الرئيسية / صفحات العالم / مقالات تناولت الاتفاق الروسي الاميركي حول سورية

مقالات تناولت الاتفاق الروسي الاميركي حول سورية

لا حلول يسيرة في الإتفاق الامريكي الروسي حول سوريا

جيم ميور

بي بي سي – بيروت

“تغيير قواعد اللعبة” قد تكون عبارة استخدمت أكثر مما يجب في الأشهر الأخيرة فيما يتعلق الأمر بسوريا، ولكن الاتفاق الذي يبدو أن الامريكيين والروس قد نجحوا في التوصل إليه بعد خمس ساعات من المفاوضات المكثفة بين وزير الخارجية الامريكي جون كيري والرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير خارجيته سيرغيه لافروف في موسكو قد يغير قواعد اللعبة فعلا.

فالمجتمع الدولي كان لأكثر من سنتين عاجزا عن اتخاذ موقف حاسم ازاء الأزمة السورية بسبب تعارض المواقف داخل مجلس الأمن بين الولايات المتحدة وروسيا بشكل رئيسي.

ولكن يبدو الآن أن الجانبين قد وحدا موقفيهما.

مفاوضات

من شأن هذا الإتفاق أن يلبي شرطا اساسيا لانجاح أي تحرك يهدف إلى حل المعضلة السورية التي انخرطت فيها العديد من القوى الخارجية والتي تهدد بتمزيق سوريا وبنشر الفوضى في المنطقة برمتها.

وما من شك في أن ايقاف عجلة الدمار وتضميد الجرح السوري هي مهمة كبيرة وصعبة جدا، لعدة اسباب ليس أقلها العدد الكبير من القوى المتصارعة على الساحة السورية.

ولذا جاء تأكيد المبعوث الدولي والعربي الأخضر الإبراهيمي بأن الاتفاق الروسي الأمريكي، رغم الأمل الذي يحييه، لم يكن إلا خطوة أولى.

وكانت القوى الدولية قد اتفقت في مؤتمر عقدته في جنيف في الثلاثين من يونيو / حزيران الماضي على الدعوة إلى تشكيل حكومة سورية انتقالية، ولذا فهناك نظريا على الاقل اتفاق حول آليات الحل المنشود.

ولكن من الناحية العملية، لم ينجح اتفاق جنيف – بسبب النقاط المبهمة التي زخر بها – في توحيد الموقف الدولي ازاء الأزمة السورية، إذ بدأ التراشق بين الأطراف حتى قبل أن يجف الحبر الذي كتب به.

وكانت احدى النقاط الخلافية الرئيسية تتعلق بالدور الذي ينبغي أن يضطلع به الرئيس السوري بشار الأسد وبطانته في المستقبل، حيث يصر العديد من المعارضين على تنحيه قبل انطلاق أي مفاوضات وهو موقف تشاركهم فيه الولايات المتحدة التي ما زالت تبحث عن سياسة منطقية لمواجهة الأزمة السورية.

فترة انتقالية

ولكن يبدو أن واشنطن قد خففت الآن من موقفها ووافقت على وجهة النظر الروسية القائلة إنه ينبغي للشعب السوري أن يقرر مصير الأسد.

ومن شأن هذا الحل توفير فرصة للأطراف المتصارعة للابتعاد عن حافة الهاوية التي تقف عليها الآن.

أما البديل، فهو عبارة عن سيناريو لن يحقق مصالح أي من القوتين الكبريين، أو مصالح أي طرف آخر.

ولكن هذا لا يعني أن هذا البديل لن يصبح حقيقة واقعة.

فالديمقراطيون في الكونغرس الأمريكي طرحوا قانونا أطلقوا عليه اسم “قانون استقرار سوريا” يخول الإدارة الأمريكية تزويد المعارضة السورية بالسلاح مما قد يغير ميزان القوة على الأرض وهو الغرض من إصداره اساسا.

ولكن كيري أوضح بأن هذا السيناريو سيصبح غير ذي أهمية في حال وجود عملية تفاوضية جدية.

خلاصة الأمر أن الولايات المتحدة لا تريد للمعارضة السورية أن تنتصر، فاستراتيجيتها كانت مبنية على تسليط الضغط على الحكومة (أو القيادة العلوية) بهدف اجبارها على التخلص من الاسد والموافقة على تغيير النظام بشكل انسيابي سلس.

ولكن ذلك لم يحدث، ومخاطر تسليح المعارضة واطالة امد الصراع قد يؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار النظام وشيوع الفوضى مما قد يتيح المجال لبروز حركات متطرفة.

التزام

وكانت الأشهر القليلة الماضي قد شهدت تأكيدا ملموسا على ان روسيا وايران وحزب الله اللبناني مصممون على رفض الاطاحة بالنظام السوري بالقوة.

ونظرا للتقدم الذي أحرزته القوات السورية الحكومية في الآونة الأخيرة على مختلف الجبهات، استنتج الأمريكيون أن عليهم ضخ موارد كبيرة – أو حتى التدخل بشكل مباشر – لتغيير موازين القوى بالاتجاه المعاكس مما قد يعرضها لمخاطر الانخراط في حرب بالوكالة غير مضمونة العواقب، وهو احتمال لم يرق للروس ايضا.

لذا اتفق الجانبان على عقد مؤتمر جديد في الأسابيع المقبلة يتخذ من إعلان جنيف اساسا ومنطلقا له.

النقطة الفارقة هذه المرة أن الجانبين ملتزمان التزاما حقيقيا بالتعاون من أجل اقناع حلفائهما في سوريا والمنطقة بالتفاوض بروح بناءة عوضا عن الاتفاق على وثيقة تتضمن الحدود الدنيا قد لا يكتب لها الدوام.

ولكن لن تكون هذه المهمة يسيرة بالنسبة لأي من جانبي المعادلة السورية.

فالمفواضات الناجحة تعتمد في الحالات الاعتيادية على ترجمة ميزان القوى الموجود على الأرض الى حقائق سياسية، ويعتمد ايضا بطبيعة الحال على قدرة الأطراف على الوفاء بالتزاماتها.

ولكن في الحالة السورية، يتميز ميزان القوى بالتشرذم والتغير المستمر.

ولم يتضح ايضا من الذي سيتفاوض نيابة عن أي طرف.

تشرذم

تبدو الصورة أكثر وضوحا على الجانب الحكومي مما تبدو عليه على جانب المعارضة. فالائتلاف الوطني السوري قد اخفق اخفاقا ذريعا بطرح نفسه كقوة متجانسة وموحدة يمكن الاعتماد عليها.

فبعد اشهر عديدة من الصراعات الداخلية، لم يتمكن الائتلاف حتى من تشكيل الحكومة الانتقالية التي كان يأمل الغرب في أن تصبح أداة ذات مصداقية تقود عملية التغيير.

من ناحية أخرى، حظي الائتلاف باعتراف دولي محدود بوصفه الممثل الشرعي الوحيد للشعب السوري، وهو الاعتراف الذي قد يستغله للاصرار على احقيته وحده في المشاركة في العملية التفاوضية دون غيره من الحركات المعارضة التي تعترف بها حكومة دمشق.

اضافة لذلك، تحوم الشكوك حول قدرة أي من الاطراف المعارضة على تنفيذ الالتزامات المطلوبة منها.

فالائتلاف مشكل في غالبيته من شخصيات تقيم في المنافي، أما القوات التي تقاتل على الأرض فهي مشرذمة ومنقسمة بين قوات محلية وأخرى اسلاموية جهادية جاءت من خارج سوريا.

فمن الذي سيجبر جبهة النصرة ممثلة تنظيم القاعدة التي تسيطر على العديد من المناطق “المحررة” على الامتثال لأي اتفاق؟

ومن شروط التفاوض أن يعترف الجانبان بأنهما لم ينتصرا، وأن عليهما التوصل الى حلول وسط لانقاذ البلاد.

ستعني موافقة المعارضة على التفاوض دون تنحي الأسد اعترافا ضمنيا بأنها لم تنتصر في المنازلة.

ولكن ذلك ما زال بعيد المنال، اذا اخذنا التصريح الذي اصدره الائتلاف المعارض عقب المفاوضات الروسية الامريكية الاخيرة بالحسبان، إذ جاء فيه “أن أي حل سلمي يتطلب الرحيل الفوري لبشار الأسد ورؤساء اجهزته الأمنية. أي حل لا يحتوي على هذه العناصر مرفوض على المستوى السياسي ومن عموم الشعب السوري.”

مداهنة

ولكن على الحكومة السورية أن توافق ايضا على التفاوض بجدية وان تقدم تنازلات كبيرة، وهي أمور غير مؤكدة في أحسن الاحوال وقد تقتضي تدخل الروس.

يذكر ان الحكومة السورية ما لبثت منذ عدة اشهر تتحدث عن استعدادات جارية لاطلاق “حوار وطني للتوصل الى حل سياسي” للأزمة.

ولكن المجتمع الدولي لم يأخذ هذه الاقاويل مأخذ الجد، فالنظام لم يستخدم قط عبارة “مفاوضات” بل استعاض عنها بعبارة “الحوار تحت السقف الوطني”، أي ان المعارضين المستعدين للتخلي عن القتال سيكون مرحبا بهم على طاولة الحوار الحكومية التي لن تتمخض عنها الا بعض التغييرات الشكلية في بنية النظام.

وبفضل التقدم الذي تحرزه القوات الحكومية حاليا على أكثر من جبهة، قد تشعر عناصر النظام بالتفاؤل بامكانية النصر. وسيكون النفوذ الذي تتمتع بها روسيا عاملا مهما في اقناع دمشق بضرورة اجراء تغييرات جوهرية وانه من المستحيل اعادة عقارب الساعة الى الوراء.

وبينما تردد القوى الخارجية القول إن أي اتفاق يجب ان يتوصل اليه السوريون بمفردهم دون املاءات خارجية، الحقيقة هي أن نجاح المفاوضات من عدمه يعتمد اصلا على توافق هذه القوى.

ويثير هذا سؤالا حيويا حول المحصلة النهائية للصراع هو: ما هي نظرتهم لسوريا المستقبل؟

وهل بالامكان التوصل الى صيغة ترضي الامريكيين والروس والايرانيين – وحتى اسرائيل؟

فوضى

كانت سوريا الأسد منذ سبعينيات القرن الماضي حليفة قوية لموسكو، وهي الآن صديق روسيا الوحيد في الشرق الأوسط، كما تشكل، بمعية ايران وحزب الله، “محور الممانعة” لاسرائيل والدول الغربية التي تدعمها.

ومنذ تأسيس حزب الله في لبنان من قبل ايران وسوريا لمقاومة الاحتلال الاسرائيلي عام 1982، دأب الايرانيون على تزويده بالسلاح بالتعاون مع سوريا.

فهل انتهى كل ذلك؟

قد يكون هدف الغارات الجوية المدمرة التي شنتها اسرائيل على اهداف قريبة من دمشق يوم الاحد الماضي ايصال رسالة الى سوريا وايران – وكذلك الى موسكو وواشنطن – مفادها انها لن تسمح في المستقبل بوصول السلاح الى حزب الله.

وسيكون من شأن موافقة سوريا على هذا الشرط احداث تغيير كبير في توجهات وعلاقات سوريا المستقبلية، وكذلك في موازين القوى في المنطقة بأسرها.

هل بالامكان اقناع النظام السوري بالموافقة على هذا الشرط والتخلي عن حزب الله؟ هل يوافق عليه الروس؟ وماذا عن ايران وحزب الله؟ وهل يمكن ان يرضى الامريكيون الاسرائيليون بحل لا يتضمن هذا الشرط؟

من غير المرجح التوصل الى حلول لكل هذه القضايا، التي يجب ان تحل اذا كانت الاطراف تريد فعلا التوصل الى اطار استراتيجي فعال لسوريا جديدة.

ومن العسير ايضا تصور شكل التوازن الداخلي الذي يمكن التوصل اليه لانتاج حكومة مستقرة من الفوضى المستشرية الآن.

خطوة أولى

فما هي الهياكل العسكرية والأمنية الحالية التي سيتم الاحتفاظ بها في سوريا الجديدة، وماذا عن تنظيمات حزب البعث؟

وهل يصح اعتبار الديمقراطية والانتخابات الحرة هدف عملية التغيير خصوصا اذا اخذنا في الاعتبار ان الاخوان المسلمين قد يتسلمون الحكم عن هذا الطريق كما فعلوا في مصر وغيرها؟

فهل هذا ما يريده الامريكيون والروس وغيرهم؟

واذا لم يكن، فماذا يريدون؟

لا توجد اجابات جاهزة لهذه التساؤلات، ولذا يقول الابراهيمي إن اتفاق موسكو كان خطوة أولى فقط.

BBC © 2013

ضحايا “الوفاق” الأميركي – الروسي

    سميح صعب

في ذروة الحرب الباردة كانت العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي السابق تمر أحياناً بمرحلة اصطلح على تسميتها “الوفاق”. وفي ظل هذا الوفاق كانت تشهد العلاقات انفراجاً موقتاً يترجم في اتفاقات الحد من الاسلحة النووية أو انشاء هيئات مشتركة مثل منظمة الامن والتعاون في أوروبا انطلاقاً من هلسنكي التي كانت بمثابة مكتب ارتباط بين الغرب والكتلة السوفياتية السابقة.

ومنذ عامين اطلقت الازمة السورية، الى غيرها من القضايا الدولية العالقة بين موسكو وواشنطن، حرباً باردة بين الولايات المتحدة المتعبة من الحروب الخارجية والازمة المالية وروسيا الاتحادية العائدة بقوة الى المسرح الدولي بفضل تحسن مستوى اقتصادها نتيجة ارتفاع اسعار النفط في الاعوام الاخيرة واستقرار نظامها السياسي. ولكن عندما تلا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف والى جانبه وزير الخارجية الاميركي جون كيري في موسكو في 7 ايار الجاري بياناً مشتركاً عن الازمة السورية، بدا ان رياح وفاق تهب من جديد بين أميركا وروسيا.

وبديهي ان يكون هناك متضررون من توصل واشنطن وموسكو الى اتفاق على الازمة السورية. وأول المتضررين أولئك الذين راهنوا ولا يزالون على الحل العسكري وهم يعملون من أجل ذلك منذ عامين. والمتضررون لا يكترثون بتحذير كيري من ان استمرار الحرب في سوريا سيقود الى تفكك هذا البلد. وهم ببساطة يفضلون تفتيت سوريا وتدميرها تماماً على ان يروا الرئيس بشار الاسد مستمراً في منصبه بموجب أي اتفاق.

فهناك اطراف اقليميون لم يعودوا قادرين على التعايش مع سوريا يستمر فيها النظام الحالي بأي شكل من الاشكال بعدما حول هؤلاء السياسة عداء شخصيا. ولا حاجة الى التذكير بالتصريحات التي انطلقت من دول اقليمية عقب اعلان كيري ولافروف عن مؤتمر دولي حول سوريا يجمع النظام والمعارضة من اجل ايجاد حل للأزمة.

ويشعر هؤلاء بانهم سيكونون ضحايا أي انفراج بين الولايات المتحدة وروسيا. وهم يعملون بشتى الوسائل من أجل اجهاض أي محاولة في اتجاه حل سياسي للازمة يصون البقية الباقية من سوريا. فلا تفكك سوريا وتلاشيها عن الخريطة السياسية يؤرق هؤلاء ولا انفجار الدول المجاورة في حرب مذهبية يشكل رادعاً امام ذهابهم في الحرب على سوريا حتى النهاية.

لهذه الاسباب لا يمكن الاغراق في التفاؤل بما يمكن ان تسفر عنه الجهود الاميركية – الروسية، ما دام ثمة طرف عند نقطة البداية من خلال ازاحة الاسد قبل دخول المفاوضات. وهؤلاء يعلمون في حقيقتهم ان مثل هذا الشرط مستحيل التحقق. لذلك هم ماضون في خيار تدمير سوريا حتى النهاية. انهم ببساطة لا يطيقون فكرة ان يكونوا ضحايا “الوفاق” الاميركي – الروسي.

التوافق الحتمي على سوريا

محمد ابرهيم

من الناحية المبدئية فإن اتفاق وزيري الخارجية الاميركي والروسي على عقد مؤتمر دولي لسوريا يحضره ممثلون عن النظام والمعارضة يشكل خطوة اساسية من الاميركي في اتجاه الروسي. إذ لم يعد رحيل الاسد شرطا للعملية الانتقالية.

منذ بداية العام وادارة اوباما الثانية تعطي مؤشرات الى انها لا تجد في غير التعاون مع روسيا مخرجا من الورطة السورية. كان اوباما وكيري يتناوبان على التصريح بهذا الموقف ثم نفيه الى ان استقر اخيرا اتفاقا معلنا روسيا- اميركيا. انه الاتفاق الوحيد الممكن، بعدما بات جلّ طموح النظام هو وصل قاعدته على الساحل السوري بدمشق فيما طموحات المعارضة لمحاصرة المدن واسقاطها تراوح وتنتكس منذ اشهر طويلة. لكن بين الحل الممكن والحل الواقعي مسافة كبيرة ومعرقلون كثر.

هناك من يقول ان “التعجيل” في الاتفاق الروسي- الاميركي سببه المباشر تصاعد الدعوات في الكونغرس الاميركي الى “شيء” من الانخراط في المعركة السورية في مروحة من الخيارات تبدأ بالتسليح وتنتهي بفرض حظر جوّي اوحتى ضربات “موضعية”، وان الخشية كانت مشتركة بين اوباما وروسيا من ان تفرض هذه الاصوات نفسها مع تصاعد الوجه البشع للمجزرة في سوريا. هذا التفسير يفترض حسن النية لدى الطرفين الروسي والاميركي، بمعنى رغبة كل طرف في مساعدة الآخر على متطرفيه، وبذلك يلاقي التواطؤ الروسي على الاسد التواطؤ الاميركي على المعارضة، في مسار حصيلته النهائية مراعاة ما يعتبره كل منهما خطا احمر في ما يتعلق بمستقبل سوريا.

 لكن هناك التفسير الآخر المبني على سوء النية لدى الطرفين اللذين باتا يعلمان ولاشك ان تمسّك كل منهما بخياره الاقصى يعني، ليس نجاحه، وانما رسم خطوط النار المذهبية في سوريا والاستعداد لمدّها الى العراق ولبنان، على الاقل. فليس اسهل من استعمال المؤتمر الدولي  لكسب الوقت بما يخفف الضغوط، مرحليا، عن موسكو وواشنطن بصفتهما المسؤولتين عن وصول الحرب في سوريا الى طريق مسدود. لكن اين المصلحة الحقيقية في مثل هذا التآمر الشامل على سوريا والمنطقة؟

الخوف الاميركي- الروسي من الارهاب الاسلامي حقيقي وليس مفتعلا، ومن غير المفهوم كيف يمكن اعتبار استدراج “الجهاديين” الى سوريا اضعافا لهم. ونظرية الخطة الاميركية لتفتيت الكيانات العربية، وانخراط روسيا فيها ،عمليا، لا تسندها اعتبارات مصلحية حقيقية للطرفين. ويصعب اعتبار ان خطة مواجهة تمدد النفوذ الايراني- الشيعي هي، استراتيجياً، شرذمة كيانات المنطقة.

المصالح تقول ان التوافق الاميركي- الروسي على سوريا حتمي، ولو كان المسار متعرجا.

النهار

الاتفاق الناقص على المؤتمر حول سورية

وليد شقير

ما من شك في أن الاتفاق الأميركي – الروسي على عقد مؤتمر دولي لرسم آلية المرحلة الانتقالية في سورية، يمكن أن يشكل نقلة جديدة في سعي الدولتين العظميين الى حد أدنى من التوافق حول سبل معالجة الأزمة السورية، في وقت تخوضان صراعاً بالواسطة على أرض بلاد الشام تحكمه ضوابط كثيرة حتى الآن ومصالح كل منهما التي ليس أقلها إبقاء الحرب الدائرة فيها مشتعلة، كل لهدفه، وليس آخرها اختبار كل منهما لنفوذه الإقليمي، مهما كانت الفظاعات التي يرتكبها النظام السوري يومياً.

وإذا كان كل من وزيري خارجية البلدين سيرغي لافروف وجون كيري أفصحا، بعد اجتماعهما في موسكو مع الرئيس فلاديمير بوتين، عن قلقهما من تحول الأزمة السورية الى مواجهة إقليمية وبررا تفاهمهما الجديد بالحفاظ على وحدة سورية خوفاً من آثار تفككها على المنطقة ككل، فإن دوافعهما للتفاهم تعطي انطباعاً بأن هناك أسباباً جوهرية وراء محاولتهما التوافق.

فالولايات المتحدة تحتاج الى تجنب أي خلاف مع موسكو ينعكس سلباً على الملف الذي تعطيه الأولوية وهو تطبيق العقوبات الصادرة عن مجلس الأمن ضد إيران في ملفها النووي، وبالتالي هي تحرص على ألا تقوم بخطوة في الخصومة مع موسكو في ملفات أخرى، تقود الى انسحاب الأخيرة من الإجماع الدولي على العقوبات وفي مفاوضات 5+1 مع طهران.

وعلى رغم أهمية اتفاق كيري – لافروف، فإن أوساطاً دولية وأوروبية تعاملت معه بحماسة محدودة، نظراً الى التجارب السابقة ومنها بقاء اتفاق جنيف حبراً على ورق بفعل التباعد بين موسكو وسائر الدول على تحديد آلية قيام «جهاز تنفيذي انتقالي كامل الصلاحية»، (نص جنيف)، بين أن يشترك الرئيس السوري بشار الأسد فيه أو أن يُبعد عنه. وتوحي التصريحات الأميركية بعد اتفاق موسكو على المؤتمر الدولي، أن الخلاف ما زال قائماً على هذه النقطة. يقود ذلك الى انطباع بأن السعي الى تطوير اتفاق جنيف يبقى محصوراً بالاتفاق على عدم الاختلاف من دون تفاهم على المضمون، خصوصاً أن لا دلائل على أن القيادتين الروسية والأميركية توصلتا الى أجوبة مشتركة على مجموعة من الأسئلة حول مضمون المؤتمر الدولي منها:

1 – مثلما طُرح السؤال بعد جنيف، وبعد كل مرة تم التفاهم فيها على آلية للحلول في سورية على مدى نيف وسنتين من الأزمة، حول موقف إيران منها، لا سيما أنها كانت خارج إطار هذه الحلول التي فشلت لاحقاً، فإن السؤال نفسه يُطرح الآن في شأن المؤتمر الدولي الذي تزمع موسكو وواشنطن الدعوة إليه: هل ستدعى إيران الى المشاركة فيه بعدما كانت استبعدت من مؤتمر جنيف هي والمملكة العربية السعودية؟ وهل ستُدعى السعودية الى المؤتمر الدولي الجديد إذا لم تتم دعوة طهران إليه؟

2 – هل ستُدعى إسرائيل الى المشاركة في المؤتمر الدولي بعدما أدخلتها الغارات التي نفذها طيرانها الحربي على محيط دمشق لاعباً في الأزمة السورية، مقابل دعوة إيران إذا تمت دعوة الأخيرة؟ وهل تقبل طهران باشتراك تل أبيب في رسم مصير سورية، أم انه يتم استبعاد الدولتين معاً؟ هذا فضلاً عن أن دولاً عربية عدة معنية سترفض اشتراك إسرائيل في مؤتمر كهذا… في وقت ترى دوائر غربية عدة أن الإجازة الأميركية لإسرائيل لأن توجه ضرباتها الجوية في سورية هدفها إدخالها الحلبة السورية بحيث لا تنحصر باللاعبين الإقليميين الكبيرين تركيا وإيران، فضلاً عن الأهداف الأخرى التي تشمل اختبار الدفاعات الجوية الروسية في سورية التي ثبت أن في إمكان الطائرات الأميركية بقيادة إسرائيلية، تخطيها. فهل تقتصر وظيفة التدخل الإسرائيلي على اختبارات للأسلحة المتبادلة، أم على مواجهة «حزب الله» مع تلقيه الأسلحة عبر سورية، بحيث لا يكون لها دور في المؤتمر الدولي؟

3 – أخيراً لا آخراً، إذا كان المؤتمر الدولي قادراً على احتضان توافق أميركي – روسي على تطوير صيغة جنيف للحل في سورية، فلماذا لا تختصر الطريق باتفاق الدولتين العظميين على استصدار قرار من مجلس الأمن يكون ملزماً للأطراف في سورية، على أن يشمل إرسال قوات حفظ سلام إليها أو قوات ضمان الاستقرار، لوقف القتال وتطبيق الحل السياسي، بدل انتظار رسم الحل في المؤتمر، الذي قد يتطلب الذهاب به لاحقاً الى المنظمة الدولية.

الأسئلة كثيرة حول المؤتمر الدولي ومدى فعالية الاتفاق الروسي – الأميركي الأخير، في تسريع الحلول. ويبدو أن العمل من أجله سيتم على وقع التطورات الميدانية في سورية.

الحياة

موسم المقايضة بين واشنطن وموسكو على أشلاء سورية

راغدة درغام

اتفق الأميركيون والروس على إحياء اتفاق جنيف والعمل نحو جنيف – 2 بعدما أُدخِلَت تعديلات على موازين القوى العسكرية على الأرض في سورية، وبعدما دخلت إيران وإسرائيل لاعباً مباشراً في الحرب الدائرة على الساحة السورية. بقي الرعب الكيماوي في الحسابات الأميركية والروسية، أولاً خشية سقوط هذه الأسلحة الفتاكة في أيدي المعارضة المسلحة، وثانياً خوفاً من ان يؤدي أي استخدام للنظام لهذه الأسلحة الى تغيير «قواعد اللعبة». استقل الحل السياسي مرحلياً العربة الأولى في القطار الذي يسير على السكتين – سكة الحل السياسي وسكة الحل العسكري. موسكو حرصت على تلازم الاندفاع الروسي الى تفاهم مع الولايات المتحدة سياسياً مع الاعتزام الروسي على المضي في دعم النظام في دمشق عسكرياً بأسلحة نوعية وطائرات هدفها تغيير قواعد اللعبة العسكرية. واشنطن عادت الى رقصة الخطوة الى الأمام والأخرى الى الوراء في لف ودوران حول جنيف – 2 وكيفية القفز على عقدة الأسد، أي كيفية التعامل مع الرئيس السوري في مرحلة المفاوضات على نقل صلاحياته الى حكومة انتقالية ذات صلاحيات كاملة. أيبقى الأسد في السلطة حتى انتهاء ولايته بعد مرور سنتين على جنيف – 1 كما تريد موسكو وطهران؟ أيتنحى الأسد بتفاهم أميركي – روسي يغادر السلطة على أساسه إنما يترك وراءه النظام بحلّة جديدة؟ وأين هي إيران في هذه التفاهمات على اليوم التالي في سورية – إذا كانت حقاً مستعدة للموافقة على اليوم التالي لسقوط النظام أو لمغادرة الأسد؟ أين هي إسرائيل من ذلك؟ ومَن هي القوى التي ستتسلم سورية في اليوم التالي؟ هي ذي الأسئلة التي بدأت تُطرح مجدداً بعدما اتفق هذا الأسبوع في موسكو وزيرا الخارجية الأميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف على العمل نحو التفاهم وعلى عقد مؤتمر دولي حول سورية يسبق اجتماع رئيسيهما في 17 الشهر المقبل.

اعلان لافروف ان الطرفين الأميركي والروسي متمسكان بسلامة الأراضي السورية أتى ليحاول إبعاد الشكوك المتزايدة عن «صفقة» تقسيم لسورية. فلقد ازداد الكلام عن موافقة ضمنية للاعبين الدوليين على تقسيم سورية ضمن تقسيم المنطقة العربية على أسس مذهبية وعرقية تتبع تأجيج الحرب السنية – الشيعية المضطرمة في سورية. ولقد عاد مجدداً الكلام الذي رافق الحرب في العراق عن قرار إيراني بإقامة «هلال شيعي» يمتد من ايران الى العراق وسورية الى لبنان. ولذلك خرجت المعركة الإيرانية من أجل سورية الى العلن وجعلت طهران من الحرب السورية حربها.

تزامن هذا مع كلام وزير خارجية تركيا أحمد داوود أوغلو الذي اعتبر «مجزرة بانياس» بداية «تطهير عرقي». كما تزامن مع كلام غير مؤكد، لكنه تردد بأن الغارات العسكرية الأخيرة على مواقع حيوية داخل سورية قد لا تكون إسرائيلية حصراً وإنما – كما تردد – لتركيا يد فيها وأحد أهدافها الرد على التوعّد الذي أطلقته إيران عبر «حزب الله» بأنها لن تسمح بسقوط النظام في دمشق نظراً لمركزية النظام في الاستراتيجيات الإيرانية.

أهم الحلقات في مستقبل التفاهمات الأميركية – الروسية هي الحلقة الإيرانية. روسيا طرف في حلف «الممانعة» الذي يضم إيران و «حزب الله» الى جانب النظام في دمشق وكذلك الصين الى درجة أقل. وروسيا مستمرة في توفير السلاح للنظام فيما دخلت إيران و «حزب الله» طرفاً في المعركة، اما بسلاح أو بتدريب أو بمقاتلين على الأرض.

روسيا لن تتمكن من أن تمون على إيران للدرجة التي تحاول الإيحاء بها للولايات المتحدة. هامش «الموْن» الروسي على إيران يتعلق بمدى تحالفهما في معادلة التمسك ببقاء بشار الأسد في السلطة. كلاهما متمسك به الآن، انما مصيره عندهما يعتمد على ما يحصلان عليه في إطار التفاهمات الأوسع أو الصفقات مع الولايات المتحدة. كلاهما مصر على إفشال صعود الإسلاميين السنّة الى السلطة في دمشق. وكلاهما يتأهب، انما كل لمصلحته في نهاية المطاف. وأحياناً قد لا تكون المصالح متطابقة، بل ان من الجهل الافتراض ان هناك تلقائية لموافقة إيرانية على تفاهمات أميركية – روسية. ايران تصر على أن تمتلك القرار في مستقبل سورية لكنها قد تتورط في المعركة على سورية لدرجة تحول سورية حقاً الى فيتنام إيران. فالمعادلة العسكرية ليست سهلة وإنما هي مكلفة جداً وإيران غير قادرة على سداد فاتورة حرب سورية من دون روسيا. ذلك ان روسيا هي التي تملك الطائرات الضرورية لقصف المعارضة السورية لتغيير موازين القوى العسكرية على الأرض. فالتداخل بين الدورين الروسي والإيراني في سورية حيوي ومعقد في آن.

نفوذ طهران مع النظام في دمشق لا يستهان به، بل ان ايران هي حقاً مفتاح رئيسي لمستقبل سورية. هذه الأيام، لسان حال النظامين في طهران ودمشق هو المقاومة في سورية. الأسد قال: سنتحول الى دولة مقاومة. وهكذا اعترف بأن سورية لم تكن دولة مقاومة حتى الآن وإنما اكتفت باستخدام لبنان حصراً جبهة للمقاومة ضد إسرائيل. هذا التحوّل الاستراتيجي الجذري في مصير المقاومة سيفتح جبهة الجولان للمرة الاولى منذ عام 1973 لتنطلق منها المقاومة بقرار النظامين في إيران وسورية. هذا إذا كانا حقاً صادقين في تعهّدهما وجدّيين في توعّدهما. وهذا مستبعد – أقله حتى الآن.

اليوم، هناك فسحة لالتقاء أميركي – روسي بين الـ «لا» الروسية للإسلاميين في السلطة وبين الـ «لا» الأميركية لاستبعاد الإسلاميين المعتدلين عن السلطة. تجربة مصر فضحت التسلط التلقائي للإسلاميين في السلطة وإصرارهم على الاستفراد بالحكم واحتكار كل مفاصله. تجربة ليبيا عرّت الاندفاع الغربي الى التغيير قبل التفكير. تجربة تونس سلّطت الأضواء على عمق تفكير «الإخوان» ورفضهم فصل الدين عن الدولة في نهاية المطاف.

هذه التجارب قضت على ما حُلِمَ به كـ «نموذج» تشدّق به الغرب بذريعة احترام الأكثرية في العملية الديموقراطية وذلك بعدما بات واضحاً اكتفاء الإسلاميين في السلطة بالمحطة الانتخابية من العملية الديموقراطية حصراً، لا غير.

روسيا مرتاحة للتطور في مسيرة الحكم الإسلامي ووطأته على التفكير الغربي وترى في هذا فرصة لاستعادة التفاهم مع الولايات المتحدة وأوروبا بالذات عبر خلق نموذج مختلف في سورية. قد يستفيد المدنيون أو العلمانيون أو الحداثيون في تونس ومصر وليبيا من انحسار التشدق الغربي بالإسلاميين ومن دخول روسيا طرفاً في إضعاف الإسلاميين في السلطة. لكن هذا لن يعفي روسيا من المحاسبة على دورها في سورية ومساندتها العسكرية والديبلوماسية والسياسية للنظام ضد المعارضة. فروسيا ليست لها شعبية عربية بسبب مواقفها من سورية، وهي (روسيا) لن تستعيد نفوذها مع الشعوب العربية لزمن طويل.

القيادة الروسية قد تزن مشاعر الشعوب العربية نحوها بمقدار الكراهية التي تكنّها هذه الشعوب نحو السياسة الأميركية في المنطقة والتي تتبنى تفوّق إسرائيل وحمايتها من المحاسبة. لذلك، لن تتوقف القيادة الروسية مطوّلاً أمام هذه الناحية لا سيما انها في خضم إبلاغ جميع المعنيين انها عائدة الى النفوذ في منطقة الشرق الأوسط عبر البوابة السورية، مهما كلّفها ذلك.

فعنوان الأدوار الروسية في المنطقة هو الكبرياء والقومية الوطنية الصارخة وروسيا عازمة على العودة الى المنطقة عبر صفقات أسلحة ضخمة مع العراق واليمن والسودان الى جانب صفقاتها مع سورية. عائدة عبر أساطيل لها في مياه المنطقة وقواعد بحرية لن تتخلى عنها. عائدة عبر تحالفها مع إيران. عائدة عبر اعتزام قاطع على منع تركيا وقطر من كسر شوكة روسيا ونفوذها في أوروبا عبر أدوات الغاز الذي تتميز بامتلاكه عالمياً. فقطر قادرة على التأثير في أسعار الغاز العالمية نظراً لما تمتلكه بدورها من احتياطي ضخم حالياً. انما إذا تم بناء الأنابيب عبر الوصلة السورية – التركية الى أوروبا، فإن مستقبل نفوذ روسيا عبر الغاز سينحسر، وهذا خط أحمر يفسر الكراهية الصارمة من القيادة الروسية للقيادة القطرية. انه أمر مرفوض كلياً في قاموس الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

هي ذي الأولويات الروسية الشرق أوسطية على أبواب الصفقات التي يريد بوتين إبرامها مع الرئيس الأميركي باراك أوباما الراغب حالياً في بحث «المصالح المشتركة» مع روسيا انطلاقاً من سورية. انه موسم المقايضات الذي ينطلق مجدداً بهدف إبرام صفقات دولية تأتي للأسف على أشلاء سورية ومحنة إنسانية عارمة. انها بداية أخرى في خطوات وليست ولادة اختراق. فمهلاً قبل القفز الى استنتاجات… ذلك أن المسار العسكري والمسار السياسي ما زالا متلازمين في السباق الدولي والإقليمي والمحلي على السواء.

.. وماذا يفيد قلق “أوباما” من كيماوي الأسد؟

طلال آل الشيخ

في مارس الماضي، دخلت الأزمة السورية عامها الثالث، ومنذ نحو 25 شهرا والنظام السوري مستمر في القتل والتعذيب والتشريد، والعالم يتفرج، يزيد النظام من وتيرة العنف يوما بعد يوم، ويتجاوز الخطوط الحمراء التي حددها المجتمع الدولي بقيادة أميركا، والنتيجة لا جديد.

قبل أقل من عام ـ وتحديدا في شهر أغسطس 2012 ـ حذر الرئيس الأميركي من أن استخدام الأسلحة الكيماوية أو البيولوجية يمثل خطا أحمر لا يمكن السكوت عليه، وإن تجاوز هذا الخط سوف يغير من قواعد اللعبة وحساباتها، وها هي الدلائل والشواهد تؤكد استخدام النظام السوري للأسلحة الكيماوية، إذ بثت صحيفة “التايمز” الأسبوع الماضي تسجيلا جديدا يمثل دليلا على استخدام النظام لغاز السارين القاتل ضد المدنيين، حيث أظهر التسجيل صورا لثلاثة ضحايا من عائلة واحدة، سيدة وطفلين، قتلوا اختناقا نتيجة استنشاقهم الغاز السام، بل إن أوباما نفسه قال في مؤتمر صحفي في البيت الأبيض، إنه يوجد دليل على أن أسلحة كيماوية استخدمت في سورية، وعلى الرغم من ذلك إلا أنه لم يحرك ولا العالم أجمع ساكنا تجاه اتخاذ الإجراءات اللازمة، التي تمنع على الأقل استخدام النظام السوري للأسلحة الكيماوية.

عجز العالم وفشله في اتخاذ موقف حقيقي ضد النظام السوري، فتحا شهية النظام، وأتاحا له زيادة وتيرة العنف والسعي لتنفيذ مخططات أكثر عنفا ورعبا، يدعمه بذلك عجز المبعوث الدولي الأخضر الإبراهيمي، وقبله كوفي عنان عن إحداث أي تقدم، وهو ما ظهرت بدايته في المجازر التي ارتكبها النظام في قرية البيضا في مدينة بنياس، والتي تسببت في قتل المئات من سكانها، واضطر البقية إلى الفرار هربا من المذابح بعد أن تبين أنها ارتكبت عمدا ضد الأطفال والنساء بأسلوب الذبح.

النظام السوري يده مبسوطة بالقتل، ويجد الحماية الدولية لارتكاب ما يشاء من جرائم، علاوة على الدعم الذي يتلقاه من الروس والإيرانيين وميليشيات حزب الله، وتنفيذ ما يشتهي من مخططات، ومن غير المستبعد أن نرى في القريب العاجل في سورية جرائم لا تقل عنفا عما شاهده العالم في مجازر الإبادة الجماعية بين الهوتو والتوتسي في رواندا، وحلبجة أخرى في بنياس أو القصير أو أي من المدن السورية الأخرى، فالمجتمع الدولي تنازل عن مسؤولياته التاريخية، وبات عاجزا عن حماية الشعب السوري من بطش النظام، بدعاوى أن طبيعة الداخل السوري يكتنفها الكثير من التعقيدات، التي ربما تحول دون حدوث استقرار في سورية، ما يجعلها بيئة صالحة لتكاثر الإرهاب على حد مزاعمهم، وتجمع المجموعات المسلحة المنفلتة، كما حدث في العراق، وسابقا في لبنان، لذلك ترك الشعب السوري وحيدا يقابل الموت والتشريد والتعذيب كل يوم.

الحالة الإنسانية التي يعيشها الشعب السوري، الذي يواجه بصدور عارية القمع والقتل والاستبداد والظلم والذل أمر محزن ومخز في آن، ودون أن تكون هناك جهود حقيقية، سيبقى هذا الأمر وصمة عار في جبين العالم ومؤسساته الإنسانية والعدلية، وعليه فإن على واشنطن تحديدا أن تبقى مستعدة لأي سيناريو كارثي؛ لأن نتيجة عدم التدخل هذه المرة بثقل الدولة العظمى حامية الحريات، ستزيد الأوضاع على الأرض تفجرا وكارثية.

الوطن السعودية

أشهر الأسد الاخيرة؟

    راجح الخوري

ليس المهم ان يعلن باراك اوباما ان واشنطن تعمل على “خروج بشار الاسد وبدء عملية انتقال سياسي”، المهم الاتفاق على موعد واضح ومحدد لخروجه وهو ما شكل حتى الآن العقدة التي حالت وربما ستحول دون وصول “اعلان جنيف” الى اي نتيجة، في حين تتسع المجازر الدموية ويرسم مسار القتال على الارض صورة افتراضية لسوريا المقسمة، دولة علوية لا تشكل ممراً ايرانياً الى لبنان “الواقف على شوار” فحسب، بل تفتح الشهيات على دول اخرى.

الصورة التي رسمتها محادثات جون كيري في موسكو هي ان اميركا تراجعت ووافقت على التفسير الروسي لاعلان جنيف، الذي رفض منذ البداية الحديث عن خروج الاسد قبل ان ينهي ولايته في منتصف السنة المقبلة، لكن كلام اوباما يوحي بأن خروج الاسد يجب ان يسبق العملية الانتقالية وهو امر غير مضمون ولا يجوز الركون اليه، وخصوصاً في ظل مسخرة مسلسل التراجع الدائم في تصريحاته عن “نهاية الاسد” و”الخط الاحمر” والاسلحة الكيميائية.

يمكن الجزم تقريباً ان التفاهم الاميركي – الروسي المستجد نشأ من رؤية متقاربة لنافذة الفرص السورية اذا جاز التعبير، والتي يبدو وفق تقارير ديبلوماسية عليا انها تراهن على عاملين هما “القنوط والوقت”:

القنوط يعني انه مع تعذر الحسم العسكري على الطرفين، اصبح من الممكن ايجاد مخرج لجلبهما الى التفاوض، فاذا رفض الاسد مثلاً لقاء المعارضين الحقيقيين، تستطيع موسكو ان تدفعه الى القبول، واذا رفض المعارضون في الائتلاف تستطيع اميركا دفعهم الى القبول بالضغط عليهم عبر العمل على تجفيف تسليحهم وتمويلهم.

اما عامل الوقت فيقوم على نظرية تقول ان ولاية الاسد تنتهي في منتصف السنة المقبلة وان هذا يعني انه لم يتبق له اكثر من سنة، وانه حتى لو بدأت الترتيبات المتصلة بعملية الانتقال السياسي الآن فانها تتطلب سنة على الاقل، ولهذا لماذا لا تبدأ هذه العملية فوراً عبر ترتيب مفاوضات بين الطرفين بمواكبة دولية واقليمية وبضمانات روسية قاطعة ان الاسد لن يبقى بعد انتهاء ولايته؟

طبعاً لم يكن في وسع الائتلاف إلا ان يرحب بكل الجهود الدولية التي تدعو الى حل سلمي يحقق تطلعات الشعب السوري وآماله في دولة ديموقراطية لكن شرط ان يبدأ برحيل الاسد واركان نظامه، لكن من الواضح ان الائتلاف يسمع من الاميركيين والروس الآن كلاماً يقول : اذا لم يكن ممكناً ترحيله الآن ما المانع من حصول تفاهم قاطع وملزم على رحيله بعد سنة وهي المدة اللازمة لترتيب الانتقال السياسي؟

القصة صعبة ومعقدة، ولذلك دعا الاخضر الابرهيمي الى تعبئة في المنطقة كلها لدعم هذه العملية.

النهار

المستحيل السوري والممكن الأمريكي

 فاتح عبدالسلام

مَنْ يظن أنّ هناك عملاً سياسياً يقود سوريا إلى بر الأمان واهم لا محالة بعد أكثر من سنتين دمويتين، مثلما إنَّ الأعمال الحربية تقود سوريا إلى الهلاك الجماعي وقد حدث من ذلك الهلاك الشيء الكثير. فما هو الحل؟

جميع الطبخات فسدت. لم يبق للجانب السياسي أفق، فما يجري ليس حرباً بين دولتين لتضع أوزارها في نهاية المطاف وتتقبل دولة منهما الهزيمة وتجلسان إلى طاولة مفاوضات ثم معاهدة سلام. ما يجري في سوريا حرب داخلية يتفق طرفاها على أمر ثاتب واحد هو نهاية الخصم وتدميره كلياً وقد انقطعت أية خيوط بينهما قد تقود إلى مفاوضات سلام ذات يوم.

إنّها حرب إلغاء ومجازر بانياس الأخيرة تؤكد أنّها حرب تدمير الهوية وفناء الجذور. المنتصر سيلغي الآخر ويشطبه من الساحة نهائياً. لكن مَنْ يكون في مثل هذه الحرب منتصراً وقد تدمرت هيكلية البلاد السورية وأغرقت بالدماء وتحول أهلها إلى مشردين في البلدان؟ ربّما سيكون هناك مزيد من الضحايا حين تصل هذه الحرب الى حافة النهاية بأية وسيلة.

حرب داخلية في سوريا لكنها بمواصفات خارجية، حيث انتصرت الإرادة الروسية الصينية في مجلس الأمن بشأن الإدانة السياسية، وهي مسألة هينة لا يمكن مقارنتها بالمنازلة العسكرية التي لا يمكن أن تظهر روسيا فيها علناً على إنها طرف مباشر فيها، لأنّها ستجبر الطرف الأمريكي على ظهور علني وقوي أيضاً وحلفاء واشنطن يطبقون على سوريا من معظم الجوانب.

هل يستمر الوضع بلا حسم إلى ما لا نهاية بعد موت الحل السياسي وموت التوافق الدولي على إنهاء المجازر ثم موت الضمير العربي؟

مصالح دول الإقليم باتت مهددة والآثار الجانبية للوضع السوري بدأت تدخل بقوة في المحيط الإقليمي لا سيما تركيا والأردن وهذا يعني أن واشنطن سوف يتم إجبارها على اتخاذ موقف يؤدي إلى حسم الأوضاع وقيام سلطة جديدة في سوريا.

إنه أمر ليس سهلاً. لكنه سيكون واقعياً وعملياً إذا قررت واشنطن أن توقف الحرب داخل سوريا فعند ذلك ليس ثمة أهمية لأي موقف روسي أو صيني أو إيراني. والصفحة الامريكية هي التالية في حرب سوريا، لتحقيق هدفين، إنهاء نظام حليف لإيران وحجر عثرة للتسويات في لبنان، ثم لإنهاء أي تنظيم تراه واشنطن خطراً عليها في حال وصوله الى الحكم بدمشق قبل فوات الآوان. ولا علاقة للكيمياوي بالأمر كله من قريب أو بعيد

الزمان

مؤتمر دولي .. ولكن

سليمان تقي الدين

يعكس الاقتراح الأميركي الروسي عقد مؤتمر دولي حول سوريا حجم القوى والمصالح المتنازعة في هذا البلد. لكن أحداً من الأطراف الدوليين والإقليميين لن يكتفي بالبحث عن تسوية على مستقبل سوريا وحدها. إن حجم الملفات التي وجدت لنفسها تعبيراً في المسألة السورية كبير ومتشعب. سيكون على المؤتمر الدولي الموعود أن يعالج مسألتي النظام الدولي والإقليمي ويعيد ترتيب النفوذ وموازين القوى. لذلك يشكل التفاهم الأميركي الروسي نقطة انطلاق وليس محطة وصول في المدى المنظور. فلطالما سمعنا هذا الاقتراح وقد تردد كثيراً منذ عقود في ما خص المسألة الفلسطينية. وفي كل مرَّة تعثر انعقاد هذا المؤتمر بسبب حجم التناقضات وتداخل الملفات والقضايا والمصالح.

لا شك ان توجهاً من هذا النوع يلجم تصاعد الأزمة ويضع سقوفاً لطموحات الكثير من الفرقاء ويحاول حصر بعض النزاعات واحتواءها. فهو على الأقل يؤكد استبعاد اندلاع حروب كبيرة أو اتساع مسرح العمليات الحربية وامتدادها إلى أقاليم أخرى. لكن هذا الإطار الدولي لا يحسم في السيطرة على النزاعات الداخلية ولا يضع ضوابط لعنف اندلع أساساً بسبب اختلالات عميقة شهدتها المنطقة وأزمات سياسية واجتماعية هي خارج تصورات اتفاقات الدول وسلمها وتعايشها وتقاسمها للنفوذ.

كشفت الثورات العربية الغطاء عن قضايا مجتمعات كانت عاجزة أن تعبّر عن نفسها بصورة واضحة، وعن مشكلات كانت مكبوتة أو ملغاة بفعل المنظومة السياسية القائمة. ما نشهده الآن من صعود لموجة الإسلام السياسي وللعنف السياسي وللفكر الظلامي ليس حدثاً عابراً وعارضاً ولا هو ظاهرة مستوردة أو وافدة على المنطقة من خارجها ـ هناك أزمة اجتماع سياسي مزيج من عناصر متعددة، منها فشل التنمية وغياب الديموقراطية، ومنها الانفجار الديمغرافي واختلال التوزيع في الثروات، ومنها الغبن اللاحق بفئات وشرائح اجتماعية وعرقية وطائفية. كل ذلك تقاطع مع إحباط شديد في مسألة الكرامة الوطنية وتغذى من السياسات التي اتبعتها

وتصدرها الأنظمة النفطية بقطبيها الإيراني والسعودي. إذا كانت المسألة على هذا النحو حري بنا البحث عن حلول لا تقتصر على انتظار تسويات دولية بل يجب أولاً أن نتجه إلى إخراج بلادنا ومجتمعاتنا من ثقافة الاستعمار والوصاية التي تأكدت اليوم بتدويل مشكلاتنا وبتوكيل الخارج الإقليمي والدولي في حلّها برغم كل ادّعاء عن خوض معارك السيادة والاستقلال والوطنية. وليس بعيداً من هذا القول اننا كنا أسرى الحرب الباردة وما زلنا أسرى الصراعات الدولية، وأن الجديد الذي يستحق الذكر هو وجود الشعوب بعجرها وبجرها في الميدان وهي تحاول بكل ما لديها من عيوب أن تكون صانعة للقرار السياسي. وبرغم المشهد المؤلم الذي تبدو فيه فلسطين خارج الاهتمام العربي، فإن شعب فلسطين يواجه قطعان الاستيطان وآلة القهر الإسرائيلية بما لديه من قوى وقدرات، غير مرتهن لوهم ان قضيته في يد «العرب» ولا حتى «الإسلاميين». تفرّقت كلمة العرب منذ زمن بعيد لكنها كلمة أنظمة وقيادات اختصرت شعوبها. أما الآن فمن قلب هذه الفوضى نرى الشعوب تواجه مشكلاتها وثقل هذه المشكلات الموروثة، وتتصدى لبناء قواها الذاتية حول موضوعات أكثر واقعية وأقل تعلقاً بالأديولوجيات الكلّية برغم حضور الإسلام السياسي الآيل إلى الخواء في تصديه لهذه القضايا والمشكلات. وبالفعل إن سلام الشعوب واستقرارها ليس مجرد انعكاس تلقائي لتفاهمات الدول الكبرى بل هو رهن في الأساس بالتقدم الاجتماعي وبإزالة الاختلالات العميقة بينها وبين مستوياته العالمية، وفي إيجاد صيغ ملائمة لإدارة تنوع المجتمعات في هذه المرحلة من توتر الهويات الفئوية إما بدواعي أشكال التمييز المتعددة أو بدواعي الثقافة السياسية المتخلّفة لفشل مشروع الحداثة العربي. مؤتمر دولي محطة جيدة للحد من اتساع الحروب، لكن الأهم «المؤتمرات الوطنية» التي تجد حلولاً لمجتمعات مفككة.

السفير

مؤتمر جنيف 2 حول سوريا بين رؤيتين متناقضتين: “طائف” سوري أو تعويض عن العجز الدولي

    روزانا بومنصف

سيتعين على الولايات المتحدة خلال الايام والاسابيع المقبلة بذل الكثير من الجهد لاقناع المعارضة السورية ومن يدعمها من الدول الاقليمية بأنها لم تتخل عنها لمصلحة تنازلات قدمتها لروسيا ويستفيد منها النظام السوري ورئيسه بشار الاسد. فصدقية الولايات المتحدة على صعيد دعم حلفائها في المنطقة او من يمكن اعتبارهم كذلك راهنا كما هي الحال بالنسبة الى المعارضة السورية معدومة كليا على غير ما هي صدقية روسيا التي اثبتتها من خلال عدم تغيير موقفها الداعم للنظام على رغم المجازر التي ارتكبها طوال سنتين من عمر الازمة السورية. واعلان موسكو لدى زيارة وزير الخارجية الاميركية جون كيري اليها انها غير متمسكة بالاشخاص في اشارة الى احتمال تخليها عن الاسد لا يعتد به، نظرا الى ان هذا الموقف الروسي ليس جديدا بل كرره الروس منذ التوصل الى اتفاق جنيف في حزيران 2012 لكنهم واصلوا دعمهم للاسد من دون تغيير موقفهم منه قيد انملة. وقد سارع وزير الخارجية الاميركي فور انتهائه من زيارته لروسيا ولقائه كبار المسؤولين فيها ووصوله الى روما الى توجيه رسائل بهذا المعنى نتيجة انطباعات تركتها تصريحاته في موسكو، وبعد مدة انتظار فرضها عليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل استقباله، في تكرار يعيد الى الواجهة ما كان يقوم به الرئيس السوري حافظ الاسد مع زواره ايضا. فاعلن كيري “ان الاسد لا يمكن ان يشارك في حكومة انتقالية”. كما تم ابراز زيارة السفير الاميركي في دمشق روبرت فورد الى مناطق سورية تسيطر عليها المعارضة على انها عدم تبدل في الموقف الاميركي، ومن اجل اقناع المعارضة بالمشاركة في المؤتمر الدولي المزمع عقده “لكي لا يفوتها القطار”. وهذه مهمة غير سهلة نظرا الى عدم اقتناع المعارضة في الاساس بالاتفاق الذي تم التوصل اليه في جنيف في حزيران من العام الماضي لكونه ابقى الهامش واسعا امام تكهنات وتفسيرات حول مصير الرئيس السوري، فبقي غامضا في هذا الشأن، الامر الذي تحتاج معه واشنطن الى الكثير من اجل اقناع المعارضة برؤيتها الى مصير الاسد وعدم تخليها عن مطلبها بان يرحل عن الحكم.

ما تتفق عليه الاراء بعد ايام على لقاءات كيري في موسكو والاتفاق الاميركي الروسي من اجل الدفع نحو آلية تنهي الازمة السورية تتم ترجمتها في مؤتمر دولي جديد ان هذه اللقاءات والمؤتمر المنتظر انعقاده لن يوقفا آلة القتل الجارية بكل اشكالها في سوريا في المدى المنظور، بل على النقيض من ذلك، اذ يخشى حصول تصعيد غير مسبوق للقتال، خصوصا ان النظام يعتبر انه كسب ميدانيا واستطاع ممارسة التهديد فعلا في اتجاهين. احدهما هو المجازر التي ارتكبها في بانياس وتسعيره المخاوف من دفعه نحو تقسيم سوريا، والثاني هو توظيفه الاعتداء الاسرائيلي ودخول “حزب الله” من اجل التخويف من حرب اقليمية باتت تشمل اسرائيل.

اما ما تختلف عليه هذه الاراء فهو الانقسام الجذري في الرؤية الى المؤتمر على انه منعطف سيكون جذريا بالنسبة الى الازمة السورية ام مؤتمر جنيف آخر كما الذي سبقه. وفي ظل صعوبة كبيرة لضمانات او عوامل طمأنة، فان اصحاب الرأي الاول يعتبرون ان المؤتمر اشبه بمؤتمر الطائف الذي انهى الحرب الاهلية في لبنان، خصوصا ان المطالبات الاساسية كانت تنصب على ضرورة اتفاق اميركي روسي في الدرجة الاولى. وتاليا يستغرق الاعداد لمؤتمر مماثل وقتا وكذلك التمهيد لنتائجه، بما معناه ان جميع المعنيين سيحجزون لهم مقعدا في القطار الذي سينطلق من محطة جنيف الثانية كما فعلت ايران وتفعل منذ بعض الوقت، مباشرة او عبر “حزب الله” من أجل جعل تدخلها في الازمة السورية امرا لا يمكن تجاهله، من دون ان تكون شريكة في معادلة ايجاد حل للازمة السورية كما في دعم موقع حليفها الرئيس السوري للحؤول دون تخطيه ايضا. الا ان ذلك لن يعني سوى المزيد من تصاعد القتال في المدة الفاصلة عن موعد انعقاد المؤتمر وخلاله ايضا، تعزيزا للمواقع على ما يجري على النطاق الاقليمي والدولي، وتحقيقا لانتصارات على الارض من شأنها ان تعدل موازين القوى على طاولة المفاوضات. اذ ان واشنطن اعادت في الساعات الاخيرة تأكيد وجود اثباتات على استخدام النظام السلاح الكيماوي، في حين أعلنت روسيا انها في اخر مراحل تسليم النظام السوري صواريخ ارض – جو بذريعة انها تعود لعقود ماضية. واصحاب هذا الرأي يقولون بان الجميع في مأزق يحتاجون الى الخروج منه، بمن فيهم ايران التي تملك اوراقا تفصيلية عن الحل في سوريا والمستعدة لأن تشارك الاخرين فيه. فيما اظهرت تفاصيل زيارة وزير الخارجية الاميركي لموسكو مرونة اميركية في بعض المواضيع الخلافية لاسيما في مسائل داخلية يحرص الروس على ابقاء الولايات المتحدة بعيدة عنها. فضلا عن الاقرار الاميركي بدور روسيا مما خلق ارتياحا لدى بوتين سمح بالتجاوب في الموضوع السوري. وتفيد معلومات هؤلاء ان آلية الحل السوري ستلحظ وقفا للنار يرجح أن ترعاه قوى دولية وتشرف على عدم خرقه ووضع الية حوار سياسي يترجمه تأليف حكومة انتقالية.

اما الرأي الاخر فلم ير جديدا فعليا في المؤتمر الدولي الذي ترغب فيه واشنطن نظرا الى الضغوط التي واجهت ادارة الرئيس باراك اوباما في مسألة عدم رغبته في التزام تنفيذ ما يتطلبه احترام النظام السوري “الخط الاحمر” الذي رسمه اوباما حول استخدام النووي، فضلا عن التهديدات والمخاوف من اتساع الحرب السورية لتشمل المنطقة مع الضربتين الاسرائيليتين لمواقع في العاصمة السورية قيل انها استهدفت صواريخ متطورة كانت ستنقل الى “حزب الله”، إلى جانب عدم رغبة واشنطن فعلا في تسليح المعارضة لاحتمال أن تذهب الاسلحة الى جهات متطرفة. فالمؤتمر بهذا المعنى ينقذ واشنطن من مأزق تواجهه على اصعدة عدة، كما ينقذ روسيا من تهمة عرقلة حل سياسي. لكن الشكوك تتناول في هذا الاطار عدم تبدل مواقف الاميركيين والروس وخلافهما على مصير الاسد وموقعه في معادلة الحل، فضلا عن استعداد روسيا للتعاون فعلا وما اذا باتت مستعدة لان تتخلى عن النظام ام لا، وما هي الأسباب لذلك، او ما اذا كانت تستطيع التأثير فعلا في الاسد، علما ان بوتين استفاد ويستفيد من الازمة السورية في الترويج في سوريا وعلى المستوى العالمي من اجل تعزيز منطق استعادة روسيا دورها السابق كدولة عظمى.

النهار

أميركا وروسيا.. تفاوض المحبطين حول سوريا!

طارق الحميد

بدأ وزير الخارجية الأميركي زيارة مهمة لموسكو يلتقي فيها نظيره الروسي والرئيس بوتين لمناقشة الأزمة السورية، وذلك على أثر التطورات الأخيرة التي شهدتها سوريا وباتت تؤثر على كل أطراف الأزمة، فهل هي زيارة الفرصة الأخيرة، كما يقال؟

ما يجب أن ندركه هو أن واشنطن، وإلى هذه اللحظة، لا تعرف الثمن الذي يريده الروس مقابل رأس الأسد، ومن غير المعروف أيضا إذا ما كان الروس قادرين على إخراجه الآن. صحيح أن تغير الموقف الروسي سيكون بمثابة قاصمة الظهر للأسد ونظامه، لكن الأسد لا يتصرف بحسابات عقلانية، بل إنه يسير للهاوية، وإن كان هناك من يراهن على أنه بمجرد تغير موقف الروس، فإن من شأن ذلك أن يدفع الدائرة الضيقة حول الأسد للانقلاب عليه. لكن، عدم معرفة الثمن الذي يريده الروس مقابل رأس الأسد يشكل عامل إحباط لواشنطن، وهذا ما كشفته عدة وسائل إعلام أميركية. ولذلك، فإن زيارة جون كيري لموسكو، ولقاءه بوتين، هي أقرب إلى مفاوضات «المحبطين».

إحباط واشنطن سببه أن الإدارة الأميركية تحت ضغوط كبيرة الآن نتيجة الخطوط الحمراء التي رسمها أوباما وتجاوزها الأسد، مما وضع مصداقية أوباما على المحك، داخليا وخارجيا، ولذا تريد واشنطن دفع موسكو للتفاوض الجاد، ولذلك تلوح واشنطن باستعدادها لتزويد الجيش الحر بالأسلحة الفتاكة. وبالنسبة للروس، فإنهم محبطون أيضا، والأسباب واضحة، فالأسد يخرج من ورطة ليدخل في أخرى، خصوصا مع استخدامه الأسلحة الكيماوية، مما جر إسرائيل للأزمة، وعرض موسكو لضغوط هائلة، حيث أضعف حجتها، وعرضها لخسارة كبيرة محتلمة في الثمن الذي تبحثه مقابل رأس الأسد، هذا عدا تعريض مصالحها للخطر في سوريا ما بعد الأسد. ويتضح الإحباط الروسي أيضا من تحذيرات موسكو بأن التطورات الأخيرة قد تفتح الأبواب للتدخل الخارجي في سوريا.

ومن المؤشرات أيضا على أنها مفاوضات «المحبطين» قول المتحدث باسم الخارجية الأميركية: «لقد أكدت روسيا رسميا تمسكها ببيان جنيف، وعلينا الآن التحرك أبعد من التصريحات الرسمية»، أي إن واشنطن تريد سماع ما لم تقله موسكو. أما روسيا فيقول لي مسؤول عربي كبير التقى جل القيادات الروسية مؤخرا، في مناسبات مختلفة، إنه حين يتحدث الروس عن الأسد فإنهم «يصفونه بألفاظ أقسى مما تتخيل، وأقسى مما يقوله أعداؤه بالمنطقة»، مضيفا أن إشكالية الروس تكمن في أنهم لا يطرحون ثمنا.. «هم يريدون عروضا، وحينها يقولون لك: نوافق أو لا نوافق»! وعليه، فما العرض الذي سيقدمه كيري لموسكو، خصوصا أن هناك لقاء مرتقبا بين أوباما وبوتين؟ وهل يكون قرار تسليح الجيش الحر مبنيا على رد روسيا، بمعنى أن الكرة الآن في الملعب الروسي، فإما أن يتخلوا عن الأسد، وهذا المطلوب، أو يتمسكوا به، ويكون ذلك بمثابة إطلاق رصاصة الرحمة حيث يباشر الأميركيون تسليح الجيش الحر، وهذا المطلوب أيضا؟

دعونا نرَ.

الشرق الأوسط

اتفاق روسي امريكي لتصفية جبهة النصرة؟

عبد الباري عطوان

من يتأمل بتمعن العبارات القليلة التي نقلتها وكالة نوفوستي الروسية الرسمية عن نقاط الاتفاق التي توصل اليها الطرفان في مباحثاتهما التي تناولت الملف السوري، يخرج بانطباع مفاده ان الدولتين، امريكا وروسيا، تعيشان قلقا متبادلا من احتمالات حرب اقليمية في المنطقة تتورطان فيها، وان العدو المشترك لهما هو الجماعات الاسلامية الجهادية.

النقطة التي لفتت نظري شخصيا، وتوقفت عندها طويلا، ما قاله جون كيري للرئيس فلاديمير بوتين ‘ان واشنطن تشاطر موسكو وجهة نظرها حول سورية’. واضاف ‘ان كلينا نريد ان تستقر اوضاع سورية، وتخلو من التطرف والمشاكل التي يمكن ان تمسّ المنطقة جمعاء’.

الوزير كيري اعاد التذكير بالتعاون بين موسكو وواشنطن لمواجهة عدو مشترك في الحرب العالمية الثانية، اي المانيا النازية بقيادة هتلر، فهل يريد ان يقول ان ‘التطرف الاسلامي’ هو العدو المشترك الجديد الذي يجب على الدولتين مواجهته؟

لا نستبعد ذلك على الاطلاق، فواشنطن وضعت جبهة النصرة التي قدمت البيعة لزعيم تنظيم القاعدة الدكتور ايمن الظواهري على قائمة الارهاب، وهي تنسق حاليا مع اسرائيل وقوى اقليمية اخرى لمنع وقوع اسلحة كيماوية او صواريخ في ايديها.

روسيا تواجه خطر الجماعات الاسلامية المتشددة في الشيشان وداغستان ودول القوقاز الاخرى، ودخولها في تحالف مع امريكا لخوض حرب مشتركة ضد هذه الجماعات في سورية وجمهورياتها ذات الغلبة الاسلامية وارد، لكن السؤال هو عما اذا كانت ستقبل واشنطن بقاء الرئيس الاسد في سدة الحكم في سورية، خاصة بعد تشديد كيري على توقيع البلدين على ‘بيان جنيف’ الذي تحدث عن حل سياسي عماده حكومة انتقالية في سورية، تليها انتخابات عامة، ودون اي اشارة واضحة لدور الرئيس الاسد فيها؟

من الصعب علينا اعطاء اجابات قاطعة لهذا السؤال او غيره، وعلينا انتظار اللقاء الاهم بين الرئيسين اوباما وبوتين في الايام المقبلة، الذي اما سيضع خريطة طريق للتعامل مع ملفات المنطقة المتفجرة، والملفان الايراني والسوري على وجه التحديد، او خوض حرب اقليمية بالنيابة على ارض سورية، وهجوم على ايران لتدمير منشآتها النووية.

‘ ‘ ‘

الامر شبه المؤكد ان الازمة السورية مرشحة لتطورات اكبر في الايام المقبلة، بعد الهجوم الاسرائيلي على ما قيل انها مخازن صواريخ كانت مرسلة من ايران الى حزب الله (فاتح 110) في لبنان عبر سورية. فالزيارة الخاطفة التي قام بها السيد علي اكبر صالحي وزير خارجية ايران الى دمشق ولقاؤه مع الرئيس الاسد كشفا عن دعم ايراني كامل للاخير في مواجهة اسرائيل.

الرئيس الاسد اكد في اللقاء على فتح جبهة الجولان امام جميع اعمال المقاومة للاحتلال الاسرائيلي، كأول خطوة على طريق الانتقام من الهجوم الاسرائيلي المذكور.

الفلتان الامني، او بالاحرى فوضى السلاح، هو الخطر الاكبر الذي يهدد اسرائيل ويزعزع استقرارها، ويبدو ان سورية ستصبح في الايام او الاسابيع المقبلة ‘قاعدة’ لاعمال مسلحة تستهدف الاحتلال الاسرائيلي ومواقعه في هضبة الجولان، وربما مناطق اخرى فلسطينية محتلة.

الغارتان الاسرائيليتان الاخيرتان على سورية كانتا بمثابة اللعب بالنار، ومن المؤكد ان من يلعب بالنار ستحترق اصابعه ان آجلا او عاجلا. واسرائيل قد تكون فتحت على نفسها عشّ دبابير دون ان تدري وعليها ان تتحمل العواقب.

القيادة الاسرائيلية هي اكثر الاطراف قلقا وخوفا في المنطقة، وغاراتها هذه دليل ضعف وارتباك وتخبط، بدليل محاولاتها ادعاء الحياد في الأزمة السورية، وايصال رسائل مفادها ان هذه الغارة الاخيرة كانت مقتصرة على ضرب صواريخ في طريقها الى حزب الله.

اي سذاجة هذه، فحزب الله هو الحليف الأوثق للنظام السوري، والذراع الضاربة لايران، ومحاولة التفريق بينه وبين الاثنين او احدهما، هو مغالطة للحقيقة وكذب على النفس.

‘ ‘ ‘

الصواريخ الحديثة، سواء تلك التي في حوزة حزب الله، او الاخرى التي قد تكون وقعت، او ستقع، في ايدي الجماعات الجهادية، ستطلق على الاهداف الاسرائيلية في فلسطين المحتلة في نهاية المطاف. فقد يكون هناك خلاف على النظام السوري وشرعيته، ولكن هناك اتفاقا على العداء لاسرائيل، ألم ينقلب المجاهدون الافغان على الحليف الامريكي الذي سلّحهم ودرّبهم ضد الوجود العسكري السوفييتي في بلادهم؟

نختلف مع القيادة الفلسطينية في رام الله التي قالت، في بادرة احتجاجية، على اعلان الرئيس الاسد فتح جبهة الجولان، بأن المقاومة لا تتم ‘بكبسة زر’، ونقول ان فتح هذه الجبهة بقرار من الاسد او عدمه سيدفع المئات، وربما الآلاف من الفلسطينيين والعرب في سورية ولبنان والاردن للعودة الى السلاح لمواجهة الاحتلال في اي جبهة تفتح لهم. فما يمنع المقاومة انطلاقا من اراضي السلطة، مثلما كان عليه الحال في السابق، هو قوات الامن الفلسطينية وتنسيقها الامني مع اسرائيل.

الساحة السورية باتت مفتوحة على كل الاحتمالات، ومن يعتقد انه يستطيع ان يتنبأ بدقة بما يمكن ان يحدث، والمدى الذي يمكن ان تتطور اليه الاوضاع على الارض، او في المنطقة، يخادع نفسه.

القدس العربي

بداية محادثات سورية

ديفيد إغناتيوس

لم يكن ينبغي أن يكون الأمر على هذه الدرجة من الصعوبة، لكن وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، تمكن أخيرا من إقناع روسيا بالعودة إلى خطة السلام بشأن سوريا التي دعمتها مبدئيا خلال يونيو (حزيران) الماضي. لا يمثل هذا انفراجة، لكنه على الأقل بداية. ويبدو أن ما أدركته كل من الولايات المتحدة وروسيا هو أن انتقال السلطة، الذي يتم التفاوض عليه، في سوريا أفضل من القتال حتى الموت الذي من شأنه أن يزعزع الاستقرار في المنطقة. إن هذا لقرار حكيم، لكن ليس من الواضح ما إذا كان سيحظى بقبول العلويين، الذين يدعمون الرئيس بشار الأسد، والجهاديين السُنة الذين يمثلون العمود الفقري للمعارضة. ويقضي الاتفاق، الذي تحدث عنه أحد المسؤولين الأميركيين، بتنحي الأسد في إطار عملية سياسية بمجرد تشكيل كيان حكم انتقالي. وبكلمات أخرى، تجعل الولايات المتحدة رحيل الأسد ثمرة هذه العملية بدلا من أن يكون شرطا مسبقا. وبدعمهم الخطة علنا، يتعهد الروس فعليا بحشد الدعم للقادة في الحكومة السورية التي ستكون جزءا من المرحلة الانتقالية بعد الأسد.

ووصف كيري الهدف المشترك على هذا النحو بينما يقف بجوار نظيره الروسي سيرغي لافروف. وقال: «لقد أكدنا التزامنا بتسوية يتم التفاوض عليها باعتبارها الوسيلة الرئيسة لوقف إراقة الدماء». مع ذلك ما الذي ستفعله الولايات المتحدة وروسيا من أجل الوفاء بهذا الوعد؟ هل ستسمح الولايات المتحدة لإيران بحضور مؤتمر السلام الدولي كما ستحثها روسيا على الأرجح؟ الموقف الأميركي الرسمي هو أن إيران لا ينبغي لها حضور المؤتمر. وتخميني هو أن الرئيس أوباما قد يبدي مرونة إذا اعتقد أن الدور الإيراني سوف يثمر تسوية مستديمة للتوترات الإقليمية.

هل سيضغط الروس على الأسد والإيرانيين لتقبل الأمر الواقع، وهو أن الأسد انتهى؟ قال لافروف يوم الثلاثاء من دون إفصاح: «نحن غير معنيين بمصير أشخاص بعينهم»! وتحدث لافروف مع وزير الخارجية السوري، وليد المعلم، الذي يتبنى نهجا عمليا ويصلح لأن يكون طرفا فاعلا في المرحلة الانتقالية. مع ذلك من المشكوك فيه أن يحظى المعلم، أو أي شخص آخر تقبله المعارضة، بموافقة المتشددين داخل النظام. وتراهن خطة السلام، مثل الكثير من الخطط الأخرى المتعلقة بالشرق الأوسط، على فوز المعتدلين. مع الطابع المأساوي المعتاد، ثبت أن هذا الأمل ليس في محله. لإحراز النجاح هذه المرة، على الولايات المتحدة وروسيا دعم بعض القوى الإقليمية أو الدولية التي تستطيع التدخل بين الأطراف المتصارعة بعد بداية المرحلة الانتقالية للحد من عمليات القتل.

أخيرا بدأ فصيل ثوري معتدل في الظهور تحت قيادة العميد سالم إدريس، رئيس مجلس القيادة العسكرية المشتركة العليا. إنه يتولى المسؤولية، حيث يبعد قواته عن تنفيذ هجمات انتقامية بعد مذابح السُنة التي وقعت الأسبوع الماضي في القرى الساحلية. كذلك عرض إدريس التفاوض مع النظام ومقابلة الروس وحماية العلويين وتسليم الأسلحة الكيماوية. التحدي الذي يواجهه إدريس هو إثبات قدرته على دعم هذه المناصب الحساسة بقوة عسكرية كافية تمكن قواته المعتدلة، لا الجهاديين، من تحقيق توازن القوى بين الثوار. وتعتمد قدرة إدريس على تقديم هذه البنية من القيادة والسيطرة بدورها على التزام من قبل قطر وتركيا وغيرهما بتقديم مساعدة للثوار من خلاله هو لا من خلال الجهاديين. وهنا سيكون الضغط الأميركي الدبلوماسي مهما وحيويا. ربما توسع الولايات المتحدة، في سبيل دعم إدريس، نطاق المساعدات غير القتالية والتدريب بحيث يشمل تقديم الأسلحة حتى إذا ظل أملها الحقيقي يتمثل في اتفاق سلام يتم التفاوض عليه بدعم روسي.

بالنسبة إلى روسيا، يمثل إنهاء الأزمة السورية اختبارا لمدى إخلاص وتأثير الرئيس فلاديمير بوتين. لقد ترفع عن التفاصيل وتركها للافروف يوم الثلاثاء بعد أن ترك كيري ينتظر لمدة ثلاث ساعات. قد يثير هذا التعالي إعجاب الروس، لكنه لن ينجز المهمة المطلوبة الخاصة بسوريا. إذا فهم بوتين أخيرا أن روسيا ربما تكون الطرف الأكثر تضررا من إلغاء حدود اتفاقية «سايكس – بيكو» التي أبرمت عام 1916 بشأن الشرق الأوسط، سيبذل كل طاقته السياسية الشخصية من أجل إنجاح هذا الاتفاق بدلا من إيكال الأمر إلى لافروف.

مع الأسف، للمتطرفين دور في هذه العملية أيضا. ويمكن أن يصعد المتشددون في معسكر الأسد باستخدام الأسلحة الكيماوية أملا في إشعال نيران إقليمية. ويمكن أن ينتقم الجهاديون السنة من العلويين لما فعلوه في الماضي، لكن يمكن أيضا أن يفشلوا أي اتفاق للسلام. ويمكن أن يرى حزب الله وإيران أن مصالحهما ستتضرر إذا تمت الإطاحة بالأسد مما يدفعهما إلى إشعال الوضع في سوريا والمخاطرة بكل ما لديهما أملا في تحقيق النتيجة المرجوة. ويمكن لإسرائيل الاستمرار في شن الهجمات مما يستتبع ردا من جانب العرب. صحيح أن هناك الكثير من الأسباب التي قد تؤدي إلى فشل مبادرة السلام المذكورة، لكنها على الأقل قد بدأت.

* خدمة «واشنطن بوست»

الشرق الأوسط

محادثات كيري في موسكو

                                            منير شفيق

قبل سنة، وفي مثل هذه الأيام من ربيع 2012، شنت الإدارة الأميركية حملة إعلامية وسياسية شرسة على فلاديمير بوتين وحزبه. فمن جهة راحت تشكك في نتائج انتخابات الدوما (البرلمان) التي فاز بها حزب بوتين، واتهمته المعارضة والمنظمات الحقوقية الموالية لأميركا والصهيونية بتزوير الانتخابات.

ومن جهة أخرى راحت تُهيئ للتشكيك في الانتخابات الرئاسية التي ترشّح لها بوتين. وبالفعل حوّلت التشكيك إلى اتهام بعد نجاحه. فأخذت إدارة أوباما تحرّض، بصورة غير مباشرة، وأحياناً شبه مباشرة، على الانتفاضة. وكانت المعارضة قد نزلت إلى الشوارع على أمل أن تتحوّل مظاهراتها المحدودة العدد إلى ربيع روسي يطيح ببوتين وبالدوما الجديدة، وما سينجم من مرحلة جديدة بروسيا في عهد بوتين العائد إلى الكرملين.

سرّبت في تلك المرحلة معلومات لا تُعطي فلاديمير بوتين أكثر من أربعة أشهر للصمود. واعتبرت سقوطه حتمياً أمام ثورة شعبية حتمية. ولكن الوقائع الروسية الشعبية، ومؤسسات الدولة، وما يمتلكه بوتين من قدرة على مواجهة التآمر المخابراتي والإعلامي، أثبتت أن كل ما أمِلَت به الإدارة الأميركية، ومن يرقصون على ألحانها، يقوم على أوهامٍ وتقديرٍ خاطئٍ للموقف. فبوتين على مستوى الداخل الروسي أقوى من أن تُطيحَ به أميركا. في حين أن إدارة أوباما أضعف من أن تحوّل تلك الحملة إلى سياسة عدائية دائمة ضدّ روسيا.

بل أثبتت وقائع السنة الماضية أن بوتين صعد بروسيا إلى مستوى دولة كبرى قادرة على تحدّي أميركا وانتزاع زمام المبادرة السياسية الدولية منها. وهذا ما أكدته روسيا في عدد من القضايا والأزمات المشتعلة، ولا سيما على مستوى سوريا، أو كوريا، أو إيران، أو العلاقات بالصين.

وفي المقابل أثبتت وقائع السنة الماضية أن إدارة أوباما هبطت بالولايات المتحدة دركاً آخر من دركات التراجع وفقدان زمام المبادرة في التأثير في جملة من القضايا الدولية والإقليمية العاصفة.

الأمر الذي أثبت بدوره أن الحملة العدائية التي شنتها إدارة أوباما ضدّ بوتين قبل سنة قامت على أوهام وسوء تقدير للموقف، بل ارتدّت عليها ضعفاً، وعلى بوتين وروسيا قوّة. بل ربما كانت حافزاً لبوتين أن يدافع، بشراسة، في وجه حملة وضعت الفأس في الرأس عندما راحت تحرّض على الثورة ضدّه. وذلك في محاولة لإعادة روسيا إلى عهد يلتسين والهبوط بها إلى دولة من الدرجة الرابعة.

الذين فوجئوا بالفيتو الروسي والصيني في مجلس الأمن قبل سنة في الموضوع السوري لم يلحظوا أن دافعه الأول كان الردّ على إدارة أوباما حين بلغ بها الأمر إلى السعي لإطاحة بوتين وما يمثله بالنسبة إلى روسيا ومستقبلها.

ثم أخذت موازين القوى العالمية والإقليمية في أكثر من منطقة في كرتنا الأرضية تؤكد أن أميركا آخذة بالتراجع ويمكن لروسيا والصين ولعدد من الدول، بل الثورات والمقاومات والممانعات، أن تنتقل إلى الهجوم. وهذا ما هو حادثٌ الآن.

فالكثيرون من المحللين السياسيين الذين كانوا يبالغون بقوّة أميركا بدؤوا الآن يتحدثون عن وضع عالمي جديد لم تَعُد فيه أميركا اللاعب الأول، كما بدؤوا يحسبون حساباً لدور روسيا خاصة ولمتحدّي أميركا عموماً.

من هنا يجب أن يُقرَأ اللقاء الأميركي الروسي بين وزير الخارجية الأميركي جون كيري والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، كذلك المعاني التي حملها المؤتمر الصحفي، بعد المحادثات المذكورة، ما بين وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف وجون كيري.

بداية يجب أن يُلحظ أن إدارة أوباما بذلت جهوداً حثيثة (وقبلت كما يبدو بشروط روسيا) لكي يقبل بوتين أن يترّأس وفد المفاوضات التي قابله فيها جون كيري بوصفه حاملاً لرسالة من أوباما، إلى جانب صفته الدبلوماسية.

هذا من حيث الشكل أولاً، ولكن من حيث المضمون فقد بدا من الواضح أن إدارة أوباما دخلت في مرحلة جديدة تحاول من خلالها استرضاء روسيا وكسب ودّ بوتين، وقد بالغ جون كيري بمديحه له في أثناء المؤتمر الصحفي، مما شكل ضربة كبرى لمعارضة روسية راهنت على أميركا كذلك.

إذا كانت المحادثات، التي دامت يوماً طويلاً على وصف جون كيري لها، قد تناولت بالضرورة قضايا كثيرة، فإن ما ظهر من تلك القضايا في المؤتمر الصحفي ليس أكثر من رأس جبل الثلج الغاطس في البحر، ولكنه يُظهر ملامح بدايات جديدة للتفاهم والتعاون بين الدولتين.

وذلك مما يمكن أن يُقرَأ من خلال ما بدا من تفاهم أميركي روسي في معالجة الموضوع السوري. وقد وصل إلى حدّ الانتقال بالدعوة المشتركة لمؤتمر دولي يُعقد آخر الشهر الجاري بهدف إيجاد تسوية سورية، وذلك استناداً إلى مبادئ اتفاق جنيف التي وضعت على الرف لعدة أشهر، وبان اختلاف روسي أميركي في تأويلها. أما الآن فقد دخل ما كان خلافاً ليصبح توافقاً أو شبه توافق على موضوع مبادئ التسوية للأزمة السورية.

الاستنتاج السريع، وشبه المؤكد، هو أن التراجع في الموقف هنا جاء من الجانب الأميركي. وكان ذلك ثمناً من الأثمان التي دفعتها إدارة أوباما لتحسين علاقاتها بروسيا، وليس نزع فتيل التوتر بينهما فقط.

جرت مع بداية المؤتمر الصحفي الذي عقد بين وزيري خارجية البلدين لافروف وكيري، حادثتان خارجتان عن السياق والعادة. الأولى انشغال كيري بقراءة رسالة مستعجلة وصلته على هاتفه النقال (من أوباما بالتأكيد)، مما أخّرَ بداية كلمة لافروف الذي ترك مكانه باتجاه كيري الذي انشغل بهاتفه كأنه تحوّل إلى عقرب بين يديه.

ثم تبين أن الأمر لا يحتاج إلى قلق لافروف الذي بدأ بمقدمته لافتتاح المؤتمر الصحفي. وجاءت الحادثة الثانية المفاجئة بانتقال كيري من مكانه ليقترب من أذن لافروف ويهمس بها لثوان عدة، بدا فيها لافروف شبه مندهش ثم ابتسم ليُكمل كلامه ويعود كيري لمكانه.

طبعاً لم يعرف الحضور والمشاهدون ماذا همس كيري في أذن لافروف، وبصورة متعجلة وخارجة عن اللياقة، أو تقاليد مثل هذه المؤتمرات المشتركة.

لعل الاستنتاج الممكن هنا هو أن كيري طلب منه ألاّ يتحدث في موضوع اتفقا عليه قبل الدخول إلى المؤتمر الصحفي. وهذا يبدو ما جاء بالرسالة المستعجلة التي جاءت على هاتفه. لأن البيت الأبيض يكون قد أُشعِر بما سيقال في المؤتمر الصحفي المشترك، فأراد أن يحذف نقطة تحفظَ عنها البيت الأبيض، أو اقترح تأجيل البتّ فيها، وكان كيري قد وافق عليها في أثناء المحادثات.

إن المشهد الذي تمثله محادثات موسكو ونتائجها المُعبّر عنها في المؤتمر الصحفي، إذا ما قورن بمشهد العلاقات الأميركية بروسيا قبل سنة، يوم شنت إدارة أوباما هجومها لإسقاط بوتين، يجب أن يُعطي الانطباع بأن أميركا نزلت على ركبتيها أمام روسيا، معترفة ببوتين، ومتراجعة عن التشكيك في شرعيته الانتخابية، وقد قبلت التعامل مع روسيا نداً دولياً شريكاً، على الأقل، بالنسبة إلى اللحظة الراهنة وأيضا بالنسبة إلى الموضوع السوري.

طبعاً يجب أن يُنظر إلى هذا الجديد الطارئ في العلاقات الدولية باعتباره بداية من جهة، وضرورة ملاحظته إن كان اتجاهاً قابلاً للاستقرار والاستدامة من جهة أخرى. والأغلب يجب التّأني إزاء استمراريته وديمومته ليشمل كثيراً من القضايا المختلف عليها.

فنحن أمام شبه انقلاب في الإستراتيجية الأميركية إزاء روسيا إذا ما عبرت المحادثات الراهنة عن اتجاه جديد سوف يتطور على القواعد نفسها، وليست مجرد معالجة أزمة تراجع تعاني منها السياسة الأميركية مؤقتاً.

ثمة مسألة خلافية كبرى بين الدولتين لا بد من أن يكون قد تم التطرق إليها من دون الاقتراب من بداية تفاهم حولها. وهي المتعلقة بالموقف الروسي من الصين. وهي ما لم يُشَر إليها من قريب أو بعيد في المؤتمر الصحفي. بل هي التي ستكون المقرّر لمستقبل العلاقات الأميركية بروسيا.

إذا كانت أميركا، كما أُعلِن منذ عدة أشهر، ستجعل من المحيط الهادئ أولويتها الإستراتيجية، أي ستركز على محاصرة الصين أو احتوائها، فإنها ستحاول تفكيك التحالف الروسي الصيني الراهن، أو في الأصح التعاون الروسي الصيني الوثيق الراهن. وذلك في محاولة لتحييد روسيا إن لم يكن التحالف معها ضد الصين.

هذا التقدير للموقف ليس خيالياً إذا كانت أميركا سوف تجعل بالفعل أولويتها الإستراتيجية احتواء الصين. أما إذا كانت هذه الأولوية لم تُقرّر بعد بشكل نهائي وحاسم فعندئذ يمكن لروسيا أن تحافظ على علاقات متينة مع الصين وتتفاهم مع أميركا على عدد من القضايا، كما عبّرت عن ذلك محادثات موسكو الأخيرة بين الطرفين.

إن كل من يتعامل مع السياسات الأميركية في هذه المرحلة عليه أن يكون حذراً بسبب ارتباكها وعدم استقرارها على أولويات إستراتيجية تحظى بإجماع قوي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة الأميركية.

فخلال الشهرين الماضيين غيّرت أميركا موقفها مرتين من روسيا، مثلاً، قبل شهر أصدرت قراراً بمعاقبة 18 موظفاً أمنياً روسياً كبيراً ثم راحت تهدّئ من الأزمة أمام غضب بوتين الذي أصدر قراراً موازياً وبنفس المستوى على 18 موظفاً أمنياً أميركياً، وبالتهمة نفسها. والآن انتقلت من خلال محادثات موسكو من مستوى التهدئة لأزمة إلى مستوى فتح باب عريض للتودّد والتفاهم.

هذا ما يقتضي الحذر وعدم إصدار أحكام قاطعة. وذلك على الضد مما كان عليه الوضع مثلاً في مرحلة الحرب الباردة، أو في مرحلة المحافظين الجدد الذين كشفوا عن إستراتيجية مُحدّدة المعالم.

الجزيرة نت

هل اتفق الروس والأمريكان على حل لسورية؟!

يوسف الكويليت

اللقاء الأمريكي – الروسي، هل يكشف عن اتفاق مبدئي لحل المشكلة السورية؟ ولماذا أصبحت الخلافات خارج حسابات البلدين، وهل التدقيق في واقع التطورات داخل الفصائل التي تحارب نظام الأسد، سببٌ دفعَ الدولتين لمخاوف من بروز جبهة النصرة التي بايعت زعيم القاعدة، وليكون عنصر الاتفاق حتى لا تكون سورية ما بعد الأسد، حاضنة لتيارات إسلامية متشددة تؤثر في أمن الدول المجاورة لها؟

ففرنسا، وإنجلترا، ودول أخرى كانت ترغب في دعم الجيش الحر بقوات قد تحسم أمر الثورة لصالحها، غير أن إعلان جبهة النصرة أوقف أي دعم، وقد تكون أمريكا اقتنعت بدور مشترك مع روسيا لحلول تفرض على الجانبين، خشية تطورات سلبية أكبر تؤدي إلى انتشار للسلاح الكيماوي بين طرفيْ الصراع، ما أجبرهما على العودة إلى اتفاق جنيف ليكون قاعدة التفاهم، لكن ماذا عن مواقف كلّ من تركيا وإيران وإسرائيل كقوى فاعلة في الداخل السوري، وتتأثر بأي تطورات سلبية تحدث في سورية؟

روسيا أعلنت دعمها بدون تحفظ وأرست بوارجها في موانئ سورية، وتصر على بقاء الأسد مهما كانت النتائج، في الوقت الذي ترفض فيه المعارضة هذا الشرط، لكنها غير موحدة الرأي، حيث الانقسامات واضحة بين مختلف التيارات والتي لا يوحدها إلاّ إزالة النظام، لكن في حال عدم قبولها التسويات المطروحة، وبقيت الأمور تتجه للتصعيد، من سيحسم الأمر هل يتم تشكيل قوة دولية معززة من روسيا وأمريكا لتكون عازلاً بين المتحاربين، أم يصبح التدخل العسكري أمراً ضرورياً، وهنا هل تضمن هذه القوة أن لا تكون عرضة لرد فعل يُدخلها في حرب مع طرفيْ النزاع؟

روسيا مدعومة بإيران وحزب الله اللذين يشاركانها في الوقوف بصف الأسد، يدركون أن غياب أمريكا وحلفائها، لا يعني فقدانها الوسيلة الضاغطة عسكرياً وسياسياً إذ إن تركيا، وإسرائيل ودولاً عربية عديدة تساندها، وبالتالي فالمعادلة تبقى لصالحها متى ما أرادت أن تسجل موقفاً عملياً، وقد ينحصر الموقف في حل تلقائي، لا يضيع على روسيا مطالبها، ولا يدفع بأمريكا لأن تكون خصماً كما جرى في مساندتها الأفغان ضد السوفيات، أو دعم السوفيات والصينيين لفيتنام، فالمعركة في سورية خارج القطبية القديمة، وبعيدة عن الأيدلوجيات التي قسمت العالم بين طرفيْ القوة الثنائية..

قد يكون هناك تنازلات لاحتواء القضية أو تدويلها، ورغم ذلك فإن سورية تبقى مهمة استراتيجياً للروس والأمريكان معاً، ولا يريدان حروباً بالنيابة تدخل فيها أطراف عربية أو إقليمية، ولذلك فالروس قادرون على إقناع إيران والعراق بجدوى الحل السلمي، وهناك تطابق في وجهات النظر حتى في دخولهم شراكة في المعارك الدائرة..

وأمريكا تفهم كيف تحتوي مواقف إسرائيل وتركيا ولبنان، والأردن حتى لو لم يكن لهذه الدول الدور المباشر في التعقيدات الداخلية السورية..

دول الربيع الغارقة بهمومها، أو الدول المحايدة في النزاع السوري، أو الداعمة للمعارضة لا تملك التصور الشامل لأن يكون لها دور فاعل والدليل أن المندوبين والجامعة العربية لم يؤثرا في سير المعارك، بل هناك رفض لأي مشروع قدم للسلطة والمعارضة، وهو ما أضعف دورهما إلى حد الفشل..

الرياض

سنة إضافية للدم.. أم للحل؟

راجح الخوري

لم يكن جون كيري في حاجة إلى الوشوشة والحركات الاستعراضية خلال مؤتمره الصحافي مع سيرغي لافروف، على الأقل لأن فلاديمير بوتين وضعه في الانتظار ثلاث ساعات قبل أن يستقبله، ربما ليؤكد أن روسيا بدأت تطل أخيرا ومن البوابة السورية، على استعادة حقبة «الاستقطاب الثنائي»!

أهم من ذلك أن كيري بدا في النهاية كمن يستسلم للمنطق الروسي في تفسير «إعلان جنيف»، وتحديدا لجهة موقع الرئيس بشار الأسد في مرحلة الانتقال السياسي، وهي النقطة التي أعاقت تطبيق الاتفاق، فقد كان واضحا منذ يونيو (حزيران) الماضي أن الخلاف يقوم على موعد خروج الأسد من السلطة وهل يتم قبل تشكيل الحكومة الانتقالية أم بعد أن ينهي ولايته.

منذ ذلك الحين حتى اليوم تضافرت مجموعة من العناصر التي باتت الآن في نظر الأميركيين والروس، تساعد على تجاوز عقدة خروج الأسد، بمعنى أن ولايته تنتهي في منتصف سنة 2014 وأننا الآن في الشهر الخامس من سنة 2013 وتبقى سنة حتى ذلك الموعد، وهكذا تقول تقارير دبلوماسية عليا وصلت إلى بيروت إن واشنطن وموسكو بحثتا عشية لقاءات باراك أوباما مع عدد من المسؤولين من المنطقة النظرية التي تقول:

حتى لو اتفقنا اليوم على الانتقال السياسي فإن الترتيبات الضرورية لحصول هذا الأمر ستستغرق أكثر من 12 شهرا، فلماذا لا نتفاهم على مخرج يلائم الجميع ويقوم على معادلة «تضمن» في شكل قاطع وملزم خروج بشار الأسد وبدء عملية انتقال سياسي على قاعدة أن لا يسقط في الميدان كما يؤكد مسار القتال الآن، لكنه لن يبقى في السلطة كما يفرض منطق الحلول، بمعنى وقف النار والتفاهم على تركه ينهي ولايته مع ضمان أن لا يخوض الانتخابات في السنة المقبلة.

ولأن الصورة الآن توحي بنوع من الاستسلام الأميركي للمنطق الروسي سارع أوباما إلى التوضيح: «إن موقف الولايات المتحدة لم يتغير لجهة فقدان الأسد شرعيته نحن مع ضمان خروجه وبدء عملية انتقالية»، ولكن قياسا بحجم المأساة وبالتدخل الإيراني السافر من يضمن أن تكون سنة الحل وخروج الأسد لا سنة إضافية للدم والمآسي؟!

توضيح أوباما يمكن عطفه على قول لافروف إن موسكو ترفض وضع شروط مسبقة للحوار مثل ضرورة تنحي الأسد لكنها غير مهتمة بمصير «أشخاص معينين» وكذلك يمكن عطفه على قول كيري إن إعلان جنيف يجب أن لا يكون ورقة بسيطة ودبلوماسية ولا معنى لها بل يجب أن يمهد الطريق إلى سوريا جديدة لا مكان فيها للمجازر، أمام كل هذا يبدو وكأن هناك ملامح صفقة أولية بين البلدين تنتظر موعدين مهمين؛ الأول هو المؤتمر الدولي الذي اقترحه كيري ولافروف لتطوير «إعلان جنيف» الذي سيعقد آخر الشهر، والثاني هو اللقاء الذي سيحصل بين أوباما وبوتين في لندن الشهر المقبل، والذي قد يدعو إلى وضع خريطة طريق لتنفيذ الاتفاق!

ولكن هل يكفي أن تتفق واشنطن وموسكو على إحياء «إعلان جنيف» ليبدأ الحل، وخصوصا إذا تذكرنا الحجم الأسطوري للقتل والتدمير والمذابح الجماعية المتنقلة التي ينفذها النظام مدعوما من حلفائه الإيرانيين وحزب الله، وهل يستطيع كيري أن يلبي طلب لافروف فيقنع المعارضة بالجلوس إلى الطاولة مع الأسد فيما يشبه وضع القاتل والقتيل وجها لوجه؟ ليس بالضرورة، فها هو الائتلاف يعلن الترحيب بكل الجهود الدولية التي تدعو إلى حل سلمي يحقق تطلعات الشعب السوري وآماله لكن شرط أن يبدأ برحيل الأسد وأركان نظامه، بما يعني استمرار الخلاف على موعد خروج الأسد.

طبعا تستطيع أميركا أن تمارس ضغوطا على المعارضة بتجفيف منابع تسليحها ودعمها، وتستطيع روسيا أن تمارس ضغطا على الأسد ترجمة للقول بأنها غير معنية بمصير «أشخاص معينين» لكن كل ذلك ليس أكثر من «خطوة أولى مهمة» كما يقول الأخضر الإبراهيمي، الذي يرى أن من المهم أن تحصل تعبئة في المنطقة بمجملها لدعم هذه العملية.

يمكن الافتراض أن رياح التعبئة بدأت بعد لقاء كيري ولافروف والدليل الهبوط الإيراني المفاجئ في عمان حيث وصل علي أكبر صالحي حاملا رسالة من محمود أحمدي نجاد إلى الملك عبد الله الثاني ومستطلعا ما يجري في الكواليس من نده ناصر جودة الخبير في النبض الأميركي الذي قال كلاما مفاجئا: «يجب أن نكون جميعا جزءا من الحل في هذا الإطار وهناك جهود تبذل واجتماعات مكثفة تجري»، بما يوحي أن موضوع الانتقال السياسي في سوريا قد يحتاج إلى سنة وهي المدة المتبقية للأسد.

الشرق الأوسط

هل يتم الاتفاق الأميركي الروسي على سورية؟

رندة تقي الدين

بإمكان لقاء جون كيري امس بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يؤدي إلى تغيير في إدارة الأزمة السورية من الأسرة الدولية التي حتى الآن لم تنجح بأي تحرك من أجل المساعدة الفعلية للثورة السورية وللانتقال السياسي الحقيقي في سورية مع رحيل بشار الأسد. مما لا شك فيه أن باراك اوباما لا يريد التدخل العسكري في سورية. وهذا الأمر واضح خصوصاً بوضع اوباما خطوط حمراً للنظام السوري من دون أي تنفيذ لها ولا أي مضمون فعلي لكلامه، فطالما أن الحل السياسي للحرب في سورية بين النظام الوحشي والثوار غير متوقع، سيستمر القتال وتتجدد المجازر ويكثر الإرهاب والعالم يتفرج. ولكن الاتفاق الأميركي الروسي قد يغير الأمور إذا أعطت الولايات المتحدة روسيا ما يريده فلاديمير بوتين. الرئيس الروسي بحاجة إلى ضمانة انه لن يكون هناك نظام إسلامي جهادي في سورية بعد بشار الأسد. فبوتين يتخوف من امتداد الإسلام الجهادي الى جمهوريات جنوب روسيا في القوقاز. ثم إن بوتين (وقد يكون هذا اهتماماً أولوياً له) يريد ضمانة أن أي دولة من الدول الغربية الثلاث الدائمة العضوية في مجلس الأمن لن تتدخل يوماً في شؤون روسيا الداخلية وتقدم مساعدة لمعارضة محتملة لبوتين، فبوتين متعلق بالسلطة وقد اظهر ذلك في لعبته بالديموقراطية عندما تناوب على السلطة مع رئيس حكومته ميدفيديف. بوتين لم يترك الحكم. حتى عندما شغل منصب رئيس الحكومة كانت السلطة معه. إن بوتين عازم على البقاء في السلطة، وهو لا يريد أي معارضة تطالب بإبعاده عنها بعد فترة، فهو يظهر لرأيه العام أيضاً أنه يصمد أمام الولايات المتحدة في القضية السورية.

إن محادثات كيري مع بوتين ستحاول إقناعه بضرورة التعاون مع الولايات المتحدة في البحث في نظام جديد في سورية تكون الدولتان عرابتين له. ولكن المحادثات الأميركية الروسية إن بدأت بين كيري وبوتين ستستأنف بين الرئيسين الروسي والأميركي على هامش قمة الثمانية الشهر المقبل في دبلن. إذا تم الاتفاق بين الرئيسين الأميركي والروسي على ضرورة الانتقال السياسي في سورية عندئذ بإمكان روسيا أن تعد مكاناً للجوء بشار الأسد وعائلته في روسيا. أما إذا بقي بوتين على موقفه المتعنت والداعم لرئيس سورية مع إيران والعراق و «حزب الله»، فعزلة روسيا دولياً ليست لمصلحتها لا الاقتصادية ولا الجيواستراتيجية. إضافة إلى أن استمرار الوضع في سورية على ما هو سيشجع الأطراف الجهادية والإرهابية على التوسع في البلد بفضل نظام يستخدم الصواريخ والأسلحة الثقيلة لقتل شعبه ولا يتحرك عندما تهاجمه إسرائيل.

إن خطورة اندلاع حرب إقليمية عاليةٌ، فرغم أن اسرائيل قالت عبر قادة سابقين في جيشها إنها لا تريد حرباً مع سورية، فهي دائماً تتطلع إلى البلد الهش في المنطقة أي لبنان. وقرار إيران بدفع «حزب الله» إلى مشاركة واسعة في القتال في سورية دفاعاً عن النظام السوري قد يجر لبنان إلى الوقوع مرة جديدة ضحية سياسات «حزب الله» وجره إلى حرب إسرائيلية إيرانية حزب-إلهية على الأرض اللبنانية، لأن إسرائيل غير عازمة على الدخول في حرب مع نظام سوري كان دائماً مناسباً لها. إن الأولوية ينبغي أن تكون للجانبين الأميركي والروسي أن يتفقا على ضرورة حل سياسي من دون الأسد لوقف القتال، فهل يستطيع اوباما أن يقنع بوتين أن من مصلحته أن يراهن على نظام جديد في سورية. هذا ما سيظهر خلال المحادثات الروسية الاميركية التي بدأت في موسكو امس وستستأنف في دبلن الشهر المقبل. ولكن في هذا الوقت سيزداد عدد الضحايا كما عدد اللاجئين السوريين في لبنان والأردن وتركيا والخراب والدمار في سورية مستمر وما زالت الأنظار مركزة على محادثات كيري وأوباما مع بوتين.

الحياة

أوباما بعد أردوغان ينصب «خطاً أحمر» جديداً؟

جورج سمعان

أكد الرئيس باراك أوباما، بتعامله مع التقارير التي تحدثت عن استخدام النظام السوري أسلحة كيماوية، أنه لن يبدل موقفه السابق، ولن يغير «قواعد اللعبة» حتى وإن تجاوز نظام الرئيس بشار الأسد «الخط الأحمر». وعندما يتحدث وأركان إدارته عن وجوب توافر أدلة دامغة أو التثبت من «استخدام ممنهج» لهذا السلاح، فإن هذا يعني إما أن واشنطن لا تملك ما يكفي من الأدلة، ولا تريد تالياً تكرار تجربة العراق حين قرر الرئيس جورج بوش غزوه بحجة تدمير أسلحة الدمار الشامل ولكن تبين لاحقاً أن نظام صدام حسين لم يكن يملك شيئاً منها، أو يعني أنها تتهرب، حتى وإن اضطر الرئيس الأميركي إلى رسم خط أحمر جديد.

لو كان الرئيس أوباما عازماً على التدخل في الأزمة السورية وتنفيذ دعواته المتكررة للنظام بالرحيل، لما كان بحاجة إلى تكبيل سياسته برسم «خط أحمر» لدمشق، فما الفرق بين ضحايا تسقط كل يوم بالرصاص أو الصواريخ أو «البراميل الجوية» أو قذائف الدبابات والراجمات والطائرات، وبين تلك التي تسقط بالسلاح الكيماوي ما دام النظام لجأ إلى كل أسلحته وتجاوز كل الخطوط الحمر؟ ما الفرق بين موت وموت وضحية بهذا السلاح أو ذاك؟ وماذا عن التقارير الدولية التي تتحدث عن المجازر الجماعية، وآخرها مجزرة البيضا؟ كان واضحاً منذ اندلاع الأزمة السورية أن الإدارة الأميركية لن تتدخل، فالرئيس الذي خاض معركته الانتخابية على أساس الانسحاب من العراق ومن ثم أفغانستان لن يكون مستعداً للوقوع في تجربة سلفه وخوض حرب جديدة في الشرق الأوسط الكبير أو الصغير يخشى أن تؤدي إلى إشعال المنطقة برمتها، نظراً إلى ما تمثله سورية من شبكة مصالح إقليمية ودولية معقدة.

لذلك ليس مفاجئاً أن يتحول «الخط الأحمر» الذي رسمه الرئيس أوباما رمادياً غامضاً كما كان موقفه منذ البداية، بل كما كانت سياسته منذ الولاية الأولى إلى اليوم: اعتماد الديبلوماسية «سلاحاً»، والاستعداد لإشراك القوى الدولية في السعي إلى الحلول والتسويات. وأحياناً الوقوف في الصفوف الخلفية ودفع الشركاء أو قوى إقليمية (كما حصل في ليبيا مثلاً) إلى أداء دور كانت القوات الأميركية إلى سنوات خلت هي من يتنطح لتأديته. وإذا كان يحرص على طلب مزيد من الأدلة، أو إذا كان وأركان إدارته يلجأون إلى مقولة أن كل الخيارات مطروحة، فإن الخيار الوحيد غير المطروح هو عدم التدخل، فكيف ستتوافر أدلة كافية إذا كانت دمشق لا ترغب في استقبال لجنة التحقيق الدولية، وإذا كانت روسيا عاجزة عن إقناعها بتسهيل عمل هذه اللجنة، علماً أن الرئيس الأميركي لم يحدد الخطوات التي سيتخذها عندما حذر الرئيس الأسد من «تغيير قواعد اللعبة»، كما أن الحصول على أدلة ليس بالأمر المستحيل حتى من دون لجنة تحقيق دولية.

لا يملك الرئيس أوباما سوى اللجوء إلى هذه الذرائع للرد على الضغوط التي يمارسها المعسكر الجمهوري من أجل التدخل، بتسليح المعارضة أو قصف مواقع للنظام أو إقامة ملاذات آمنة لإيواء اللاجئين وحماية المعارضين وهيئاتهم… بل لعله تراجع إلى خلف الخط الذي رسمه، الأمر الذي يشجع النظام على مواصلة حملته بكل ما يتوافر لديه من سلاح. ألم تمارس إدارته -ولا تزال- السياسة نفسها مع إيران من سنوات، تلويحاً وتهديداً بكل الخيارات المطروحة على الطاولة… فيما المفاعلات النووية تواصل عملها؟

تريثت واشنطن طويلاً، ومثلها فعل شركاؤها الأوروبيون، راهنوا على الوقت لعل مفاجأة ما تبدل ميزان القوى ويحصل التغيير بهزيمة النظام أو بتسوية سياسية توقف حمام الدم. وقفوا خلف المبادرات العاجزة للجامعة العربية، ثم خلف مهمة كوفي أنان، وبعده خلف مهمة الأخضر الإبراهيمي، الذي راهن منذ البداية على إحداث اختراق شبه مستحيل في مواقف القوى الكبرى، فضلاً عن مواقف القوى المتصارعة على الأرض. ترددوا طويلاً تحت شعار الحرص على عدم انهيار الدولة السورية ومؤسساتها، والحرص على مصير الأقليات. وتحت شعار الخوف من تنامي العناصر المتطرفة، مثل «القاعدة» وغيرها، وخوفاً من انزلاق البلاد إلى حرب أهلية طاحنة لن يكون الجيران بمنأى عن لظاها، وستشكل تهديداً لحلفاء الولايات المتحدة ومصالحها في المنطقة… إلى آخر المعزوفة التي استهلكت.

ربما غاب عن أركان الإدارة الأميركية ورئيسها أن الرئيس جورج بوش الابن قرر منذ اليوم الأول لدخوله البيت الأبيض أن ينهج سياسة انكفاء إلى قضايا الداخل بعيداً من القضايا الدولية المستعصية، خصوصاً قضية الشرق الأوسط، وأثارت هذه السياسة

مخاوف شركائه الأوروبيين والدول التي بدأت تتلمس طريقاً جديداً بعد سقوط القبضة السوفياتية. لم يطل الوقت حتى شنت «القاعدة» «غزوتي واشنطن ونيويورك»، فتبددت هذه السياسة، وكان غزو أفغانستان ثم العراق والحروب المفتوحة إلى اليوم في مواجهة الجماعات المتشددة، لذلك يبدو أن لعبة الوقت لم تخدم الأهداف التي جعلت أميركا وأوروبا تترددان، فسورية تتقدم سريعاً نحو حرب مذهبية لا رجعة عنها، وإذا كان النظام يستعين بحلفائه اللبنانيين والإيرانيين في معركة حمص والقصير لتعزيز مشروع «إقليمه» الساحلي وتأمين حلقة وصله بالبقاع اللبناني، فإن خصومه فتحوا له في الأيام الأخيرة معركة الساحل على مصراعيها لضرب مثل هذا المشروع. ولا شك في أن هاتين الجبهتين تعجلان في زج السوريين في أتون حرب مذهبية لا يفيد بعدها الحديث عن تسوية سياسية لا على قاعدة «خطة جنيف» ولا غيرها.

ولعل الجانب الأخطر الذي كانت الإدارة الأميركية تخشاه بدأ يتحقق سريعاً أيضاً، فقد تقاطرت إلى سورية أفواج المتشددين، ولا حاجة إلى الحديث عن «جبهة النصرة» وأدبياتها وشعاراتها وما تشكله من تهديد على هوية الدولة السورية وجيرانها أيضاً. والأخطر أيضاً أن النار السورية فاضت خارج الحدود، فالأزمة السياسية في العراق تكاد تتحول من مواجهة بين الأقاليم السنية وحكومة نوري المالكي إلى مواجهة مذهبية واسعة، وإذا كانت واشنطن نجحت في الضغط على زعيم «دولة القانون» وعلى الأكراد لتبريد الأجواء والسعي إلى حل مع ساحات الاعتصام، فإن هذا النجاح قد لا يعمر في ضوء خطابات التصعيد والتحدي المتبادلة بين الحكومة وخصومها، كما أن دول الخليج لم تسلِّم ولن تسلِّم للجمهورية الإسلامية بالبقاء مطلقة اليدين في بغداد، ولن تسلم لها بترسيخ قواعدها في عدد من الساحات العربية.

ولا يقتصر الخطر على العراق وحده، فلبنان الذي نجح حتى الآن في التقاتل على الساحة السورية دعماً لهذا الطرف أو ذاك، قد لا يصمد طويلاً في امتحان «النأي بالنفس» ويقترب من نقل المعركة إلى الداخل، خصوصاً إذا تعذر قيام حكومة جديدة وإجراء انتخابات برلمانية باتت شبه مستحيلة في ظل هذا الانقسام. ويتقاسم لبنان مع الأردن أفواجاً تتزايد كل يوم من اللاجئين، الذين سيتحولون عاجلاً أم آجلاً قنبلة موقوتة تهدد استقرار البلدين سياسياً وأمنياً واقتصادياً واجتماعياً، وإذا كانت عمان أعلى صوتاً من بيروت في طلب العون ولا أحد يستجيب النداء، فإن لتهديد استقرارها حساباً مختلفاً في سياسات واشنطن وأوروبا، مثلما لها حساب مماثل في سياسات دول مجلس التعاون. وإذا كانت إسرائيل تكتفي بالمراقبة والتدخل بين حين وآخر حتى الآن، فإن تركيا التي أعادت ربط ما انقطع مع الدولة العبرية ونجحت في ترتيب صفقة مع عبد الله أوجلان، تستعد للتعامل مع مستقبل الوضع خارج حدودها الجنوبية، وهي تصرح علناً أنها لن تستقبل مزيداً من اللاجئين في أراضيها.

قد تكون الولايات المتحدة أفادت حتى اليوم من سياسة الانتظار وكسب الوقت، وأفادت من استنزاف نظام الرئيس الأسد وبعض القوى المتشددة، على شاكلة «جبهة النصرة»، ومن إشغال إيران وتهديد وجودها قريباً من المتوسط وزج حليفها «حزب الله» في المعركة لاستنزافه أيضاً، لكن اتساع رقعة المواجهة على مستوى الإقليم لم يعد يهدد سورية وحدها ومستقبلها، بل باتت النار تقترب من ساحات أصدقاء واشنطن ومصالحها، وقد يكون الثمن الذي ستدفعه في هذه الحال أكثر فداحة مما كانت ستقدمه لو خرجت من ترددها باكراً. باتت خياراتها ضيقة ولن ينفع التراجع إلى خط أحمر جديد، كما فعل ويفعل رجب طيب أردوغان! ولن ينفع التدخل العسكري كما لن ينفع الوقوف في الصفوف الخلفية. إذا لم تستعد زمام المبادرة لفرض نهاية لهذه الحرب وفرض التغيير المطلوب، فإن خيارات خصومها بالمواجهة لن تقف عند حدود «حزب الله» وإيران وروسيا، ستصل إلى… بحر الصين وكوريا الشمالية، وسينتظر السوريون إلى ما بعد لقاء باراك أوباما وفلاديمير بوتين الشهر المقبل، وإلى ما بعد نتائج الانتخابات الرئاسية في الجمهورية الإسلامية…

الحياة

سوريا.. هل اتفق الروس والأميركيون؟

طارق الحميد

الإجابة عن السؤال أعلاه هي أنهم لا يزالون في مراحل التفاوض الأولى، فعلى الرغم من كل ما قيل في المؤتمر الصحافي لوزيري خارجية كل من أميركا وروسيا مساء الثلاثاء، فإن عبارة واحدة لخصت فحوى زيارة الوزير الأميركي جون كيري لموسكو، واجتماعه بالرئيس الروسي، وكشفت أنه لا اتفاق واضحا حول سوريا.

أهم ما قاله كيري بالمؤتمر الصحافي، هو أن «لقاء بوتين – أوباما سيحدد مسار الأمور بشأن سوريا» مما يعني أنه لا اتفاق روسيا أميركيا، وإن أعلن الوزيران، الأميركي والروسي، عن إمكانية عقد مؤتمر دولي للأزمة السورية انطلاقا من اتفاق جنيف، وهذا المؤتمر المزعم، أو المؤمل، عقده ليس بالفكرة الجديدة، بل هو مقترح روسي قديم. وعليه فإنه لا شيء حاسما حول الأزمة السورية الآن، وإنما على الجميع الانتظار حتى لقاء أوباما – بوتين. الروس بدورهم قاموا بإرسال رسائل بهذا المعنى، وقبل أن يدلف كيري للقاعة المخصصة للقاء الرئيس فلاديمير بوتين. فبينما كان كيري منتظرا لمدة ثلاث ساعات للقاء بوتين، الذي قيل إنه كان في اجتماع آخر، نقلت وكالة «نوفوستي» الروسية تصريحات لمصادر رسمية روسية في موسكو تقول، إن «الرئيس الروسي ما زال يكتب رده على رسالة بعث بها نظيره الأميركي، باراك أوباما، بشأن الأزمة السورية»، مضيفة أن بوتين عبر عن أمله في لقاء أوباما «في أقرب وقت»!

وهذا يقول لنا بوضوح، إنه لا اتفاق بين الروس والأميركيين على مخرج للأزمة السورية، بل إنهما ما زالا في مراحل التفاوض الأولية، وكل ما قيل في المؤتمر الصحافي لم يكن إلا لغة دبلوماسية الهدف منها هو ترك الأبواب مفتوحة على كل الاحتمالات انتظارا للقاء الرئيسين. ومن الواضح أن مفاوضات كيري مع الروس بموسكو كانت كما أشرنا بالأمس مفاوضات «محبطين»، فالأميركيون لا يعرفون حتى الآن الثمن الذي تريده موسكو مقابل رأس الأسد، وهاهم الروس يفضلون الانتظار حتى لقاء أوباما – بوتين، وإحباط الروس يتمثل أيضا في تزايد حماقات النظام الأسدي التي تضعهم في موقف محرج، خصوصا استخدام الأسلحة الكيماوية، التي أبدى الروس استعدادا للتحقيق فيها، كما قال وزير خارجيتهم لافروف الذي كان محتقنا بشكل واضح وخصوصا عندما نعت المعارضة بـ«المتطرفين». ومما سيزيد من إحباط واشنطن وموسكو أكثر إعلان رئيس الوزراء البريطاني أمس أن الشكوك حول استخدام الأسد الأسلحة الكيماوية بدأت تنحسر، حيث إن كل المؤشرات تقول إن النظام هو من استخدمها، ومن شأن ذلك إحراج أوباما أكثر، خصوصا مع تزايد الضغوط، الداخلية والخارجية، عليه للقيام بعمل ما بعد أن تجاوز الأسد الخطوط الحمراء التي حددها أوباما بنفسه.

ملخص القول إنه إذا كان هناك من اتفاق روسي أميركي حول سوريا فهو الانتظار حتى لقاء أوباما – بوتين، وعدا عن ذلك فهو عملية شراء وقت وحتى القمة المرتقبة بين الرئيسين.

الشرق الأوسط

 

مؤتمر سورية وصيغة «الحل الوسط»

زهير قصيباتي

أعطى تزامن التحرك الإيراني العاجل في المنطقة مع جولة وزير الخارجية الأميركي جون كيري على روسيا وإيطاليا، إشارات بارزة إلى قلق طهران من دخول الحرب في سورية مرحلة عصيبة، خصوصاً مع طي الغارات الجوية الإسرائيلية حقبة «فض الاشتباك» المديد. والحال أن انتقال وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي إلى دمشق خالي الوفاض إثر مهمة فاشلة في عمّان، بدا على نقيض من الارتياح الأميركي- الروسي إلى ثمرة المحادثات الماراثونية التي أجراها كيري في الكرملين: فالإعلان عن اتفاق لعقد مؤتمر دولي لتسوية الأزمة في سورية لا بد أن ينعكس على فصول الحرب الوحشية، وعلى مصير المعارضة المسلّحة التي تحقق تقدّماً على جبهة ما، وتنفد ذخائرها على جبهات أخرى.

والسؤال بداهة قبل أيام من اكتمال سنة من عمر «بيان جنيف» الذي سقط في حفرة الخلاف الأميركي- الروسي على تفسيره (مصير الرئيس بشار الأسد)، هو كيف ستعبّد واشنطن وموسكو الطريق الى المؤتمر الدولي…؟ وهل يمكن الضغوط الأميركية التي يطالب بها الكرملين، إقناع قوى المعارضة السورية وكتائبها المسلحة بالتفاوض مع حكومة دمشق، فيما البديهي أن الأخيرة لن تفاوض على النظام ولا على رأسه؟

في المقابل، أيمكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يذهب الى قمة الدول الثماني في 17 حزيران (يونيو)، حاملاً إلى الرئيس الأميركي باراك أوباما ورقة «حل وسط»، جوهره بدء المرحلة الانتقالية في سورية باختراع صيغة تمييز بين الحكومة والنظام، وبقاء الأسد شكلياً حتى نهاية ولايته العام المقبل، مع إقناعه بـ «خروج آمن» يتزامن مع انتخابات رئاسية…؟

اختار الوزير كيري بعد جولته في الساحة الحمراء، أن يقر في الكرملين بوجود «مصالح مشتركة مهمة جداً في سورية» للجانبين الأميركي والروسي، ليطمئن بوتين الى أن إنهاء الحرب هناك لن يكون إلا برعاية متوازية، ترسم خطوطها واشنطن وموسكو… وإلى أن تجربة ليبيا لن تتكرر كما وعد أوباما، وكرر الحلف الأطلسي مرات. وإذا كان سيد البيت الأبيض غلّف «الخطوط الحمر» الكيماوية باللون الرمادي في تحذيراته للنظام السوري وتلويحه بورقة التدخل، فالحال أن إسرائيل بغاراتها على مواقع في دمشق نفّذت التدخل، وأثبتت ان الخط الأحمر الوحيد هو مصالحها و «أمنها». ولم يترك أوباما أي هامش لأي التباس بمنحه بنيامين نتانياهو الضوء الأخضر «دفاعاً عن النفس»، ولدرء ما سمّي محاولات لنقل صواريخ متطورة الى «حزب الله» في لبنان.

ضوء أخضر إذاً لضربات «وقائية» إسرائيلية في العمق السوري، في مقابل ضوء أحمر لتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية؟ ربما، والمهم في فصول الحرب السورية هو التوافق الأميركي- الروسي- الإسرائيلي على أنها بدأت تنذر بتداعيات خطيرة على لبنان واستقرار الأردن، واحتمالات تحوّل شظاياها بركاناً في العراق. والتوافق الثلاثي يطاول أيضاً رغبة جماعية في عدم رؤية «جبهة النصرة» و «القاعدة» في الجولان، أو طغيان «الإخوان المسلمين» على أي تركيبة حكم في دمشق قد ترث النظام الحالي.

تُدرك واشنطن وموسكو، رغم تباين رهاناتهما في الحرب، أن النظام الذي يخشى «صفقة الكبار» في ربع الساعة الأخير، ما زال يملك ورقة الكيان العَلَوي، ومعها القدرة على تشتيت المعارضة المسلحة وإنهاكها، كما أثبت بالهجوم المضاد. وتدرك روسيا وأميركا أن الصراع الإقليمي لن يسمح بسحق معارضي الأسد، بالتالي يتغذى العنف بمزيد من التطرف، فيما إسرائيل عاجزة حتى الآن عن الاطمئنان إلى ضمان أمنها وسط بحر من المتغيرات الهائلة في جوارها. رغم ذلك، قد يكون من السذاجة التكهّن بحسم قرار أميركي- روسي بمنع تفكك سورية، بعكس التوافق على منع المتشددين أو حتى الإسلاميين من التفرد بالحكم الجديد… إذا انهار نظام الأسد.

أسقطت إسرائيل اتفاق فض الاشتباك في الجولان، وإذا كان بين المعارضين لنظام الأسد من يرى في التفاهم الأميركي- الروسي مسعىً لإسقاط آخر أحلامهم بإطاحة النظام بالقوة، فالواقع أن طريق المؤتمر الدولي لن تكون مذلّلة فقط بآمال كيري وتمنياته، ولا برغبة بوتين في غرس مواطئ قدم جديدة في المنطقة وبتّ مصيرها.

المشجّع ان موسكو «لا تشجّع» الأسد على البقاء في السلطة، أما هرولة إيران الى الأردن والحليف السوري، فلعلها محاولة بائسة لفرض دور في الحل الدولي. فجزرة المساعدات المالية لاحتواء طوفان اللاجئين والتي أطلّ بها علي أكبر صالحي في عمّان، لم تمنع نظيره الأردني ناصر جودة من إدانة «مهذّبة» للشغب الإيراني في البحرين ومنطقة الخليج. عَرَضَ الأوَّل دوراً في الحل «السوري»، لتفادي إخراج طهران من «لعبة» النفوذ الإقليمي، وحَصَدَ من زيارته الأردن خيبة.

الحياة

لقاءات موسكو أعطت الأسد فرصة للمزيد من المجازر الوحشية!

صالح القلاب

، ولقاءات واجتماعات موسكو الأخيرة كانت فاشلة فشلا ذريعا، وهي لم تحرز أي تقدم ولو بمقدار خطوة واحدة. فروسيا على لسان سيرغي لافروف جددت اعتبار المعارضة السورية مجرد مجموعات متطرفة وإرهابية، وكل هذا والموقف الأميركي، كما اتضح، لا يزال على ما هو عليه من الارتباك والميوعة، وتصريحات الرئيس باراك أوباما التي كانت تصل إلى العاصمة الروسية من وراء المحيطات والتي جدد القول فيها إنه لا يمكن أن يتخذ أي إجراءات فعلية من دون إثباتات، وعلى أساس مجرد «الانطباعات»، زادت الروس تمسكا بمواقفهم البائسة التي أوصلت الأمور إلى ما هي عليه الآن من الانهيار والتردي.

وحتى بالنسبة للاتفاق على عقد مؤتمر دولي نهاية الشهر الحالي لمعالجة الأزمة السورية فإنه جاء من قبيل تجنب رفع الأيدي والاستسلام لليأس، ومن قبيل «الأخذ بخاطر الولايات المتحدة» وعدم إحراجها بإثبات أنها قد وصلت، وهي الدولة التي لا تزال تعتبر نفسها الدولة الأهم والقطب الأوحد في العالم كله، إلى هذا الهوان الذي وصلت إليه في عهد باراك أوباما في مرحلتيه الأولى والثانية.

ما الذي سيستجد من الآن وحتى نهاية الشهر الحالي حتى يعتبر المؤتمر الدولي الذي اتفق الروس والأميركيون على عقده لحل الأزمة السورية المتفاقمة خطوة هائلة وجبارة وتطورا نوعيا يمكن المراهنة عليه ما دام لافروف يواصل الإصرار على أن المعارضين السوريين عبارة عن مجموعات متطرفة وإرهابية، وما دام سيل الأسلحة الروسية يواصل تدفقه إلى نظام بشار الأسد، وأيضا ما دام هذا النظام يواصل ارتكاب أبشع المجازر التي عرفتها البشرية سواء في تاريخها القديم أو في تاريخها الحديث؟!

لم يتغير في الموقف الروسي أي شيء، فالروس يواصلون الإصرار، بالإضافة إلى اعتبار المعارضة السورية مجموعات متطرفة وإرهابية، على أن نظام بشار الأسد هو النظام الشرعي، وهم ما زالوا يتمسكون بأن مقررات مؤتمر جنيف الثاني، الذي اعتبر مرجعية لهذا المؤتمر الذي تقرر في اجتماعات موسكو الأخيرة عقده نهاية الشهر الحالي، لا تمس بالرئيس السوري حتى وإن كانت تتحدث عن مرحلة انتقالية، بل وهم – أي الروس – مستمرون في الإصرار على أن هذا الرئيس من حقه أن يترشح لولاية رئاسية جديدة في انتخابات العام المقبل 2014.

ثم وإن ما يبعث على العجب والتعجب أن الأميركيين يواصلون تحاشي الإشارة، ولو مجرد الإشارة، إلى أن الخلاف الرئيس بينهم وبين الروس هو بالدرجة الأولى على صلاحيات هذه الحكومة الانتقالية التي يجري الحديث عنها، فالروس كانوا قد قالوا، وهم ما زالوا يقولون وحتى في اجتماعات موسكو الأخيرة، إن مسؤولية الأمن والجيش يجب أن تبقى في يد بشار الأسد في هذه المرحلة الانتقالية التي تم الاتفاق عليها، وهذا في حقيقة الأمر يعني أنه لا جديد على الإطلاق، وأنه لم يُحرز في موسكو أي تقدم و«كأنك يا أبو زيد ما غزيت».

وبهذا فإن ما لا يستطيع الأميركيون ولا الروس إنكاره هو أن لقاءات موسكو قد فشلت فشلا ذريعا، وأن الإيحاء بغير ذلك كان من قبيل الدبلوماسية الناعمة وتحاشي إظهار الأميركيين وكأنهم تلقوا صفعة جديدة، وأن لافروف قد حقق انتصارا فعليا على وزير الخارجية الأميركي الذي ظهر أمام «غريمه» الروسي كمجرد تلميذ صغير أمام أستاذه المتعجرف الذي يملي عليه كل ما يريده ولا يملك هذا التلميذ إلا أن يطأطئ رأسه موافقا على كل شيء.

ثم وربما أن ما لم يدركه كيري، الذي جيء به إلى موقع صناعة السياسة الخارجية الأميركية في هذه المرحلة الخطرة على أساس أنه فريد عصره وأن الزمان لم يجد بمثله لا في السابق ولا في اللاحق، هو أنه قد تم اللجوء إلى التلاعب به وبعامل الوقت من أجل إعطاء بشار الأسد المزيد من الوقت لتغيير موازين القوى على الأرض ولارتكاب المزيد من الجرائم المروعة، على غرار مجازر منطقة بانياس الأخيرة، لرسم مستقبل سوريا على أساس الخريطة الطائفية التي يريدها والتي باتت واضحة كل الوضوح إلا لأعمى البصر والبصيرة.

لا يمكن أن يحدث أي شيء من الآن وحتى نهاية الشهر الحالي، حيث من المفترض أن ينعقد المؤتمر الدولي الذي تم الاتفاق عليه كنوع من تحاشي إعلان الفشل، سوى أن بشار الأسد سيواصل قتل الشعب السوري، وسوى أن الروس سيواصلون تزويده بالمزيد من الأسلحة الفتاكة والذخائر المدمرة، وسوى أن الموقف الأميركي سيزداد ميوعة، وسوى أن يبقى باراك أوباما يتخذ هذه المواقف البائسة تجاه أزمة لا يستطيع أي كان إنكار أنها أصبحت أزمة دولية على غرار ما كانت عليه الأمور في زمن صراع المعسكرات والحرب الباردة.

وكل هذا يجعل من المؤكد أن الأميركيين يعرفون، وأن رئيسهم باراك أوباما يعرف، وكذلك وزير خارجيتهم جون كيري، أن كل يوم من أيام مماطلاتهم هذه وأيام ميوعتهم غير المبررة وغير المفهومة، يكلف الشعب السوري المئات من القتلى والجرحى والمشردين والمفقودين والمسجونين ويكلف منطقة الشرق الأوسط، التي تعتبر منطقة مصالح حيوية أميركية، كل ما سيترتب على ما يحرزه الإيرانيون من تغلغل في سوريا وفي العراق وفي العديد من مناطق الخليج العربي وفي اليمن وأيضا في مصر «الإخوانية» التي ما يجعلها تنحاز كل هذا الانحياز إلى إيران أن الولايات المتحدة باتت تتصرف إزاء هذا كله وكأنها دولة مغلوب على أمرها ولا حول لها ولا قوة.

فهل الولايات المتحدة لا تعرف كل هذه الحقائق يا ترى، أم أنها تعرفها وتعرف أكثر وأخطر منها لكنها مع ذلك بقيت تصر كل هذا الإصرار العجيب والغريب على اتخاذ هذه المواقف المائعة وترك دولة بمكانة سوريا وأهميتها الإقليمية والدولية تمزق على هذا النحو وتذهب إلى كل هذه الفوضى بهذه الطريقة، بل وتقع في أيدي الروس والإيرانيين الذين بات من الثابت والمؤكد أنهم يتطلعون إلى ما هو أبعد من هذه المنطقة التي اعترف لافروف وكيري بأنها منطقة مصالح حيوية للروس وللأميركيين على حد سواء وبالمقدار ذاته؟!

وهنا فإن ما على الأميركيين فهمه هو أن الروس والإيرانيين ومعهم الصين وباقي دول ما يسمى مجموعة الـ«بريكس» ودول الاتحاد الأوروبي أيضا عندما يلمسون من باراك أوباما كل هذا التردد، وعندما يسمعونه يقول إنه لا يبني مواقفه على الانطباعات، والمقصود في هذا المجال هو ما يتعلق باستخدام نظام بشار الأسد «المفُرط» للأسلحة الكيماوية والغازات القاتلة، فإنهم يزدادون تسليما بالأمر الواقع، وأنهم وهذا ما حصل، سيتعايشون مع استخدام هذا النظام مع السلاح الكيماوي كما تعايشوا مع استخدامه للطيران والصواريخ الباليستية ضد الشعب السوري والمدن والقرى السورية.

الشرق الأوسط

حل سوري… وتسوية إقليمية؟

    راجح الخوري

لم يكن جون كيري في حاجة الى الوشوشة في أذن سيرغي لافروف والى ضرب الأكف معه بطريقة استعراضية، لكي يوحي بأن “لأميركا وروسيا مصالح مشتركة في سوريا” كما اعلن.

حتى الآن يمكن القول ان هذه المصالح تندرج تحت عنوان واحد هو “الادارة الدولية للمقتلة السورية”، التي قد تستمر على رغم الحديث عن اتفاق موسكو وواشنطن على عقد مؤتمر دولي لتطوير “اعلان جنيف”، بما يسمح بالتوصل الى حل سلمي للازمة السورية التي اوصلت انهر الدماء حتى الى مداخل البيت الابيض، بينما لا يزال باراك اوباما كما قال امس، يبحث عن معالم ذلك “الخط الاحمر” الذي يرفض ان يراه كما تقول مجلة “فورين بوليسي”!

غير ان محادثات كيري في موسكو التي بدأت بما يشبه تعمّد الاستهانة به وببلده لأنه وضع في الانتظار ثلاث ساعات ليقابل فلاديمير بوتين، ربما تأكيداً لعودة “القطب الثاني” الى الساحة الدولية ومن البوابة السورية، هذه المحادثات لم تتقدم خطوة واحدة نحو الاتفاق على تفسير “اعلان جنيف” لا بل زادت الامور تعقيداً، فالحديث عن تقارب بين روسيا واميركا في موضوع تشكيل الحكومة الانتقالية ودورها لن يفضي الى اي نتيجة، بعدما تبين وكأن لافروف أمّن جلوس بشار الاسد الى طاولة التفاوض، رافضاً اي شروط مسبقة للحوار مثل ضرورة تنحيه وهو ما لا يمكن ان تقبل به المعارضة بعد عامين ونصف عام من القتل والتدمير!

التقارب الروسي – الاميركي في تفسير”اعلان جنيف” لم يصل مثلاً الى مستوى “الحل اليمني”، اي تشكيل حكومة لتدير عملية “الانتقال السياسي”، لا بل ان هذا الانتقال غير مضمون بمعنى ان الغموض حول دور الاسد ومستقبله لا يزال قائماً، لذلك يمكن القول انه عندما يتفق كيري ولافروف على ان وظيفة المؤتمر الدولي تقتصر على السعي لتحقيق معجزة وضع القاتل والقتيل وجهاً لوجه، فان ذلك يعني عملياً ان روسيا هي التي تمكنت من تغيير حسابات اميركا، بعدما ظل المستر كيري يحدثنا منذ اشهر عن أنه يسعى لتغيير حسابات الاسد وموسكو، ولكن يبدو ان واشنطن هي التي غيّرت حساباتها، والدليل ان كيري وقف في موسكو ليبصم على التفسير الروسي لـ”اعلان جنيف” الذي يريد استدعاء المعارضة للتفاوض مع الاسد!

طبعاً لا يجوز القول ان هذا التغيير الاميركي ينم عن ضعف او تراجع امام الروس، فهذه اميركا في النهاية، لكنه ربما ينم عن دهاء، وقياساً بالمساعي الاخيرة الجادة التي بدأها اوباما لتحريك عملية السلام في المنطقة، ليس مستبعداً ان يكون هناك تغيير متواز في الحسابات بين موسكو وواشنطن، على قاعدة من التفاهم لفرض حل في سوريا يشكل مدخلاً الى تسوية اقليمية كبرى!

النهار

أميركا هنا..والآن

معتصم الديري

 لا تجلس إلا حين تريد، ولا تدخل الا حتى تربح. ذكية ومتمثلة بنفسها اميركا، وبإسرائيل، تراقب الحرب السورية بعين ذكية وتشتهي أن تأخذ الحرب السورية على مهلها، بالرغم من أن نارها كانت أسرع نار في كل شرقنا. ساسة وعسكر الثوار يعرفون أن الأميركيين يجلسون على الحدود الجنوبية للبلاد السورية، يدخلون ما يريدون وليس ما تريده المرحلة، يدخلون مجبرين حين يغضب الثوار، وحين تهتز المرحلة قليلاً نحو اشياء خارج الحساب.

 هم من يريدون للداخل السوري البقاء الأن على شكله. هم ربما شركاء بحرب باردة تحصل الأن، لا يموت من بردها ونارها الا البيت السوري واهله. تساير الجميع حتى الآن أميركا.

 الدورات الاميركية

 من صحف و مصادر وناشطين، ومن ثوار تدربوا داخلها، تشير الاخبار وتؤكد وجود دورات اميركية للثوار “عسكريين، او متطوعين”، في شؤون تتراوح من كيفية معاملة الأسير إلى التدريب على كافة الأسلحة الموجودة في سوريا، والتي قد تدخل الأراضي السورية في المستقبل.

كانت تلك الدورات مساعدات أميركية عسكرية من نوع تدريب للثوار، ولم تشتمل الا على ضباط الجيش السوري المنشقين، أو على ثوار يتقدمون في الدورات كمتطوعين ويحصلون على رتب عسكرية من قبل المجالس العسكرية.

 “أبو يوسف” ملازم منشق من الجيش السوري، تدرب على كافة الأسلحة على أيدي الأميركيين، وكان السيد الأول والمهاجم الوحيد في هجوم “الجيش الحر” على سرية “عابدين” حيث لم تطلق رصاصة واحدة، كل التحرير جاء من قذائف الهاون التي يجيدها “أبو يوسف”. هو يؤمن بالأميركيين كقوة عسكرية، ويفسر دوراتهم: “كانت أميركا تريد ان تفعل شيئاً، فقد أكلت الثورة وجه الجميع، وأميركا لم تتدخل.

  الملف السوري لا يزال حساساً ، فذهبت أميركا بهذه الدورات، كي تقول أنها تفعل شيئاً، وأيضاً لمعرفة ما يجري بالداخل بداية.  ومن هم الثوار، وما هي الحالة الاجتماعية في الداخل.

 وواضح من أول ولاية أوباما الجديدة أن أميركا تريد ان تتدخل لكن على مهلها، فبدأت هكذا. بدأت بهذه الدورات قبل ثمانية أشهر، في معسكرات مغلقة.

 “أبو يوسف” بالاضافة لكونه مقاتلاً، هو خريج ماجستير لغة انكليزية، ساعده ذالك على التواصل المباشر مع الجنود الأميركيين، وعلى توسيع العمل لصداقة معهم. من بين من دربوه، وصادقهم “مستر هوك”، مدرب القوات العسكرية للثوار هناك.

 ابو يوسف  الذي كان لا يريد الحديث، لمعرفته بحرص الأميركيين اعلامياً على قضاياهم الحساسة، يقول : “كانوا دائماً يتساءلون عن أولوية أماكن العمل المسلح للثوار. هم بصراحة كانوا يلمحون للحدود التي تعنيهم أكثر من أي شيء في سوريا”. ويكمل “يريدون أن يعرفوا حربنا لأي جهة تمشي، ما إمكانية أن تمشيها أميركا؟ ما بالنا واسرائيل؟ وعما إذا تدخلت اميركا عسكرياً، ورأينا بذلك. وعلى صعيد التعامل كنا نتبادل الاحترام، وهم كذلك جلبوا لنا “كرفانات” من أجل الصلاة، وكانوا يحاورونا في أي شيء سيفعلونه بخصوص التدريبات”.

 أبو شاكر، مساعد منشق من مدينة “قرفا” يفسر دورة سلاحه وتواجده في معسكر التدريب الاميركي “هم يتساءلون عن أشياء لها علاقة واضحة بالاسلاميين. أول سؤال سألوني إياه: ما تسمي ما يحصل في سوريا: ثورة أم جهاد، ام فوضى؟ ثاني سؤال لي كان: هل تذبح بالسكين؟  وأما بالنسبة لإدخال السلاح للداخل السوري، فهم دقيقون لدرجة أنهم لا يريدون أن يضعوا شيئاً من قوتهم أو مساعداتهم في أيدي طرف قد يصبح عدواً لهم؟”.

 الأميركيون بما فعلوه للثورة ما زالوا يتقدمون بأتجاه كف الثوار، لكنهم في الواقع ما زالوا يقفون في منتصف الطريق بين النظام والثورة، ينصرون حرباً باردة هنا فحسب. وباختصار أكثر تفصيلا هم ينصرون حلاً بطيئاً، ربما سينصرهم عسكرياً بدون أن يتدخلوا بجندي واحد.

 التدخل الامريكي حالاً

 البلبلة حول تدخل عسكري أميركي في الجنوب كان حديث المدن هناك يومياً، كان الحديث يأتي ويذهب، وخاصة على لسان ضباط كبار في صفوف الثوار.

 كان الحديث عن خطة تدخل عسكري لتحويل الجنوب السوري منطقة عازلة، منزوعة السلاح من قبل الثوار، تقام فيها مخيمات اللاجئين وتكون نقطة لتدخل اميركي في الجنوب السوري، يمضي بعدها الثوار نحو تحرير دمشق. ثم انتهى الحديث بعدها على الأرض بعد اعادة اعلان اميركا عدم نيتها التدخل العسكري في سوريا من حربٍ أو من تسليح.

 أميركا بحسب ثوار عسكريين، ملأت الفنادق بجنود مارينز. يقول أحد ضباط الثوار الذي دخل الأردن وخرج: “ليس سراً ما أقول، هم موجودن بأعداد كبيرة، وأميركا لا ترسل مئات الجنود مثلاً للنزهة.

 لعله تخوف اميركي أردني من تسلل اسلاميين الى الداخل الاردني، ولكن هو أيضاً مثير للريبة مع تصاعد التصريحات الأميركية حول تدخل أميركي في المنطقة السورية ربما لا يكون حصرياً لنصر الثورة السورية. ربما هو تدخل لدك معاقل “الاسلاميين” ومن بينهم جبهة النصرة”.

  من كلمات أحد الضباط الذين تدربوا على ايدي الضباط الأميركيين، أبو يوسف: “هناك تدخل عسكري، وربما ليس برياً، ولكن انتهى الأسد أو لم ينته سيتدخلون عسكرياً. بالتحديد هناك 12 موقعاً عسكرياً في قلب دمشق، سوف يتم ضربها، وهذا ليس الا كلام “مستر هوك” مدرب قوات الثوار العسكرية في المعسكرات الاردنية”.

 لا يأخذ كلام “مستر هوك” الا الى الحديث عن ضربة اسرائيل الجديدة لأكثر من ثلاثة مراكز عسكرية هي من الأهم في دمشق.  فهل بدأ موعد سلسلة ال12 موقعاً؟

المدن

لافروف وجر المنطقة للهاوية

عبد الرحمن الراشد

هناك فارق كبير بين الخوف على وحدة سوريا والتهديد بتفكيكها، وهذه ليست المرة الأولى التي يتحدث مهددا وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف.

خطاب روسيا يعبر عن قناعته بفشل دعمه، وإيران، لنظام الأسد لهذا يريد فرض حل سياسي من فوق، يقوم على المصالحة تحت عنوان اتفاق جنيف. المشروع السياسي الروسي الإيراني هدفه إقناع الغرب بعدم دعم المعارضة حتى يحين موعد نهاية فترة رئاسة الأسد في منتصف العام المقبل، كما لو كان الأسد أصلا انتخب بطريقة شرعية حتى يحترم العالم نهاية فترة حكمه القانونية! وبعدها الروس يريدون إجراء انتخابات تضمن إيصال الأطراف المتصارعة اليوم إلى حكومة ما!

يمكن أن يحقق مشروع روسيا – إيران شيئين فقط؛ تقسيم المعارضة وتخريب ما تبقى من سوريا. لذا، الوزير لافروف يهدد السوريين إن رفضوا ستفكك بلادهم وستدمر. السؤال ماذا بقي في وحدة البلاد أو نظامه يمكن للروس، والإيرانيين، وجماعة الإخوان المصرية، أن يتعهدوا بضمانه؟

فالسوريون أمامهم خيارات قليلة ليس بينها التعايش مع النظام أو بعضه، لأن ذلك سيشغل المعارضة، ويشعل حروبا داخلية إضافية، وسيدمر ما تبقى واقفا! الخيار المعقول هو القبول بانتقال سلمي ترعاه وتتعهد به الدول المعنية، من بينها طبعا روسيا، يخرج بموجبه رموز النظام وفي مقدمتهم الرئيس بشار الأسد إلى روسيا أو الجزائر أو إيران أو بغداد أو أي من الملاجئ الأخرى التي في صفهم. ومن المقبول أن يفرض على المعارضة القبول بمنح الحماية الدولية للأقليات في مناطقها التي تخاف من سقوط النظام، وعلى رأسها الطائفة العلوية التي هي ضحية لنظام تعمد الأسد الأب بناءه طائفيا لدعم وجوده. مقابل هذه الحماية الدولية تمنح الدولة الجديدة الحماية من أطراف مثل حزب الله وبقايا النظام.

ما يمكن أن نقوله لوزير الخارجية الأميركي جون كيري ألا يصدق عرض الروس والإيرانيين المبني على مخاوف الأميركيين فقط، بفرض حل سياسي هدفه التخلص من الجماعات الجهادية، لأن ما يطرحونه عمليا سيوسع دائرة النزاع، ويعزز وضع الجماعات الإرهابية، التي ستتبنى حتما غضب الأغلبية التي ركعت بالقوة وأجبرت على حل لا ترضاه بعد أن دفعت مائة ألف قتيل، وخمسة ملايين مشرد، وبلدا مدمرا. الحل يجب أن يسير في الاتجاه المعاكس؛ أن يمكن المجتمع الدولي الأغلبية من حقوقها السياسية، ضمن نظام ديمقراطي عادل، وهذا يعني إقصاء الأسد فورا وليس بعد عام.

مشروع لافروف، ويبدو أن الأميركيين يسيرون خلفه بكل أسف، فرض شراكة سياسية مستحيلة، وتعطيل تقدم المعارضة لمنتصف العام المقبل. وأول من طرح هذه الفكرة هم الإيرانيون بحجة منع الفتنة الطائفية، والسيطرة على الوضع الداخلي. أمر يكاد أقرب إلى الجنون لأنه يحقق أهداف نظام إيران بمنع ولادة دولة سورية جديدة تهدد مصالحهم، وأصبح لافروف صوت الإيرانيين، يهدف إلى إبقاء سوريا في فوضى وصراع مستديم وليس العكس.

فكرة الإيرانيين دائما هي زرع الفوضى ودعم الإرهاب للتخويف من الفوضى والإرهاب، كما لو أن الأسد هو السد ضد هاتين الآفتين! كل ذلك من أجل وقف التسليح الغربي لمنع المعارضة من التقدم، خاصة بعد فشل إيران وروسيا عسكريا. حليفهم الأسد بات جثة في قصره، يمثل دور الرئيس في مسرحية بشكل مبالغ فيه، حيث كثف من ظهوره الإعلامي وزياراته، حتى إنه زار حديثا محطة كهرباء لأول مرة في حياته ليقول للناس إنه حي وموجود، في حين أن العاصمة أصبحت مدينة أشباح!

الروس يعرفون أن الأميركيين يتفرجون منذ عامين من بلكونة الأقمار الصناعية على ما يجري على الأرض، وهم يتمنون بالتأكيد سقوط خصمهم الأسد، حليف عدوتهم إيران، لكن فكرة وجود جماعات جهادية بديلة للأسد تؤرقهم. الآن الإيرانيون، عبر الروس يلعبون على هذا الوتر الحساس مع الأميركيين، محذرين من أن سوريا ستدخل في فوضى وإرهاب، في وقت تعد فيه سوريا اليوم في فوضى وإرهاب منذ عامين. والحقيقة أن قمع الأغلبية الثائرة سيجعل من المستحيل تحقيق أي استقرار، وستجد جماعات إرهابية مثل «القاعدة» حلفاء كثيرين لأول مرة في تاريخ المنطقة.

إسقاط الأسد ودعم الجماعات المعارضة المعتدلة سيحقق نتيجة أكيدة، سوريا جديدة معتدلة.

الشرق الأوسط

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...