الرئيسية / صفحات العالم / مـا بعـد ليبيـا

مـا بعـد ليبيـا


ساطع نور الدين

تلقى الربيع العربي دفعاً قوياً من ليبيا، من دون ان يحصل حلف شمالي الاطلسي على تفويض بأن يصبح وصياً او شريكاً في إعادة بناء الدول العربية التي تتخلص من أنظمتها الاستبدادية، لأن تجربة العراق التي عمقت الشرخ العربي الغربي، القائم أصلاً نتيجة المأساة الفلسطينية، لا تسمح لأي غربي مهما كانت نواياه حسنة ان يتجول بحرية في أي عاصمة عربية تستعيد حريتها وتعثر على السبيل الى ديموقراطيتها.

الربيع عربي لكنه ليس قومياً، ولا هو يعتمد على كتاب تعليمات واحد. حالة ليبيا فريدة من نوعها وهي لن تتكرر في اي بلد عربي آخر. لأن لكل بلد خصوصياته، ولأن لكل شعب طموحاته. ما بدأ في تونس لم ينتقل بالتخطيط الى مصر او اليمن او سوريا.. بل بالإلهام الذي تلقته أيضاً شعوب غير عربية، وسعت الى تقليد شبان حي القصبة التونسي او ميدان التحرير المصري، مثلما يفعل الآن الجيل اليمني او السوري الشاب، ومثلما ستفعل الأجيال الخليجية المقبلة، ولو بعد حين.

اللغة والدين والجغرافيا كانت وستبقى عوامل حاسمة في تشكيل الوعي العربي الجديد بأن ثمة قرناً من الزمن ضاع من عمر العرب، منذ نهضتهم الاولى التي ضاعت في مستهل القرن الماضي، وهو لن يستعاد الا بالعودة الى افكار وبرامج تلك المرحلة، التي كانت تزعم فيها مصر على سبيل المثال انها جزء من اوروبا، لكنها تدرك انها جزء لا يتجزأ من الشرق، وكذا الامر بالنسبة الى تونس، التي تخلت مؤخراً عن طموحها الاوروبي!

ثورة ليبيا كانت، ولا تزال حتى اللحظة، هي الأصعب والأعقد والأخطر. وكل ما يليها سيكون حافزاً إضافياً للثوار ودرساً جديداً للطغاة.. الذين لن يكون بمقدورهم الادّعاء بأن ثمة تهديداً خارجياً للوطن والدولة، سوى التهديد الذي يستدعونه، على غرار ما فعل معمر القذافي ودفع الثمن باهظاً.. من دون ان ينجح في استدراج الغرب الى تكرار النموذج العراقي، بمعنى الاحتلال المباشر اولاً ثم الادارة المباشرة التي لم تمكن الأميركيين على سبيل المثال من البقاء في العراق، ولن تسمح لجنودهم بالتجول بحرية في بغداد.

الثورة الليبية بددت القليل من الشكوك في النوايا الغربية، ربما لأن الأميركيين ظلوا بعيدين عنها وتركوا مهمة دعمها للأوروبيين وحدهم.. لكنها لم ولن تؤدي الى إعادة بناء الثقة بين العالمين العربي والغربي، اللذين يفصل بينهما تاريخ طويل من الحروب والنزاعات والأحقاد، لا يمكن حصره بالعراق وفلسطين، ولا يمكن محوه في ليبيا.

نجاح الثورة الليبية هو اختبار هامشي لتلك العلاقة المعقدة بين الشرق والغرب.. يمهد لاختبارات تاريخية لا يريدها احد، لكنها يمكن ان تثير جميع انواع الكوابيس الدينية والقومية التي يمكن ان تصبح معها مهمة إعادة بناء الدولة الليبية الجديدة مجرد نزهة عابرة، بالمقارنة مع ما سيواجهه العالم كله مع سوريا أو اليمن او بقية بلدان الخليج العربي، وبينها إيران.

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

− 1 = 6

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...