الرئيسية / صفحات سورية / معارضة … معارضة..

معارضة … معارضة..


جلال/ عقاب يحيى

معارضة.. معارضة.. وصارت المعارضة أشكال ألوان، وكل يوم نسمع بالجديد : أشخاصاً وهيئات، ومشاريع أحزاب وتجمعات، ناهيك عن البيانات، والفضائيات، وأكوام التصريحات، والألقاب، والحديث، أو ادعاء التفويض باسم الداخل، والتنسيقيات.. حتى ضجّ الخارج والداخل السوري بعجاج المعارضين ومبادراتهم، وأسمائهم وصورهم، واستعراضاتهم..

*ـ أكيد أكيد أن صمود الثورة الثورية فجّر خزين العقود لدى قطاعات واسعة، خاصة وأن شعبنا كان معلّباً، مدّجناً، مغيّباً لفترة طويلة، وأقحم على دخول زجاجة نظام مملكة الرعب، وحين فتح الشباب السدّادة، وحين تهشّم كثيرها، ومعها ذلك الخوف المريع.. طقّ الانتظار معبّراً عن كبت دفين فانتشى الأمل، وكثر الضجيج والهدير.. وتسويق الترويج ..فأقبل كثير، وإن بتدرّج، على الالتحاق بالثورة التي قلقلت ماكان سائداً ومستقراً من إحباط ويأس، ومن تنظير يعتبر النظام كالقدر، والموت الذي لا فكاك، ور مهرب منه ..

*ـ والأكيد الأكيد أن الظاهرة طبيعية، وعادية في مثل هذه الأحوال، وعمقها صحي كدلالة على قوة زخم وتأثير الثورة، وقابلية شعبنا لرفدها، وتوقه للحرية والخلاص من نظام الطغمة المافيوزية، القتّالة، الفتّاكة ..ولذا لا بدّ أن تلقى كل حالة معارضة تلتحق بالثورة، حتى لو كانت حصراً على فرد، التشجيع، بل والعمل الدؤوب لانتشار رقعة المعارضة لتشمل أغلبية الشعب، والجاليات السورية كبيرة العدد والانتشار في بلاد العالم، وهذا أمر حيوي، ومبشّر..

أكثر من ذلك فإن بدء فكفكة النظام بانسلاخ قوى وعناصر فيه ستكون موضع ترحيب، وعاملاً مهماً لانهيار النظام وسقوطه ..

* ـ والأكيد الأكيد أن صدر الثورة الرحب، وطبيعتها الشعبية، وكونها لا تخصّ فئة بعينها، ولا تقتصر على القائمين بها، أو من كان في المعارضة وحسب، وإنما تتجه إلى كل الشعب بمختلف أطيافه ومكوناته واتجاهاته ونخبه، بمن فيهم المنخرطين في حزب النظام.. فإنها سترحّب بكل رفد، بكل من يغيّر موقفه الخائف، أو المتردد، وحتى المعارض لها،وتعتبرهم جزءً من دفق الشعب وجبهته العريضة المفتوحة للجميع ..

* ـ لكن الأكيد والأكيد أن هذه الظاهرة الطبيعية، المرحّب بها، والضرورية.. تحمل في بعض وجوهها سلبيات وتفقيسات واختلاطات متعددة، خاصة على الصعيد الخارجي وميادينه المفتوحة، وعبر الفضائيات ونجوميتها وما تصنعه من إبراز وتضخيم لبعض العيّنات، عدا عن الورم الذي أصاب البعض، وبروز ذاتيات لم تعد ترى إلا “نجوميتها”، وشعبيتها التلفزيونية، وانغماسها في لجاج التصريحات والمقابلات، والألقاب، والآمال، وتقديم التحاليل المختلفة، والمبادرات المتعددة، والتصريحات المختلطة ..

وإذا كان هذا الأمر لا يبرز في القاعدة الشعبية : أساس الثورة ودرعها وذراعها الضاربة، ولا في عموم الشباب الذي يقودها، أو يُسهم بفعالية فيها.. فإن حالة النخب وتحولاتها تستجلب التوقف عند بعض الظواهر لما تتركه حركاتها، وأفعالها، ومبادراتها.. من سلبيات لا تخصّها وحدها، بل تنعكس على الثورة وموقعها، وسمعتها، ومسارها .

البعض أمضى دهراً في أحضان النظام، ولعب في ملاعبه حتى الاستلقاء، وشبع من “نعمه”، وتعب من تمجيده والتبويق له والإشادة بمنجزاته.،.ثم صار معارضاً، وإذ به ينسج تاريخاً مصطنعاً عن بطولاته المعارضة، وجرأته في التصدي للنظام، التي لم يسمع بها أحد..ومع ذلك يفتي، ويحدد، ويصنف، ويلقي بالتقويمات على الطاير .

وهناك عديد لم يجف عرق تعريقهم في كراسي النظام، وما زال صوتهم مبحوحاً من خطابات التمجيد له، وأكفهم حمراء متشققة من التصفيق، وما زال بخار حماسهم الجديد بارزاً، ويلهب “تاريخهم” المليء بالنفاق والحربائية، والقوس قزحية..ومع ذلك ينصّب نفسه في موقع الموّجه، ويمكن أن يكون (ناطقاً) رسمياً لهذه الجهة المعروفة، أو تلك التي لم يسمع بها مخلوق، وتملأ صوره شاشات الإعلام، وتراه ينط من مؤتمر لآخر، ويناطح ـ بطريقته ـ ليكون في هيئاتها ولجانها الشكلية ..

وهناك من راهن كثيراً، وطويلاً على (الرئيس الشاب المصلح) وجلس في محطات الانتظار كثيراً حتى حصل له تيبّساً في قعدته وعموده الفقري، علّ النظام و”رأسه الشاب” يجود ببعض الإصلاحات والإجراءات، وهناك من كان يوسّط جهات عديدة لقبول رضا النظام وصفحه، وهناك من كان دائم الارتحال للبلد، وبناء علاقات تنفعه، وتقديم بعض الخدمات المطلوبة، وهناك من كان سقفه واطئاً جداً بخصوص التعامل مع النظام..وهناك من لم يترك تشكيلاً خارجياً إلا وكان نجماً فيه، ثم انقلب عليه إلى غيره، وهناك .. وهناك كثير التلاوين، والحالات التي تفاجئ الحقائق بمواقف ومطالب ونضالات لم يسمع بها أحد..والبعض يعتقد أنه لو كتب مقالاً نارياً، وكيفما كان مضمونه ولغته، أو أجرى لقاء في قناة إعلامية وفضائية أنه بات قطباً معارضاً يتصرّف على هذا الأساس فلا تسعه الدنيا، وتراه كالطاووس، أو الديك المنفوش يوزّع (التحليلات) و(المعلومات) والاقتراحات، والاتهامات، والنقد على الطالع والنازل حتى لو كان عمره المعارض بضعة دقائق …

* هذه الظواهر الفاقعة التي تخلط الحابل بالنابل..تشكل اليوم عامل إرباك لكثرة حركتها ومبادراتها، ولفوحان رائحتها الارتزاقية وقدراتها في العشبقة والتسلق والتملق، بل لا يستحي بعضها من كيل الاتهامات والأوصاف على قامات معارضة لم تنثن، ولم تلتوِ، ولم تقبل دخول عجين النظام يوماً، وكثيرها أفنى العمر في مقارعة النظام، وكثيرها دفع أثماناً غالية في السجون والتعذيب والحرمان والتعتير ومنع السفر، وفي المنافي القسرية.. وكثيرها لم ينخدع بكل أضاليل التوريث ووعود الإصلاح الخلبية ـ التمريرية ـ التغريرية.. ومع ذلك يُلاحظ ما يشبه الإبعاد المقصود لعديد هؤلاء من عجقة الأنشطة والمؤتمرات والمبادرات، والمَظهرة، وصراع القوائم المفروضة، والأسماء المختارة، والهيئات المستعجلة المسلوقة والمحروقة، والتي تتواجد في كثيرها أسماء ما أنزل بها تاريخ المعارضة من معرفة وحضور، ولم تفعل شيئاً في تاريخها المديد .

****

* ـ المعارضة السورية، وهنا بغض النظر عن نتائج عملها الطويل، عن أزماتها وشيخوختها، عن عجزها ومحدودية فعلها.. إلا أن أغلبيتها الساحقة نجحت في الحفاظ على مواقفها المعارضة، وقدّمت ما قدرت عليه في تعرية الاستبداد، والدعوة إلى التغيير، وكان إسهامها كبيراً في تكريس الوعي الديمقراطي ونشره وتفصيحه، وفي تقديم تصورات عملية للدولة الديمقراطية، والبديل التعددي ..

هنا، أيضاً، وبعيداً عن كل النقد الذي يوجّه لقوى المعارضة(التاريخية) الموضوعي منه، والذاتي، الحقيقي والوهمي ـ القصدي.. فإن هذه المعارضة التي تعترف علانية بأنها ليست وصية على الثورة، وبأنها لم تقم بها أو تعدّ لها، وأنها جزء منها، وتأمل بتقديم ممكنها فيها ..

وهنا، أيضاً وأيضاً، ومع الأخذ بعين الاعتبار(اللهوجة) التي أصيبت بها معظم أطراف المعارضة وهي تحاول تدارك تخلفها عن اللحاق بركب الثورة، خاصة لجهة السرعة، والوتيرة، والفاعلية، والالتزام بسقف مطالبها المتصاعد، واتكاء البعض عليها، أو التعكيز على أوهام الحوار مع النظام ……

فإن هذه المعارضة، بكل تراثها وخبراتها ونظافة مواقف معظمها، هي رصيد للثورة يجب الاستفادة منه فيما يخدم الهدف المركزي، والمعركة الأساس، وليس رميها، أو اعتبارها العقبة، والنتوء، وليس الإنكار والإجحاف والدوس عليها بحجة العمر، أو ضعف الفاعليةأو بعض التصرفات المستعجلة والخاطئة لشخص أو جهة محسوبين عليها ..

وكما تناولت في أكثر من مقال قصة ومبادرات المعارضة، وإشكالياتها، ومراهنات بعضها على تقاطعها مع النظام للحوار معه في نقطة ما، كخيار وحيد للمخرج ـ كما تتصور وتقتنع به ـ وصعوبة وحدتها موضوعياً.. فإنها اليوم مدعوة بإلحاح أن تلتقي بشباب الثورة وفتح حوارات مفتوحة معهم حول الراهن والقادم، وبهدف وحدة الرؤى والمواقف والبرامج والتكتيكات المناسبة، وقطع الطريق على محاولات النظام للمناورة، والتقسيم، والتضليل .، أو السخرية من رجالات الثورة، ومن عموم المعارضة وعجزها عن التوحّد، أو إظهار الفاعلية .

ـ ولئن كان معظم شباب الثورة لم يتح لهم الوقت الكافي لقراءة منهّجة لتاريخ المعارضة ومساراتها وعطاءاتها ومحاولاتها، ولا حجم المعاناة، والمشاكل التي عاشتها، وقابليات عديدها على تقديم خبراته وما لديه في الحلم المشترك، فمن الضروري أن لا تغمض حقوق وتاريخ البشر لأنها جزؤ من تاريخ البلد، ومن الكفاح لتكريس التعددية، والديمقراطية، ومن المهم لهؤلاء الشباب أن يطلعوا على أطوار الصراع مع النظام، وكمّ المحاولات التي لم يكتب لها النجاح في التغيير للحفاظ على الذاكرة، وتحقيق العدالة.. وبالوقت نفسه فإن الحوار المشترك بين الشباب والمعارضين ـ كبار العمر ـ سيولّد نتائج هامة تصبّ في تعميق مسار الثورة، واختصار طريق الانتصار، وربما توفير الكثير من الجهود والتضحيات، وتضع تلك القوى المعارضة في موقعها الصحيح : كجزء من عملية التغيير، أو خارجها، لمن لا يريد الالتزام بخط ونهج ومطالب الثورة .

وفي الوقت نفسه فإن نضوج شباب الثورة،وانكشاف محتوى وتاريخ ودوافع عديد التمظهرات المعارضة سيكون كفيلاً بحدوث فرز طبيعي بعيداً عن أسلوب الشتم ونشر الغسيل، وعن المعارك الدونكوشوتية، والمجانية.. وستكبر الثورة وعياً وتجذيراً، وتأصيلاً، وستكبر معها قامات المناضلين الأشداء، الأوفياء لها، ولشعبهم ولقضية الديمقراطية، ومستقبل الوطن الحر، التعددي .

جلال / عقاب يحيى: كاتب وروائي ـ الجزائر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...