الرئيسية / صفحات الرأي / معجم المصطلحات الثورية لربيع الثورات العربية

معجم المصطلحات الثورية لربيع الثورات العربية


حفلت موجة ربيع الثورات العربية المعاصرة بالعديد من المصطلحات التي ظهرت على ألسنة وفكر كل المعنيين كافة، ابتداءً برجل الشارع العادي، وانتهاءً بالمفكر والمحلل السياسي الحصيف، ورغم أن العديد من هذه المصطلحات معروفة لدي منظري الفكر السياسي، إلا أنها اتسمت في ربيع الثورات العربية بعبق خاص، وتميزت بمدلولات فريدة، توحي بخصوصية هذه الثورات وتفردها عن غيرها في الشكل والمضمون.

(ربيع الثورات العربية): الثورة في مجملها نوع من مخاض الأمم الذي ينشد تغيير الأوضاع، وغالبا ما يقود العسكر مثل هذه الثورات، ويتسم ربيع الثورات العربية المعاصرة بنوع فريد من الثورات التي تخلو من قائد معين يقود جموعها، بل هي هبة شعبية عفوية نتيجة طول عهود القهر والاستبداد، يدفعها وعي جماهيري ينشد رؤية أفضل لمستقبل بلاده، وهذا الوعي يعصمه من كل محاولات الالتفاف على مطالبه والتي يتبناها النظام الدكتاتوري المحتضر في صراعه من أجل البقاء.

(الإسلاميون): الإسلاميون والعلمانيون هما أبرز التيارات الحركية التي تظهر على الساحة الثورية العربية، وهما يماثلان إلى حد كبير اليمين واليسار في الفكر السياسي الغربي، (الإسلاميون) رؤيتهم العامة تتلخص في قول الله تعالى: {ألا له الخلق والأمر}، لذلك فهم يدعون للالتزام بالكليات العامة للشريعة الإسلامية في رسم مسيرة الدولة الثورية الوليدة، كما يتمتعون بقاعدة شعبية عريضة من منطلق التدين الفطري للشعوب العربية، وقرب قيادتهم من هذه القاعدة الجماهيرية الشعبية، عن طريق ندوات المساجد وجمعيات العمل الخيري والاجتماعي بمختلف أنواعها.

(العلمانيون): الذراع المقابل للإسلاميين في العمل السياسي، وهم يقرون لله تعالى بالخلق، أما (الأمر) فيرون أحقيتهم برسم مسيرة ثورية معاصرة لا تخضع لأي التزامات دينية، بل تخضع للرؤية الوطنية القائمة على المصالح التي تراها الأمة، وهم يتمتعون في الغالب بنفوذ السلطة، لأن الأنظمة الدكتاتورية السابقة كانت تتيح لهم ذلك وتمنع أي فرد ينتمي لتيار إسلامي من شاغر أي منصب حساس أو رفيع، أما قاعدتهم الجماهيرية فهي بعيدة كل البعد عن رجل الشارع العادي، وشعبيتهم المتواضعة تنتشر في أوساط الذين تربوا على المناهج العلمانية.

(الخروج على الحاكم): من أشهر القضايا الإشكالية الجدلية التي حارت فيها بعض القوى الإسلامية في بدايات ربيع الثورات العربية، مما يعكس ضعف وعيها السياسي ومحدودية خبراتها في التعامل مع الأدلة الشرعية وتناغمها مع القضايا السياسية المعاصرة، خاصة وأن بعض الأنظمة الدكتاتورية إبان الثورات ضغطت على هيئة الفتوى الرسمية لاستصدار فتاوى تحرم التظاهرات وتعده من قبيل نقض البيعة التي في العنق، وخروج صريح على الحكام، لكن سرعان ما تفهمت هذه القوى الإسلامية الأمر، وبان لها أن المحذور الشرعي في الخروج المسلح لا السلمي، خاصة وإن ترتب على هذا الخروج المسلح فتنة أكبر، وهكذا تبلور الأمر في شكله الصحيح وعادت هذه القوى وانخرطت كافة التيارات الإسلامية في عملية التغيير. (الدولة المدنية): مصطلح ليس بالجديد في الفكر السياسي أو الثوري عموما، لكنه برز وبقوة في ربيع الثورات العربية المعاصرة، وتبنته كل القوى العلمانية، في محاولة للالتفاف على مصطلح ‘علمانية الدولة’ والذي لا يلقى قبولا ولا ترحيبا في أوساط الجماهير العربية، ورغم أن أصحاب مصطلح مدنية الدولة لا يملكون تعريفا واضحا أو محددا، إلا أنه في أدبياتهم أقرب إلى مفهوم الدولة العلمانية التي تحصر الدين فقط في الشعائر التعبدية، دون أي تدخل في أمور السلطة والحكم سواء التشريعية أو التنفيذية.

(البلطجية أو الشبيحة): الذراع القذرة للأنظمة الدكتاتورية وفلولها من أجل إجهاض الانتفاضات الشعبية، وهي أحد المخططات الأمنية المشبوهة التي تتبناها أنظمة ‘أمن الدولة’ عند حدوث مثل هذه الانتفاضات المناوئة للنظام القائم، وتتسم سلوكيات البلطجية بأفعال تخريبية وعدوانية همجية، وهم مزيج من السجناء الجنائيين والرعاع الغير مدربين، ويستخدمون وسائل بدائية ومتخلفة في ممارساتهم التخريبية. (القبلية والطائفية): احدى أهم الأوراق التي تستخدمها الأنظمة الدكتاتورية في مواجهة ربيع الثورات العربية، بالتزامن مع البلطجية والقوى الأمنية، لكن الشعوب العربية الثائرة كانت أوعي في فكرها وسلوكها، ولم تفلح هذه الورقة في إحداث عوائق تذكر في مسيرة الشعوب للتحرير.

(الفلول): هم أتباع النظام الدكتاتوري المتهاوي، وهم من شريحة رجال السلطة والثروة، أصحاب الخط الثاني أو ما يليه في النظام السابق، ولا يتمتعون غالبا بوجاهة إعلامية، ويقودون حملة خفيه منظمة لإجهاض الثورة، ينفقون عليها الغالي والنفيس، وأساليبهم متنوعة في ذلك من التحريض على أفعال تخريبية أو دعم قنوات إعلامية أو حتى قنوات دبلوماسية للاستقواء بالأنظمة الخارجية التي لا ترحب بالانتفاضة الثورية الوطنية. (قانون الغدر): من أبرز قوانين الثورات الوليدة، وينبثق من مطالبات القوى الثورية التي تريد أن تفوت الفرصة على الفلول كي لا تنخرط في العمل السياسي الثوري الجديد، وتصبح بمثابة طابور خامس يمارس التخريب السياسي من طرف خفي، وقانون الغدر محل شد وجذب، وإقدام وإحجام، لأنه يتعرض لضغط رهيب من قبل الفلول لمنعه من التفعيل والتطبيق.

(عسكرة الثورة): مصطلح ثوري القصد منه تحويل مسار الثورة من النهج السلمي إلى الخيار العسكري وحمل السلاح، وهذا النمط ليس بسائد في ربيع الثورات العربية، لكن يكون اللجوء إليه في حالات خاصة جدا عندما يتخذ النظام الدكتاتوري سياسة الأرض المحروقة، ويشحذ كل طاقاته القتالية والعسكرية في مواجهة شعب أعزل (الحالة الليبية نموذجا). (التدخلات الخارجية): أحد الملفات المرفوضة دوما من كافة القوى الثورية، والتي تتفهم جيدا أنها في عالم لا تحكمه إلا لغة المصالح، وأن فاتورة الحساب لهذه القوى الخارجية بعد أي مساعدات عسكرية ستكون باهظة التكاليف، مما لا تضمن معها الحرية المطلقة التي تنشدها الثورات، لكن في الحالة الليبية خاصة تم اللجوء إلى هذا التدخل عندما سعى النظام البائد إلى استخدام طائراته في نسف المدن، الأمر الذي ينذر باندثار الثورة ورجالاتها، فكان الموافقة على مثل هذا النوع من التدخل أحد خيارين أحلاهما مر. (جمعة …): يوم الجمعة كان علامة فاصلة في كافة الثورات العربية، حيث شكل محطة زمنية تجتمع فيها كافة القوى الثورة لإثبات ذاتها وتدعيم مسيرتها، مستمدة تحركاتها من طاقات الإيمان، ومبتدئة مسيراتها الأسبوعية من المساجد بعد صلاة الجمعة المباركة، ولقد اتخذ هذا اليوم الجليل في سماء الربيع الثوري العديد من الألقاب الإضافية التي كانت سهاما موجعة في صدور الأنظمة الغاشمة.. جمعة الصمود، جمعة الوحدة، جمعة الثبات، جمعة رفض الوصاية، جمعة المحاسبة … إلخ.

(شباب الفيس بوك): أحد أبرز الظواهر في ربيع الثورات العربية والذي يعكس حجم النضج السياسي الراقي للشعوب العربية خاصة الشباب، بعكس ما كانت توهمنا الأنظمة الدكتاتور البائدة، والتي كانت دوما تروج لفكرة الأمية والسذاجة السياسية الشعبية والتي تمنعها من تبني النظام الديمقراطي بكل حذافيره، لقد أثبت هذا الشباب عصريته في استخدام التقنيات الحديثة من إنترنت وكاميرات هواتفه الجوالة في تحريك ورصد مجريات الثورات، والذي أجهض سياسة التعتيم الإعلامي التي تبنتها الدكتاتوريات الغاشمة إبان تلك الثورات الربيعية ولم تتفهم قياداتها العتيقة أننا بتنا في عالم عصي على الانغلاق والتعتيم. (الحكومة الانتقالية): وتسمى أيضا حكومة تصريف الأعمال، وهي الحكومة التي تتولى زمام السلطة بعد الثورة لحين انتخاب حكومة رسمية بانتخابات شعبية نزيهة، وهي حكومة تكون في الغالب ضعيفة، هشة في قراراتها، لذلك فهي لا تحظى برضا جماهيري كامل، خاصة وأن معاناة المواطن اليومية لا تحتاج لمثل هذا التراخي.

د. خالد سعد النجار

alnaggar66@hotmail.com

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...