الرئيسية / صفحات الرأي / مشكلات لا تحلها القوة!

مشكلات لا تحلها القوة!

 


ميشيل كيلو

هناك أنواع من المشكلات، تتصل بالبنية العميقة للمواطنة، وللمجتمعات والدول، لا تحل بأي نوع من أنواع القوة أو العنف أو القسر المادي والمعنوي. إذا سرق مواطن جاره، يكون على السلطات إلقاء القبض عليه وإرساله إلى القضاء فالسجن لمنعه من الاعتداء على غيره أو مخالفة القانون.

هل ينفع الأمن الجنائي أو أمن الدولة ومن ثم القضاء فالسجن في ردع مواطن يطلب عملا، أو يريد حرية، أو ينشد عدالة اجتماعية ومساواة أمام القانون، ويسعى إلى حقه في المشاركة السياسية أو الثقافية. .. الخ؟. هل يشبع الجائع إذا وضعناه خارج القانون لفترة محددة يعينها حكم قضائي مهما كان عادلا يصدر عن أكثر قضاة الأرض نزاهة؟ وهل يتعلم أمي، إذا ما سجناه وأقصيناه عن الحياة العامة، وعذبناه وروعناه بل وأجهزنا عليه؟ وهل تقلع الأمية عن الوجود إذا ما نجح جهاز أمني ما في إيجاد طريقة تقطع قلوب الأميين من الخوف، وترعبهم، وتحولهم إلى مخبرين متحمسين محبين للقمع وأجهزته؟

أليس من الأفضل في هذه الحالات جميعها أن نبحث عن غرف حسنة الإضاءة والتهوية، ومخصصات مالية كافية، ومعلمين قديرين، وفرص عمل، وأشكال مشاركة سياسية، وترسيخ حماية قانونية ورقابة نزيهة ومؤسسية على السلطة التنفيذية وأجهزتها، وأن نقدم حوافز حقيقية لمن يمحو أميته على سبيل المثال، كأن نوظفه ونفتح أمامه سبل التقدم الاجتماعي والفردي، ونشجعه ماديا ومعنويا، بدل أن نعتقله إن هو طالب بحصته من العلم والمعرفة، وتاليا من العمل والثروة، وندخله في متاهات تعقد مشكلاته وتبطل مطالبه الشرعية والمحقة، تجعله مرة ضالعا في مخطط خارجي يريد إضعاف البلاد، وطورا عميل أجانب لم يكن قد سمع بأسمائهم أو عرف بوجودهم قبل تلقينه في الأمن ما عليه قوله عن دوره في خدمتهم والتواطؤ معهم؟

أخيرا، هل يصير المواطن أفضل ان مارس مواطنته أو يصير أفضل إن هو عاش حياته مذعورا خائفا، يشك حتى في خياله ويخشاه؟

تقوم المجتمعات والدول على علاقات وتعاقدات لا تبقى في غيابها مجتمعات ودولا، وإنما تتحول إلى عصابات متحاربة متصارعة في الحالة، وزمر إجرام منظم وقتل احترافي في الثانية.

وفي الحالتين، لا يعود هناك جدوى من أي حل قمعي أو عنيف، وتمس الحاجة إلى تعاقد سلمي وآمن، ودولة شرعية تنظم علاقاتها معه مواطنيها بالتوافق والتراضي، وعبر ضمانات قانونية تعين حقوقهم وواجباتهم، وتحجم عن استخدام العنف ضدهم، ليس فقط لأنها تكتسب شرعيتها من رضاهم الطوعي، بل كذلك لأن مهمتها الرئيسية تكمن في إقامة علاقة معهم هم طرف تكويني فيها، إن اختلت اهتز النظام العام بأسره ومست الحاجة إلى تصحيح ما فيه من خلل وعيوب وسد ما يشوبه من نواقص. في هذه العلاقة، للمواطن الفرد مجال خاص لا تعتدي عليه أية جهة، إلا لمصلحة عامة محددة بدقة ومضبوطة بقانون، تتم مراقبتها عبر شبكة ضوابط تنظم المجال السياسي، تتكفل بالدفاع عن حقوق المواطن، سواء كان منتميا إلى تكويناته وأحزابه أو لم يكن. بالمقابل، تتعين حقوق المواطن/ الفرد بطريقة لا تمس حقوق الدولة، ممثلة الجماعة السياسية التي ينتمي إليها، فتكمن صالحه في عدم التناقض معها، ويكون دفاعه عنها دفاعا عن نفسه، وحماية مصالحها العامة صيانة لمصالحه، التي تندرج فيها رغم استقلاليتها من جوانب ومجالات معينة عنها.

هذه العلاقة تنظمها السياسة: الفعل التعاقدي المتشعب، الذي يعرّف ويعين حقوق وواجبات وحدود حركة ومصالح أطرافه. .. الخ، وينأى بها عن القمع أو ما يسمونه في العالم العربي زورا وبهتانا ‘الأمن’، بالنظر إلى أن مفردات العقد مدنية، غير أمنية وتقلع عن أن تكون كذلك من لحظة اعتماده بالتراضي وتكريسها في القانون، ولأن الدور الذي يتعين من خلاله نمطها وتشكلها وطابعها الاجتماعي وتنوعها وطرق اشتغالها هو دور عوامل مدنية، تتصل بالفاعلية الإنسانية القائمة على أسس معنوية وروحية ومهارات تقنية تنظيمية غير أمنية أو قمعية: اقتصادية واجتماعية وثقافية وأيديولوجية وتاريخية وجغرافية، مادية وروحية متنوعة ومن طبيعة تفاعلية / تكاملية. .. الخ، فليس من المعقول أو العقلاني إيكالها إلى جهاز خاص قمع أو ‘أمن’ يفترض أنه مكلف بالسهر على جزء من سياسات عامة، أوسع بكثير من مجاله ودائرة عمله، مهمته حماية المجتمع من مخاطر معينة، والإسهام في الدفاع عن العقد الاجتماعي / السياسي، وليس اختراقه أو تحديد أنماط التعاقد القائمة فيه، التي تتجاوز صلاحياته ومعارف وقدرات العاملين فيه، وتتعين بعناصر لا ترتبط ولا يجوز أن ترتبط به، وإلا وقع المحظور وخضعت الدولة والمجتمع له، وصارت مرجعيتهما والجهة المنتجة لما يقع فيهما من مشكلات، ويعجزان عن مواجهته من مآزق ومعضلات لا يستطيع حلها: بوسائله، أو في مجاله، مثلما هو حالنا في سورية منذ نيف وثلاثين عاما، وفي بلدان عربية كثيرة نأمل أن تصحح ثورة الشعب من اجل الحرية أوضاعها، وتعيد أمورها إلى أوضاعها الطبيعية، وتوقفها على قدميها، بعد أن وقفت كل هذه الفترة على رأسها القمعي / ‘الأمني’..

لا تبطل القوة المطالبة بالحرية، ما أن تصير مشكلة خاصة أو عامة (كان لينين يقول: إذا كان هناك فرد واحد فقط محروم من حريته، يكون هناك مشكلة حرية!). ولا تنجح في قهر المطالبين بحريتهم، أفرادا كانوا أم جمهورا عاما.

وليس بوسع قوة على الأرض حل مشكلات غير أمنية بوسائل قمعية، أو وضع عالم السياسة على رحابته وتنوعه في خدمة عالم القمع والعنف الخانق. لو كان هذا ممكنا، لما تغير أي نظام أو تبدل أي وضع على مر التاريخ، ولما هزم طاغية أو انتصر مظلوم، أو تحرر شعب، أو قهرت عين مخرزا وهزم محراث سيفا وانتصرت ساحة على قصر، كما قال صديقي أحمد برقاوي في واحدة من مقالاته الأخيرة! ولو كانت المشكلات العامة تحل بالقمع والأمن، لما كانت هناك مشكلات عامة، ولصار ‘الأمن’ ـ القمع ـ جوهر كل فاعلية إنسانية ووجود بشري على هذه البسيطة، ولكنا في غابة وحوش وليس في مجتمع بشري مؤنسن يتقدم من خلال تنظيم حياته في حواضن تهمش العنف والقوة، وتجعل بالإمكان التخلي عنهما أكثر فأكثر، ويتطور بمقدار ما يبتعد عن استعمالها في ضبط شؤونه، وبمقدار ما يتمدن ويصير قادرا على حل نزاعاته ومشكلاته سلميا وبالحوار، وإنتاج مشكلات لا تحل إلا سلميا وبالحوار، أي بالتراضي والمشتركات، التي تجعل حياته العامة ساحة تنوع وتفاعل وتكامل، وليست ميدان نبذ وإقصاء، كما هو حال مجتمعاتنا العربية، التي تعيش تحت نعال قوة وحشية تمسك بالمجال السياسي وتنفرد به جملة وتفصيلا، وتقبض على مفاصل حياتنا، وتتطلع إلى هدف وحيد هو: قهرنا وإخضاعنا تحت أي ظرف وبأي ثمن!.

تمر بلداننا العربية في طور نهوض مذهل ومبارك، تنخرط شعوبنا ومجتمعاتنا فيه بفدائية واستماتة، كي تخرج، أخيرا، من العنف والبهيمية إلى رحاب السلام المدني والحرية. ويبذل العربي اليوم جهدا تاريخيا، استثنائيا وخارقا، من أجل إقامة ساحة عامة هو فيها طرف محترم في عقد توافقي وملزم، هو ركن تستند الدولة إليه بما هي التعبير الأعلى والجامع عنه في الصعيد السياسي والاجتماعي، وليس لأن سلطتها تنفيه وتستطيع قهر وسحق المواطن متى شاءت وبالطريقة التي تروق لها.

يستميت العربي كي يصير مواطنا في دولة، بعد أن ظل نيفا ونصف قرن معتقلا في سجن، عاش خلاله محروما من حقوقه، بما في ذلك حقوق البهيمة في الأكل والشرب والتناسل.

لا عجب أنه يريد اليوم استعادة ما فقده، وأن تكون وسيلته إلى ذلك الحرية والنضال السلمي: مفتاح خلاصه الذي سيمكنه من العودة إلى ذاته، وتحديد موقعه الصحيح في المجتمع والدولة، باعتباره أولا وأخيرا ذاتا إنسانية تتعرف بالحرية، صفتها التي إن أضاعتها فقدت معها كل شيء، ولم يبق لها شيء، غير التفاهة والبهيمية. إنه طموح المواطن العربي إلى وضع نهاية لزمن حلت فيه مشكلاته بالعنف والقسر، فلم تحل حقا أية واحدة منها، وإنما تراكمت وتكدست إلى شرعت تخنقه، ولم تترك له أي خيار غير أن يخرج على النظم القائمة طالبا الحرية أو الموت، لان موته أفضل له إن هو عجز عن بعث الحياة في رماده بالحرية.

يوجد بيننا حمقى وسفاحون يعتقدون أن القوة ستمكنهم من حل مشكلات بلدانهم وشعوبهم ومواطنيهم، وأنه لا حل لمشكلات هؤلاء بغير مزيد من القوة، ثم بمزيد من المزيد، وهكذا دواليك، رغم أن عجز العنف والقوة يبدو جليا ويتعاظم من حالة لأخرى، وإفلاسهما كان واضحا إلى حد الفضيحة في تونس ومصر، وسيكون كذلك في ليبيا واليمن، والبحرين وسورية. السؤال هو: هل سيقتنع هؤلاء بالتخلي عن حل مشكلات لا تحل بالقوة عبر وسيلة مفلسة هي القوة، قبل فوات الأوان، قبل أن تقوض القوة مواقعهم وتدمر شرعيتهم وتتحول من أداة تبقي على عروشهم إلى رصاصة يطلقونها على رؤوسهم، التي ما كانت لتواجه أي تهديد، لو أنها سعت إلى إيجاد حلول بنيوية من عالم السياسة لمشكلات مجتمعية وإنسانية لا تنتمي إلى عالم القوة، ولا تحل بوسائله.

تدور اليوم معركة ضارية وحاسمة بين المحراث والسيف، والساحة والقصر. يا أصحاب السيوف وسكان القصور، وداعا!. يا ودعاء المحراث والساحة، يا من تطالبون بحقكم في أنفسكم ووطنكم، المجد لكم!

‘ كاتب وسياسي من سورية

القدس العربي

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

صناعة الدين سلطويا/ محمد ديبو

      تدفع ظاهرة عمرو خالد وغيره من الدعاة الذين يضعون “علمهم ودينهم” في ...