الرئيسية / صفحات مميزة / معركة الموصل وتأثيراتها على الوضع في سورية –مجموعة مقالات مختارة-
A newly internally displaced woman reacts upon her arrival at Al Khazar camp near Hassan Sham, east of Mosul, Iraq October 28, 2016. (Photo by Zohra Bensemra/Reuters)

معركة الموصل وتأثيراتها على الوضع في سورية –مجموعة مقالات مختارة-

هل ستحسم الحرب ضد داعش؟/ سلامة كيلة

تسربت قبل مدة قصيرة معلومات تقول إن الرئيس الأميركي، باراك أوباما، اتخذ قراراً باستعادة الموصل والرقة، قبل رحيله من البيت الأبيض. وكان التحضير لمعركة الموصل قد امتد طويلاً بعد استعادة الفلوجة، والإشارة الى “قرب” استعادة الموصل. كذلك كانت هناك إشارات أميركية بتحضير القوى لاستعادة الرقة.

بدأت الآن عملية استعادة الموصل، وهي تتقدم بشكل سريع كما يبدو. كما أشار وزير الدفاع الأميركي، آشتون كارتر، وكذلك وزراء دفاع التحالف الدولي (وهنا فرنسا خصوصاً) إلى ضرورة ربط استعادة الموصل باستعادة الرقة. وبالتالي، يمكن تأكيد أن القرار الأميركي بات يتمثل في حسم “المعركة”، وإنهاء سيطرة داعش على كل المنطقة الممتدة من الموصل إلى الرقة. ولا شك في أن تركيا، عبر دعم “الجيش الحر”، تقوم بإنهاء سيطرة التنظيم على مناطق شمال شرق حلب، وعلى الحدود التركية السورية بين جرابلس وبلدة الراعي. ومن ثم يبقى مصير دير الزور غير واضح، إلا إذا تقدمت قوات سورية الجديدة التي دربتها أميركا في الأردن من التنف نحو البوكمال إلى دير الزور، على الرغم من أن هذه المناطق إلى تدمر هي “في عهدة” روسيا، وتخضع لنشاط طيرانها، مع وجود قوات للنظام فيها.

لكن، يمكن لمس أن التركيز الأميركي الآن هو على “داعش العراق”، حيث يبدو أنه بات ضرورياً إنهاء وجودها في مختلف مناطق العراق، وفرض سيطرة الدولة عليها. وربما تبقى “داعش سورية” إلى مرحلة تالية، أي إلى مرحلة “الرئيس الجديد”، وتحديد أسباب ذلك يفرض الإجابة على السؤال: هل حققت أميركا ما تريد في العراق، لكي “تنتهي مهمة داعش”؟ وبالتالي، هل “مهمتها” ما زالت قائمة في سورية، لكي يجري تأجيلها إلى رئيس جديد، ربما يكون أشد في “مواجهة” العنجهية الروسية؟

في العراق، على الرغم من استمرار دور الحشد الشعبي، الحشد الطائفي، الذي يمارس المجازر في المناطق التي تحرَّر من داعش، انطلاقاً من أن كل ساكنيها هم دواعش، فإن ما يبدو

“تتمثل مشكلة أميركا في أن سورية هي لعبة روسيا للسيطرة على العالم” واضحاً أنه بات لأميركا عدد كبير من القوات في العراق، ستبقى إلى أمد طويل، ربما كما كان مخططاً لذلك بعد احتلال العراق، حيث لا بد من وجود بين عشرة وخمسة عشر ألف جندي في القواعد الضخمة التي أشادتها. فهذا الوجود وحده هو الذي يضمن الهيمنة على القرار السياسي للدولة، واحتكار ثرواتها، ولا شك في أن تدخلها بذريعة داعش (كانت لعبة متعددة الأطراف، منها رئيس الوزراء العراقي السابق، نوري المالكي، وأميركا وبعض الدول الإقليمية) كان يهدف إلى ذلك بالضبط، فقد قرّرت العودة إلى السياسة التي كانت مرسومة منذ احتلال العراق، وأهملتها بعد الأزمة المالية التي حدثت سنة 2008، وخصوصاً بعد شعور الإدارة الأميركية أن الأزمة مزمنة، ولا حل لها. فأميركا منذ عقود سابقة باتت معنيةً بوضع يدها على النفط في الخليج العربي، واستطاعت ذلك منذ الحرب الأولى سنة 1991، حيث أوجدت قواعد عسكرية في تلك الدول. وكان تدخلها في العراق لإكمال هذه السيطرة، فالخليج العربي (ومنه العراق) “جزء من الأمن القومي الأميركي”.

السؤال هنا هو: هل حققت أميركا ما يسمح لها بإعادة السيطرة على العراق، وبالتالي، تحجيم سيطرة إيران؟ لا يعني حسم الصراع ضد داعش إلا ذلك، فقد أتت من أجل ذلك بالضبط. وعلى الرغم من الميل الأميركي للتفاهم مع إيران، إلا أن هذا التفاهم يخضع لمصالح أميركية في العراق، وليس من الممكن لأميركا أن تقبل أن تهيمن على النفط دولة غيرها، خصوصاً أن هيمنة إيران تعني التحكُّم بجزء مهم من النفط العالمي، ويجعل قدرتها على المناورة كبيرة. لكن هذه النتيجة تفرض التطرّق لوضع الحشد الشعبي، الخاضع لقيادة إيرانية وسياسة إيرانية، ولتعصب طائفي مستمد من أيديولوجية طائفية ضيقة، عممتها السلطة في إيران. فهل تعني نهاية داعش ميلاً أميركياً لتحجيم الحشد الشعبي، وتقزيم دوره؟

ربما كان غياب التوافق الدولي، خصوصاً الأميركي الروسي، هو الذي جعل أميركا تميل الى

“ستبقى داعش لعبة أميركا في سورية في مواجهة العنجهية الروسية” حسم الصراع في العراق، ولإبقائه مفتوحاً في سورية، فقد أربك التصميم الروسي على الحسم العسكري في سورية سياسة أميركا التي كانت تعمل على التوافق على حل سياسيٍّ، يبقي الهيمنة لروسيا بعد أن تكون قد استحوذت على العراق. لكن العنجهية الروسية، وتصعيدها الصراع إلى المدى الأعلى، واستخدام أسلحتها المتطورة، والتدمير الذي تحدثه صواريخها، والذي يقتل الأطفال والنساء والأطباء، جعل أميركا في وضع حرج، فهو يعني “ضعفها”، وهذا ما يتكرّر في ما يخص سياسة أوباما، ويطاول النقد الحزب الديمقراطي المشرف على انتخابات رئاسية حاسمة.

ولا شك في أن قرار أوباما حسم الحرب ضد داعش في العراق، في هذا الوقت بالذات، يرتبط بالانتخابات الأميركية، لأن هذا الحسم سوف يعزّز من حظوظ هيلاري كلينتون بالضرورة (على الرغم من أن الأمور تظهر بشكل واضح أنها محسومة)، ويُظهر أوباما رئيساً قوياً، وهو يغادر البيت الأبيض عكس ما قيل عنه. ولا شك كذلك في أن أميركا ستميل إلى حسم السيطرة على الرقة، قبل نهاية ولاية أوباما. لكن، كما يبدو ستبقى داعش لعبة أميركا في سورية في مواجهة العنجهية الروسية. ماذا يعني ذلك؟

اللعبة الممكنة لكبح العنجهية الروسية، التي لا تخصّ سورية فقط بل تخص منظور روسيا العالمي، التي تريد عبر وحشيتها في سورية أن تفرض سطوتها العالمية، وهذا ما يربك أميركا أكثر من تدمير سورية وقتل السوريين وتهجيرهم، وحتى سيطرة روسيا على سورية. اللعبة يمكن أن تكون الميل الأميركي بالتعاون مع تركيا، هذه المرة، للسيطرة على كل مناطق داعش في سورية، وبالتالي، السيطرة على الشمال والشرق السوريين. فعبر ذلك، يمكن كبح العنجهية الروسية، والتفاوض مع روسيا من موقع مختلف، يجعلها عاجزة عن الرد، لأن ذلك يعني الصدام مع أميركا.

ليس من الممكن أن تجري هذه اللعبة في نهاية عهد أوباما، لهذا ربما سيجري تصدير الدواعش من العراق إلى سورية، ومن ثم تعزيز الدور العسكري الأميركي في سورية. هذا ما يمكن أن يكون أولوية هيلاري، خصوصاً أن تميل إلى “دعم أكبر” للقوى التي تقاتل داعش، وحتى النظام.

تتمثل مشكلة أميركا في أن سورية هي لعبة روسيا للسيطرة على العالم، بعد أن باتت تفكر في تجاوز الثنائية القطبية لمصلحةٍ أحادية، هي زعيمتها. وهذا ربما هو ما يمكن أن يجعلها “تتشدّد” قليلاً في “مواجهة” روسيا في سورية بالتحديد، لكن الحل في سورية سياسي، وتحت الهيمنة الروسية، لا تغيير في ذلك. ما تريده أميركا من ذلك هو بالضبط “كبح عنجهية روسيا”، و”تعريفها حدودها”. هل ينجح ذلك مع دولة “منفلتة الأعصاب”؟

في سورية يتمحور الصراع على العالم، هكذا بالضبط.

العربي الجديد

 

 

 

 

داعش خيال الظل/ بشير البكر

تدور الحرب ضد داعش على أكثر من جبهة. في العراق وسورية ولبنان ومصر والسعودية وليبيا وبلدان أوروبية. وفي مراتٍ عديدةٍ، جرى الحديث عن استعادة مدن ومناطق شاسعة من سطوة هذا التنظيم في سرت الليبية والفلوجة والرمادي العراقيتين ومناطق الشريط الحدودي السوري مع تركيا، وفي كل حملةٍ عسكريةٍ ضد داعش، يتم استخدام مصطلحين. الأول تحرير المنطقة من داعش. والثاني طرد داعش من المنطقة، ولم يتحدّث أحد عن القضاء على داعش إلا في مرات نادرة، وكان اللافت أن الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، تطرق في افتتاحه مؤتمر وزراء دفاع التحالف ضد داعش إلى التفكير بمصير الدواعش الذين سوف يعودون بعد تحرير الموصل والرقة.

الثابت حتى الآن أن الهزائم التي تعرّض لها داعش في الفلوجة والأنبار وجرابلس ودابق وسرت لم تفض أي منها إلى أسر حتى عنصر واحد من عناصر التنظيم، بل وأكثر من ذلك لم يعرض أيٌّ من الأطراف حتى جثة لداعشي قتيل، ولا يتعلق الأمر باحترام الموتى، وحتى لو كانت القضية على هذا النحو، فإنه كان سيتوفر صحافي أحمق يلتقط صورةً لداعشي قتيل أو أسير، وسينشرها، ولو من باب الفضول.

حين عاد داعش إلى احتلال مدينة الرطبة العراقية، على الحدود العراقية الأردنية، جرى الحديث عن 80 مقاتلاً من هذا التنظيم قدموا من سورية، وأغاروا على المدينة واحتلوها، وهذا أمر لا يمكن تصديقه على الإطلاق، لأن أعداد الشرطة والجيش في المدينة بالآلاف، وقد تم تزويدهم بأسلحة أميركية قبل أيام من ذلك. وبالتالي، إما أن يكون عدد مقاتلي داعش أكبر من ذلك بكثير، أو أن هناك لغزاً لا يريد أحدٌ من الذين يضعون الخطط ويقودون المعارك ضد داعش أن يفك رموزه. وينسحب هذا الأمر على تعداد مقاتلي داعش الفعليين، حيث لا تتوفر حصيلة تقريبية. وعلى سبيل المثال، ذكرت أوساط عراقية ودولية أن عددهم في مدينة الموصل قرابة 6 آلاف، وإذا كان العدد كذلك فعلاً، لماذا تم حشد قرابة 60 ألف جندي، ولا تزال الإنجازات الميدانية متواضعة بعد 20 يوماً على بدء المعركة؟ فإما أن العدد أكبر من ذلك بكثير، أو أن 10% من القوات التي جرى حشدها تشارك فعلياً في القتال، والباقية هي من أجل عراضات إعلامية، كما الحال مع الحشد الشعبي الموالي لإيران الذي تقتصر مشاركته في المجهود الحربي على البقاء بعيداً عن ساحات المواجهة والاكتفاء بالهتافات، وعرض الشعارات الطائفية التحريضية، ورفع صور قادة إيران والإمام علي وولده الحسين، وما أن ينقشع الغبار حتى يتسلل هذا الجيش الكبير للتنكيل بالمدنيين.

سوف تلقي نتائج معركة الموصل الضوء على هذا الغموض الذي يتعلق بمصير مقاتلي داعش، حتى لو تسلل قسم كبير منهم إلى الرقة السورية، أو هربوا إلى أماكن أخرى، إلا أنه يتوجب عدم استبعاد فرضية الدواعش المحليين الذين يقاتلون على أرضٍ يعرفونها، ووسط بيئة حاضنة ليست معاديةً بالضرورة، وهذا ما يفسر نظرية ذوبان عناصر التنظيم في كل مرةٍ يخسرون المواجهة.

دخل داعش الموصل بـ600 مقاتل، وبعد فترة وجيزة أصبح قوةً عسكرية كبيرة، وهذا ما يمكن ملاحظته من مسار المعركة، ما يؤكد فرضية الدواعش المحليين، وهؤلاء موجودون في العراق أكثر منهم في سورية، وهم يعودون إلى الزمن الذي التقى فيه حزب البعث العراقي مع تنظيم القاعدة بعد الاحتلال الأميركي. وبالتالي، لن ينتهي هذا الواقع المعقد بكسب المعركة عسكرياً، وإنما بعملية سياسية جادة لتجفيف المحيط الذي نمى فيه داعش، وتمدّد.

العربي الجديد

 

 

 

 

صدام الطائفيات… الوجه السائد لصدام الهمجيات في المشرق العربي الراهن/ جلبير الأشقر

لفت نظري التقرير المقتضب المتعلّق بمعركة الموصل الذي صدر عن وكالة رويترز يوم الأحد الماضي وحرّره مراسل الوكالة، باباك دهقان بيشه، من قرية عين نصير في العراق. فعنوان التقرير ملفتٌ بحدّ ذاته: «فصائل مدعومة من إيران تنضم لحملة تقودها أمريكا لتحرير الموصل رافعة رايات الشيعة». وكأن المراسل أراد أن يتهكّم بسخرية التاريخ القصوى التي تجعل إيران، منذ سنوات عدة بل عقود، في تحالف موضوعي مع «الشيطان الأكبر» حسب التسمية الخمينيّة. ويشير المراسل إلى أنه «على الرغم من أن هذه الجماعات تأتمر رسمياً بأوامر رئيس الوزراء حيدر العبادي غير أن الحشد الشعبي يتألف في معظمه من جماعات درّبتها إيران وولاؤها هو للزعيم الأعلى آية الله علي خامنئي. كما ترتبط هذه المجموعات بصلات مقرّبة بالجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس ذراع العمليات الخارجية للحرس الثوري الإيراني. وشوهد سليماني يجول في الخطوط الأمامية حول الموصل في الأسبوع الماضي».

وبعد التذكير بأن منظمة العفو الدولية سبق أن أدانت «انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان» بينها «جرائم حرب» ارتكبتها الجماعات الشيعية المسلّحة ضد المدنيين الفارين من المناطق الواقعة تحت سيطرة تنظيم داعش، وبعد الإشارة إلى قلق المسؤولين المحليين «من رفع الجماعات الشيعية المسلحة وعدد من وحدات الجيش والشرطة رايات شيعية في المناطق التي تسكنها غالبية سنية حول الموصل»، ناهيكم برفعها «صور الزعيم الإيراني الأعلى علي خامنئي»، نقل مراسل الوكالة عن مقاتلين في منظمة بدر (فيلق بدر سابقاً)، أبرز التنظيمات العسكرية الشيعية الطائفية الموالية لإيران في العراق وأبرز مكوّنات الحشد الشعبي، نقل عنهم نفيهم لصفة الميليشيا الطائفية التي توصف منظمتهم بها عادة.

والحال أن التنظيمات المذكورة كيانات طائفية بامتياز موالية لدولة تختلف عنها قومياً وتشدّها إليها وشائج طائفية بالمقام الأول، تستخدمها إيران في مشروعها التوسّعي في المشرق العربي الذي يستغل الفروقات الطائفية مثلما استغلتها قبله كافة مشاريع الهيمنة الإقليمية السابقة، منذ الزمن العثماني حتى الزمنين السعودي والبعثي (العراقي والسوري في توجّهين طائفيين مختلفين) مروراً بالزمن الاستعماري الأوروبي. وفي انسجام كامل مع هويتها كأدوات طائفية لسياسة هيمنة إقليمية، لا يقتصر نشاط هذه التنظيمات على بلدانها، بل يتعدّى الحدود إلى البلدان المجاورة حيث تقتضي المصلحة العليا الإيرانية. فيواصل تقرير مراسل رويترز مبشّراً بأن التنظيمات الطائفية الشيعية العراقية تستعدّ للتركيز على سوريا بعد القضاء على تنظيم داعش في بلدها، يقول:

«وعبَر عشرات آلاف المقاتلين من الجماعات الشيعية المسلحة الحدود للقتال إلى جانب قوات الرئيس السوري بشار الأسد بدعم من إيران لكن الحشد الشعبي ليس مشاركاً في المعارك هناك رسمياً. لكن هذا الأمر قد يتغير بعد معركة الموصل إذ قال الائتلاف الشيعي المسلح إنه يعتزم القتال إلى جانب قوات الأسد. ووصف أحمد الأسدي المتحدث باسم الحشد الشعبي خلال مؤتمر صحافي في بغداد يوم السبت سوريا بأنها «الساحة» الرئيسية للقتال معبراً عن استعداد قواته «الذهاب إلى أي مكان يكون فيه تهديد للأمن القومي العراقي». وحمل حائط مكتب منظمة بدر في القيارة يوم الأحد عبارة «من بغداد إلى بوابات دمشق»». (المصدر ذاته)

وقد يخبرنا بعض الناس، سواء كان الأمر عن سذاجة أو سوء نية، أن إيران تخوض معركة ضد الإمبريالية والصهيونية وأن رأس حربة تلك المعركة تنظيم حزب الله اللبناني الذي تصدّى ببطولة للعدوان الإسرائيلي على لبنان قبل أن يقاتل إلى جانب النظام السوري «الممانع». فهل نسي هؤلاء أن نظام آل الأسد شارك في الحرب الأمريكية على العراق سنة 1991 مع الائتلاف الذي قادته الولايات المتحدة، وأن التنظيمات العراقية الموالية لإيران (وفي صدارتها المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، الذي انبثقت عنه منظمة بدر) تعاونت مع الاحتلال الأمريكي لبلدها، ودخلت بغداد خلف مدرّعاته سنة 2003 لتشارك في سلطة الائتلاف المؤقتة ومن ثم في مجلس الحكم العراقي، الهيئتين اللتين شكّلهما بول بريمر، المفوّض السامي للإمبريالية الأمريكية، هل نسوا هذه الحقائق الفاقعة؟

وألا يرون الخطورة القصوى للمشروع الذي تزجّ إيران فيه فصائل عربية شيعية، أكانت لبنانية أم عراقية؟ فإن التنظيمات الطائفية الشيعية العربية المسلّحة التي تقف إيران وراءها والمقبولة دولياً باتت تقابلها تنظيمات طائفية سنّية عربية مسلّحة تدعمها جملة من الدول الإقليمية وهي مقبولة دولياً على غرار السابقة. وبالطبع، ليس المقصود هنا المجانين الإرهابيين المنضوين إلى تنظيمي القاعدة وداعش، بل منظمات منضوية في إطار المعارضة السورية المسلّحة تتفق واشنطن وموسكو على أنها ليست من الصنف الإرهابي. فإن سلوك التنظيمات الطائفية الشيعية العراقية واللبنانية من شأنه أن يحثّ التنظيمات الطائفية السنّية السورية على اجتياز الحدود بدورها لتواصل القتال على أرض العراق «من بوابات دمشق إلى بغداد»، إن لم يكن إلى بيروت أيضاً.

وهكذا تخطو أوضاعنا خطىً سريعة نحو تحقّق المشروع القديم الرامي إلى تفتيت المشرق العربي إلى كيانات طائفية متناحرة. وكم كان على حق ذلك المؤرخ الفرنسي الذي قال لي قبل خمس سنوات: «أنتم العرب كنتم تعزون ذلك المشروع تقليدياً إلى الصهيونية، أفلا ترون أن إيران باتت هي أداته الرئيسية؟». وقد تعددت الأسباب والكارثة واحدة: بات صدام الطائفيات الوجه السائد لصدام الهمجيات في المشرق العربي الراهن. وليت جيل «الربيع العربي» يستلهم كلمات إبراهيم اليازجي في قصيدته الشهيرة «تَنَبَّهُـوا وَاسْتَفِيقُـوا أيُّهَا العَـرَبُ» مثلما استلهم كلمات أبو القاسم الشابّي في قصيدة «إرادة الحياة» عندما قام بانتفاضته الرائعة قبل ستّ سنوات:

«خَلُّوا التَّعَصُّبَ عَنْكُمْ وَاسْتَوُوا عُصَبَاً… عَلَى الوِئَامِ وَدَفْعِ الظُّلْمِ تَعْتَصِبُ»

٭كاتب وأكاديمي من لبنان

القدس العربي

 

 

 

“الحشد الشعبي” إلى حلب/ إياد الدليمي

يظن بعضهم أن تصريحات المتحدث باسم الحشد الشعبي في العراق، أحمد الأسدي، إن حشده سيدخل إلى سورية لمطاردة عناصر تنظيم الدولة الإسلامية، بعد خروجهم من العراق، هي للاستهلاك المحلي، لكن الأمر لا يبدو كذلك بعد نحو عامين من تأسيس هذا الحشد الطائفي الذي تم تأسيسه بناءً على فتوى المرجع الشيعي، علي السيستاني، عقب دخول تنظيم الدولة الإسلامية إلى الموصل في يونيو/ حزيران عام 2014.

تؤكد متابعة سير عمل هذا الحشد منذ تأسيسه أن هذا التشكيل العسكري الذي أسس من مليشيات شيعية، تابعة لأحزاب وكيانات شيعية، بات أقوى من الجيش العراقي، بل إن ما قدم لهذا الحشد، حتى من الحكومة العراقية، فاق ما قُدم للجيش العراقي، ناهيك عن مساعٍ حثيثةٍ، تقوم بها أطراف برلمانية شيعية من أجل استصدار قانون، يمنع مساءلة عناصر الحشد الشعبي عن أي انتهاكات قد يقوم بها الحشد خلال العمليات المسلحة.

ليس هذا فحسب، بل تحوّل الحشد الشعبي، وعبر منظومة متكاملة من التشريعات والقوانين، إلى الجناح الضارب لإيران، حتى أن مجلة نيوزويك الأميركية اعتبرت أن لدى المرشد الإيراني، علي خامنئي، نحو 80 ألف مقاتل في العراق يمثلون الحشد الشعبي في دلالةٍ على ولاء هذه المليشيات لإيران ولولي الفقيه.

جاءت تصريحات قادة الحشد إنهم سيتوجهون إلى حلب بعد الموصل، بعد أيام من تصريح مثير لرئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، إن عملية “قادمون يا نينوى” تعني قادمون يا حلب وقادمون يا صنعاء، مبشراً بحربٍ إقليمية، كما أنها تصريحات تدل على حقيقة ما تريده إيران من حشدها في العراق. وأيضا على أن هناك تواطؤاً أميركياً واضحاً وفاضحاً مع هذه المليشيات، وكيف لا، وهي التي وفرت لهذا الحشد كل الدعم الجوي في معاركه ضد تنظيم

“لن تمنع أميركا الحشد الشعبي من التوجه إلى حلب، إذا طلبت منه إيران ذلك، وربما تطلب، لأنها ببساطة تسعى من أجل إقامة طريقها البري الذي يمر عبر تلعفر وسنجار ثم حلب، وصولا إلى السواحل السورية” الدولة، على الرغم من أنها تعلم جيداً أن هذا الحشد متهم بانتهاكات وجرائم ضد الإنسانية، ناهيك عن مشاركة قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني، المطلوب أميركيا والمتهم بالإرهاب، في قيادة هذه المليشيات.

ربما يعتقد بعضهم أن الولايات المتحدة قد لا تسمح لهذا الحشد الطائفي بالتقدم إلى حلب. ولكن، لا يبدو أن أميركا معنية بذلك، فقد قالت سابقا إنها لن تسمح للحشد بالمشاركة في معركة الفلوجة، ولن تقدم الدعم الجوي لها، إلا أن ذلك لم يحصل، على الرغم من كل الانتهاكات التي ارتكبها هذا الحشد، فكان أن دخلت المليشيات الفلوجة، وفعلت ما فعلت هناك.

تسمع الولايات المتحدة ليل نهار تصريحات قادة مليشيات الحشد الشعبي، وتهديداته تجاه الـخمسة آلاف مقاتل أميركي الموجودين في العراق، من دون أن تحرك ساكناً، فهذا قيس الخزعلي، زعيم ” عصائب أهل الحق”، يصرح جهاراً نهاراً إن القوات الأميركية ستتحول إلى أهداف للحشد الشعبي، إذا ما فكرت في البقاء في العراق، عقب تحرير الموصل.

وكما فشلت الولايات المتحدة، أو هكذا حاولت أن تبين، في منع دخول الحشد إلى الفلوجة، فإنها فشلت في منع دخوله واشتراكه بمعركة الموصل، حيث فتحت تلك المليشيات السبت جبهة المحور الغربي، محور تلعفر، الأمر الذي سيؤدي، بالضرورة، إلى انتهاكاتٍ إجراميةٍ كبيرةٍ، تقوم بها تلك المليشيات، بالاستناد إلى تاريخها المشين في التعامل مع أهالي المناطق السنية.

وإذا كان اتفاق أربيل الذي سبق معركة الموصل قد وزع الأدوار، وقسّم المهام بين الفرقاء الذين تجمعوا لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، قد نصّ على عدم دخول الحشد الشعبي مدينة الموصل، فإن كل الدلائل تفيد بأن هذا الحشد لن يرضى بهذه القسمة، وسيتجاوز الدور المرسوم له، وسيدخل المدينة، وعندها لن يسكت الأكراد ولا الأتراك.

تعرف إيران جيداً أن أميركا في موقف لا يسمح لها الآن بأي تدخل كبير، سواء في العراق أو سورية، مع دخول البيت الأبيض مرحلة الموت السريري، بانتظار ساكنه الجديد. لذا، فإنها ترى أن الفرصة مناسبة لحرق المراحل، والتفاوض لاحقاً من موقف قوة.

كما أن تركيا التي ارتفع صوتها كثيراً تدرك ذلك أيضاً. وبالتالي، فإنها لا تريد أن تترك الحبل على الغارب بالنسبة لإيران. ولكن كيف؟ ذلك ما لا تجد عليه تركيا جواباً بسبب تعقيدات المرحلة في العراق.

لن تمنع أميركا الحشد من التوجه إلى حلب، إذا طلبت منه إيران ذلك، وربما تطلب، لأنها ببساطة تسعى من أجل إقامة طريقها البري الذي يمر عبر تلعفر وسنجار ثم حلب، وصولا إلى السواحل السورية.

الحشد الشعبي العراقي اليوم هو فيلق القدس الإيراني بثياب ولغة عراقيتين، هذه الحقيقة التي يجب أن نتعامل معها. وبالتالي، لن تقف مهمة هذا الحشد الإجرامي عند الموصل، وإنما ستمتد إلى سورية، وربما سنسمع “قادمون يا رياض” و”قادمون يا منامة” و”قادمون يا كويت”، فهل سيعي ما تبقى من عرب حقيقة المرحلة وطبيعة الصراع؟

العربي الجديد

 

 

 

حسابات واشنطن في معركة الموصل

المركز العربي للأبحاث

تمثل معركة استعادة مدينة الموصل من سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش”، التي أطلقتها الحكومة العراقية في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2016، تحدياً سياسياً، ليس لقدرة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي على تكريس قيادته في ظل تحديات عديدة يواجهها فحسب، بل للرئيس الأميركي باراك أوباما أيضاً الذي يسعى لمحو “آثار هزيمة” الموصل التي سقطت في يد التنظيم أثناء رئاسته؛ ما يفسر الإعلان عن انطلاق العمليات العسكرية لاستعادة المدينة قبل ثلاثة أسابيع فقط من الانتخابات الرئاسية الأميركية.

وقد بدأت الولايات المتحدة بتعزيز قواتها في العراق استعداداً لهذه المعركة منذ تموز/ يوليو الماضي، عبر إرسال مزيد من المعدات العسكرية والمستشارين العسكريين، وتجهيز القوات العراقية الحكومية وقوات البشمركة الكردية. غير أن استعادة المدينة وطرد تنظيم الدولة منها، قد لا يكون الجزء الأصعب في العملية التي يشارك فيها عشرات الآلاف من الجنود؛ ذلك أن الأجندات المتعارضة لأعضاء التحالف في الحرب ضد التنظيم، وحساسية التركيبة الديموغرافية لمدينة الموصل تنذر بحصول مشاكل كبرى. فالموصل مدينة ذات أغلبية عربية سنية مع وجود تاريخي للمسيحيين وأقليات شيعية وتركمانية ويزيدية فيها، وفي إقليم نينوى بشكل عام. وإضافة إلى القوات العراقية التي تشارك في المعركة، هناك قوى تعلن أن هويتها السياسية شيعية وكردية، وهو ما يثير مخاوف من إمكانية حدوث توترات طائفية وإثنية وتغييرات ديموغرافية في ثاني أكبر المدن العراقية في مرحلة ما بعد طرد التنظيم منها. ويربك هذا الأمر بشدة الخطط الأميركية لاستعادة المدينة، في ظل غياب أي ترتيبات سياسية لمرحلة ما بعد استعادتها. أما القوى العربية السنية المشاركة في المعركة فهي في أغلبيتها قوى محلية (الحشد الوطني) بدعم تركي.

لماذا الاندفاع نحو الموصل؟

يمكن إيجاز أهمية معركة الموصل بالنسبة إلى الولايات المتحدة في النقاط التالية:

تعد الموصل آخر مدينة كبيرة تحت سيطرة تنظيم “داعش” في العراق، وهي أكبر خمس مرات تقريباً من حجم أي مدينة أخرى سيطر عليها التنظيم. ومن المتوقع أن تشهد واحدة من أكبر المعارك منذ الغزو الأميركي عام 2003. كما أن استعادة السيطرة على المدينة سيعني حرمان التنظيم من أي من المدن الرئيسة في العراق. وثمة قيمة رمزية لطرد تنظيم الدولة من الموصل، حسب المقاربة الأميركية، فمنها أعلن زعيم التنظيم، أبو بكر البغدادي، دولة “الخلافة”، ومنها سيطر على مساحات شاسعة في العراق وسورية، وسيكون سقوطها إيذاناً ببدء انحساره وهزيمته.

تأمل الولايات المتحدة أن تكون هزيمة التنظيم في الموصل مقدمة لهزيمته في سورية كذلك. وقد دعا وزير الدفاع الأميركي، أشتون كارتر، إلى هجوم متزامن على مدينة الرقة في سورية، عاصمة “خلافة” التنظيم.

تأمل إدارة أوباما من وراء تحقيق انتصار حاسم في الموصل تعزيز صدقية إستراتيجيتها العسكرية في منطقة الشرق الأوسط القائمة على الحد من التورط العسكري الأميركي المباشر، والاعتماد بدلاً من ذلك على تدريب قوات محلية وتسليحها وتقديم دعم جوي ولوجستي واستشاري لها. ومن المعلوم أن هذه الإستراتيجية كانت قد تعرّضت لانتكاسة كبيرة عندما فرَّ عشرات الآلاف من القوات العراقية المدربة والمسلحة أميركياً من أمام “داعش” في الموصل في حزيران/ يونيو 2014. وبدأ بعدها التنظيم بالزحف نحو بغداد نفسها لولا تدخل الطيران الحربي الأميركي في آب/ أغسطس من العام نفسه.

الدور الأميركي في المعركة

تنفي الولايات المتحدة أن قواتها على الأرض تقوم بأي دور قتالي مباشر، وتصر على أن دورها استشاري. ووفقاً لوزارة الدفاع الأميركية، يوجد في العراق 5262 جندياً أميركياً، ولا يشمل هذا العدد نحو 1500 جندي بعقود عمل مؤقتة أو قصيرة الأجل. وتتمركز أغلبية تلك القوات في قواعد عسكرية في مدن مثل بغداد وأربيل والتاجي والحبانية، كما يتمركز بضع مئات من الجنود الأميركيين في قاعدة عسكرية في حقل القيارة، جنوب الموصل. وتقوم تلك القوات بالتدريب وتقديم المشورة للقوات الحكومية العراقية وقوات البشمركة الكردية. أما في معركة الموصل الحالية، فيعمل أكثر من 100 عنصر من قوات العمليات الخاصة الأميركية مع الوحدات العسكرية العراقية والكردية المقاتلة، ويصر المسؤولون العسكريون الأميركيون على أن تلك العناصر تعمل في الصفوف الخلفية، وليس الأمامية، وأن دورها يقتصر على تقديم المشورة، وتحديداً في مجال دور “المراقبة الجوية”.

وحسب خبراء عسكريين أميركيين، فإن وجود تلك العناصر في صفوف الوحدات العسكرية المقاتلة في الموصل ضروري جداً، ذلك أنهم ينسقون ويوجهون الضربات الجوية لطائرات التحالف الغربي، بشكل يضمن ضربات جوية أكثر دقة للمواقع المستهدفة، بدل قصف منطقة معينة بشكل عام من دون تحديد. كما تقوم هذه القوات الأميركية المتقدمة في مساعدة القوات العراقية والكردية على التخلص من الألغام التي زرعها التنظيم في الطرق والبلدات والقرى المحيطة في الموصل. لكن الأميركيين يقومون مع ذلك بدور مركزي في معركة استعادة الموصل، ويشمل ذلك:

الضربات الجوية: قامت الولايات المتحدة بتوجيه أكثر من 10,200 ضربه جوية ضد تنظيم الدولة في العراق منذ آب/ أغسطس 2014. وتستخدم الولايات المتحدة في هذه المعركة طائرات تشمل F-22، والقاذفات الإستراتيجية B-52. كما أنها تستخدم طائرات هليكوبتر من طراز أباتشي وطائرات الاستطلاع، وطائرات من دون طيار مزودة بالصواريخ.

الإسناد بسلاح المدفعية: أرسلت الولايات المتحدة عدداً من مدافع الهاوتزر المتنقلة، فضلاً عن أنظمة صاروخية، يقوم بتشغيلها عناصر أميركيون يستهدفون من خلالها مواقع التنظيم.

مخاوف صراعات طائفية واثنية

يقر المسؤولون الأميركيون أن المعضلة الأساسية التي تواجه معركة استعادة الموصل هي غياب خطة لليوم التالي للمعركة، وهو ما يعيد إلى الأذهان ما حصل بعد الغزو الأميركي للعراق عام 2003. فعلى الرغم من أن الولايات المتحدة وحلفاءها حققوا انتصاراً سريعاً، حينها، فإنهم اصطدموا بالتعقيدات السياسية والطائفية التي لم يأخذوها بالجدية المطلوبة قبل الغزو. كما أنه ترتب على قرار سلطات الاحتلال، في ذلك الوقت، حلّ الجيش العراقي، ومؤسسات الدولة الأخرى، ما أدى إلى دخول العراق في حالة فوضى عارمة. ولا يُخفي المسؤولون الأميركيون أن هذه المخاوف حاضرة اليوم، ذلك أن الموصل مدينة تتألف أغلبية سكانها من السنة العرب، مع وجود أقليات أخرى من مسيحيين وأكراد وتركمان وشيعة ويزيديين. ومع ذلك، فإن المسؤولين الأميركيين يبررون انطلاق معركة الموصل من دون وجود خطة جاهزة لحكمها ما بعد استعادتها من تنظيم الدولة بأن التجهيزات العسكرية والاستعدادات القتالية قد اكتملت، وبأن الجاهزية المعنوية لدى القوات العراقية والكردية والميليشيات الأخرى في أعلى درجاتها، ومن ثمّ، فإن تأخير المعركة قد يضر بهذا الزخم. ويضيف هؤلاء المسؤولون، أنه يمكن ترك القضايا الكبرى، وأهمها كيفية حكم الموصل، إلى ما بعد المعركة.

ويأتي القلق بشكل رئيس من سلوك ميليشيات الحشد الشعبي المدعومة من إيران، والتي سبق لها ارتكاب جرائم طائفية، شملت القتل والتدمير والتهجير بهدف تغيير المعادلات الديموغرافية على الأرض، كما جرى في كل من ديالى وتكريت عام 2015. وعلى الرغم من إصرار الولايات المتحدة أنها لن تدعم إلا قوات البشمركة الكردية وقوات الجيش العراقي التي تأتمر بأوامر رئيس الوزراء، العبادي، فإن التجارب السابقة، أثبتت أن القرار الحقيقي بيد الميليشيات التي تأتمر بأمر طهران. وقد أعلنت ميليشيات الحشد الشعبي أنها لن تدخل الموصل، ولكن لا يمكن الرهان على ذلك.

وثمة دافع آخر للقلق يتمثل في الأطماع الجغرافية للسلطات في إقليم كردستان، والخوف من أن يؤدي انفلات الأوضاع في الموصل جراء الأجندات المتعارضة للقوات المشاركة في معركتها، إلى صراع إقليمي أوسع على أرض العراق، وتحديداً ما بين تركيا، التي أعلنت أنها لن تقبل بأي تغيير ديموغرافي في الموصل، وإيران التي تسعى لبسط نفوذها على كامل العراق. ومن بين المناطق المتنازع عليها مدينة كركوك المقسمة بين العرب والأكراد. وقد تعهدت قوات البشمركة أيضاً عدم دخول الموصل، ولكن لا توجد أي ضمانات في هذا الشأن.

وفي محاولة لتحييد أي تصعيد طائفي محتمل بعد استعادة الموصل، ضغطت الولايات المتحدة على العبادي للدفع بجهاز مكافحة الإرهاب العراقي، المدرب أميركياً، إلى الصفوف الأمامية في المعركة. وترى الولايات المتحدة أن جهاز مكافحة الإرهاب، أكثر مهنية وأقل طائفية من الوحدات الأمنية والعسكرية العراقية الأخرى، على أساس أنه يضم شيعة وسنة وأكراداً في صفوفه. غير أن الطائفية ليست بعيدة عن هذا الجهاز أيضاً، فكثير من عربات الهمفي العسكرية السوداء لهذا الجهاز دخلت مدينة برطلة بعد معارك مع “داعش” رافعة لافتات طائفية بدلاً من العلم العراقي.

ويعكف الأميركيون على دراسة مقترحات لحكم الموصل بعد استعادتها، ومن تلك المقترحات، إعادة حاكم محافظة نينوى السابق، نوفل العاكوب إلى منصبه، على أن يحكمها جنباً إلى جنب مع ممثلين عن العاصمة العراقية، بغداد، والعاصمة الفعلية للأكراد، أربيل. كما تدعو تلك المقترحات إلى تقسيم مدينة الموصل التي تقع ضمن نطاق محافظة نينوى إلى مقاطعات فرعية يديرها رؤساء بلديات محلية. وثمة مقترحات أخرى تدعو إلى توفير قوة مكونة من 45000 رجل أمن وعناصر قبلية أخرى لتأمين المدينة، غير أن أياً من هذه الخطط لما يقر بعد.

خاتمة

مع أن تحرير الموصل من سيطرة “داعش” يبدو محسوماً، على الرغم من تكاليفه الكبيرة والوقت الذي قد يستغرقه بسبب الحشد الكبير والقوة النارية الهائلة التي وفرتها واشنطن للمعركة، فإن استعادة المدينة لن تعني نهاية المأساة؛ فالعراق يعاني تسلطاً طائفياً تمارسه قوى سياسية مدعومة من إيران، قد يمتد إلى مدينة الموصل، في حين يمضي إقليم كردستان في توسيع حدوده قبل جعل انفصاله عن لعراق واقعاً. وأمام ذلك، يشعر العرب السنة، بمن فيهم الأكثرية التي لم تراهن على “داعش” وكانت أول ضحية له، بمزيد من الغبن والتهميش في “العراق الجديد” الذي هشّمت الولايات المتحدة بناه الوطنية ومزقت نسيجه الاجتماعي بعد الغزو. واللافت أن إدارة أوباما التي اعتبرت تسلط أحزاب الحكم الشيعي السبب الرئيس لصعود “داعش” وأصرت في آب/ أغسطس 2014 على استقالة رئيس الوزراء العراقي السابق، نوري المالكي، كشرط لتقديم دعم عسكري لبغداد على أساس أنه كان عنوان السياسات الطائفية في البلاد، تعود اليوم لتكرر الأخطاء نفسها، بل أسوأ من ذلك، فهي تكرر أخطاء إدارة الرئيس السابق جورج بوش الابن في العراق حين غزت البلاد من دون وجود خطة لمرحلة ما بعد الغزو.

المدن

 

 

 

 

معركة الموصل: حسابات بغداد في رفض المشاركة العسكرية التركية/ حارث حسن

ملخص

ازدادت حدة الأزمة بين تركيا والعراق مع انطلاق عمليات تحرير الموصل من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية، وتركزت الأزمة حول نشر تركيا لعدد من قواتها في قاعدة بعشيقة القريبة من مدينة الموصل، وإصرارها على لعب دور في المعركة الجارية والترتيبات التي تليها، في مقابل رفض الحكومة العراقية لهذا الدور. تتناول هذه الدراسة أبعاد وخلفيات الأزمة الراهنة واتجاهاتها المحتملة.

مقدمة

بدأ إيقاع الخلاف بين الطرفين العراقي والتركي بالتصاعد قبيل بدء معركة الموصل ضد تنظيم الدولة، وعلى خلفية إصرار الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، على أن يكون لتركيا دور مباشر في التخطيط للمعركة وتنفيذها. كان موقف الحكومة العراقية معارضًا ومستنكرًا، مُصرًا على أن تركيا ليست جزءًا من التحالف الدولي المكلف بمواجهة التنظيم في العراق، وأن تحركاتها العسكرية داخل العراق لم تأتِ بطلب أو بالتنسيق مع الحكومة العراقية -الطرف الوحيد المخول بالاتفاق مع الأطراف الخارجية على تحديد نوع المساعدة التي يمكنهم تقديمها في إطار هذا الصراع-.

لكن قبل المضي بتشريح جوانب الأزمة الراهنة، وهي ليست الأولى في ملف العلاقات بين البلدين، سنبدأ بخلفية عامة عن جذورها، يتبعها قراءة للموقف التركي من معركة الموصل، ومن ثم مواقف الأطراف العراقية، قبل الختام برسمة للسيناريوهات المُحتملة.

جذور الأزمة

لم تكن العلاقات العراقية-التركية في أحسن حالاتها قبل الأزمة الراهنة نتيجة لمجموعة من التراكمات التي سبقتها وعمَّقت عدم الثقة بين الجانبين. ربما يمكننا ربط ذلك بتحولين رئيسيين في السياسة الخارجية التركية:

الأول: هو محاولة الدخول على خط الصراعات والتفاهمات العراقية الداخلية، تحديدًا عبر التقارب مع الأطراف التي تحرص على الاستقلال عن النفوذ الإيراني والسعي إلى لعب دور الراعي الإقليمي لها، ففي السابق ساندت تركيا القائمة العراقية بقيادة إياد علاوي، العلماني من أصول شيعية، وحاليًّا تساند الحزب الإسلامي الذي تعرَّض للإقصاء على يد رئيس الوزراء العراقي السابق، نوري المالكي، والجناح السياسي الذي تمثِّله عائلة النجيفي العريقة في الموصل والذي يقوده أسامة النجيفي، زعيم ائتلاف (متحدون) ونائب رئيس الجمهورية، وأخوه أثيل النجيفي الذي شغل منصب محافظ نينوى لدورتين قبل أن تتم إقالته من قبل البرلمان العراقي في مايو/أيار 2015 (1).

أمَّا التحول الثاني فيتعلق بالانفتاح المتبادل بين تركيا وحكومة إقليم كردستان بزعامة مسعود البارزاني بعد سنوات طويلة من عدم الثقة والشك المتبادل بين أنقرة والقوى الكردية. جاء هذا الانفتاح على خلفية تبني الحكومة التركية في صيف العام 2009 مشروع المصالحة والحل الديمقراطي للقضية الكردية في تركيا (2)، الذي رافقه فتح قنوات التواصل مع القوى الكردية العراقية، وبشكل خاص الحزب الديمقراطي الكردستاني.

اندرج هذان التحولان في سياق الاتجاه العام الجديد الذي تبنَّته حكومة العدالة والتنمية نحو الانخراط “البنَّاء” في الشرق الأوسط، وتعميق علاقات تركيا في العالمين العربي والإسلامي كجزء من عملية الافتراق عن التراث الأتاتوركي القائم على التطلع نحو أوروبا. وبدا لبعض الوقت أن الانفتاح على كردستان الذي أدَّى تدريجيًّا إلى صياغة منظومة من العلاقات الاقتصادية والسياسية المتقدمة بين الطرفين قد مثَّل من وجهة نظر الرؤية السياسية لوزير الخارجية التركي الأسبق، أحمد داود أوغلو، نموذجًا لسياسة تصفير المشاكل التي اتضح لاحقًا أنها كانت رؤية رومانسية لا يمكنها الصمود أمام الحقائق الصعبة للمنطقة، خصوصًا إثر أحداث الربيع العربي التي تمت قراءتها من قبل حزب العدالة والتنمية كفرصة لنشر “النموذج التركي” الجديد في المصالحة بين الإسلام والديمقراطية والعلمانية، ولتوسيع النفوذ التركي، تحديدًا عبر الشراكة مع القوى السياسية المشابهة في المنطقة، كالإخوان المسلمين. لكن الانقلاب العسكري في مصر والحرب الأهلية في سوريا أعاقا هذا الطموح بل وزجَّا بتركيا في صراعات المنطقة إلى جانب بعض أطرافها وضد أطراف أخرى، بما استدعاه ذلك من مزيد الانخراط في التنافسات الإقليمية.

وفي الحقيقة، فإن هذا الانخراط كان قد حدث عراقيًّا وبشكل سابق على أحداث الربيع العربي، وبالتحديد قبيل الانتخابات البرلمانية في العام 2010 حينما دعمت تركيا ائتلاف العراقية، بزعامة إياد علاوي، والذي ضمَّ في داخله الحزب الإسلامي وتكتل النجيفي. تلا ذلك توتر العلاقات مع رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، الذي استفاد من ظروف الانسحاب العسكري الأميركي لتوطيد سلطته الداخلية والانقضاض على بعض منافسيه، تحديدًا من السياسيين السُّنَّة. فنائب رئيس الجمهورية السابق والرئيس السابق للحزب الإسلامي، طارق الهاشمي، لجأ إلى تركيا بعد أن سعى المالكي إلى اعتقاله بتهمة التورط في أعمال إرهابية، وتبع ذلك اتهامات من أردوغان للمالكي بتبني سياسات طائفية وإقصائية، ردَّ عليها المالكي باتهام أردوغان بالتدخل في الشؤون العراقية الداخلية (3). بالنسبة للجانب التركي، فإن الاعتراف بدور لتركيا في تشكيل الوضع العراقي أصبح هاجسًا عبَّرت عنه شكاوى أردوغان من أن الحكومة العراقية لا تمانع في وجود نفوذ واسع للولايات المتحدة وإيران داخل العراق، لكنها تنفر فقط من محاولة لعب تركيا مثل هذا الدور، وقد أوعز ذلك غالبًا لرفض الطرف الشيعي في مقابل رغبة الطرفين السنِّي والكردي بهذا الدور (4).

وبالفعل، ركزت السياسة التركية في العراق خلال الأعوام الخمسة الأخيرة على بناء شبكة نفوذها في إقليم كردستان والمناطق السنية شمال العراق، تحديدًا محافظة نينوى، وأصبحت تركيا الفاعل الاقتصادي الأول في ذلك الجزء من البلاد، والمنفذ الرئيسي لمشاريع مد أنابيب الطاقة المنفردة لإقليم كردستان التي كان الإقليم يسعى من خلالها إلى تصدير نفطه بدون المرور عبر الأنبوب الوطني العراقي، كما شجعت تركيا محافظ الموصل على التفكير بالاستثمار في حقول النفط في نينوى بمعزل عن الحكومة العراقية (5). ويبدو أن الهدف التركي من إقامة شبكة الشراكات الاقتصادية هذه هو تحويل إقليم كردستان وشمال العراق إلى مجهِّز الطاقة الرئيسي لتركيا بما يقلِّل من اعتمادها على مصادر الطاقة الأخرى، كإيران وروسيا، وإلى منطقة نفوذ سياسي تنافس من خلاله النفوذ السياسي لإيران في وسط وجنوب العراق.

تركيا وقضية الموصل

كان سقوط الموصل بيد تنظيم الدولة بداية لمرحلة جديدة من إعادة ترتيب الأوراق في العراق والمنطقة. بشكل عام، لا يبدو أن تركيا رأت في سيطرة التنظيم على أجزاء واسعة من الأراضي العراقية والسورية التحدي أو الخطر الأكبر عليها (على الأقل قبل أن يبدأ التنظيم بشنِّ هجمات على الأراضي التركية)، بل إنها اعتبرت أن بقاء نظام بشار الأسد في سوريا هو المشكلة الرئيسية. ولكن من الناحية الجيوسياسية، تَركز القلق التركي على إمكانية أن يستفيد حزب العمال الكردستاني، المصنف في أعلى قائمة الإرهاب التركية، من الفراغ الأمني شمال سوريا ومن اتساع نفوذ (وحدات حماية الشعب)، وهي ميليشيا كردية-سورية قريبة من حزب العمال، حصلت على دعم غربي واسع في قتالها ضد تنظيم الدولة. اعتبرت تركيا أن نشاط المقاتلين الكرد المناوئين لها هو التهديد الأكبر لأمنها، خصوصًا مع الانتكاسة في عملية المصالحة مع أكراد تركيا، واتجاه حكومة أردوغان للتحالف مع القوى القومية التركية التي لا تتخذ موقفًا وديًّا تجاه المطالب الكردية بمزيد من الحقوق السياسية والثقافية. التقى هدف تأمين مناطق جنوب تركيا وقطع التواصل بين جيوب المقاتلين الكرد في شمال العراق وسوريا مع الأقاليم الكردية في تركيا، ليقوي الرغبة بأن يكون لتركيا دور أكبر في صياغة مرحلة ما بعد تنظيم الدولة في نينوى.

دعمت تركيا فصائل سنِّية مسلَّحة تتألَّف من حوالي ألفي مقاتل حملت في البداية اسم “الحشد الوطني” وتبدل اسمها قبيل معركة الموصل إلى “حرس نينوى”، وهي بقيادة المحافظ السابق لنينوى، أثيل النجيفي، الذي تعتبره تركيا حليفها الرئيسي في العراق. كما جرت تفاهمات بين أنقرة وحكومة إقليم كردستان، خصوصًا فيما يتعلق بالحدِّ من نشاط مقاتلي حزب العمال الكردستاني. أثمرت التفاهمات مع هذه الأطراف عن قيام تركيا في ديسمبر/كانون الأول 2015 بإرسال حوالي 500 جندي مع مدرعات ثقيلة إلى قاعدة عسكرية أنشأتها في بعشيقة، شمال شرق الموصل وعلى مسافة حول 30 كم من مركز المدينة، وتولَّت فيها تدريب قوات النجيفي (6). على المستوى الرسمي، قال المسؤولون الأتراك إنهم أرسلوا تلك القوات بعد حصولهم على موافقة الحكومة الاتحادية العراقية؛ الأمر الذي نفاه رئيس الوزراء العراقي، حيدر العبادي، لاحقًا في بيان أصدره وتضمَّن محضر اجتماعه مع رئيس الوزراء التركي السابق، أحمد داود أوغلو، مشيرًا إلى أن الأتراك تصرَّفوا بشكل أحادي وبدون علم حكومته (7). لكن بعض الوقائع يشير إلى أن الموقف العراقي كان في مرحلة من المراحل مرحِّبًا بالوجود العسكري التركي في بعشيقة، كما يظهر في زيارة وزير الدفاع العراقي المقال، خالد العبيدي، للمعسكر(8).

توقف الطرفان عن التركيز على هذا الموضوع خلال الأشهر الماضية من العام 2016 بسبب انشغال الحكومة العراقية بالمعارك في الأنبار، وتركيز الجانب التركي على الجبهة السورية. لكن مع اقتراب معركة الموصل، تصاعد التأزم في العلاقة بين الطرفين بعد إعلان الرئيس أردوغان أن حكومته عازمة على المشاركة في معركة الموصل للدفاع عن “إخوتنا التركمان” أو استجابة لمطالب القادة السُّنَّة العراقيين، ومنعًا لسيطرة الميليشيات الطائفية على المدينة في إشارة إلى قوات (الحشد الشعبي) الشيعية المدعومة من إيران (9).

في المقابل، جدَّد رئيس الوزراء العراقي رفضه، واصفًا القوات التركية في العراق بالغازية، ونافيًا أن تكون جزءًا من التحالف الدولي. رفع ذلك من منسوب التوتر بين الطرفين لينتقل إلى مرحلة الهجوم الشخصي حينما خاطب أردوغان العبادي بالقول: “اعرف حدودك أولًا، فأنت لست بمستوى أن تكون محاوري، أنت لست بمستواي..” (10)، ليتبعه رئيس الوزراء العراقي بتغريدة تنطوي على السخرية من استخدام أردوغان لتطبيق الاتصال عبر جهازه الخلوي عند دعوته مؤيديه للتصدي للانقلاب الفاشل الذي وقع شهر يوليو/تموز 2016 في تركيا.

وفي الحقيقة، فإن تلك التصريحات المتبادلة لم تتسم فقط بالخروج غير المعتاد عن الخطاب الدبلوماسي، لكنها أيضًا عكست تصورًا تركيًّا ينطوي على قدر من الصحة بأن الحكومة العراقية ليست الفاعل الأهم وليست وحدها صاحبة القرار فيما يجري على الأرض، وأن تركيا يجب أن تتحاور بشأن مستقبل العراق -كما مستقبل سوريا- مع اللاعبين الدوليين والإقليميين الرئيسيين باعتبارها هي الأخرى قوة إقليمية كبرى. ووفقًا للمعلِّق السياسي التركي، أوزكان تيكيت، فإن تركيا تعتقد بأن الموقف العراقي يعكس مصالح إيران والولايات المتحدة، ومسعى إيران لإقامة حكومة موالية لها في الموصل بعد تنظيم الدولة، تمامًا كما فعلت في بغداد، وأن الولايات المتحدة تعمل مع إيران سويًّا في تحالف ضمني يصطدم مع المصالح التركية (11).

ليست هناك أدلة على أن تركيا تنسِّق تحركها في العراق مع الجانب الأميركي، الذي صرَّح مبعوثه الخاص للحرب مع تنظيم الدولة، بريت ماكغورك، بأن أي وجود عسكري أجنبي في العراق يجب أن يجري بالتنسيق مع الحكومة العراقية، وأن رئيس الوزراء العراقي وحده المخوَّل بالإعلان عن انطلاق العمليات العسكرية لتحرير الموصل.

مع ذلك، تحاول الولايات المتحدة أن تأخذ الهواجس التركية بالاعتبار وتدفع باتجاه حلٍّ تفاوضي بين بغداد وأنقرة، بما يفسِّر قيام وفد برئاسة نائب وزير الخارجية التركي بزيارة بغداد بعد ساعات من إعلان العبادي انطلاق عمليات الموصل، للتفاوض بشأن وجود القوات التركية في شمال العراق، غير أن الزيارة لم تثمر أي تقدم، فقد تلتها تصريحات من الجانبين تؤكد على موقفيهما السابقين (13). وربما تعتقد حكومة أردوغان أن التقارب النسبي مع روسيا والإحجام الأميركي عن اتخاذ موقف صريح جدًّا بشأن التواجد العسكري لأنقرة في شمال العراق، والتردد الإيراني في الدخول بمواجهة صريحة مع تركيا، توفِّر ما يكفي من العناصر لمواصلة هذا الوجود وتوظيفه للضغط من أجل أن يكون لأنقرة كلمة في تقرير مستقبل الموصل.

مواقف الأطراف العراقية

لكن الدور التركي يفتقر لغطاء محلي عراقي بالمستوى الذي يضفي عليه الشرعية؛ فقد أصدر العديد من القوى السياسية الكردية، باستثناء الحزب الديمقراطي الكردستاني، بيانًا يستنكر التوغل التركي في الأراضي العراقية (14)، بينما لم يصدر عن رئيس الإقليم، مسعود بارزاني، أي تصريح يضفي المصداقية على قول الحكومة التركية إن تواجدها في بعشيقة يجري بالتنسيق مع البشمركة الكردية، رغم وجود أدلة على أن تنسيقًا ما قد جرى بين الجانبين، على الأقل في المراحل الأولى لانتشار تلك القوات، ومعروف أن ميليشيا النجيفي تلقى دعمًا من البشمركة. وفي تصريح يوحي بأن حكومة إقليم كردستان ليست بوارد دعم الوجود التركي في العراق، أصدر رئيس الإقليم، مسعود بارزاني، بيانًا في 15 أكتوبر/تشرين الأول 2016، يقول فيه: إن الاستعدادات لعملية الموصل قد اكتملت وإنها تجري بتنسيق كامل مع الحكومة الاتحادية في بغداد (15)؛ وهو ما ينفي وجود تنسيق مقابل مع الجانب التركي نظرًا إلى أن بغداد لا تعتبر تركيا جزءًا من التحالف الدولي.

ولا يجد البارزاني نفسه في موضع مرتاح مع التحدي الداخلي الذي يواجههه من بقية القوى الكردية التي تطالبه بالاستقالة بعد نهاية ولايته، والتحدي الاقتصادي الناتج عن تراجع أسعار النفط والأزمة الاقتصادية في الإقليم، الأمر الذي جعله يقوم بأول زيارة إلى بغداد منذ عدَّة سنوات، ويبادر بالتقارب مع الحكومة العراقية والوصول إلى اتفاق أوَّلي معها بخصوص الخلافات النفطية والمالية بين أربيل وبغداد (16). وكل ذلك يفرض عليه اتخاذ موقف حذر بخصوص الإصرار التركي المنفرد على الانخراط في معركة الموصل بدون تنسيق واضح مع الجانب الحكومي العراقي والجانب الأميركي.

أمَّا القوى السنية المتواجدة في بغداد، فلم يصدر عنها موقف موحد تجاه الأزمة، فباستئناء مواقف معارضة للدور التركي عبَّرت عنها كتل صغيرة كتجمع (الحل) النيابي الذي يقوده محمد الكربولي (17)؛ فإن القوى السنِّية الرئيسية كالحزب الإسلامي وائتلاف (متحدون) فضلت التزام الصمت، إعلاميًّا على الأقل، خشية توتير العلاقات مع الحكومة العراقية والظهور بمظهر من يدعم تدخل قوة أجنبية في الشأن العراقي. على العكس، فإن القوى السنية التي ليس لها حضور كثيف في بغداد، بدت أكثر ميلًا إلى قبول الدور التركي كمُوازِن ورادع للدور الإيراني، وهو موقف عبَّر عنه نائب الأمين العام لـ(المشروع العربي) في العراق، ناجح الميزان، الذي اعتبر أن تفعيل الدور التركي في تحرير الموصل يُعد “ضمانة بعدم تكرار الجرائم بحق السنَّة على يد الميليشيات” (18).

أما القوى الشيعية فقد أجمعت على اتخاذ موقف مناوئ لتركيا وعلى رفض أي دور مباشر لها في معركة الموصل، وتراوحت مواقفها بين تهديد بعض فصائل الحشد الشعبي بمقاومة “الغزو” التركي عسكريًّا (19)، وتنظيم التيار الصدري مظاهرة أمام السفارة التركية في بغداد تندد بالتدخل التركي (20)، وتصريح عمار الحكيم، رئيس التحالف الوطني، بأن لصبر العراقيين تجاه السياسة التركية حدودًا (21).

الاتجاهات المحتملة للأزمة

على الرغم من أن معركة الموصل انطلقت يوم 16 أكتوبر/تشرين الأول 2016، إلا أن الجانبين التركي والعراقي لم يتفقا على صيغة واضحة للدور التركي في المعركة، وفي الترتيبات التي تليها. وتعمل الولايات المتحدة على ضمان أن لا تنفجر صراعات جانبية بين الأطراف العديدة، العراقية والأجنبية، تعوق نجاح عملية طرد تنظيم الدولة من الموصل، ولذلك فإنها تمارس ضغطًا سياسيًّا -وأحيانًا عسكريًّا أو لوجستيًّا- لضبط التنافسات التي تحيط بأجواء المعركة. من هنا، يميل الموقف الأميركي إلى الاعتراف بدور لتركيا في ترتيبات مرحلة ما بعد تنظيم الدولة، بل ولربما استثمار هذا الدور للضغط على الجانب الإيراني كي يقبل بتنازلات تتعلق بمستوى انخراط الفصائل المدعومة إيرانيًّا في المعركة، وبالإطار السياسي الذي ستستند عليه ترتيبات ما بعد الصراع العسكري. ويبدو أن الضغط الأميركي نجح بانتزاع قرار من حكومة العبادي بعدم اشتراك (الحشد الشعبي) بعملية اقتحام الموصل والاقتصار بذلك على الجيش والشرطة المحلية (22)، وهو ما أكده قادة فصائل الحشد لاحقًا (23). لكن فصائل الحشد ستشارك على الأرجح في العمليات العسكرية في مناطق عديدة من محافظة نينوى، بما فيها تلعفر التي يشكِّل التركمان أغلبية سكانها والتي ينحدر منها عدد مهم من مقاتلي تنظيم الدولة، وهو الأمر الذي ترفضه الحكومة التركية (24).

آخر تصريح للرئيس أردوغان عند كتابة هذه السطور يشير إلى أن بلاده اتفقت مع القوات الأميركية على دخول الموصل عند الحاجة (25)، وهو تصريح بحاجة للتدقيق ومعرفة وجهة النظر الأميركية تجاهه، لكنه يؤكد أن شروط إدارة معركة الموصل والمرحلة التي تليها ليست محسومة بعد، وأن الجانب التركي سيواصل الدفع باتجاه مزيد من الانخراط والتأثير على الأحداث. على الأرجح ستكتفي تركيا بالاحتفاظ بقاعدتها العسكرية في بعشيقة ومراقبة تطورات الوضع من هناك والتدخل العملياتي الفعلي على الأرض في حالة شعورها بوجود تهديد جدي لمصالحها من طرف حزب العمال الكردستاني أو من الفصائل الشيعية المسلحة. ستركِّز الحكومة التركية على الكيفية التي سيُملأ بها الفراغ في مرحلة ما بعد تنظيم الدولة، وتسعى لتوظيف وجودها العسكري شمال العراق لضمان وجود أداة ضاغطة تمنع من إقامة ترتيبات تعتبرها أنقرة مضرة بمصالحها. في المقابل، ستضطر بغداد إلى غضِّ النظر عن الوجود العسكري التركي في بعشيقة، مع الاحتفاظ بموقفها الناقد له. وبالرغم من تنديده المستمر بهذا الوجود، فإن العبادي قد يستفيد منه في الضغط على الفصائل الشيعية لكي يضبط حركتها وسلوكها، ويؤكد السلطة النهائية له كقائد عام للقوات المسلحة، وهو أيضًا ما تريده الولايات المتحدة. لكن قدرة العبادي على ضبط الأداء العسكري ستكون معرَّضة للخطر في حالة حصول مفاجآت في المعركة، كفشل القوات المسلحة في تحقيق تقدم كبير أو حصول كارثة إنسانية في المدينة أو عمليات تطهير إثني أو طائفي، أو وقوع صدام بين الفصائل والميليشيات المختلفة المنخرطة في القتال، وهو أمر يبدو أن تلك الفصائل ورعاتها يحاولون تجنبه في هذه المرحلة. أما التحدي الكبير فيتمثل بإيجاد الترتيبات السياسية المناسبة لمرحلة ما بعد تنظيم الدولة، فتركيا لا ترغب برؤية حكومة محلية مناوئة لمصالحها أو قريبة من إيران، وهي ما زالت تتعامل مع المحافظ السابق لنينوى باعتباره الممثل الرسمي للمحافظة، بينما تعتبره القوى الشيعية وبعض القوى السنية أحد المتسببين بسقوط المدينة في يد تنظيم الدولة. وهنا سيكون على العبادي -مدعومًا على الأغلب من الجانب الأميركي- إيجاد صيغة انتقالية لإدارة المحافظة تأخذ بالاعتبار التوازنات القائمة وصراع المصالح والنفوذ بين القوى المحلية والإقليمية، وهو الأمر الذي سيحدِّد ما إذا كانت نهاية تنظيم الدولة هي بداية لتسوية الصراع الجاري في العراق -وإلى حدٍّ ما سوريا- أم انتقالة لمرحلة أخرى من ذلك الصراع.

_____________________________________

حارث حسن – باحث في الشؤون السياسية العراقية

مراجع

1-  الجزيرة نت، البرلمان العراقي يقيل محافظ نينوى أثيل النجيفي، مايو/أيار 2015، إضغط هنا.

(2)Muftah. The Kurdish problem and the peace process in Turkey. http://muftah.org/the-kurdish-problem-the-peace-process-in-turkey/#.WAKtl4WcHIU

(3) قناة التغيير، أردوغان يتهم المالكي بدفع العراق نحو نزاع طائفي، إضغط هنا.

(4)Aljazeera. Erdogan: We have a historical responsibility in Iraq.18 October, 2016. http://www.aljazeera.com/news/2016/10/erdogan-historical-responsibility-iraq-161018133432623.html

(5)Robin Mills. Under the Mountains: Kurdish Oil and Regional Politics. The Oxford Institute for Energy Studies, January 2016. https://www.oxfordenergy.org/wpcms/wp-content/uploads/2016/02/Kurdish-Oil-and-Regional-Politics-WPM-63.pdf

(6)New York Times, Presence of Turkish troops in northern Iraq angers Baghdad, October 2016, http://www.nytimes.com/aponline/2016/10/14/world/middleeast/ap-ml-iraq-turkish-troops.html?_r=0

(7) موقع رئيس الوزراء العراقي، أكتوبر/تشرين الأول 2016، http://www.pmo.iq/press2016/12-10-20163.htm

(8) تركيا: وزير الدفاع العراقي زار قواتنا في بعشيقة، 14 أكتوبر/ تشرين الأول 2016،

http://www.aljazeera.net/news/international/2016/10/14/

(9)Tha Daily Sabah. Turkey will participate in operation to liberate Mosul, president Erdogan says. October 2016, http://www.dailysabah.com/politics/2016/10/11/turkey-will-participate-in-operation-to-liberate-mosul-president-erdogan-says

(10) Washington Post. Turkey’s president tells Iraqi leader to know his place. 11 October , 2016. https://www.washingtonpost.com/world/middle_east/turkeys-erdogan-tells-iraqi-leader-to-know-his-place/2016/10/11/e789f530-8fa5-11e6-bc00-1a9756d4111b_story.html

(11)Daily Sabah. Turkish military presence in Iraq to continue to ensure demographic stability, PM Y?ld?r?m says. 6 October, 2016. http://www.dailysabah.com/war-on-terror/2016/10/06/turkish-military-presence-in-iraq-to-continue-to-ensure-demographic-stability-pm-yildirim-says

(12)Ryan Brown. US urges calm as Turkey-Iraq tension risk ISIS fight. CNN, 11 October, 2016. http://www.cnn.com/2016/10/11/politics/us-turkey-iraq-tensions-mosul-isis-fight/

(13) جريدة السفير، وفد تركي في بغداد: أردوغان متمسك بتدخله. 10 أكتوبر/تشرين الأول، 2016. http://m.assafir.com/Article/178/514530

(14)Rudaw. MPs from five Kurdish parties call on Turkish troops to leave Iraq. 8 October , 2016. http://rudaw.net/english/kurdistan/081020163?keyword=ISIS

(15) رئاسة إقليم كردستان، رسالة من رئيس إقليم كردستان إلى الرأي العام، 15  أكتوبر/تشرين الأول 2016. http://www.presidency.krd/arabic/articledisplay.aspx?id=ovMpQsbjHjA=

(16)Kurdistan 24. President Barzani: an agreement reached with Baghdad to resolve all issues.29 September 2016. http://www.kurdistan24.net/en/news/110c5403-6263-4580-8a59-30ca6c0ef10a/President-Barzani–Agreement-reached-with-Baghdad-to-resolve-all-issues-

(17) النشرة. الكربولي: تصريحات أردوغان وحَّدت العراقيين برفضهم التدخل في شؤونهم، 11 أكتوبر/تشرين الأول 2016. إضغط هنا.

(18) العربية، قيادي عراقي: تركيا “ضمانة” بعدم تكرار الجرائم ضد السنَّة في الموصل، 19 أكتوبر/تشرين الأول 2016، إضغط هنا.

(19) أورينت، الحشد الشعبي طالَبَ بقصف القوات التركية في الموصل وكتلة المالكي تهدِّد بالروس، 12 يوليو/تموز 2016. http://orient-news.net/ar/news_show/96320/0/الحشد-الشعبي-يطالب-بقصف-القوات-التركية-في-الموصل-وكتلة-المالكي-تهدد-بالروس

(20) راديو سوا، تلبية لدعوة الصدر: مظاهرة حاشدة أمام السفارة التركية في بغداد، 12 أكتوبر/تشرين الأول 2016، http://www.radiosawa.com/a/baghdad-turkish-embassy-protests/330391.htm

(21) وكالة الفرات نيوز، رد رئيس التحالف الوطني على تصريحات المسؤولين الأتراك، 9 أكتوبر/تشرين الأول 2016، http://alforatnews.com/modules/news/article.php?storyid=129223

(22) اليوم السابع، الجيش العراقي سيدخل الموصل وليس الحشد والبشمركة، 14 أكتوبر/تشرين الأول 2016، http://www.youm7.com/story/2016/10/14/العبادى-الجيش-العراقى-سيدخل-مدينة-الموصل-وليس-الحشد-والبيشمركة-/2922018

(23) المؤتمر الصحفي للسيد مقتدى الصدر وقادة الحشد الشعبي، 18 أكتوبر/تشرين الأول 2016، https://m.youtube.com/watch?v=mm-m0zcC5Ds

(24)Fahim Tastekin..Turkey’s brash behavior riles Iraq. Almonitor,,7 October, 2016.  http://www.al-monitor.com/pulse/originals/2016/10/turkey-iraq-mosul-isis-operation-tigris.html

(25)  الحرة، أردوغان: اتفقنا مع الولايات المتحدة على دخول الموصل متى أردنا،19  أكتوبر/تشرين الأول2016 ،

http://www.alhurra.com/a/erdogan-iraq-musul-isis/330550.html

 

 

طرد عناصر «داعش» من الموصل سيكون صعباً ومكلفاً/ روجر أوين

إنّ أسهل ما يمكن أن يتوقعه مُشاهد خارجي هو أنّ المعركة لطرد مقاتلي «داعش» من الموصل في شمال العراق ستكون طويلة ومنهكة ودامية. وثمة سبب ليتذكّر من كان في الماضي جندياً، مثلي، الخوف الذي ينتابه عند الاضطرار إلى الاستيلاء على مدينة، بيتاً تلو الآخر، وشارعاً تلو الآخر، وحيّاً تلو الآخر، وسط تواجد القنّاصة على سطوح الأبنية وانتشار العبوات في كل مكان، ناهيك عن ظاهرة جديدة نسبياً، تتمثل بتفجير انتحاريين أنفسهم في المحيط القريب.

إنّها من المزايا التي تملكها مجموعات متمرّدة، على غرار «داعش»، فيسهل عليها نسبياً تدريب شبان وتخبئتهم، والقيام بالمراقبة ثم الهجوم، شرط أن يكون هؤلاء الشبّان مستعدّين للتخلي في سياق ذلك عن حياتهم. وبالاستناد إلى المنطق عينه، يتم بناء أنفاق يتحرك المقاتلون عبرها بمزيد من الأمان، ومخازن خفيّة للمواد الغذائية والذخائر الجاهزة.

لكنّ من المناسب أيضاً مراقبة التقدم المحرز على صعيد التجهيزات الحربية التي تم اختبارها في المدن أخيرًا في دول مثل ليبيا، حيث استعملت القوات البريطانية الخاصة طائرات صغيرة من دون طيار للقيام بجولات رصد جوّي فوق البيوت المتواجدة في الأمام. إلى جانب ذلك، ظهرت تكتيكات حديثة على غرار إطلاق النار على عجلات مركبة آلية مقتربة تبدو محملة بالمتفجرات. وتشمل ابتكارات أخرى على ما يبدو أساليب وقائية معتمَدة في عدد كبير من الضواحي، حيث يُصعّب تباعد المنازل بعضها عن بعض شنّ هجمات مضادة. والأصعب من ذلك كلّه استعمال المعلومات المأخوذة من جواسيس تسللوا إلى صفوف «داعش» وهرّبوها إلى الجهات المحاصِرة.

بيد أنّ معرفة ما إذا كان يكفي تجنب التدمير الشامل لأهم أبنية المدينة هو مسألة مختلفة تماماً. وفي هذا السياق، يكفي النظر إلى اللقطات الجوية عن مدينة حلب القديمة، التي باتت مسرح دمار كبير إلى حد يجعلك تتساءل حول المغزى المحتمل من التدمير الكلي للمكان الذي تود معاودة السيطرة عليه ذات يوم. وفي أحوال كهذه، قد يكون من الأفضل فرض حصار مطوّل كما في القرون الوسطى، عندما كان يتم تجويع المدن المحصّنة حتى تستسلم، بدلاً من تعريضها لهجمات متكررة وباهظة التكلفة، وتمنح هذه الطريقة المهاجمين وقتاً ضرورياً ليتّخذوا قراراً في ما بينهم بشأن نظامهم الحاكم، لا سيما في أماكن كالموصل، التي تضم سكّاناً متنوعين وتشمل على الأرجح مليونين ونصف مليون سني وشيعي وتركماني وكردي.

وكذلك، من الحريّ النظر في تشبيه آخر بالقرون الوسطى، فالجهات المهاجمة والمدافعة على حد سواء في حلب استعانت بوسائل قتال كيميائية بصيغتها البدائية، وأطلقت على بعضها البعض براميل متفجرة تحتوي على شتى أنواع المواد السامة، ويُقال حتى إنّه تمّ استعمال الغازات السامة، مع أنها ممنوعة رسمياً بموجب معاهدة جنيف.

ما لا يساعد على حلحلة الأمور هو أنّ الصراعات المدنيّة في الشرق الأوسط بمعظمها هي نوع من الحروب الأهلية، لكنّها أيضاً صراعات أعنف من غيرها، ولا تستند إلى أي قواعد متفق عليها على صعيد معاملة السجناء، أو إدارة المدنيين، أو حماية الأطباء أو المرافق الطبية. وكذلك، ما لا يساعد على إنهاء الصراعات هو أنّها تتشبّه بالحروب الأهلية المعروفة في تاريخ العالم، التي تشجّع إمّا على تدخل أطراف محاربة خارجية بصفتها مدربة للقوات المحلية، أو على إيجاد وسطاء محليين لتوسيع نطاق نفوذها السياسي. وفي الأماكن التي تتّسم فيها الجهات الخارجية بالجهل النسبي، يسود احتمال أكبر بأن يتم التلاعب بعقول هؤلاء المتدخلين، وجعلهم يشنّون هجوماً على أعداء مدنيين جواً أو براً.

وسط هذه الظروف المعقّدة، أفضل ما يمكن فعله هو التصرف بتأنّ، على أمل النجاح في الحد من الإصابات الناتجة عن تكتيكات كتلك المعتمدة في الموصل. ومن هذه التكتيكات مثلاً رمي عشرات آلاف النشرات التي تشمل إرشادات حول السلامة، على غرار كيفية لصق شريط عازل على النوافذ لتجنب الزجاج المتكسر، وكيفية التنقّل بأمان في الشوارع، والسير على الأقدام مثلاً بدلاً من استعمال السيّارة.

لكن بغضّ النظر عن الاستعدادات المسبقة، يبقى فتح المدن الكبرى واحتلالها من الاستراتيجيات المحفوفة بمخاطر كبيرة، تتأتى عنها سلسلة تداعيات يصعب التنبيه منها مسبقاً، حتى عبر إعلان دولة عسكرية. فماذا لو شملت المعركة، بين جملة من الأمور، عدداً كبيراً من الأهداف الواجب تحقيقها بين مجموعات مختلفة من السكّان؟ وماذا لو تمّت مصادرة البيوت وغيرها من العقارات من الجيران الأقل نفوذاً؟ وماذا عن انتشار عمليّات النهب؟ وماذا لو أن عمليات الانتقام والصراعات التالية استمرّت لسنوات وسنوات، وحتى لعقود؟

عرفت قوات «داعش» ما تفعله عندما قرّرت إقحام نفسها في المدن الكبرى، فاحتلّتها بسرعة في عملية صادمة ورهيبة، ومن ثم غارت فيها لمنع معاودة الاستيلاء الفوري عليها. إنها تكتيكات مثالية تعتمدها مجموعات الميليشيات الصغيرة، التي تملك دوافع كبيرة وتسعى لاستحداث أنواع جديدة من القوانين والحكم، سواء في الشرق الأوسط العربي، أو أفغانستان، أو أجزاء كثيرة من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وهكذا، ووسط مساعي الحكام والأنظمة المحلية لاستحداث قوات خاصة من نوع جديد لحماية نفسها، يتعلم المتمردون كيفية التأقلم مع الوضع الجديد، ويطوّرون تكتيكات جديدة، ويسعون لصقل استراتيجيات انتهازية جديدة تقوم على عنصر المفاجأة، والإخفاء، والانسحاب، ومن ثم العودة المفاجئة.

وفي حين تستكشف حكومات الشرق والغرب على حد سواء، وعلى حسابها الخاص، كيفية استعمال الطائرات في محاولة للحد من عدد الضحايا الميدانيين في صفوف جنودها، كل ما يفعله ذلك هو قيام مشاكل معقدة في المستقبل، تُعتبَر أصعب بكثير من المشاكل الناتجة عن إرسال الجنود من بيت إلى بيت. وهنا، يكفي أن تسألوا رئيس أفغانستان الجديد عن الموضوع!

* أكاديمي بريطاني – جامعة هارفارد

الحياة

 

 

 

 

 

معركة الموصل: الديموغرافيا ترسم حدود الجغرافيا/ خالد غزال

تتوّج معركة الموصل الدائرة اليوم حلقة في مسلسل التقسيم الذي يجري في العراق منذ أكثر من عقد من الزمن. بدأ الاحتلال الأميركي هذه المسيرة عندما سرّح الجيش العراقي، وسمح لإيران تقطف ثمار إسقاط نظام صدام حسين، وعزز الانقسامات بين المجموعات التي يتكون منها العراق. على امتداد السنوات السابقة، وبعد تكريس نظام سياسي ما، خصوصاً في ظل نوري المالكي، تقاطعت السياسات العراقية مع السياسة الإيرانية على إعادة رسم الجغرافيا العراقية، بما يتيح تثبيت مناطق النفوذ لإيران تحديداً. لم يكن لهذا النفوذ أن يتجذر من دون إعادة رسم الخريطة الديموغرافية لخلق مناطق ذات تكوين سكاني له سمة طائفية مميزة، بحيث تمتنع المعارضات، ويتاح لقوى إقليمية ممارسة سيطرتها بسهولة. خلال هذه الفترة من الحكم، كانت تجري في العراق عملية بناء لميليشيات طائفية صافية، وكان التحريض المذهبي يجري بوتيرة غير مسبوقة، يتولاه رئيس الحكومة آنذاك نوري المالكي الذي كان يضع عنواناً لحكمه يتمثل باستعادة الصراع التاريخي على السلطة بين أنصار الإمام علي بن أبي طالب ومعاوية. لم يكن المالكي يخجل من القول أنه آن الأوان لحسم هذه المعركة التاريخية من قبل المكونات الشيعية.

كان الفرز الديموغرافي قد بدأ يأخذ طريقه قبل قيام تنظيم «داعش» واحتلاله قسماً واسعاً من الأراضي العراقية، وكان الفرز يتم عبر عمليات أمنية وفي مناطق محددة بحيث تترجم هذه العمليات بتهجير سكاني وإحلال سكان من طوائف محددة. تاريخياً، يقوم العراق على ما يشبه التصنيف بين مناطقه، مناطق لديها غالبية شيعية، ومناطق ذات غلبة سنية، ومناطق يحتل فيها الأكراد غلبة مطلقة. لكن هذا التوزيع الجغرافي ظل يحوي اختلاطاً بين السكان من جميع الطوائف، كما يضم مجموعة من الأقليات والإثنيات المتعايشة تاريخياً مع المكونات الأصلية الطائفية. بدأ تغيير الوقائع القائمة نحو إيجاد مناطق جغرافية صافية بعدما تكرّس الحكم الطائفي المستند إلى إيران التي باتت شريكاً حقيقياً في حكم العراق، سياسياً وعسكرياً، مستندة إلى قوى داخلية صعدت إلى السلطة بعد زوال الديكتاتورية التي مثلها نظام صدام حسين وحزب البعث، والتي مارست طوال عهودها تمييزاً طائفياً دفع فيه المكوّن الشيعي أثماناً باهظة من الاضطهاد والتهميش. كان التغيير الديموغرافي وإعادة موضعة السكان يجري بقرارات سياسية ضمنية من السلطات العراقية – الإيرانية الحاكمة. سيتغير هذا الوضع مع بروز تنظيم «داعش» واحتلاله الموصل وتمدده إلى مناطق واسعة في العراق وصلت إلى تخوم العاصمة بغداد. هناك شبهات كبيرة حول سهولة هذا الزحف الداعشي وهروب الجيش العراقي من المعركة، حيث تجزم مصادر بأن حكومة المالكي سهلت دخول هذا التنظيم، كما سهلت فرار القوى العسكرية النظامية، بما يجعل الصراع في العراق هذه المرة صراعاً طائفياً صافياً بين قوى تدعي أنها تريد الدفاع عن مواقع السنة، في مواجهة الحكم الجديد الذي يضطهد المكونات السنية. ولأن الصراع اتخذ هذا الطابع، أعلنت إيران صراحة أنها جزء من المعركة ضد داعش وأن تدخلها هو لحماية المواقع والمراكز الشيعية.

على رغم أن نقاشاً واسعاً يدور حول تكوين «داعش» وتسليحه وتدريبه وتسهيل انتشاره، تدخل فيه سورية وإيران وتركيا وأميركا والنظام العراقي نفسه، كل طرف أراد توظيفه خدمة لمصالحه، إلا أن التنظيم تجاوز الحدود التي قد تكون مرسومة له، وبات يشكل مصدر قلق. لكن الوظيفة الأساسية من خلق التنظيم ومحاربته لاحقاً تكشفت أنها في خدمة إعادة رسم الجغرافيا العراقية. تم خلق ميليشيات مشابهة لداعش، فكراً وممارسة، هي الحشد الشعبي، ودخلت في صلبه قوات إيرانية. قبل الموصل، دارت معارك ضخمة في مناطق عراقية هيمن عليها «داعش»، انتهت بطرده. لكن ما استتبع طرده كان عملية تهجير للسكان أو منع من هربوا من العودة إليها، في مناطق نينوى وديالي وكركوك وحزام بغداد. كما جرت عمليات هدم لبيوت السكان الأصليين، مع استحضار قوى طائفية تابعة للحشد الشعبي وإسكانها في هذه المناطق. وقد نجحت حملة التغيير الديموغرافي إلى حد كبير في تكريس الصفاء الطائفي في هذه المناطق.

تهدف معركة الموصل اليوم، في جانب منها، إلى استكمال فرز طائفي، وسط نزاع دخلت تركيا على خطوطه تحت حجة منع قيام مناطق معادية لها. ما هو شبه مؤكد أن الوضع في العراق، بعد هذا الفرز الطائفي سيكون مقبلاً على مزيد من الصراعات والعنف، لأن الأحقاد الطائفية التي يجري تأجيجها سترتد وبالاً على الغالبية العظمى من الشعب العراقي وعلى مصير العراق نفسه.

* كاتب لبناني

الحياة

 

 

 

 

الموصل خائفة وتأمل بوصاية دولية/ “عين الموصل”

ليست سيطرة «داعش» على الموصل المرة الأولى التي يسيطر فيها إرهابيون عليها. ولكن إثر اجتياح «داعش»، شعرتُ بأن الأمور لن تكون على سابق عهدها، وأن الحاجة تمس الى تدوين التاريخ الموصلي. وقد أنشر ذات يوم هذا الفصل من التاريخ، الأرجح بعد وفاتي، سواء كانت ناجمة عن اغتيال أم لا.

وأوثق كل ما أراه في المدينة: الناس والديناميات بينهم وحيواتهم اليومية، و «داعش»، أي كل ما أغفله المؤرخون في الماضي حين دوّنوا نزاعات سابقة في العراق. ودرجت على الذهاب الى السوق والاختلاط بالناس، ومنهم أعضاء في «داعش». وكنت أناقشهم كثيراً. كانوا يصغون السمع إليّ حين ألتقي مجموعة منهم في الأسواق القديمة. وكنت أحدثهم عن الشريعة على منوال يخطف انتباههم. فأنا ضليع بالإسلام، وكانوا يردّون بالقول: «ما شاء الله». وكنت في سريرتي أضحك، وأرى أنهم مجموعة من الحمقى في وسع المرء قيادتهم الى أي جهة يشاء. أمضيت وقتاً طويلاً، إثر 2003، أوثق تاريخ عنف التنظيمات التي برزت إثر سقوط صدام حسين في الموصل. ومعرفتي هذه ساعدتني في تبادل الكلام مع أعضاء «داعش». وكان من اليسير حملهم على الكلام كلما حدثتهم عن حوادث حصلت في السابق، فيسرون إليّ بخواطرهم ويطلقون الكلام على عواهنه، الى أن أضطر الى وقفهم عن الكلام عند شعوري بالاضطراب أو بأن ما أسمعه يعصى على الاحتمال.

أخشى على حياتي. وعلى الدوام أتخيل لحظة اكتشافهم أنني خدعتهم، فألفظ أنفاسي بلمح البصر. بدأت أتجنّب الكلام معهم، وصرت أواظب على الذهاب الى المسجد وأمضي ساعات طويلة هناك أستمع الى خطبهم ومحاضراتهم. فأظهر على صورة «المؤمن المتعبّد» أو اللامبالي الذي يشغله العثور على طريق منزله فحسب، أو الأحمق الذي لا يفقه ما يجري حوله. لكنني أفتح عينيّ وأذنيّ، وأرصد كل شيء في انتظار العودة الى المنزل لأدون ما رأيته وسمعته. ولم يكن يسيراً أن أتفادى سخطهم. في 2015، زادت وتيرة تهديداتهم وخطر القبض عليّ، وأكثر ما يقلقني هو سؤال: أين أخبئ تسجيلاتي؟ فأستيقظ منتصف الليل لأغير المخبأ. ولا أشعر بالاستكانة. فالقصاص الذي ينتظرني وعائلتي هو الموت. وفي العام الماضي، وجه «داعش» الى «عين الموصل» تهديداً يتوعّد القائم عليه بموت لم تعرفه الإنسانية، موت أشد من ذلك الذي أنزل بمعتز الكساسبة، الطيار الأردني.

الموصل مكان أولاه البارئ الاهتمام في كتبه، من العهد القديم مروراً بالعهد الجديد وصولاً الى القرآن. وللموصل هوية ونظام اجتماعي مختلفان عن نظيريهما في العراق كله. ولا أستسيغ عبارة «سقوط الموصل في يد داعش»، فهي تفترض أنها لم تسقط إلا في تلك اللحظة، لكن المدينة انهارت أو سقطت قبل وقت طويل. وبروز «داعش» كان نتيجة حوادث كثيرة وقعت قبل 2014، منها الفراغ الأمني، وتقويض البنية الاجتماعية المدينةَ، وسوء معاملة بغداد الموصليين. فالمدينة كانت ذائعة الصيت بتنوعها الثقافي والعرقي، لكن ما أنزله صدام بالمدينة- أي استتباعه لها- جعلها ضعيفة ومشرعة أمام كل شيء، وليس أمام «داعش» فحسب.

انقلبت الأمور في الموصل في عهد «داعش» رأساً على عقب. وشطر كبير من أهلها غادر وسافر الى أصقاع المعمورة، ولا أعتقد بأنه سيعود. بعضهم اختار التزام الصمت الى الأبد، وآخرون يسعون الى إنقاذ ما تبقى. فـ «داعش» خرّب المدينة، ودمر الآثارات التاريخية. والتحالف الدولي قصف المباني الإدارية. والموصليون صاروا مخلوقات لا تبالي وتبددت ثقتهم بكل شيء وكل الناس. ولا أحد يدعم تنظيم «داعش» في الموصل، والخوف يعم أهلها، ولا شك في أنهم ينتظرون التحرير. ولكن ثمة مشكلات كثيرة لم تُحل بعد بين الموصل والحكومة المركزية في بغداد. ونحن نخشى الجيش العراقي، والحكومة والبيشمركة. وأكثر ما نخشاه ميليشيات الحشد الشعبي سواء كانت في عديد الجيش أو لا، وهي تقترب من تلعفر. ولا يقتصر ما نخشاه على تحول الموصل الى مدينة شيعية، بل نخاف كذلك نتائج التحوُّل في الأمد الطويل. والخوف هو من حرب في المستقبل بين القبائل العربية.

عدد مسلحي «داعش» في الموصل بين 8 آلاف و9 آلاف، نصفهم مدرب على أحسن وجه، ونصفهم الآخر من المراهقين أو ممن تدريبه سيء. و10 في المئة من المسلحين أجانب (من العرب وغيرهم)، والباقون عراقيون، وشطر راجح منهم يتحدّر من نينوى. ويبدو أن معركة الموصل بالغة العسر، واليوم تدور المعارك خارجها في مناطق نائية. ولا يزال أهالي المدينة منقطعين عن أجواء المعركة، على رغم أنهم يشعرون بأنها وشيكة. والكثافة السكانية في الموصل ضخمة، إذ تضمّ حوالى 1.5 مليون نسمة. لذا، المعركة خطيرة، ونخشى إبادة، سواء ارتكبها «داعش» أو ميليشيات الحشد الشعبي، أو نيران صديقة، أو القوى الكثيرة الراغبة في الانتقام من المدينة.

وأهالي الموصل يريدون استعادة هويتهم التي سلبهم إياها صدام حسين، ثم تنظيم «القاعدة»، ثم نظام المالكي (رئيس الوزراء السابق) و «داعش». وعرف المؤرخ بيتر سلوغلت الهوية هذه بالقول: «الموصل لطالما وجهت وجهها الى حلب وجنوب غربي تركيا أكثر مما وجهته الى بغداد». وقربها من حلب وجنوب غربي تركيا هو قرب نفساني وسوسيولوجي، وإثر اجتياح «داعش» الموصل، بقيت حلب أقرب الى الموصل مما هي بغداد. ولا أعرف إذا كانت ثمة دراسات تناولت المجموعات المسلحة بعد 2003 في الموصل أم لا. لكنّ أحداً من الموصليين لم ينضم الى تلك المجموعات الإرهابية، بل هي القبائل التي كانت تربة غنية احتضنت هذه المجموعات، وأرست أسسها. وما يجري هو، في شطر منه، صدام بين الاجتماعين المديني والريفي في الموصل، نجم عن حكم صدام حسين. فهو قوّى شوكة المجتمعات الريفية ورجح كفتها على كفة المجتمع المدني في المدينة والتمدين. والموصليون يرغبون في استعادة مقاليد مدينتهم، لكنهم يرون أن السبيل الى الإمساك بها هو وصاية أو حماية دولية تحميها وهي تتعافى ويعاد بناؤها بناء وفياً لتاريخها وأهلها.

* مدوِّن، مؤرخ، صاحب مدونة «عين الموصل»، عن «ذي نيويوركر» الأميركية، 27/10/2016، إعداد منال نحاس.

الحياة

 

 

 

 

داعش» و «الحشد الشعبي» أهمّ رموز النفوذ الإيراني/ عبدالوهاب بدرخان

تتخلّع القلوب والعقول إزاء محنة المدنيين في الحرب على تنظيم «داعش» في الموصل. فلا الباقون في قبضة الإرهاب ناجين ولا الهاربون أيضاً. هناك الخوف والرعب، وهنا الإذلال والتنكيل والقتل والسحل. هناك، «داعش» يودّع مناطق سيطرته بإعدامات خاطفة للمئات وباقتياد مئات آخرين منهم من قرية الى قرية لاتخاذهم دروعاً بشرية تغطيةً لانسحاباته الى داخل المدينة حيث سيحتمي بالمدنيين حتى النهاية. وهنا، جموع «دواعش الحشد الشعبي» الذين يشكّون في أي امرأة وطفل وعجوز خارجين من المناطق «المحررة» كأنهم «دواعش» متنكّرون… هذه حرب مختلطة بحروب عدّة، وأولها ضدّ ما يُفترض أنها «بيئة حاضنة»، كما لو أن الناس اختارت بكامل وعيها وإرادتها أن تأتي بهذه الوحوش لتتسلّط عليها. لا شك أن البعد الأمني يحتّم التدقيق في أوضاع سالكي «الممرات الآمنة» لأن «الدواعش» قد يندسّون بينهم، لكن عملية التحقق هذه لا يمكن أن تُترك لميليشيات أو جماعات باحثة عن انتقامات فردية أو جماعية لأسباب عائلية أو عشائرية أو حزبية.

الحاصل في الموصل ومحيطها لا يقتصر على استهداف الإرهابيين، الذين يتولّى الجيش العراقي محاربتهم، بل هناك مآسٍ متداخلة تتسبّب بها الجماعات الأخرى «المشاركة» في الحرب بالتنسيق مع الجيش أو رغماً عنه. فأبناء عشائر السنّة يريدون استعادة منطقتهم ومدينتهم، وبما أن عناصر «داعش» قتلت المئات من عوائلهم مستعينةً برجال من عوائل أخرى، فلا بدّ أن يفضي «التحرير» الى الاقتصاص من أبناء تلك العوائل أو على الأقل التنكيل بنسائها وأطفالها وشيوخها الهاربين. أما ميليشيات «الحشد الشعبي» الشيعية، فلها ثاراتها أيضاً وهي تتخذ من «داعش» ذريعة لتنفيذ أجنداتها، بالأحرى أجندات إيرانية لا عراقية. يقال في تبرير «الحشد»، أنه ظهر رداً على ظهور «داعش» وصدّاً لاندفاعه وتوسّعه، لكن المعروف أن ميليشياته الكبرى والرئيسية كانت موجودة قبل «داعش»، وأن لكل من الأحزاب الشيعية مجموعته الخاصة المسلّحة التي لا يسري عليها أي قانون، بل استخدمت لتهميش الجيش الجديد. وخلال ولايتَي نوري المالكي، كانت هناك «فرق الموت» التي تنفذ عمليات القتل والخطف والإخفاء والترهيب، تعزيزاً لسلطته، وهي بزيّ أمني رسمي.

معروفةٌ الظروف التي عاشتها المحافظات السنّية طوال العامين اللذين سبقا سيطرة «داعش»، وكيف أن المالكي قابل اعتصاماتها المدنية السلمية أمام الكاميرات إمّا بالتجاهل أو بالاستفزاز والتهديد وأحياناً باقتحامات قمعية ودائماً باتهامات للمعتصمين بإيواء التنظيمات الإرهابية، الى أن أنهى رئيس الوزراء السابق عهده بإصدار أوامره المريبة الى الجيش للانسحاب من الموصل من دون أي مقاومة لمقاتلي التنظيم، بل إنه عرّض مئات الجنود للتصفية على أيدي «الدواعش». هل اختار أبناء تلك المحافظات المصير الذي آلوا إليه، منتقلين من الإهمال الأميركي الى عسف المالكي وتعصّبه الى وحشية «داعش» وظلاميته الى صلف «الحشد» وبغيه الانتقامي. الأكيد أنهم لم يختاروا ذلك. والأسوأ أن يتعرّضوا الآن للمهانة على أيدي من جاؤوا لـ «تحريرهم»، فكيف يمكن أن يثقوا بهذه الدولة التي تعيش تحت رحمة «الحشد» الذي يستهدفهم في مدنهم وقراهم ويريد أن يغيّر التركيبة السكانية لمناطق عاشوا فيها منذ مئات السنين؟ وهل يُستغرب أن يغدو أبسط ما يطالبون به أن تكون لهم حماية من بطش «مواطنين» لهم يسعون الى إخضاعهم بالقوة بعدما أمعنوا، مثل «داعش» وقبله، في استباحة حرماتهم؟

المفارقة، أن أحداً لا يتحدّث عن البيئة بل البيئات الحاضنة لـ «الحشد الشعبي»، ولا أحد يطرح التساؤلات الواجبة عن استقواء هذه الميليشيات حتى على جمهورها نفسه. فبيئاته هذه لا تشمل بطبيعة الحال عموم الشيعة الذين يتوقون، مثلهم مثل مواطنيهم السنّة والمسيحيين والتركمان والأشوريين والإيزيديين، مثل أي شعب آخر، الى الحدّ الأدنى من العيش السويّ، ولو في حدٍّ أدنى من الأمن والأمان والاحترام لإنسانيتهم. وقد عبّر الوسط الشيعي بتظاهراته المندّدة بالفساد والمحتجّة على تردّي الخدمات، عن ضيقه بغياب الدولة وفوضى السلاح وسطوة الترهيب التي فُرضَت عليه فرضاً وأصبحت عبئاً عليه وأقفلت أمامه وأمام أولاده آفاق المستقبل، بل وضعت الآلاف من أبنائه في خدمة احتلال إيراني يستهلكهم في مغامراته ومشاريعه ولا ينفك يفصل شيعة العراق عن جوارهم العربي.

لا شك أن سياسات الشحن الطائفي والممارسات القهرية لتلك الميليشيات، قبل «داعش» وقبل أن تسمّى «الحشد»، دفعت أعداداً كبيرة الى الهجرة القسرية كأن الإيرانيين أرادوا اختبار هذه الجريمة ضد الإنسانية، في عرف القانون الدولي، قبل أن يطبّقوها في سورية على أعداد أكبر، وبمساهمة مجانية هائلة قدمها «داعش» إليهم، فحيثما انتشر لم يبقَ من السكان سوى أقلّ من ثلثهم، ومَن لم يغادروا هم غير القادرين بحكم أنهم يعيشون أصلاً تحت أدنى خط للفقر. ومن بين دول قليلة استثمرت في «داعش»، كانت إيران الأكثر استعداداً لاستغلال غبائه وضلاله، إذ إنه أدّى لها كل الخدمات التي حلمت بها، فوجوده في أي مدينة أو بلدة عنى ويعني أنه سيقتل ويتسبّب بقتل الآلاف من السنّة، وسيدمّر ويتسبّب بدمار أكبر لمدن السنّة وللاقتصاد الذي تحتضنه وتضخّه، ثم إنه في نهاية المطاف يُظهر ارتكابات إيران وأتباعها كما لو أنها نموذج للغزوات «الرحيمة» ويضفي عليها «أخلاقية» محاربة الإرهاب ونبلها، بل إن «داعش» تولّى فعلاً العبث بالتراث ومحوَه وتجريفَه بحيث لا يعود للسكان عمق تاريخي يبرّر بقاءهم في مناطقهم ويغدو التغيير الديموغرافي كأنه مشاريع تنموية كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتحقيقها. وفي كل الجرائم والظواهر التي رافقت خطوات «داعش» والمستفيدين منها، من إيرانيين وميليشيات، تظهر معالم التقليد لممارسات الإسرائيليين واستنساخها، فلا هدف لاقتلاع السكان سوى زرع «المستوطنين» وسرقة «أملاك الغائبين».

مهما بلغت نجاحات «داعش»، فإن أحداً لا يعتقد أن عامين ونصف العام من السيطرة تمكّنه من بلورة نموذج يحتذى أو «ثقافة» يسهل اعتناق عدائها للعالم ولكل الديانات والمجتمعات. نعم، كان الناس تحت ربقته مجبرين على إظهار تكيّف ورضوخ تجنباً لعدوانيته القاتلة، لكن شهادات الذين خرجوا من مناطقه بقصد تطبيب أطفالهم وشيوخهم ثم عادوا إليها كانت بالغة التعبير عن بيئةٍ مقهورة، صابرة وآملة بأن يأتيها فرج قريب، إلا أنها متوجّسة أيضاً ممن سيأتون بعد «داعش» ومما يمكن أن يتوقّعوه من «محرّريهم». ففي كل مرّة كانت تُطرح مسألة «ما بعد داعش»، قبل ديالى وتكريت والرمادي والفلوجة، وقبل منبج، والآن قبل الموصل والرقّة، ولم يكن هناك جواب واضح في أي مرّة. المثل الوحيد الذي سُجّلت فيه عودة للأهالي كان في جرابلس والقرى المجاورة لها، لأن «محرّريها» كانوا سوريين من «الجيش الحرّ» مدعومين من تركيا، ولأنه لم تكن هناك ميليشيات إيرانية أو كردية لديها أهداف أخرى غير طرد «داعش». لكن المقلق أن القيادة الأميركية لـ «التحالف الدولي» لا تبدي تفضيلاً واضحاً لمثل جرابلس، إذ إنه لا يقدّم لواشنطن فرصاً لاستثمار الإرهاب واستغلاله كما يفعل الأكراد أو العصابات الإيرانية.

قد لا يأتي الخطر المقبل من الذين عاشوا تحت إرهاب «داعش» وعانوا من وحشيته، بل من الذين شهدوا الإهانات التي تعرّض لها ذووهم على أيدي مجرمي ميليشيات «الحشد» الذين توعّد أحد قادتهم، وهو يدعو الى القتال في الموصل، بـ «الانتقام من قتلة الحسين» لأن»هؤلاء الأحفاد من أولئك الأجداد»… هذه هلوَسة لا تشبه إلا الهراء الذي كان يدلي به أمثال «أبو محمد العدناني» وغيره من «الدواعش»، لكنها مجرّد عيّنة من النفايات السامة التي يضخّها «حشديّون» على شاكلة قيس الخزعلي وأوس الخفاجي وهادي العامري في رؤوس مقاتليهم، إذ قادهم هوسهم الفارسي الى الاستهتار بالعراق والعراقيين على اختلاف انتماءاتهم، بمن فيهم الشيعة، وإلى تصوّر أنهم يخوضون ضد «داعش» الحرب الشيعية – السنّية التي تمنّتها إيران. لكن إجرامهم لا يمثّل الشيعة ولا وحشية «داعش» تمثّل السنّة، بل إنهما فريقان بات كلٌّ منهما مبرّراً لوجود الآخر، وأكثر ما يتشابهان فيه إساءتهما الى أهلهما ومجتمعهما وتجرّدهما من أي حسّ بشري.

* كاتب وصحافي لبناني

الحياة

 

 

 

 

 

الموصل وحلب وهواجس التفكّك الداخلي/ سيّار الجميل

إنها قصة مدينتين تسمّيان الموصل وحلب، وهما من أقدم مدن الشرق في التاريخ، وقد اشتركتا على امتداده معاً في كيانات سياسيّة، وارتباطات اقتصاديّة، وامتزاجات اجتماعيّة منذ عهود الأمويين والعباسيين، مروراً بالحمدانيين والعقيليين والأتابكة الزنكيين، وصولاً إلى الأيوبيين وانتهاء بالعثمانيين، كما بقيت كلّ منهما تشكّل حصناً منيعاً أمام الغزاة، سواء الفرس الساسانيين أم الروم البيزنطيين.. ولعلّ أشهر شراكة تاريخية لهذا التوأم وقوف حلب، بقيادة واليها الوزير، حسين باشا القازوقجي، إلى جانب الموصل في دفاعها الأسطوري ضدّ حملة نادرشاه على الموصل وحصاره لها 1743 ميلادي، وكانت بقيادة واليها الوزير، حسين باشا الجليلي، وقد انتصرت على ذاك التنين الأحمر انتصاراً تاريخياً.

لعلّ أولى الإشارات التاريخية لتعرّض المدينتين لكلّ ما يصادفهما اليوم، إنما يدّل دلالات واضحة على أهميّتهما الاستراتيجية، كونهما تمثلان عمقاً تاريخياً لكلّ من العراق وسورية، ناهيكم عن موقعيهما الاستراتيجيين لكلّ من العرب والأتراك والإيرانيين.. وكان العالم قد رصدهما طويلاً، إبّان النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وجرى التركيز عليهما، إذ عاش بين ظهرانيهما قناصل عديدون، وزارهما عشرات الرحالة والآثاريين، وتأسسّت فيهما عدّة بعثات تبشيرية، وهما تؤأمان حقيقيان، عاشتا تشابه إحداهما الأخرى، خصوصاً في الثقافة والطبائع والخصوصيات الاجتماعية. وتتميز الاثنتان بنسيجهما السكاني المتنوّع، فقد استوطنهما العرب منذ القدم، وكانتا موطناً للسريان الآراميين، وغدتا مركزي جذب لكلّ من الكرد والترك وعناصر سكانيّة أخرى، وخصوصاً من بلاد الجزيرة الفراتية ومن الأناضول.

تتفاقم الهجمة اليوم، منذ أكثر من سنتين على المدينتين، بشكل يستدعي القلق على مستقبليهما، وتفكّكهما الداخلي بنزوح أهاليهما، بعد أن فشلت كلّ من حكومتي سورية والعراق في حمايتهما ووقايتهما من التحدّيات التي عصفت بهما، وإذا كانت حلب قد تمزّقت جرّاء حربٍ قذرة، وتلقّت الحمم والقنابل من سمائها، وأفرغت من سكانها بعد أن سحقت مآثرها، ودمرت أحياؤها، وهجرها 80% من سكانها، وغدت أجزاء منها أشلاء وخراباً، فإن الموصل تعرّضت، منذ

“منطقتنا مقبلة، بعد الموصل وحلب، على صراعات متنوّعة لها مسببّات عدّة في أماكن معينة، وستحترق مناطق أخرى” عشر سنوات، لأهوالٍ من نوع آخر، جرّاء الإهمال والتهميش والإقصاء، إذ تمثّل ذلك بولادة خلايا إرهابية نائمة كانت مدّعمة، في البداية، من النظام السوري الحاكم الذي كانَ يرسل مجاميع الإرهابيين وبالمئات، وهم يفجرّون ويفخّخون ويقتلون ويدمّرون ويبتزون ويبطشون، ومروراً بمشروع اغتيال العراق، وانتهاء بهمجية قطع الرؤوس وتفخيخ السيّارات في المدن العراقية. وكان أهل حلب ودمشق يستقبلون الآلاف من الفارين، وخصوصاً من الموصليين الشاردين من قسوة الإرهاب وبطشه، ويشهد كلّ الذين احتموا بمدينة حلب على حسن استقبال السوريين الطيبين عموماً أولئك النازحين والفارين العراقيين منذ العام 2005 وحتى 2010.. ولم يكن أحد يدري أنّ الدمار سيلحق حلب ومدناً سورية أخرى لاحقاً.

ثمّة حقائق لابدّ أن ندركها قبل التأمّل في مستقبل هاتين المدينتين المنكوبتين، ذلك أنّ كلتا المدينتين تمتلك نسيجاً اجتماعياً تتنوّع فيها الأديان والأعراق، لا المذاهب والطوائف، واستوعبت كلّ منهما سكاناً من الأكراد والتركمان الذين اختلطوا مع سكان المدينتين في دواخلهما. ولكن بقيت أطيافهم واضحة المعالم في الأطراف. جغرافياً، المدينتان هما أقرب المدن العربية إلى الحدود التركية، وإذا كانت الموصل هي المركز الطبيعي للدخول إلى جبال كردستان، ومنها إلى قفقاسيا وإيران، فإن حلب هي الأقرب إلى البحر المتوسط والأناضول. وعليه، تعد استراتيجية المدينتين الأساس الحقيقي لقوة الشرق الأوسط في العصر الحديث، كونهما المعبر الجاذب بين الشرق والغرب معاً في جغرافية العالم الاقتصادية والحضارية. ومن البديهي أن تعيش المنطقة دوماً تناقضات الماضي وصدامات الحاضر ومواجهات المستقبل. وستبقى تواجه تحدّيات صارمة وتدّخلات خارجية سافرة، ينتج عنها مزيد من الاضطرابات والكوارث.

من سخرية القدر أن تعيش كلٌّ من الموصل وحلب في قفص سلطة كلّ من بغداد ودمشق بعد اضمحلال الدولة في العراق 2003، وفي سورية 2011، وانسحاق النزعة الوطنية والأخلاقية في كليهما، بحيث أصبحت الأحزاب والمليشيات والعصابات الإرهابية تعبث بمصيرها من جانب، كما وغدا كلّ من البلدين مسرحاً لتدخلات الدول الإقليمية والخارجية. ما يثير القرف أن تنتقد الحكومة العراقية سياسات بشّار الأسد في السنوات الخمس الأولى بعد 2003، وفجأة تغيّر موجتها، كي نجد اليوم أكثر من عشرين مليشيا عراقيّة تقاتل على الأرض السورية من أجل إبقاء سورية في الفلك الإيراني. ويعترف الطرفان في بغداد ودمشق بقوّة علاقتهما بإيران وأجندتها في كلّ المنطقة. إنّ التدّخلات الإيرانية السافرة في سياسات العراق وسورية جعلتهما يطوفان في بحرٍ من الدماء، وغدت المنطقة تنتقل من موديل إلى آخر، نتيجة التحوّلات الصعبة من الصراعات الطائفيّة، وتفاقم ذلك بالتدّخل السافر لكي تتحوّل الثورة السورية السلمية إلى حربٍ قذرة ضدّ الناس، وتتحكمّ بها اليوم عصابات طائفيّة وإرهابية، تنجز فجائع تاريخية برفقة الطائرات، وتحل فيها كلّ القسوة والآلام ليس من أجل إبقاء الأسد في السلطة فقط، بل من أجل أن يبقى نظامه حليفاً إيرانياً، وظهيراً قوياً لسياسات إيران في المنطقة العربية برمتّها. مررنا بصفحاتٍ لا تعدّ ولا تحصى من الصراعات، والتي يتفاقم حجمها يوماً بعد آخر، بل باتت اللعبة تجري على المكشوف، ولا نستثني حتى وجود “داعش” الذي قدم من سورية إلى العراق، وتفاقمت مخاطره، بإعلان خلافته الإسلامية من الجامع النوري الكبير في الموصل.

أصبح الخطاب الطائفي اليوم مشاعاً، وتبلورت احتقانات لا أوّل لها ولا آخر، ما يعجّل بصنع

“أصبح الخطاب الطائفي اليوم مشاعاً، وتبلورت احتقانات لا أوّل لها ولا آخر، ما يعجّل بصنع شحنات مضادة متفجرّة” شحنات مضادة متفجرّة، غضباً على أجيالٍ قادمة، فما هي الصورة التي تمنحنا إيّاها الرؤية المستقبلية في ظلّ التفاعلات السريعة؟ أقول إنّ المنطقة كانت، وستبقى، تعيش سلسلة صراعات عنيفة، بسبب الأجندة التي تطمح إيران إلى تحقيقها بأيّ ثمن في ظلّ تدويل قضيتهما، فغدت حلب بأيدي الروس واستراتيجيتهم ومصالحهم، في حين غدت الموصل ومحيطها من نصيب الأميركيين واستراتيجيتهم ومصالحهم.. ولا ننسى التصريحات المهمّة التي يطلقها كلّ من البريطانيين والفرنسيين من حين إلى آخر. تسعى إيران، اليوم، من الحرب ضد داعش العمل للسيطرة على بلدة تلعفر غرب الموصل، لتكون نقطة اتصال نحو سورية، وقد حشدت آلاف المقاتلين المنضوين في مليشيات تابعة لإيران، في حين هددّت تركيا مباشرةً بتدّخلها لحماية تركمان تلعفر .. وقد أعلن أكثر من مسؤول عراقي، ومنهم نوري المالكي نفسه، أنّ مليشيات عراقية ستساهم في تحرير الرقّة السورية. وما يروّج إعلامياً يقابله صمت مطبق من الحكومة العراقية. السؤال: لماذا؟

ما يهمّنا أصلاً البنية الديموغرافية لسكان المدينتين المنكوبتين، والتي يسكت عنها العالم سكوتاً مطبقاً، وخصوصاً في تشرّد آلاف العوائل ونزوحها وهجرتها، وإفراغهما من سكانهما. ثم ما مصير الجيل الجديد في كلّ من هاتين المدينتين، مع انعدام الدراسة وانسحاق الجامعات والمدارس وكلّ البنية التحتية للمدينتين؟ ما يهمّنا أيضاً، مصير جيل كامل وصراعات الحقوق المستلبة والممتلكات المسحوقة على تراب أوطاننا كجزء من صراعات إقليمية، وإعلان شعارات طائفيّة مقيتة، والتوعّد بالانتقامات وأخذ الثارات من أجيال تتهم بخطايا لم تقترفها أبداً، ولكن بحجة أنهم أحفاد للأجداد الأوّلين من الأمويين الذين قتلوا الإمام الحسين (!). إنها مانشيتات تاريخية موروثة، تعلن في ظروف صعبة جداً، ليس لتحقيق مآرب مذهبيّة باسمها، لكنها وسيلة ديماغوجية من أجل بناء استراتيجية امتدادات إيران نحو المتوسط، إذ لا يمكن لعاقل أن يؤمن أنّ للموصل وحلب علاقة بالتشيّع أبداً. ومن المعيب جدّاً على العرب أنهّم لم يواجهوا التحديّات الإيرانية بذكاء وخطط وأساليب غاية في الدهاء، بل تعاملوا مع المأساة تعاملاً غبيّاً. منطقتنا مقبلة، بعد الموصل وحلب، على صراعات متنوّعة لها مسببات عدّة في أماكن معينة، وستحترق مناطق أخرى لم تكن مشتعلة في الماضي. جوهر معضلة منطقتنا العربية اليوم امتلاكها المجال الحيوي الحقيقي في العالم.

العربي الجديد

 

 

 

 

الانشغال بالموصل والرقة لتبرير التخلي عن حلب/ حسان حيدر

ساقت الولايات المتحدة وحلفاؤها من «أصدقاء سورية» الغربيين خلال السنتين المنقضيتين على ظهور تنظيم «داعش»، مجموعة من الشعارات شكلت غطاء لتحركاتهم العسكرية والسياسية. وكان تعبير «ترتيب الأولويات» وتلويناته، الأكثر استخداماً من جانبهم كلما ارتفعت المطالبات لهم بالتحرك لتخفيف الضغط عن المعارضة السورية، أو دُعوا إلى اتخاذ موقف يردع الهجمات المستشرية عليها.

وهكذا ظهر شعار «أولوية الحرب على الإرهاب» ليغطي قراراً بغض الطرف عن التدخل العسكري والسياسي الإيراني في شؤون العراق وسورية، ثم قراراً آخر بإشراك موسكو في إدارة الملف السوري إلى جانب طهران وميليشياتها، قبل أن تنجح روسيا في التحول إلى طرف مقررٍ في هذا النزاع وتبدأ تدريجاً في رفع سقف شروطها ومطالبها.

واليوم، يترافق بدء معركة الموصل والانخراط الأميركي بقوة فيها، مع حملة تصريحات تدّعي أن الخطر الذي يمثله التنظيم الإرهابي على الغرب سيتقلص إلى حدود كبيرة في حال استعادة المدينة منه، علماً أن معظم الاعتداءات التي شنت في مدن أوروبية وأعلن «داعش» مسؤوليته عنها، نفذتها في الغالب خلايا محلية، ولو بتعليمات من قيادة التنظيم في سورية والعراق. والقضاء على هذه المجموعات المتطرفة المزروعة في أوروبا أو المتسللة إليها يتطلب جهوداً متشعبة من نوع آخر، بينها إنهاء أزمة اللاجئين بإزالة أسباب نزوحهم ووقف الحرب في بلادهم.

أما الحقيقة الأخطر، فهي عِلم الأميركيين المسبق بأن معركة الموصل ستكون صعبة وطويلة جداً، بسبب رفض «داعش» الانسحاب منها، وتحضيراته المكثفة لمواجهة شرسة عبر زرع الألغام وتفخيخ المباني، وحيازته ترسانة ضخمة من الأسلحة الحديثة التي تركها له الجيش العراقي بعد انسحابه، وقدرته على شن هجمات في مناطق عراقية أخرى لتخفيف الضغط عن مقاتليه. ويؤكد أكثر من مسؤول عسكري أميركي في تصريحات موثقة أن المدينة قد تشهد أطول حرب شوارع في التاريخ إذا ما نجح الجيش العراقي وميليشيات «الحشد الشعبي» وقوات «البيشمركة» الكردية في اختراقها، فضلاً عن التعقيدات التي ستولدها مشاركة الميليشيات الشيعية الممولة والمسلحة من إيران في المشهد الديموغرافي والسياسي اللاحق.

ومع ذلك، فإن واشنطن أخذت في حسابها كل الاعتبارات، لذا اقترح عسكريوها مباشرة معركة الرقة، عاصمة «الخلافة»، قبل الانتهاء من استعادة الموصل، في حال اختار «داعش» سحب قواته إليها عبر المنفذ الذي تُرك في غربها عمداً لهذا الغرض. لكن معركة الرقة في حال تقررت لن تشهد أي مشاركة للقوات النظامية السورية أو الروسية المشغولة بتعزيز مواقعها في «سورية المفيدة»، بل سيكون الجهد الأساس المبذول فيها من جانب المعارضة السورية والأكراد، وسيخرج هؤلاء منها منهكين.

واشنطن إذن مصرة على الاستغلال الأقصى لشعار «أولوية القضاء على داعش»، واعتبار كل ما عدا هذه المهمة التي رسمتها لنفسها، محاولة لتشتيت اهتمامها وتعديل حساباتها بما لا يتناسب مع مصالحها واستراتيجيتها، بما في ذلك التطورات السورية، خصوصاً في حلب التي تبدو كأنها غير معنية بوقف تدميرها وإنقاذ مدنييها.

أي أن الأميركيين، بكلام آخر، يمنحون روسيا وبشار الأسد الفرصة الزمنية اللازمة للاستيلاء على حلب بكاملها، بعد استقدام الروس تعزيزات بحرية وجوية وصاروخية ضخمة لهذا الغرض، تحت أنظار واشنطن وسائر الغربيين، وتأكيدهم أن المحاولات الديبلوماسية توقفت جميعها. ويبقى الأمل في أن تتمكن المعارضة السورية من الصمود مدة تكفي لكسر إرادة آلة القتل الروسية، ولو أنه أمل فيه الكثير من التفاؤل.

الحياة

 

 

 

 

الموصل في مؤتمر باريس/ صلاح حسن

ما النتائج التي تمخّض عنها مؤتمر باريس من أجل مستقبل الموصل، المؤتمر الذي شاركت فيه عشرون دولة إضافة الى العراق؟ كل الأخبار تشير الى ثلاثة مقترحات تقدمت بها بريطانيا وفرنسا وألمانيا، وهي مقترحات غامضة وفضفاضة وغير مفهومة!

المقترح البريطاني يؤكد ضرورة محاربة الإرهاب في كل مكان في العالم بأمر أممي ملزم! هل يحتاج هذا الأمر الى قرار أممي؟ وهل أن الإرهاب يحدث للمرة الأولى في العالم وفي الموصل تحديداً؟

أما المقترح الفرنسي وهو أكثر غموضاً من المقترح البريطاني، فيطالب بضرورة الحفاظ على وحدة الموصل وحقوق الأقليات، ويحذر من التغيير الديموغرافي بحصانة الدستور العراقي! يعرف السيد وزير الخارجية الفرنسي وكل من ساهم في هذا المؤتمر، أن الدستور العراقي كسيح ومتوعّك، وهو السبب في الكثير من الكوارث التي حلّت وتحل بالعراق بسبب الثغرات الكثيرة التي تشوبه، إضافة الى طائفيته وحجم الحريات الضيّقة فيه وعدم ملاءمته لبلد خرج من الديكتاتورية بعد أكثر من أربعين سنة من المعاناة والحروب.

المقترح الألماني هو الوحيد الذي نتلمس فيه رغبة حقيقية في تقديم ما يمكن تقديمه لمدينة الموصل بعد «داعش» وإعمار ما خربته الحرب فيها، لكن من يضمن أن الدول العشرين المشاركة في المؤتمر ستفي بوعودها بعد أن ذهبت كل أموال الإعمار طيلة ثلاثة عشر عاماً الى جيوب اللصوص وضاعت سبعمئة مليون دولار من خزينة الدولة!؟ نعرف أن ألمانيا لم تكن دولة استعمارية وليست لها طموحات أو أطماع في مدينة الموصل باستثناء حماية المسيحيين، الذين سبق لها أن استقبلت الكثير منهم طيلة السنوات الماضية ولا عيب في ذلك، وهم سكان بلاد الرافدين الأوائل وتنبغي حمايتهم هم وغيرهم من أبناء العراق.

ما لا يفهم في هذا المؤتمر أيضاً، إشراك تركيا فيه أو الأصح إصرارها على المشاركة فيه، بل الاستقتال في المشاركة في الحرب الدائرة على «داعش»، وهي التي تعد قوة محتلة بوجود معسكر لها في مدينة بعشيقة وغير داخلة في التحالف الدولي. استبعاد تركيا من المشاركة في الحرب ضد «داعش» جعلها تستخدم خطة بديلة حين دفعت بمجموعة انتحارية الى العبث بمدينة كركوك لكي تستطيع، بحجة حماية التركمان، العودة مجدداً، غير أن المحاولة باءت بالــفشل الذريـع وانتهت خلال ساعات قليلة.

مؤتمر باريس الذي لم يعلن عنه إلا بعد بدء المعركة لطرد «داعش» بيومين، لم يكن على أجندة هذه الدول العشرين، وقد انعقد بسرعة ومن دون سابق إنذار، ولم يستمر سوى يوم واحد، فكأن كل شيء فيه كان معداً مسبقاً الى درجة أن نتائجه هذه تحتاج الى مزيد من الشرح والدقة لكونها فضفاضة وقابلة لتفسيرات كثيرة، خصوصاً ما يتعلق منها بمستقبل المدينة وفق الدستور العراقي الذي يسمح بإقامة الأقاليم. وهو الشيء المؤكد الذي سيسمح بتقسيم الموصل الى أكثر من مدينة، فهل هذا ما كان يطمح إليه مؤتمر باريس؟

* كاتب عراقي

الحياة

 

 

 

سياسة أمريكية خطرة وقصيرة النظر في شمالي سوريا والعراق/ د. بشير موسى نافع

الأمريكيون هم من أعاد بناء الجيش العراقي، بعد هزيمته المخزية أمام المئات من مقاتلي داعش في صيف 2014، وهم من قام بتسليح هذا الجيش وتدريبه وإعداده للمعركة. والأمريكيون هم من وضع خطة تحرير الموصل من تنظيم داعش؛ ويشرف الأمريكيون أنفسهم على تنفيذ الخطة، سواء عبر مركز قيادة العملية، أو عبر مئات العسكريين الأمريكيين الملحقين بقوات الجيش العراقي والقوات الكردية. والأمريكيون هم من يقدم الغطاء الجوي لكافة جبهات عملية الموصل، إضافة إلى توفير إسناد مدفعي أمريكي، كلما تطلب الأمر. وكما اتضح في اليوم الثاني عشر للعملية، الأمريكيون هم من يقرر استمرار الهجوم وتقدم القوات، ومن يقرر الوقفات التكتيكية، لهذا السبب أو ذاك. عملية الموصل، باختصار، هي عملية أمريكية، من ألفها إلى يائها. وليس فقط عملية الموصل. كذلك كان الأمر في محافظة الأنبار، سيما في الرمادي والفلوجة، وفي صلاح الدين قبل ذلك. الحرب ضد داعش في العراق هي حرب أمريكية في جوهرها، والعراقيون، جيشاً وميليشيات وكرداً، هم أدواتها.

من وجهة نظر الكثير من العراقيين، ليس ثمة بأس في ذلك. يعمل العراق على التخلص من سيطرة تنظيم إرهابي، مقاتل، شرس، ليس من السهل هزيمته، وقد تفضل الأمريكيون، لمصلحتهم المشتركة مع العراق، وقدموا العون والمساندة والعقل والقيادة، مهما كانت المساهمة الأمريكية كبيرة. ولكن المشكلة أن الأمريكيين يقودون هذه الحرب، في العراق، كما في سوريا، بقدر كبير من قصر النظر، بحسابات آنية، سريعة، تفتقد إلى الإطار الاستراتيجي بعيد المدى؛ والواضح أن حربهم ضد داعش تحث خطاها نحو توليد المزيد من الحروب.

لم يكن العراقيون فقط من اشتكى من جرائم الحشد الشعبي في الأنبار وديالى وصلاح الدين، بل أن تقارير المنظمات الحقوقية الدولية أجمعت على إن الميليشيات، التي تتمتع بغطاء الحكومة العراقية، لا تختلف في تصرفاتها عن داعش. تتقدم وحدات الحشد إلى أهدافها برايات طائفية، وتصريحات تهدد بالموت الطائفي؛ تمارس التعذيب والقتل بدون محاكمة؛ ولا تتورع عن نهب الممتلكات الخاصة وتدمير البيوت والمساجد. أغلب السكان السنة العرب من أنباء المناطق التي حررت من سيطرة داعش لا يمكنهم العودة إلى بلداتهم وقراهم ومدنهم حتى اليوم. كان الأمريكيون شهوداً على السجل المتراكم من جرائم الحشد، وكان عليهم أن يروا عواقب مشاركة هذا الوحش الطائفي في معركة الموصل. ولكن الواضح أنهم لم يفعلوا الكثير من أجل أخذ الحساسيات الطائفية في شمال العراق في الاعتبار. وكما حدث من قبل، بدأت قوات الحشد في الأسبوع الثاني من معركة نينوى التحرك نحو مدينة تلعفر، التي تقطنها أغلبية تركمانية من السنة والشيعة. وكما حدث من قبل، فالمتوقع، إن سمح لقوات الحشد باجتياح المدينة، مصحوبة بآلاف من الشيعة التركمان والوعود بالثأر الطائفي، أن تشهد تلعفر حملة جرائم ضد سكانها السنة.

حول مدينة الموصل ذاتها، جرى تقسيم مهمات القتال بين قوات الجيش والأمن، التابعة للحكومة العراقية في بغداد، وقوات البيشمركة، التابعة لحكومة إقليم كردستان في إربيل. ويبدو أن قوة المتطوعين السنة من أبناء محافظة نينوى، التي تلقت تدريبها على أيدي القوات التركية في بعشيقة، بخلاف قوات الحشد الشعبي، الطائفية والغريبة عن المنطقة، لم يسمح لها سوى بدور رمزي. والمؤكد، أن الإشكال السياسي المتعلق بحدود إقليم كردستان، وما بات يعرف بالمناطق المتنازع عليها بين إربيل وبغداد، لم يتم بحثه، ناهيك أن يكون قد حل. ولذا، وبالرغم من تصريحات التنسيق الودودة بين قوات بغداد وقوات إربيل، تحولت جبهات القتال حول الموصل إلى خارطة من السواتر الترابية، التي تحدد مدى تقدم القوات الكردية، وما يراه الأكراد حدود الإقليم التي لن يتم التراجع عنها مطلقاً بعد اليوم، إلا بالقوة المسلحة.

وليس بعيداً عن تلعفر، تبرز مشكلة قضاء سنجار، الذي تشتبك فيه هويات الجماعات العراقية كما لا تشتبك في أي مكان آخر. حررت سنجار من داعش في تشرين الثاني/نوفمبر 2015، بدعم كبير، أيضاً، من الطيران الأمريكي؛ ولم تزل على خرابها. وبالرغم من أن السيد البارزاني، رئيس الإقليم الكردي، ظهر في مؤتمر صحفاي محتفلاً بتحرير المدينة، فإن القوة الكردية المسيطرة في سنجار تنتمي إلى حزب العمال الكردستاني، بفروعه المختلفة. لا تقع سنجار في الطريق الواصل بين شمالي سوريا والعراق، وحسب، ولكنها تمثل، أيضاً، موقعاً تتقاطع عنده سياسات الحرب الأمريكية ضد داعش في سوريا والعراق. الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي يتواجد بثقل كبير في سنجار، ليس أكثر من فرع لحزب العمال الكردستاني، الذي تخوض ضده تركيا حرباً طويلة منذ منتصف الثمانينيات. يفرض الديمقراطي الكردستاني سيطرته على مناطق الأغلبية الكردية في شمال شرقي سورية، بتأييد شعبي وقاعدة تنظيمية ملموسة، أحياناً، وبالقوة القمعية، في أحيان أخرى. ويتمتع الحزب، بمسميات قواته المختلفة، بدعم أمريكي كبير، سواء على صعيد التسليح والتدريب، أو المساندة العسكرية التكتيكية.

وكما يدعي الأمريكيون أن نفوذهم محدود في العراق، وليس باستطاعتهم إجبار حكومة بغداد على منع مشاركة الحشد الشعبي في الحرب ضد داعش، يدعون أن ليس أمامهم سوى اعتماد الديمقراطي الكردستاني حليفاً في الحرب ضد مناطق سيطرة داعش في سوريا. وكما يغض الأمريكيون النظر عن جرائم الحشد في العراق، يتجاهلون كلية أجندة الديمقراطي الكردستاني الخاصة، وسعيه المحموم لإنشاء كيان مستقل على طول الشمال السوري، يفصل تركيا كلية عن جوارها السوري. وعود الأمريكيين لأنقرة بانسحاب قوات الديمقراطي الكردستاني من منبج، التي وافقت تركيا على أساسها على عبور وحدات الحزب من شرق الفرات إلى غربه، لم تتحقق. خلال الأيام القليلة الماضية، وبسلاح وإمدادات أمريكية، تحاول قوات الديمقراطي الكردستاني التقدم من عفرين، التي كانت أستولت عليها، تحت سمع الأمريكيين وبصرهم، من الجيش السوري الحر، نحو مدينة الباب، في سباق مع قوات الجيش السوري الحر المدعومة من تركيا. وبالرغم من أن تركيا أبدت استعداداً للمشاركة في اقتلاع داعش من الرقة، مشترطة عدم مشاركة قوات الديمقراطي الكردستاني في العملية، لم يبد الأمريكيون الموافقة حتى الآن. على العكس، في 27 تشرين الأول/اكتوبر، أكد الجنرال ستيفن تاونسند، القائد العسكري للقوات الأمريكية في شمال العراق وسوريا، مشاركة الديمقراطي الكردستاني في العملية المرتقبة.

خلف ذلك كله، يدرك الأمريكيون أن هذه ليست معركة ضد داعش وحسب، بل معركة إيران من أجل فتح طريق آمن من طهران إلى دمشق، حتى لو كان الثمن إطاحة البارزاني في إربيل وتهجير العرب السنة من مدنهم وبلداتهم وقراهم.

لا يوحي هذا المشهد باستقرار طويل المدى في المناطق المحررة من داعش، ليس فقط لأن هذه الحرب لن تقضي على التنظيم. حرب إدارة أوباما على داعش لن تكون سوى فاتحة نحو حرب كردية مع بغداد، حرب بين قوات الحشد وجماعات لا حصر لها، لن تقبل بسيطرة طائفية مسلحة في شمالي العراق وغربه، وحرب تركية، مباشرة أو غير مباشرة، ضد تجليات حزب العمال الكردستاني المختلفة في العراق وسورية. في حديثه الطويل مع جيفري غولدبرغ (ذي أتلانتيك، نيسان/ابريل 2016)، استدعى أوباما فيلم كرستوفر نولان «الفارس المظلم، 2008»، ليصف تصوره لبروز داعش في الشرق الأوسط. في «الفارس المظلم»، يقوم استقرار المدينة على تقاسم للنفوذ بين زعماء العصابات؛ ولكن قدوم «الجوكر» سرعان ما يطيح بهذا الاستقرار رأساً على عقب. داعش، من وجهة نظر أوباما، هي «جوكر» الشرق الأوسط، الذي تعمل إدارته على عودته إلى التفاهم التقليدي بين أوغاد العصابات المحلية، والاستقرار القديم. المشكلة، هذه المرة، أن عدد اللاعبين أصبح كبيراً، والأرجح أن زعماء العصابات من أصدقاء الولايات المتحدة لن يستطيعوا إعادة تأسيس الاستقرار من جديد.

٭ كاتب وباحث عربي في التاريخ الحديث

القدس العربي

 

 

 

 

هل تقع حرب عراقية ـ تركية؟/ عبد الرحمن الراشد

الوضع السياسي هو أسوأ ما عرفه البلدان؛ الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، كرر إعلانه أن قواته «ستشارك بقوة في استعادة الموصل» العراقية من تنظيم «داعش».

ورد عليه رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي: «لن نسمح بمشاركة تركيا في معركة تحرير الموصل». والخلافات أكبر من مدينة الموصل، حيث تعكس الصراع الإقليمي والأخطار المحدقة بالمنطقة.

والإعلام العراقي يقوم بتصوير الدور التركي في الموصل على أنه طائفي معادٍ للشيعة، وهو طرح كاذب يستغل أقوال الصحافيين العرب الذين يترجمون التصريحات التركية وفق هواهم. الحقيقة أن النشاط العسكري التركي لم يكن قط طائفيًا؛ لا اليوم، ولا بالأمس.. لم يدخل الجيش التركي معركة واحدة ضد الشيعة أو العلويين، لم يقاتل ضد قوات الأسد، أو القوات الإيرانية، أو الروسية، أو «حزب الله». كل المعارك التي خاضتها القوات التركية كانت ضد «داعش»، والأكراد الأتراك الانفصاليين، والأكراد السوريين المتحالفين معهم، وهم جميعًا سنّة وليسوا شيعة. والسبب أنهم يشكلون خطرًا على وحدة تركيا واستقرارها، أي إن العمليات العسكرية التركية لا علاقة لها بالنزاعات الطائفية كما يزعم القادة العراقيون، أو يروج لها العرب، الذين يظنون بسذاجة أن تركيا مستعدة للدخول في حروب طائفية حمقاء، وهي نفسها، أي تركيا، بلد متعدد الإثنيات والأعراق!

وفي رأيي أن الأتراك يدفعون الآن ثمن خطأ معالجتهم بداية الانتفاضة السورية، عندما تحاشوا التدخل في أزمات المناطق المحاذية لحدودهم، ولَم يرسموا المناطق التي يعدّونها تمس أمنهم القومي وسيدافعون عنها بالقوة، فمحافظة حلب مثلاً تمثل امتدادهم الجغرافي والتاريخي. النتيجة أن إيران هي من وزعت النفوذ داخل سوريا، وهي التي صارت تساوم الغرب والعرب عليه.

أنقرة تريد محاربة تنظيم داعش في الموصل، ومنع انحراف القتال ضد التركمان والبقية، لكن إيران هي من يقود المواجهة السياسية والعسكرية؛ بما في ذلك ضد تركيا. أما الحكومة العراقية، فكلنا ندرك أنها مغلوبة على أمرها.. الإيرانيون نجحوا في ملء الفراغ في السنوات التي تلت سحب الرئيس الأميركي باراك أوباما كل قواته، وأسسوا ميليشيات طائفية، منافسة للحكومة، سموها «الحشد الشعبي»، بهدف إضعاف السلطة المركزية، كما فعلوا في لبنان، وهي الآن تستعد للعبور إلى سوريا أيضًا.

وقد جرب الأتراك القنوات الدبلوماسية، وأرسلوا وفدًا إلى بغداد، ورد العراقيون فبعثوا وفدهم إلى أنقرة، ولم تنجح المساعي. فهل سيدافع الأتراك عن أهالي تلك المناطق التي توجد في محيطها قواتهم؟ هل سيواجهون «الحشد الشعبي» المتجه لاحتلال تلعفر؟ هل سيفعلون شيئًا فيما لو عبرت ميليشيات «الحشد» نحو الحسكة السورية، الذي تواترت معلومات أولية عنه؟ الإيرانيون يسيرون بسرعة، يسابقون نتائج الانتخابات الأميركية، ويريدون الاستفادة من عنوان «محاربة الإرهاب» وتوسيعه، ويشنون حروبًا متعددة تهدف لإحكام السيطرة على المعابر الاستراتيجية بين سوريا والعراق ومناطق البترول.

ورغم المخاطر على مصالحها، فإني لا أظن أن عند القيادة التركية شهية للمواجهة، مع العلم بأن جيشها أقوى كثيرًا من إيران والعراق، وأفضل تجهيزًا. القوات الإيرانية، وميليشياتها التي جلبتها من أفغانستان وباكستان والعراق ولبنان، تسير باتجاه الحدود التركية وتلاحق القوى السورية المعارضة الموالية لتركيا، وقد شجعت على إقامة منطقة حدودية عازلة للأكراد تكون مثل الفزاعة لحكومة أنقرة. وفي الوقت نفسه يدفع الأتراك الثمن على عدة مستويات اقتصادية وأمنية، فهم يستضيفون أكثر من مليوني لاجئ سوري، ويواجهون مخططًا إيرانيًا روسيًا لنقل المعارك إلى أراضيهم، بدعم الانفصاليين من أكراد تركيا، وقد أعلنها العراقيون الموالون لطهران صراحة؛ إن تجرأت تركيا على تحديهم في الموصل، فإنهم سيعملون على تفكيك تركيا نفسها!

الوضع عسير جدًا، ويخطئ الأتراك، مرة أخرى، إن ظنوا أن الحرب ستنتهي عند معسكر بعشيقة في العراق حيث توجد قواتهم. لا أبدًا؛ فالإيرانيون يريدون السيطرة على مراكز القرار السياسي في بغداد ودمشق، ومناطق البترول في الموصل العراقية ودير الزُّور السورية، وتحجيم تركيا إقليميًا.

مع هذا، أستبعد أن تؤدي التهديدات بين القيادتين العراقية والتركية إلى تصادم الجيشين، بل هدفها محاصرة الأتراك بالتخويف، لإجبارهم على الخروج، حتى تبسط إيران نفوذها على نينوى والمحافظات المجاورة وطرق التجارة البرية وجنوب سوريا والممرات. تركيا في وضع صعب يتطلب منها أن تشكل معسكرًا مضادًا يثبت مصداقيته على الأرض.

*نقلاً عن صحيفة “الشرق الأوسط”

 

 

 

أردوغان يخلف البغدادي!/ سميح صعب

دخلت تركيا بقوة على خط التوتر الطائفي في المنطقة بعدما قدمت نفسها حامياً لسنة العراق من الحشد الشعبي. وللتدليل على جدية التحذيرات التركية من مغبة اقدام فصائل الحشد على دخول الموصل او تلعفر، ارسلت أنقرة تعزيزات عسكرية الى الحدود مع العراق.

والغريب ان هذه الحمية التركية للدفاع عن الموصل وتلعفر، لم تكن موجودة عندما كان “داعش” يمارس قبل عامين عمليات التنكيل والقتل الجماعي بحق سكان الموصل وتلعفر وكل مكان سيطر عليه التنظيم المتشدد. ولماذا لم تدخل تركيا قبل عامين الى الموصل والى تلعفر بل انتظرت كل هذا الوقت كي يتحرك الحشد الشعبي لتتحرك القوات التركية؟ فإما أن هناك تواطؤاً ضمنياً تركياً مع “داعش”، وإمّا ان الرئيس رجب طيب اردوغان كان في انتظار تطور ميداني يسمح له بتقديم نفسه حامياً للسنة في العراق وسوريا الأمر الذي يقتضي منه العودة المباشرة للجيش التركي بعد مئة سنة الى هذين البلدين.

ولعل ما يثير الخوف لدى اردوغان وحتى لدى داعمي اردوغان الاقليميين والدوليين، هو فكرة ان يقدم الحشد الشعبي على تجاوز الحدود بين العراق وسوريا، بما يشكل خللاً واضحاً في المعادلة العسكرية – السياسية القائمة منذ أكثر من خمسة أعوام في سوريا. فمجرد طرح فكرة عبور الحشد الى سوريا ترتعد فرائص اردوغان ولاعبين اقليميين آخرين وكذلك في واشنطن وباريس ولندن. لكن مثل هذا الخوف لم يكن ملاحظاً عندما أقدم “داعش” على كسر حدود سايكس – بيكو قبل عامين، فلماذا كل هذا الخوف الآن من احتمال اقدام الحشد الشعبي على كسر هذه الحدود؟

لكن تركيا هي التي ستتولى هذه المرة حراسة سايكس – بيكو أو انها هي التي ستعيد الخرائط الى أيام الاحتلال العثماني لبلاد الشام.

لذلك يحتاج اردوغان الى التدثر بالغطاء الطائفي كي يعبر الحدود سواء الى العراق أو الى سوريا وهو عبرها أصلاً لكنه يحتاج الى “شرعية” تبرر الاحتلال التركي المبارك خليجياً وأميركياً.

تركيا ودول الخليج والغرب لا تريد عودة الموصل الى العراق ولا تريد عودة حلب والرقة ودير الزور الى سوريا. ولا يتحقق ذلك الا بتزخيم التوتر الطائفي في المنطقة وتحديداً في سوريا والعراق اللتين كان يفترض ان تشكل احداهما عمقاً استراتيجياً للدولة الأخرى. ومن المؤسف جدا ان “داعش” أدرك أهمية كسر الحدود بينهما في حين لم تدرك ذلك لا دمشق ولا بغداد، فدفعت كل بلاد الشام الثمن.

ومن الطبيعي ان يجد اردوغان فرصته للانتقام الآن من التاريخ والجغرافيا ولو اقتضى الامر خوض أكثر من حرب.

النهار

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...