو أيّ نظام سياسي أن يميز بين المواطنين, فتمنح الحقوق للبعض وتمنعها عن البقية بذريعة أيديولوجية ما, وإنما يتعين عليها حالئذ أن تتصرف بما يضمن المساواة بين أعضاء المجتمع جميعاً وتعدل بينهم في الحظوة والمكانة.

في هذه الحالة, يمكن للدولة المتحررة من هيمنة أيديولوجية أو نزعة القومية أحادية, حتى إذا لم تنقطع غالبية مواطنيها عن الانتماء القومي, أن  تعترف بخصوصية جميع الهويات المكونة للمجتمع المدني, و تتمثلها على نحو متساو, دون أن تتماهى معها, وإنما تتسامى عليها سياسياً بصفتها دولة جميع المواطنين. وفي الوقت نفسه يتحرر المواطن من الانتماء العرقي الجزئي, أو غير ذلك من الانتماءات الاجتماعية أو المعتقدية, دون أن يتنكر لهما, ويرقى حين يعلن انتمائه السياسي للدولة, فهو يتعرف على نفسه عند هذا المستوى بصفته كائناً عمومياً

يتطلع الكورد السوريون اليوم إلى وضع سياسي  ودستوري, يمكّنهم من ممارسة دورهم  السياسي مباشرة. ويعني ذلك امتلاكهم للقدرة السياسية المشروعة التي بفضلها يمكنهم تقرير مصيرهم بحرية ودون إكراه.

وهم يبحثون عن الشروط الموائمة للمساواة الحقيقية, في بلد أكثر تنوعاً وانفتاحاً, التي تتيح بالفعل إمكانية التعايش بصورة متكافئة. وينشدون الضمانات الواقعية( الدستورية, السياسية, الثقافية) التي تحول دون كل أشكال التمييز القائم والمتوارث, بحقهم, وبحق غيرهم من الأقليات القومية المهمّشة. حيث يمكن للكوردي السوري, المقصيّ والمغيّب حتى هذا الوقت, أن يكتشف على نحو ملموس الأساس المنطقي والأخلاقي في نظام سياسي جديد, ويزداد وعيه بالانتماء إليه ويعزز.

من هنا  يبدأ العمل الوطني على أساس شراكة  وطنية, عامة وفعلية. دون إقصاء أو إنكار. فسوريا الغد, لن تكون ميراثاً لأحد, أو لجنس دون الآخر, إنها لكل السوريين على نحو متساو وعادل. ولا يمكن لطرف أن يستأثر بها بعد الآن أو يتصرف على نحو يتجاهل حق الآخرين فيها. والمصلحة المشتركة لكل السوريين هي التي ستضمن بعد الآن وحدة المجتمع السوري وانسجامه وتماسكه, وليست الشعارات القوموية الوحدوية الفارغة. وهو ما سيشكل إنجازاً تاريخياً بالفعل.

ذلكم هو الأساس الذي يمكن للكورد المهمشين تاريخياً, المغيبين والمقصيين عن الشراكة السياسية والوطنية, المجردين من المواطنة وحقوقها, أن يعيشوا ذواتهم في إطارهم الوطني بصورة أعمق, بعد أن يستردوا دورهم التاريخي  الذي بدده عسف الاستبداد والسلطة القومية العنصرية. بهذا فقط يمكن أن ينتهي اغترابهم السياسي, ويزول التعارض بين إرادتهم القومية وإرادة المركز السياسي, ويثبت الكورد أن حياتهم القومية لا تتعارض مع حياتهم الوطنية.

الديمقراطية والمواطنة, جدل الحرية والمساواة:

ضمان الحرية الطبيعة للإنسان هو ليس الغرض  اليتيم للديمقراطية. كما أنها لا تستهدف فقط هيمنة أغلبية أو طغيانها على ثقافة الأقلية باسم هوية الأكثرية القومية. إذ تشترط الديمقراطية مقاومة هذه الهيمنة باسم الحرية, واحترام التعددية, وحماية التنوع وإنتاجه على نحو أرقى. ومثال ميلوزوفيتش والقوميين أمثاله أسطع برهان على ذلك. فقد كانوا يمثلون أغلبية عظمى من الرأي العام القومي, أغلبية قومية متعصبة, مشحونة برفض الغير. ومع ذلك شنّوا حرباً عنيفة ضد الأقليات, باسم النقاء القومي والتجانس العرقي. فلا يمكن القبول بأي تعريف للديموقراطية في مثل هذه الحالة, إلا بوصفها سيادة الاعتراف بالآخر وحماية اختلافه واحترامه , كما يقول تشارلز تايلور.

إن طغيان  الأغلبية واستبدادها يمثل تهديداً جديّاً للمساواة والحرية معاً, وللديمقراطية إجمالاً. وبخاصة عندما تكون أغلبية منتخبة ومستقطبة حول أيديولوجية دينية أو قومية عنصرية, كما ينوّه تورين. إذ أن هيمنة هذه الأغلبية ستعيد إنتاج أشكال جديدة من عدم المساواة, وأنماط أخرى من التمييز المصحوب بالعنف السياسي والإقصاء والقهر, حينما تغدو تلك الأغلبية مستأثرة بالسلطة السياسية وتكون مصدراً للتشريع والقوانين, فتعمد إلى الإنكار وإقصاء الأقلية وتهميش إرادتها.

من هنا  تبرز أهمية تأسيس الديمقراطية  على التوافق بين الإقرار بإرادة الأغلبية مشروطة بضمان التعددية, وحماية الأقلية واحترام تطلعاتها المتنوعة. أي الاعتراف المتبادل بين الوحدة والتعددية. إذ يتعذر اليوم تخيل ديمقراطية غير تعددية, ولا معنى لها خارج الإقرار بتعدد المعتقدات والهويات والتطلعات الثقافية. و أيّ نظام سياسي يستمدّ شرعيته من هيمنة أغلبية دينية, أو طائفية, أو أيديولوجية عرقية, إنما يقوّض الديمقراطية وينهك كل نزوع نحو المساواة. وفي الحالة السورية, بصورة خاصة, من شأن ذلك أن يعيد إنتاج سياسات الاستبداد القومي للبعث وتكريس تلك الممارسات العنصرية التي استعبدت واستبعدت شرائح كبيرة من المجتمع السوري.

وكما يشير العديد من المفكرين, فإن كل إقصاء, صريح أو ضمني, للأقلية يتنافى مع قاعدة  العمومية والمساواة, ومطلب خضوع الأقلية  ديمقراطياً للأكثرية لا يعني بالضرورة انتهاك حريتها والإخلال بمبدأ المساواة, واستبعاد الأقلية, لأن الغاية من ترجيح  إرادة الأكثرية هي ليست فرضت هيمنتها  أو طغيانها, بقدر ما هي ضمان حقوق الأقلية وممارستها. فالديمقراطية هنا, كوسيلة,  ستؤول إلى تقويض ذاتها كغاية وتتعارض معها, وبخاصة عندما تمتص فئة معينة أو طائفة أو جماعة عرقية- قومية إرادة الكل في إرادتها الأيديولوجية أو المذهبية الخاصة, ومن ثم تطابق بين إراداتها وإرادة الحكم, فلا تعود تهدف إلى الخير العام أو المنفعة المشتركة.

الديموقراطية  المساواتية تعني, في هذا السياق تحديداً, نفيّ التباينات بين المجموعات والهويّات الثقافية, وخلق الشروط السياسية والدستورية المناسبة لخلق حريات أرقى لدى الأقلية. إنها بهذا لا تحرر الأفراد والجماعات من القيود التي تفرضها هيمنة أغلبية ما, وإنما أيضاً تجعلهم قادرين على صناعة حياتهم السياسية وتقرير مصائرهم. وكما يشير, آلان تورين, فإنه دون حرية الاختيار وتقرير المصير, ليس ثمة ديمقراطية, ودون تعددية وانفتاح وتواصل سياسي حرّ بين المختلفين في المصالح والآراء, تغدو الديموقراطية شبحاً هزيلاً. وهي تنعدم في مجتمع متجانس, متماه مع ذاته, تحتكر فيه السياسة, والحياة عموماً, في فرد أو حزب أو عرق أو طبقة…الخ

كل أغلبية تكون خطرة بصفتها أغلبية نمطية في السلطة, كذلك تكون الأقلية مشبوهة ومارقة في نظر الأغلبية, لا بموجب واقعها, وإنما بموجب نواياها ومقاصدها المختلفة وطموحها إلى المساواة, وإلى أن تصبح أكثرية, وكذلك بموجب حذرها الدائم وارتيابها في ادعاء الأغلبية في السلطة بتجسيد الإرادة العامة وتمثيلها. إن الحذر العميق من هذه العلاقة غير السوية نابع من الخشية المشروعة من رؤية الديمقراطية وعي تندحر على يد الأغلبية القومية أو الدينية, أو حتى المذهبية, وبالتالي تنزلق سورية مجدداً إلى هاوية أشكال جديدة من الاستبداد القومي أو الديني.

تترجم الديمقراطية  المساواة السياسية بين الأفراد على أساس المواطنة, فلا تكترث لانتماءاتهم الطبقية أو الدينية أو القومية. وتؤكد على أن البشر من حيث المبدأ والأصل أحرارٌ ومتساوون في الحقوق والمكانة والواجبات. وهذا هو المبدأ الجوهري في الديمقراطية. فلا تقبل بأي تمايز على أساس العرق أو الدين أو الانتماء الطبقي, وتعارض كل تباين في الأدوار والمكانة بموجب هذا المبدأ. إن مجتمع المواطنين الذي يتعين على الدولة السورية مستقبلاً أن تمثل تعبيره السياسي الخارجي وتجسده, عليه أن يثبت منذ البداية أنه لم يعد يحتمل أيّة تراتبية في المواطنة بين الأفراد والجماعات, وأن المواطنة السورية هي أعدل الأشياء قسمة بين السوريين بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية أو القومية, فلا تفاضل ولا تفاوت بين الأشخاص وبين الجماعات, ولا إقصاء أو نفي لأحد.

إن المجتمع  السوري, بتنوعه التاريخي القائم و تعددياته الثقافية والقومية,  هو الذي يجب أن يكون المرجع المباشر لمفهوم المواطنة الجديدة, عوضاً عن مفهوم الجنسية العرقي, المتخم بالهوية العنصرية. فهذا المفهوم المُستلب في هوية عرقية أكثرية, وحتى دينية, كان, ولا يزال, يختزل في نفسه وهم العمومية الوطنية, وهو الذي أضرّ كثيراَ بالحياة المشتركة والمساواة, وقد تكرّس بالفعل على حساب الواقع الاجتماعي والتاريخي الذي غيّب إلى أقصى حدّ.

من هنا  تستلزم المواطنة السورية المنشودة, وحتى تحقق أهدافها بصفتها قاعدة انتماء ومبدأ المساواة بين جميع السوريين, تمكين الكورد من المشاركة السياسية على قدم المساواة مع العرب, دون أية عوائق مادية أو رمزية تنتقص من دورهم أو مكانتهم. وهذه المشاركة تتعدى الحقوق المعهودة( حق الانتخاب, وحق التصويت, وحق الرشح… الخ) لتصل إلى حق السيادة والمشاركة فيها على نحو متساو. إذ لا وجود لمواطنة حقيقية من دون سيادة ممثلة للعموم, ولا معنى للسيادة من دون مواطنة فعلية يتساوى جميع الأفراد على أساسها. إن المشاركة في السيادة هي حق لكل مواطن, فإن لم يكن أجدٌ مواطن لوحده وسيدٌ على الآخرين بمفرده, فإن الجميع أسيادٌ وأحرار بالتساوي. وإذا كان جميع المواطنين أسياداً وأحراراً فلا مكان لعبودية أيّ فرد, وهذا الأمر يشهد عليه التجارب السابقة وستبرهن عليه اللاحقة.

الحياة  السياسية المنشودة في سوريا ما بعد  الاستبداد ينبغي ألا تحتمل  أيّ ضيق أفق عصبوي- قومي, أو دونية  ترى في الكوردي مواطناً من الدرجة الثانية. والخبرات القهرية التي عاشها, ويعيشها, الكورد السوريون حتى الآن تدفعهم إلى الحذر والارتياب. فهل ستنكر سوريا ما بعد الاستبداد عليهم الحق في المساواة التامة سياسياً, أو تقصيهم ثانية عن ممارسة أيّ دور بحكم طبيعة انتمائهم القومي وهويتهم؟ لهذا يطالب الكورد بإلحاح بضرورة أن يحظى أيّ نظام سياسي محتمل بثقتهم التامة.

إن الحرية والمساواة, اللتين ستعلنان كمبادئ لأيّ نظام حكم, تبقيان مجرد أفكار وشعارات  لا تعكس النيّة الحقيقة لديه ما لم يتمكن الكورد وغيرهم من ممارسة دورهم المطلوب والمحتمل على قدم المساواة. والمواطنة السورية المنشودة إن لم تكن ضامنة للحقوق القومية المشروعة للكوردي, من هذا الموقع, فإن الحرية والمساواة لن تكونا سوى وسيلة كاذبة وخادعة لخلق نمط جديد من طغيان جماعة قومية دون غيرها, وشكل جديد للقهر السياسي.

تبرهن التجارب  السياسية على أن فاعلية استبداد أو طغيان الأغلبية تتلاشى, ما أن تتخلى  هذه عن وعيها العصبوي ( القومي- أو الديني) أمام وعيها بالانتماء لهوية  أشمل هي الاشتراك في المواطنة. إن الإلغاء الإيجابي للانتماء العصبوي يعني بالمقابل تملك المواطنة والتمتع بها, أي الحذف الإيجابي لكل انتماء خارج المجتمع السياسي. إنها تعني العودة الواقعية للمصالحة مع الانتماء العمومي للوطن, قبل أن يُستَلب في الفرد المستبد, أو في الأيديولوجية القومية أو…الخ وهذا هو الحل الحقيقي لأيّ انشقاق أو تناحر محتمل بين مكونات المجتمع السوري.  إن تأكيد الذات عصبوياً أو دينياً سيفقد جدواه أمام مظاهر جديدة من الانفتاح الإنساني والحوار الندّي العقلاني. فتاريخ سوريا هو ليس قط تاريخ عرق بعينه أو دين أو مذهب دون سواه. إنه بخلاف ذلك تاريخ كل هذا التنوع والتعدديات الثقافية والاجتماعية. والحياة الوطنية الحقّة ستبدأ في البرهة ذاتها حينما تكفّ كل جماعة أو فئة عن المطالبة بجعل هويتها أو عقيدتها هي الوحيدة السائدة.

لقد حان  الوقت أن يظهر العرب السوريون لشركائهم الكورد ويثبتوا كيف يمكن لسوريا أن تكون دولتهم, دولة المساواة الشاملة. وبهذا تؤكد الأغلبية العربية أنها معنية بمصير الكورد وبحريتهم ومساواتهم مثلهم, ويمهدون السبيل لتأسيس حياة مشتركة أرقى, وأكثر عدالة للجميع.

 

ثمة تحدّ آخر نواجه في هذا السياق, نابع عن التنوع الثقافي و المعتقدي الكبير الذي يتميز به المجتمع السوري, هو تحدّي دين الدولة. ذلك أن اختزال الدولة أو النظام السياسي أو حتى التشريعي في مصدر ديني أو مذهبي يعدّ عقبة حقيقية أمام مساواة المواطنين, وأمام أيّة ديمقراطية منشودة. إن فكرة دين الدولة تتعارض مع تحديث الدولة ودمَقرَطة النظام السياسي, لأنها تتعارض في الأصل مع القول بالمصدر الدنيوي- البشري للسلطة وشرعيتها. والسلطة والأيديولوجية الدينيتان ترفضان, بالمقابل, النظر إلى رعايا الدولة على قاعدة المساواة في المواطنة, وفي الحقوق الطبيعية التي تفرضها الطبيعة البشرية. إذ حسب الكائن أن يكون إنساناً, بصرف النظر عن معتقده, حتى تكون له تلك الحقوق. وهي حقوق سابقة على كل انتماء أو وضع ديني أو جنسي. وبما أنه لا يمكن أي إنسان أن يكون إنساناً أكثر من سواه أو أقل, وبما أن صفته كإنسان لا يمكن استعارتها أو التخلي عنها, كما أفادنا فلاسفة الحق الطبيعي, فإن كل فرد يحمل في ذاته حقه كإنسان. وهذا الحق واحد لجميع البشر, بصرف النظر عن هويتهم الدينية أو غيرها.

هذا الاعتقاد يتنافى مع النظرة الدينية لمصدر الحكم  والغاية منه, بل حتى مع التصور الديني للإنسان. فإذا كان النظام الديمقراطي هو شكل الحكم الذي يجسد المساواة في مجتمع من المواطنين, فإن الأيديولوجية الدينية تقول بالنظام القائم على  جماعة من المؤمنين وتفرض نمطاً  معيناً من الطاعة, هي طاعة ( مافوق الدولة). وكل من يتعارض في إيمانه أو معتقده مع النسق المعتقدي السائد, ومع نمط  الأخلاق السائدة ويختلف عنها يصبح كافراً ويغدو خارج نطاق الرعاية ويحكم عليه بالحر. هكذا تطيح الدولة التي تتخذ من دينٍ معين مصدراً لها بكل إمكانية لحرية الرأي والمعتقد.

إن تشجيع  الدولة لحرية المعتقد وحماية حق التعبير  عن الآراء والأفكار ينبغي أن يتسق مع مبدأ السيادة التي تستمدّ مرجعيتها وشرعيتها من البشر, لا من مصدر ما ورائي. والدولة السورية إذا ما حاولت  اختزال ذاتها في دين ما أو معتقد  إنما ستضع نفسها بمواجهة المجتمع  السوري ككل, وتخلّ بمبدأ المساواة بين مواطنيها.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى