الرئيسية / صفحات العالم / معضلة إسرائيل في دمشق

معضلة إسرائيل في دمشق

 


فيما يحاول الاسد تصوير اسرائيل والولايات المتحدة بأنهما العقلان المدبّران اللذان يقفان خلف المشكلات التي تواجهها سوريا، تعاني اسرائيل الالتباس في موقفها من مستقبل حكمه. وينبع هذا التردد من أن العلاقة الاسرائيلية – السورية سلكت في العقدين الماضيين مسلكين متناقضين.

في كانون الثاني، أعطى الرئيس السوري بشار الأسد مقابلة نادرة وموسَّعة لصحيفة “وول ستريت جورنال”، وقد تباهى فيها بالتناقض بين الأزمة التي كانت تعصف بمصر آنذاك، وأدّت في نهاية الأمر إلى إطاحة نظام حسني مبارك، والاستقرار السائد في سوريا. لكن الوضع تغيّر في 19 آذار عندما بدأت أعمال الشغب والتظاهرات في مدينتَي درعا واللاذقية ثم انتشرت في مختلف أنحاء البلاد، مرجِّعةً صدى النداءات التي أُطلِقت عبر العالم العربي للمطالبة بالإصلاح السياسي والحرّية. وقد طالب المتظاهرون في شكل خاص بإلغاء قانون الطوارئ الذي تتشدّد سوريا في تطبيقه منذ عام 1963، ويفرض حظراً لمعارضة حزب البعث الحاكم، ورقابة على الإعلام، ويجيز للحكومة مراقبة الأفراد واعتقالهم ساعة تشاء. وتشير التقديرات إلى أن القوات الأمنية السورية قتلت في سياق المحاولات التي تبذلها لقمع الاضطرابات، ما يزيد عن مئة مدني منذ بدء الاحتجاجات.

فيما كانت الانتفاضة تعتمل، التزم الأسد الصمت في البداية، وعلى الأرجح أن السبب هو المشاحنات داخل النظام حول السبيل للردّ عليها. وعندما تكلّم في 30 آذار، وبدلاً من رفع حال الطوارئ أو طرح إصلاحات، تحوّل نحو معزوفة مألوفة جداً. فقد اعتبر أن سوريا تتعرض لمؤامرة كبيرة من الخارج، وأن هدف أعدائها هو تقسيم البلاد وفرض أجندة إسرائيلية عليها، وأنهم سيظلون يحاولون. بعبارة أخرى، اعتبر الأسد أن من يتظاهرون ضد النظام يفعلون ذلك خدمةً للقدس وواشنطن.

إنه لأمر غريب ومعبِّر أنه فيما يحاول الأسد تصوير إسرائيل والولايات المتحدة بأنهما العقلان المدبِّران اللذان يقفان خلف المشكلات التي تواجهها سوريا، تعاني إسرائيل نفسها من الالتباس في موقفها من مستقبل حكمه. وينبع هذا التردّد من أن العلاقة الإسرائيلية-السورية سلكت في العقدين الماضيين مسارَين متناقضين في معظم الأحيان. المسار الأول هو السعي للتوصل إلى تسوية سياسية، وقد انطلق خلال مؤتمر مدريد عام 1991 – الذي دعت إليه إدارة جورج بوش الأب عقب حرب الخليج الأولى وضمّ إسرائيل والأردن ولبنان وسوريا والفلسطينيين – واستمرّ في ظل رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين في منتصف التسعينات. انطلاقاً من التشكيك في قدرة النظام السياسي الإسرائيلي على استيعاب تنازلات كبرى متزامنة على الجبهتَين – الفلسطينية والسورية – اعتمد معظم رؤساء الوزراء الإسرائيليين منذ مدريد مقاربة ممرحَلة لصنع السلام، وغالباً ما حاولوا عقد اتّفاق مع سوريا أولاً. بحسب ذلك المنطق، حلّ النزاع الإسرائيلي-السوري أسهل. فعلى النقيض من السلطة الفلسطينية، كانت سوريا تجسّد دولة متماسكة ذات قيادة أكثر موثوقية. وعبّرت سوريا بدورها عن اهتمام مماثل بالتوصل إلى اتفاق سلام، أملاً في استعادة الأراضي التي خسرتها لمصلحة إسرائيل وتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة.

أعدّت إسرائيل وسوريا صيغة للتسوية خلال التسعينات مستوحاة من نموذج معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية لعام 1979. وكانت تنصّ على انسحاب إسرائيل الكامل من مرتفعات الجولان – التي انتزعتها من سوريا في حرب الستّة أيام عام 1967 – في مقابل حصولها على ضمانات أمنية ومعاهدة سلام. سارت المفاوضات بصورة مشجِّعة لبعض الوقت، لكن البلدَين لم يستطيعا التنسيق بين رغبات كل منهما من أجل التوصّل إلى اتفاق نهائي. وقد انهارت المحادثات في آذار 2000 خلال القّمة المشؤومة التي عقدها الرئيس الأميركي بيل كلينتون مع حافظ الأسد، والد بشار الأسد، في جنيف، وطرح كلينتون خلالها العرض النهائي الذي تقدّم به رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك. وقد رفضه الأسد الذي كان يعيش آخر أسابيعه ويركّز على نقل السلطة إلى نجله.

توفّي الأسد في حزيران 2000 تاركاً وراءه إرثاً معقّداً. بنى دولة قويّة في بلد كان يزرح من قبل تحت وطأة عدم الاستقرار والانقلابات العسكرية. وأصبح أيضاً فاعلاً إقليمياً مهماً، فقد كان حليفاً للاتحاد السوفياتي ويُحكم سيطرته على لبنان. لكن قدمَي الاستقرار السوري كانتا من طين. فقد وجد الأسد صعوبة دائمة في الحصول على تأييد الغالبية السنّية في البلاد. عندما ثار “الإخوان المسلمون” في أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات، سحق الأسد تمرّدهم بقسوة شديدة، في مدينة حماه التي تشكّل معقل الإخوان، من أجل تثبيت حكمه. كان لهذه المحطة الدموية تأثير متناقض: روّعت المعارضة السورية وجعلتها تلتزم الصمت إلى حين اندلاع الانتفاضة الأخيرة، لكنها زرعت لديها رغبة دائمة في الانتقام.

عطّل الجنرالات والقادة الأمنيون محاولات بشار الأسد التحرّرية لدى وصوله إلى السلطة. وقد استغرق الأسد سنوات لإرساء سلطته، بعدما أدّبه النظام القائم الذي رأى فيه شخصاً مزاجياً وغير فاعل.

وكان ضعف الأسد واضحاً في شكل خاص في إدارته للسياسة الخارجية. كان والده يتقن تماماً اللعبة المزدوجة: فقد كان يتكلّم مع واشنطن ويقيم تحالفاً مع إيران؛ ويتفاوض مع إسرائيل ويدعم هجوم “حزب الله” على إسرائيل في لبنان؛ وقد شارك في عملية مدريد لكنّه شجّع حملة ضد الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات متهماً إياه بالانصياع لإسرائيل عبر الانضمام إلى مفاوضات السلام. وكان بارعاً في الإفادة من القيمة التي ترتديها سوريا بالنسبة إلى إسرائيل والولايات المتحدة كلاعبة أساسية في السياسة العربية ومعقل رمزي للقومية العربية المتشدّدة.

حاول بشار الأسد أن يلعب لعبة مزدوجة في العراق ولبنان، لكنه لم يكن ماهراً بقدر والده، مما جعله في تصادم مباشر مع الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش. أرسى والده شراكة متساوية مع إيران، لكن الأسد الابن بدا تابعاً في علاقته مع طهران أكثر من كونه شريكا على قدم من المساواة. وفي عهده، أصبحت سوريا مكوّناً أساسياً في ما يُعرَف بمحور المقاومة الذي أقامته إيران، إلى جانب “حزب الله” و”حماس”. وقد أخذ هذا التحالف على عاتقه ضرب المصالح الأميركية والإسرائيلية في الشرق الأوسط، مروِّجاً العنف بدلاً من مفاوضات السلام وواضعاً نفسه في مواجهة المعسكر الأكثر موالاة للغرب بقيادة مصر والأردن والسعودية.

وسلك الأسد أيضاً خطّ المسارَين الذي اعتمده والده في محادثات السلام مع إسرائيل. قال إنه يرغب في توقيع معاهدة مع إسرائيل في مقابل انسحابها الكامل من الجولان، لكنه أعلن أيضاً أنه مستعد للحرب في حال فشل الخيار الديبلوماسي. ودعماً لزعمه هذا، عزّز الأسد قوّاته المسلّحة وعقد اتفاقاً نووياً سرياً مع كوريا الشمالية لإرسال مهندسين كوريين شماليين لبناء مفاعل سرّي قرب الحدود السورية-العراقية. علاوة على ذلك، دعم الأسد “حزب الله” و”حماس” في نشاطاتهما ضد إسرائيل. وقد تعاون مع إيران لمساعدة “حزب الله” على جمع ترسانة من 40000 صاروخ وقذيفة صاروخية، وساهم في تحويل غزة في ظل “حماس” (التي يقع مقرها الخارجي في دمشق) قاعدة ثانية موالية لإيران على البحر المتوسط.

في غضون ذلك، تبدّلت المواقف الإسرائيلية من الأسد خلال فترة حكمه. لا بد من الإشارة إلى أنه في الأعوام الأخيرة، كانت المؤسسة الدفاعية الأكثر دعماً داخل إسرائيل لعقد اتفاق مع سوريا أولاً، فهي تعتبر أنه من شأن معاهدة سلام مع سوريا أن تشكّل خطوة أساسية في الحدّ من نفوذ إيران الإقليمي وتغيير المشهد الذي يزداد اسوداداً في لبنان. تشكّل هذه النظرة – صيغة الأرض في مقابل إعادة الاصطفاف الاستراتيجية – تبدّلاً بالنسبة إلى المفاوضات السابقة التي كانت تقوم على مبدأ الأرض في مقابل السلام. لقد تبيّن أن السوريين ليسوا مستعدّين للابتعاد عن “حزب الله” وإيران، فقد أوضحوا في محادثاتهم مع مسؤولين أميركيين وغربيين أنهم قد يُجرون إعادة توجّه تدريجية (شرط حصولهم على المنافع المتوقَّعة من إسرائيل والولايات المتحدة) إلا أنهم لن يُحدثوا تغييراً دراماتيكياً في ولاءاتهم.

تعاملت القيادة السياسية الإسرائيلية مع حماسة المؤسسة الدفاعية لتوقيع معاهدة مع سوريا بدرجات مختلفة من الجهود. فقد ركّز رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون على المسألة الفلسطينية ورفض التفاوض مع سوريا، وكان هذا مناسباً لإدارة جورج دبليو بوش. أما إيهود أولمرت الذي خلف شارون وحافظ على علاقة سلفه الوثيقة ببوش، فقد تفاوض مع الأسد من طريق تركيا وساعد سوريا على كسر الحصار الديبلوماسي الذي فرضته عليها واشنطن على خلفية التدخل السوري في العراق ولبنان. لكن أولمرت لم يتورّع عن تدمير المفاعل النووي الذي بنته كوريا الشمالية في أيلول 2007 أو تنفيذ مزيد من العمليات السرية داخل سوريا. انهارت المفاوضات بوساطة تركيا في كانون الأول 2008، عندما فشلت المساعي لعقد اجتماع ثلاثي في أنقرة وشنّت إسرائيل “عملية الرصاص المصبوب” في غزة التي انتقدتها تركيا بشدّة.

منذ ذلك الوقت، لم تنشط الديبلوماسية كثيراً في هذا المجال. فعلى الرغم من أن الرئيس الأميركي باراك أوباما دعا إلى الانخراط مع سوريا – وأرسل سفيراً إلى دمشق لأول مرة منذ عام 2005 – إلا أنه ركّز على المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية. ووجّه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جهوده أيضاً نحو الجبهة الفلسطينية، ولم يُبدِ اهتماماً بمنح تركيا دوراً متجدّداً في الديبلوماسية العربية-الإسرائيلية من طريق قيامها بمزيد من الوساطة للتوصّل إلى معاهدة إسرائيلية-سورية.

هذه هي الخلفية التي يجب الانطلاق منها لفهم النظرة الإسرائيلية إلى الأزمة في سوريا. يعتبر القادة الإسرائيليون أن الاضطرابات الداخلية التي تحاصر نظام الأسد أضعفت سوريا والمحور الإيراني. لكن على غرار الآخرين في المنطقة، يتساءلون عن البديل من نظام الأسد. فعلى الرغم من أنهم على علم بوجود مجموعات ناشطة مؤيّدة للديموقراطية وحقوق الإنسان داخل سوريا وخارجها، إلا أنهم يخشون بطبيعة الحال نفوذ “الإخوان المسلمين”. في الوقت الذي لا تملك فيه إسرائيل قدرة على التأثير في التطورات الداخلية في سوريا، لا يسعها سوى أن تراقب بخشية وترقّب المسار الذي ستسلكه الأمور. وقد تتمنّى لو أنها تملك النفوذ للتأثير في سوريا بقدر ما يدّعيه لها الأسد.

 

إيتامار رابينوفيتش

(“فورين افيرز” – ترجمة نسرين ناضر)

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...