صفحات مميزة

مقالات تناولت “عقيدة أوباما”

تصنيف أميركا لنا وتصنيفنا لها/ حازم صاغية
مع فورة «المحافظين الجدد»، إبّان عهد جورج دبليو بوش، وبعد جريمة 11 أيلول (سبتمبر) وفي موازاة الحربين في أفغانستان والعراق، سادت نظريّة تدخّليّة بسيطة قوامها التالي: كلّ الشعوب طالبة للحرّيّة والديموقراطيّة، لا يردعها عن ذلك سوى حكّامها المستبدّين. هكذا، ما إن تتدخّل الولايات المتّحدة لإزاحة تلك القشرة الحاكمة، جامعةً بين خدمة مصالحها وإعلاء قيمها، حتّى يظهر اللبّ الأصليّ للشعوب الطامحة إلى التغيير. أمّا المثالان اللذان يؤكّدان هذه السيرورة وانطباقها على أمم الأرض من غير استثناء فهما اليابان وألمانيا (الغربيّة) بعد تحريرهما في الحرب العالميّة الثانية.
بساطة هذه النظريّة كانت تكمن في إعدامها كلّ فارق بين الشعوب وتجاربها وثقافاتها وتراكيبها. فالشعوب متساوية كأسنان المشط في طلب الحرّيّة والديموقراطيّة، تتقدّم منهما عاريةً من كلّ تاريخ أو مواصفات بالمعنى التاريخيّ للكلمة، لا بمعنى جوهريّ أو جينيّ طبعاً.
أمّا مع باراك أوباما، وكما توضح مقابلاته التي أجراها وصاغها جيفري غولدبرغ في مجلّة «ذي أتلانتك» الشهريّة، فهناك ميل معاكس تماماً، فحواه إثقال الشعوب بالمواصفات حتّى لتكاد تتجاوز التاريخيّ إلى الجوهريّ. ذاك أنّ الشرق الأوسط، من بين أوصاف كثيرة أخرى ردّدها، «لا يمكن إصلاحه»، كما أنّه واحد أحد يصحّ على محكومه ما يصحّ على حاكمه من دون أدنى تمييز. وهو بقبَليّته وعنفه وتعصّبه وانشغال أبنائه في التفكير بقتل الأميركيّين، لا يندرج في اهتمامات الولايات المتّحدة ولا في مصالحها، بل لا يشكّل تهديداً لأمنها. حتّى تنظيم «داعش»، الذي يشذّ قليلاً عن هذا التأويل، يبقى خطراً «غير وجوديّ» قياساً بأخطار وجوديّة يتصدّرها تغيّر المناخ وما يرافقه من تصحّر وجفاف.
ولا يفوت القارئَ أنّ أوباما ينطلق دوماً من مقارنة ضمنيّة بين العالم الآسيويّ الباسيفيكيّ الذي يحبّه ويعوّل عليه ويراهن على توسيع المساحات المصلحيّة المشتركة بينه وبين الولايات المتّحدة، وعالم الشرق الأوسط الذي يكرهه حتّى الاحتقار واليأس من إمكانات تغييره في المستقبل المنظور.
وإذا كان نفي المواصفات البوشيّ قد واكب التدخّل الكامل، على ما رأينا في أفغانستان والعراق، فإنّ الإثقال الأوباميّ بالمواصفات يواكب ويبرّر كلّ استنكاف عن التدخّل، على ما رأينا في سوريّة تبعاً لطريقة ما في الاتّعاظ بليبيا. فلئن لم يرَ جورج دبليو المجتمع العراقيّ وخصوبة احتمالاته الانفجاريّة، فعند أوباما يبدو المجتمعان الليبيّ والسوريّ مقروءَين جدّاً بوصفهما حاملين لنزاع أهليّ محتّم، فيما الثورة غير مرئيّة بوصفها احتمالاً يعدّل تلك الحتميّة.
وكما يثير هذا الخلاف مشكلة التصنيف الأميركيّ لعالم العرب والمسلمين، فإنّه يثير أيضاً مشكلة تصنيفنا لأميركا. ذاك أنّ الفارق بين نظرتي دبليو بوش وأوباما هو ممّا يستحيل القفز فوقه بحجّة قاسم مشترك أميركيّ ما، أو استشراقيّ، أو إمبرياليّ، أو امبراطوريّ. فهذه النعوت كلّها تبقى أقلّ نفعاً بكثير من متابعة «الحرب الثقافيّة» في الولايات المتّحدة، وما ينجم عنها من تباين في الرؤى السياسيّة، لا في ما خصّ النظرة الأميركيّة إلينا فقط، بل أساساً في ما خصّ النظر إلى أميركا نفسها، وإلى حدود قوّتها. وعلى كلّ من يملك أدنى الشكّ في وجود هذا الانشقاق الكبير ضمن الواحديّة الأميركيّة المفترضة، أن يراجع المعارك الانتخابيّة الدائرة اليوم داخل الحزبين، تمهيداً للمواجهة الرئاسيّة الوشيكة. فهنا يتبيّن على نحو صارخ أنّ مركز أميركا تشقّق وانشطر، وأنّ «رأي أميركا» انعدم تماماً فيما الأطراف، من ترامب إلى ساندرز، هي التي تتكلّم.
وبالطبع ليس المقصود اعتبار مسألة العلاقة تعريفاً وتعارفاً، إلاّ أنّها، بالطبع أيضاً، بعض المسألة.
الحياة

الشرق الأوسط ما بعد “ذي أتلانتك”…/ جهاد الزين
كانت المقالةُ الطويلة جدا التي كتبها جيفري غولدبرغ في مجلة “ذي أتلانتيك” تحت عنوان “نظرية أوباما” والمؤرّخة عن شهر نيسان المقبل! … كانت حديثَ كل الطبقات السياسية في العالم خلال نهاية الأسبوع المنصرم ولاسيما في الشرق الأوسط والعالم العربي وأوروبا.
غَيْرُ التلفزيوناتِ وبرامج “التوك شو” والصحف، أظن أن نسخة كاملة من مقالة غولدبرغ كانت طبَقَ القراءة المفضّل أو المقيت لدى كل سياسي حاكما أو نافذا أو مراقبا أو معارضا في معظم العالم، ومن فاته الطبق سيسارع إليه ويجب أن يسارع إليه.
إنها في الواقع مقالة باراك أوباما الذي يبدو منذ توقيع الاتفاق النووي السداسي مع إيران أنه يحب أن ينقل أفكاره ونظرته للأمور عبر بعض الصحافيين المختارين نذكر توماس فريدمان في “النيويورك تايمز” واليوم جيفري غولدبرغ في “ذي أتلانتيك”.
لكنْ ما فعله عبر غولدبرغ تجاوز سابقته إلى حد أن قارئ المقالة يشعر أنه يستمع مباشرة إلى حديث في مجلس خاص للرئيس الأميركي بحضور عدد من معاونيه… فالكاتب ودون مواربة يقول “قال لي الرئيس” و “قال لي فلان” وهذا الفلان هو إما مسؤول حالي أو سابق أو خبير معتمد أو…
يبدو لي أن الرئيس أوباما قد دخل مرحلة الاهتمام المبكر بالدفاع عن موقعه في التاريخ الأميركي والعالمي قبل أشهر من نهاية ولايته. لذلك أخطر سؤال حول هذه المقالة وأكثرها جوهريةً بعد اليوم هو التالي:
هل سياسة الرئيس أوباما تعني تغييرا ثابتاً في الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط، أم هي نهج خاص بالرئيس وإدارته لن يستمر بالصيغة ” الانقلابية” نفسها مع الرئيس الجديد؟
لو جمعنا كل ملاحظات أوباما المتفرقة في المقالة لبدا، وهذا أخطر ما في الأمر، أنه بات قليل الثقة بل فاقد الثقة بكل مظاهر الحياة العامة العربية، أنظمةً ونخباً، وهو إذ ينتقد بشكل صريح الرئيس التركي رجب طيِّب أردوغان على تسلُّطِيَّتِهِ وعدم تعاونه المتزايدين ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على سياسته الفلسطينية، لكن مستويات النقد لا تطال البنية التركية أو طبعا الإسرائيلية نفسها إذا جاز لي هذا التعبير، أما في الحالات العربية فالنقد لا يتعلّق فقط ببعض الحكام من اتجاهات مختلفة، على قسوته، بل هو في معرض تبرير سياسته الانكفائية يطرح، برأيي، بشكل مباشر أو غير مباشر، كل أهلية نخب العالم العربي على إحداث التقدم والتغيير. ( يعتبر باكستان دولة فاشلة ويضعها كمثل يحتج عبره على تصنيفها حليفة).
أما أوروبا فينتقدها في عدم فعالية سياساتها ولاسيما في ليبيا التي يدعو الغرب إلى نوع من النقد الذاتي حيال تجربة التغيير العسكري فيها. ويبرر أيضا تأييده تسليم أوروبا وخصوصا فرنسا مهماتٍ عسكرية بأنه يوفِّر نفقات على الولايات المتحدة. ورغم نقده لنتنياهو فهو يسجل كم كان الأخير فرحا بإرغام النظام السوري على تسليم أسلحته الكيماوية لكي يبرر (أوباما) خيار عدم التدخل العسكري.
لكن، بعض أطرف وربما أعنف، ما يرد في المقالة هو “حوار” بينه وبين غولدبرغ يبدأه غولدبرغ بالإشارة إلى فيلم ” العرّاب 3″ الذي يستشهد فيه غولدبرغ بكلام العرّاب مايكل كورليوني أنه عندما ظن أنه تخلى عن كل الأنشطة الإجرامية فإذا بالرئيس أوباما يكمل كلام كورليوني : وجد نفسه وقد أرغموه على العودة إليها. إذاً هذا هو الشرق الأوسط بنظره؟!
لا شك أن آسيا الباسيفيكية هي مركز اهتمامه وخصوصا الصين رغم ما يسجله عليها من أن الطريق طويل أمامها رغم ديناميكيتها العالية حيث لا زال الفقر والقمع كبيرَيْن. فـ”المستقبل باسيفيكي” يجزم أوباما، بل هو يقول عن نفسه أنها المرة الأولى التي يصل فيها إلى البيت الأبيض “رئيس باسيفيكي” كونه وُلِد في هاواي وترعرع في إندونيسيا التي لم يكن “إسلامها عربيا” كما كان أيام طفولته حسب قوله.
يبقى الأهم بالنسبة لنا أن أوباما لم يعد يرى الشرق الأوسط مصدِّراً للنفط بل هو مصدِّرٌ للإرهاب. الشرق الأوسط المطلوب “تلافيه”.
شيء ما عميق غير عربي سياسيّاً وليس فقط ضد دول الخليج في هذه الأطروحة الأوبامية باستثناء دعمه (اليائس) قيام الدولة الفلسطينية. ورغم محاولة الكاتب نقلا عن معاونين لأوباما التأكيد أن الاتفاق مع إيران لا يخرج عن نطاق الموضوع النووي. لكن الصحافي في مكان آخر يستعيد قناعة لدى “محيط أوباما” عندما كان سيناتوراً عام 2006 وهي: إيران هي المستقبل في الشرق الأوسط.
يجب أن يُدرس هذا النص في العالم العربي لنفهم ما هو الأكثر جوهرية: هل هذا خيار أوباما أم خيار المؤسسة الأميركية؟ وحدود التعديل هل ستكون شكلية مع الرئيس الجديد أم أكثر كما يغامرالبعض بالمراهنة؟ لأن البحث الفعلي هو أي صورة للشرق الأوسط تجري صناعتها الآن في القرن الحادي والعشرين.
أي حاكم وسياسي واقتصادي ومثقف عربي يستطيع أن لا يكون مشغولاً بهذا السؤال المصيري؟
وأي عربي يجوز أن يسلّم أو يقبل بهذا المصير عندما يرى الرئيس الأميركي أن إصلاح أو تحسين الشرق الأوسط يحتاج إلى جيل كامل .
النهار
“عقيدة” أوباما أم عقيدة غولدبرغ؟/ د. وائل مـرزا
«عندما تفكر بأنك أذكى شخص في الغرفة، سيكون مغريًا أن تخلق استراتيجياتك الكبرى».
بهذا التعليق بدأ (نيل فيرغسون) المؤرخ البريطاني، وأستاذ التاريخ في جامعة هارفرد، تعليقه الوافي على ما يحسبهُ البعض مقابلة للرئيس الأمريكي باراك أوباما مع مجلة The Atlantic الأمريكية، في حين أن المادة تمثل تقريرًا شاملًا كتبه (جيفري غولدبرغ)، الصحفي فيها، نتيجة لقاءات مطولة مع الرئيس، ثم نشرهُ بعنوان (

).
لوضع الأمور في نصابٍ أوضح، غولدبرغ صحفي أمريكي إسرائيلي الجنسية، ترك الولايات المتحدة في شبابه للخدمة في الجيش الإسرائيلي أثناء الانتفاضة الفلسطينية الأولى، عاد بعدها إلى أمريكا وعمل في عدة صحف، وهو الذي اقترح عام 2008 إحدى الخرائط الشهيرة التي تقترح تقسيمات جديدة للشرق الأوسط(خارطة غولدبرغ)، كما أنه كان من أكبر مؤيدي ودعاة الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، فضلًا عن قيامه بكتابة مقالات استفزازية شهيرة منها واحدةٌ، عام 2015، بعنوان «هل آن الأوان ليغادر اليهود أوروبا؟»، كانت إجابته فيها «نعم».
لا تهدف هذه المقدمة للحكم على الرجل بإيحاءات الوقائع أعلاه، وما يمكن أن توحيه للبعض من(تفسير المؤامرة) والخبث في النية، فالرجل كما اتُهم بأنه (صهيوني) و(يميني مُتطرف) في بعض الأوساط، وُصفَ بأنه مُعادٍ لإسرائيل في أوساط أخرى، وكتب مقالة بعنوان (كيف أخطأتُ فيما يتعلق بالعراق). المهم في المسألة ألا نقرأ الظاهرة بسذاجة وأحادية، فالمؤكد أن آراء الرجل وَجَّهت طريقة كتابته للتقرير، سواء من خلال اختيار وانتقاء ما نَقلهُ عن أوباما، أو من خلال تعليقاته على تلك النقولات.
هذا مشهدٌ مُعبرٌ عن طريقة صناعة رأي النخبة في أمريكا، وكيفية تحويل ذلك الرأي إلى سياسات، بكل ما فيه من تعقيد.
لاشك بأن تقرير غولدبرغ يُعبرُ بشكلٍ صريح عن آراء الرئيس الأمريكي في نهاية المطاف، كما يقول الكثير عن شخصيته، وعن رؤيته، ليس فقط لشؤون السياسة الخارجية، بخلفياتها الثقافية والتاريخية، وإنما أيضًا عن تقويمه لمؤسسة صناعة السياسة الخارجية في واشنطن، والتي أوحت بمعان لا نُبالغ إذا قلنا إنها تُختصر بـ(الاحتقار).
لكن المشهد يحمل أيضًا دروسًا مهمة عن التفاعل بين أداء وعلاقات النُخب الأمريكية، السياسية والإعلامية والأكاديمية والاقتصادية، ذات الأجندات المختلفة، عندما يتعلق الأمر والتوظيف المتبادل فيما بينها، لتنفيذ تلك الأجندات.
ففي حين ظلت آراء أوباما، بهذه الصراحة مثلًا، طي الكتمان على مدى سبع سنوات من رئاسته، تمكن غولدبرغ من بلورتها بشكلٍ مُحكَم، ثم تجاوزَ ذلك إلى وضعها، إعلاميًا ونفسيًا، في إطارٍ أسماهُ هو (عقيدة أوباما)، بحيث باتت هذه الصورة من الآن فصاعدًا جزءًا من تاريخٍ وسيرةٍ للرئيس الأمريكي لا يمكن إغفالُها.
بمثل هذا الجهد، ليس بعيدًا أن يكون من أهداف الصحفي المخضرم أن يُرسِّخ تلك (العقيدة)، بعناصرها الحساسة، في مؤسسة السياسة الخارجية، باعتبارها باتت ركيزةً لا يمكن تجاوزها من قبل تلك المؤسسة، يُفترض فيها أن تؤثر في، إن لم تَحكُم، قرارات الرئيس القادم تحديدًا، وهو إنجازٌ استراتيجيٌ يتعدى الأجندات الشخصية بدرجةٍ واضحة.
قد يكون في هذا التحليل ما هو أدعى للتفكير من الغرق المُبالغ فيه بخصوص تصريحات أوباما، ومحاولة التعامل معها إعلاميًا على المدى القصير. فبدلًا من القبول بسحبِ تفكيرنا واهتمامنا وتركيزنا نحو تفاصيل ظواهر(تبدو) إستراتيجية، سيكون من الأجدى تحليلُ جذور تلك الظواهر وإدراك ما فيها من عناصر هي حقًا إستراتيجية.
هكذا، لا يصبح ممكنًا معالجة التفاصيل بفعاليةٍ أكبر فقط، بل تتطور القدرة على فهم المنظومة المعقدة نفسها، وصولًا إلى إدراك آليات ومداخل التعامل معها، أيضًا بشكلٍ جذري. وعلى كثرة الحديث عن هذا الموضوع، والعمل عليه، يبدو إحداثُ النقلة النوعية فيه مطلوبًا، أفكارًا وكوادرَ ومؤسسات.
في التفاصيل، ثمة دلائل على أن تقرير (غولدبرغ) أصبح (القشة) الأوبامية التي قصمت ظهر (بعير) مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية التي يتصاعد انزعاجها «ديمقراطيين وجمهوريين وعسكر وخبراء ودبلوماسيين»، من طريقة الرجل في التفكير، وقراراته الناتجة عنها.
بل إن ثمة تذمرًا وتململًا من طريقة الرئيس في التعامل المُستخِّف، بلغة اللسان والجسد، حتى بأقرب مساعديه، وفي مجال الشؤون الخارجية تحديدًا.
فما أن يرى في يد وزير الخارجية كيري ورقةً عن سوريا حتى يقول له بلهجة متعالية: «اقتراحٌ آخر؟»، وينفجر في وجه مندوبته في الأمم المتحدة، سامانثا باورز طالبًا منها السكوت بكلمة: «كفى». ليكمل قائلًا: «حسنًا حسنًا، تعرفين أنني قرأت كتابكِ»، هذا فضلًا عن كلامه المسيء تجاه حلفاء آخرين منهم ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطاني.
وبالإضافة إلى مقال (فيرغسون) المذكور أعلاه، ثمة مقالٌ موسوعي أيضًا نشره في (الواشنطن بوست) قبل أقل من أسبوع (ستيفن هايدمن)، الباحث في مركز بروكنغز لسياسات الشرق الأوسط، والمقالان يحللانِ بشكلٍ متكامل الأخطاء والتناقضات السياسية والأخلاقية المتعلقة بتفكير أوباما في مجال السياسة الخارجية.
لهذا، وغيره من أسباب تتعلق بالخلط في قراءته للواقع والتاريخ والتناقض في مقاييس الأخلاقية لديه، يبدو القلقُ العربي من تصريحات أوباما مبالغًا فيه.
والأرجحُ أن إرث وسياسات و(عقيدة) هذا الرئيس الذكي، الذي وضع عليه العرب الآمال يومًا، ستخرجُ معه في الصناديق التي سيحملها يوم مغادرته البيت الأبيض، وقد يكون من أسباب هذا ما ذكره المؤرخ (فيرغسون)، في إشارةٍ إلى ما يمكن أن يفعلهُ غرور القوة والذكاء بالإنسان، حين قال إن قراءته لتقرير (غولدبرغ) أعطته انطباعًا قويًا بأن «الرئيس يشعر “في الحقيقة” أنه ليس فقط أذكى رجلا في الغرفة، وإنما أذكى رجلا في العالم، عرفهُ التاريخ».
المصدر | الشرق القطرية

 

 

مع «حليف» مثل أوباما، لا تحتاج إلى أعداء!/ الياس حرفوش
أتخيل فلاديمير بوتين جالساً في مكتبه بالكرملين يقرأ ترجمة لحديث باراك أوباما إلى مجلة «ذي أتلانتيك». سوف يصاب بوتين بالذهول والسعادة في الوقت ذاته من هذه المواقف التي يطلقها رئيس أميركي يودّع القيادة، تاركاً وراءه إرثاً من عدم الثقة، كي لا نقول العداء، من جانب الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة، يضاف إلى المكاسب التي وفّرتها سياساته للخصوم التقليديين، وفي مقدمهم روسيا، في منطقة الشرق الأوسط وحول العالم.
لا يخفي الرئيس الروسي فرحه بوجود أوباما في البيت الأبيض، كأنه هدية حصلت عليها روسيا في أصعب أوقاتها. حيث لا يجرؤ أوباما على التدخل يتدخل بوتين ويفرض شروطه ثم يقطف الثمار. يدعو الرئيس الأميركي إلى إعادة النظر في السياسات التقليدية للمؤسسة الأميركية، التي كانت تقوم على كسب ثقة الحلفاء، وإثارة الفزع بين الخصوم، فيجدها بوتين فرصة للتدخل حيث يحتاج حلفاء روسيا إلى التدخل، ولإثارة الفزع حيث لموسكو خصوم.
ينتقد أوباما في حديثه التدخلات العسكرية. يقول الرئيس الأميركي مبرراً سياساته: «إلقاء القنابل لمجرد إثبات أنك قادر على إلقاء القنابل هو أسوأ الأسباب لاستخدام القوة». هذه هي الحجة التي بنى عليها أوباما انكفاءه عن كل ساحات المواجهة حيث كان يفترض أن يقف على رجليه، كما يفعل رئيس دولة عظمى.
هذا الانكفاء هو الذي سمح لبوتين بإخراج روسيا من عقدة الانهيار التي أصابتها بعد تفكك الاتحاد السوفياتي. ذلك التفكك الذي وصفه بوتين، الذي كان ابناً مدللاً للعصر السوفياتي ولاستخباراته، بأنه «أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين». من هذه القناعة انطلق بوتين يحاول إعادة المجد الروسي الغابر. ما لم يكن ممكناً في زمن جورج بوش أصبح متاحاً في عهد أوباما. يتدخل بوتين في أوكرانيا ويفرض خريطة جديدة على أجزائها الشرقية في تحدّ للحكومة المركزية في كييف، ثم يقتطع شبه جزيرة القرم، ويضمها إلى روسيا، في ما يشبه إقدام هتلر على ضم النمسا إلى ألمانيا. فلا يحرك أوباما ساكناً.
يتدخل بوتين في سورية لإنقاذ بشار الأسد، الذي سبق أن حدد أوباما مواعيد لرحيله ورسم خطوطاً حمراً لنهاية حكمه، قبل أن ينكفئ مجدداً بحجة أن أميركا ستخسر من تدخلها في سورية أكثر مما ستحققه من مكاسب، كما قال في حديثه إلى جيفري غولدبرغ. لم تشكل المجازر التي ارتكبها بشار الأسد في سورية ومئات آلاف القتلى والجرحى أي حافز يدفع أوباما إلى وقف هذه المجزرة، ولو لأسباب إنسانية بحتة، إذا لم يكن يحسب حساباً للمصالح السياسية.
راهن أوباما على أن تدخل بوتين هو دليل ضعف، مثلما راهن على أن بوتين سيغرق في المستنقع السوري. لم يحصل شيء من هذا. بل على العكس. ها هو بوتين يعلن الانسحاب الجزئي من سورية ثم يهدد بأنه قادر على العودة عندما يشاء، ويستقبل ضباطه وجنوده العائدين بأوسمة النصر. فيما الذي غرق في المستنقع السوري هو أوباما الذي أصبحت تعهداته المتكررة للمعارضة السورية موضع استهزاء، والتزاماته تجاه حلفائه موضع تشكيك، بعدما كال لهم من الاتهامات والحملات ما لا يسمعونه في المنطقة إلا على لسان إيران ووسائل الإعلام «الممانعة» التي تموّلها.
هكذا، انتهى التدخل الروسي في سورية بفرض معادلة جديدة سياسية وعسكرية في هذا البلد. أصبحت موسكو الآن هي اللاعب الأكبر هناك، في يدها القرار المتعلق ببقاء بشار الأسد في الحكم، وفي يدها القدرة على فرض الثمن الذي تريد مقابل تسهيل خروجه. فيما أوباما يستجدي تفاهماً مع الروس، كما تثبت الزيارة التي طلب من وزير خارجيته جون كيري القيام بها إلى موسكو هذا الأسبوع. أما حلفاء أوباما في المنطقة فلسان حالهم اليوم: إذا كان حلفاؤنا من صنف أوباما، فلسنا بحاجة إلى إعداء.
الحياة

“عقيدة أوباما”.. بين المثالية والمراهقة السياسية/ رجا طلب
غطى حدث الانسحاب العسكري الروسي من سوريا إلى حد كبير على “التصريحات” التي نقلها الصحافي جيفري غولدبرغ عن الرئيس أوباما في مجلة “ذا اتلانتك”، رغم أن ما قيل على لسان الرئيس الأميركي يعادل بتقديري حجم كارثة “قنبلة نووية صغيرة الحجم”، لما تضمنته من آراء وتحليلات واستنتاجات خطيرة أسماها غولدبرغ “عقيدة أوباما”.
لم أتفاجأ بالسياق العام لتلك العقيدة وتحديداً ما يتعلق بوجهة نظر أوباما في إيران، والمرونة الكبيرة الذي بدأ يتعامل فيها مع تلك الدولة في فترة رئاسته الثانية، وهي المفترض أنها في نظر الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ إدارة كارتر حتى الإدارة الحالية هي “دولة مارقة وراعية للإرهاب”، لكن المفاجأة الحقيقة هي تلك الكراهية للمملكة العربية السعودية وتحميلها مسؤولية “صناعة الإرهاب” في افتراء واضح لا يليق برئيس لدولة عظمى يعي ويدرك ويعرف أسرار صناعة الإرهاب ودوره ودور الإدارات الأمريكية المتعاقبة في صناعته ورعايته من إدارة ريغان إلى بوش الأب والابن إلى إداراته، من حرب أفغانستان التي كانت “المصنع” الأول في اختراع الإرهاب تحت مسمى “المجاهدين العرب” الذين تحولوا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي إلى طالبان ثم إلى القاعدة ومن ثم داعش والنصرة.
في “عقيدة أوباما” برأ الرئيس الأمريكي إيران أيضاً من صناعة التناحر الطائفي من خلال اتهامه السعودية وتبنيها للمذهب الوهابي بالوقوف وراء هذا “الاحتقان الطائفي”، وفي “عقيدة أوباما” انتقد الرئيس الأمريكي كل حلفائه بما فيهم إسرائيل ولكنه وتعمد على ما يبدو أن لا يتعرض لإيران بأي شكل من الأشكال.
ما السر وراء هذا الموقف؟
حسب نظرية المؤامرة أو التفسيرات التي تعتمد الشك والتشكيك دون التمحيص على غرار “ظاهرة عبد الله ابن سبأ” في الثقافة العربية _ الإسلامية والذي اتُهم من قبل الأمويين تحديداً في التحريض على عثمان بن عفان وقتله والذي لم يثبت في الأساس أنه شخصية حقيقية، فسر البعض موقف أوباما من إيران لكونه “شيعياً” وإنه اكتسب هذا المذهب من خلال “والده” كما قال النائب العراقي السابق طه اللهيبي لصحيفة “واشنطن بوست” في تاريخ العاشر من سبتمبر (أيلول) 2015، أو حسبما قال الإعلامي السوري المعارض الدكتور محي الدين اللاذقاني في مقابلة متلفزة له في تاريخ 15 من مارس (آذار) 2015، ومع احترامي لمثل هذه الاجتهادات، إلا أنني لا اعتقد أن رئيس الولايات المتحدة الأمريكية يمكن أن يكون أسيراً لمثل هذه الخلفية إن وجدت، فصناعة القرار في أمريكا معقدة ومتداخلة لدرجة لا تسمح لـ”الهوى” سواء أكان قومياً أو دينياً أو فكرياً بأخذ الدولة الأعظم إلى قرارات ورؤى خارجة عن مصلحة الأمن القومي الأمريكي، وعندما تُتخذ مثل هذه القرارات فالنتيجة تكون حادثة على غرار حادثة اغتيال “جون كنيدي” وهذا ليس موضوعنا الآن!
” كولين دويك” أحد المتخصصين بالسياسة الخارجية الأمريكية يفسر ذلك في كتابه المعنون “عقيدة أوباما.. الاستراتيجية الأمريكية اليوم”، الذي نشر ملخصه موقع قناة الجزيرة وبقلم مرح البقاعي وهو الكتاب الذي صدر قبل عام تقريباً، يقول دويك: “أسس أوباما لعقيدته السياسية استناداً إلى محورين رئيسين، الأول يقوم على مبدأ التوجه إلى الداخل الأمريكي وإيلائه القدر اللازم من الزخم السياسي لتمرير أفكار أوباما الأقرب إلى الاشتراكية المعتدلة، فأوباما يعتقد أن قوة أمريكا تنبع من تماسكها ونمائها في الداخل وليس من علاقاتها الدولية وسطوتها الخارجية، وأن الأمن القومي الأمريكي لا يمر في قناة السياسات الدولية بل يعززه مجتمع قوي يقوم على إتاحة الخدمات للجميع، كمشروعه لترشيد التأمين الصحي الذي يسمى بـ أوباما كير”.
ويضيف “أما المحور الثاني الذي يشكل الحامل لعقيدة أوباما السياسية، فهو سعيه الحثيث لاحتواء دول كانت تعتبر إلى ما قبيل مجيئه إلى سدة البيت الأبيض دولاً مخاصمة أو مارقة أو عدوة مثل الصين وإيران وروسيا”.
ولكن السؤال المهم كيف احتوى أوباما إيران؟
قبل الإجابة على السؤال فإن الوقائع تقول ما يلي:
أولاً: ضغط أوباما بقوة على المجتمع الدولي لعقد اتفاق حول برنامجها النووي وهو يعلم أن هذا الاتفاق لن يستطيع وقف طموحاتها في إنتاج قنبلة نووية.
ثانيا : سمح لإيران بالوراثة من بوش الابن بأن يكون العراق محافظة إيرانية لا علاقة لها بالعروبة ، وسمح لها بتحويل العراق مسرحا ” للطائفية والمذهبية القاتلة”.
ثالثاً: ترك لبنان مبكراً كقضية ومسألة إيرانية – سورية وعمل على تقويض الدور العربي في قضاياه الرئيسية وتحديداً موضوع “الفراغ الرئاسي”، ونجح في تحويل الوضع اللبناني إلى قضية مرتبطة بالأزمة السورية.
رابعاً: كان شديد التحفظ على عاصفة الحزم في اليمن وأبدى امتعاضه من المبادرة السعودية لتقويض النفوذ الإيراني في تحويل اليمن إلى دولة تابعة لطهران.
خامساً: لم ير أن التدخل العسكري الإيراني ومليشيات طهران في سوريا يعد أمراً خطيراً، هذا عدا عن تراجعه عن استخدام القوة العسكرية ضد النظام السوري في حال استخدامه للأسلحة الكيماوية والتي أثبتت التحقيقات الدولية قيام النظام باستخدامها.
سادساً: لم يعمل على أخذ مواقف حدية وجدية ضد حزب الله وإيران باعتبارهما يرعيان الإرهاب، ومن سوء حظ “عقيدته” أنه وبالتزامن مع نشرها أثبتت محكمتان أمريكيتان أن إيران متورطة بتفجيرات الحادي عشر من سبتمبر، وأخرى أثبتت أن حزب الله متورط في تفجيرات فنادق عمان 2005.
.. من الصعب للغاية تفسير تفكيره، ولكن من المؤكد أنه رجل غير جدير بالثقة، وتحديداً من قبل حلفائه الذين التقاهم مرات عديدة وكان يخدعهم بمواقف غير تلك التي عبر عنها لجيفري غولدبرغ.
فعقيدة الاحتواء لدى أوباما تتحول إلى “رعاية ونماء لإيران”، وها هي تساهم في جعل دولة مارقة قوة إقليمية عظمى ويترك لها المجال لمزيد من العبث بأمن المنطقة.. إنها حالة متأرجحة بين المراهقة والمثالية السياسية التي ترى بعين واحدة.
أوباما واستراتيجية الانكفاء!/ راجح الخوري
لم تكن مجلة “ذي أتلانتيك” في حاجة الى مقابلة باراك اوباما ليتحدث عن سياسته الخارجية البائسة، اولاً لأنه سيغادر البيت الأبيض نهاية السنة، وثانياً لأنه في مرحلة السبات الانتخابي ليس في وسعه اتخاذ قرارات تلزم الادارة الجديدة، وثالثاً وهو الأهم لأن العالم كله عرف في الاعوام السبعة الماضية، مدى التردد والتخاذل في هذه السياسة، سواء في فلسطين أو القرم أو أوكرانيا أو العراق أو سوريا أو مصر أو في ليبيا أو حتى في افغانستان.
استراتيجية أوباما: “الرئيس الأميركي يتحدث عن قراراته الصعبة حول دور أميركا في العالم”، هذا هو عنوان الغلاف في “the atlantic” لكن معنى الصعوبة في هذه القرارات ملتبس، لأن الافراط في الانسحاب من المسرح الدولي وخصوصاً في الشرق الأوسط الملتهب، وأمام فلاديمير بوتين في أوكرانيا وسوريا، سيرتّب على أميركا ومصالحها الخارجية، أضراراً توازي صعوبتها وتفوق أضرارها ما نجم عن التدخل المفرط أيام جورج بوش الأبن، الذي حاول أوباما ان يردم فجوته فوضع أميركا في حفرة دولية.
ما قاله أوباما عن سياسته الانسحابية يصلح تصريحاً لرئيس دولة مثل هايتي، فليس صحيحاً على الاطلاق قوله “ان المنافسة بين السعوديين والايرانيين التي ساعدت في اذكاء الحروب بالوكالة والفوضى في سوريا والعراق واليمن تتطلب منا ان نقول لأصدقائنا وكذلك للايرانيين انهم في حاجة للتوصل الى طريقة فعّالة للتعايش معاً وتحقيق نوع من السلام البارد”.
ذلك ان التركة الأميركية في العراق هي التي أسست للحرب، والتعامي الأميركي عن مذابح النظام في سوريا وعن الانقلاب الحوثي الايراني في اليمن هو الذي صنع الحرب، ولأن التدخل الايراني هو الذي أذكى هذه الحرب، عندما كان أوباما يفاوض طهران خلسة من وراء حلفائه الخليجيين في عقر دارهم عُمان!
ان الاضاءة على الخطط الأميركية والصهيونية، تظهر ان الاستراتيجية العميقة هي التي خلقت هذه الفوضى بعدما سلّمت واشنطن العراق للايرانيين، وهي التي أسست لقيام”داعش” عبر الفراغ التي تركته كما أعترفت وزيرة خارجيته هيلاري كلينتون، وهي التي اطلقت رياح الفتنة المذهبية بين السنّة والشيعة، بعدما سدت واشنطن عقلها وآذانها عن خطورة تدخلات طهران لتقول انها باتت تسيطر على أربع عواصم عربية!
وليس صحيحاً ان حلفاء واشنطن الخليجيين يتطلعون الى جرّها الى صراعات طائفية طاحنة، لأنهم يعرفون انها هي التي ساهمت أصلاً في اشعال هذه الصراعات واذكائها، لكن أوباما عندما يتشاطر بحثاً عن براءة ذمة لسياسته الخارجية الكارثية، لا يتوانى حتى عن ازدراء حلفائه الأوروبيين ثم يقرر زيارة ديفيد كاميرون لتجاوز الاساءة.
وفي النهاية اوباما وبوش وجهان لعملة متعارضة لكنها واحدة الأهداف… مفهوم؟
النهار

لماذا يجب على الولايات المتحدة التدخل مجددا في الشرق الأوسط المضطرب؟
ترجمة وتحرير أسامة محمد – الخليج الجديد
في ظل حالة عدم الاستقرار التاريخي الذي تعاني منه منطقة الشرق الأوسط في الوقت الحالي، فإن الكثيرين في واشنطن يقومون بمناقشة الدور الذي ينبغي على الولايات المتحدة القيام به في المنطقة.
هل ينبغي أن تستمر مع تدخل محدود (مثل التركيز على المخاوف الأمنية القومية الهامة مثل مكافحة الإرهاب)، أم الانسحاب من المنطقة التي تبدو مستعصية، أو العودة إلى موقع القيادة المركزية؟
في تقرير نشره «بروكينغز» والمجلس الأطلسي بشكل مشترك ، يحدد «كينيث بولاك»، الباحث في مركز الشرق الأوسط السياسات تحديات كبيرة للأمن في الشرق الأوسط المعاصر، ويقدم طرقا وحلول هيكلية يمكن تحقيقها على المدى الطويل.
«بولاك» يؤكد على أن أمن / انعدام أمن الشرق الأوسط سوف يبقى أولوية عالمية ومصدر قلق عالمي وذلك لعدة أسباب منها الأهمية الدائمة لموارد الطاقة في المنطقة، وتركز الجماعات الإرهابية، والتكاليف الإنسانية الغير عادية من الصراع، والمركزية الجغرافية.
ويضيف أنه من غير المحتمل أن مشاكل الشرق الأوسط سوف تحل نفسها بنفسها أو أن القوى الإقليمية يمكنها فعل ذلك أيضا. في الواقع، وكما كتب «بولاك»، فقد شهدت السنوات القليلة الماضية امتداد مدمرا كان يمكن التنبؤ به كأثر ناجم عن فشل الدولة والحرب الأهلية، والاضطرابات العامة على نطاق واسع. وفي الوقت نفسه، ظلت الولايات المتحدة البعيدة استراتيجيا منذ انسحابها من العراق، رافضة للانخراط مجددا بعد سنوات من المشاركة الفعالة.
ووفقا لـ«بولاك»، فإن انهيار نظام الدولة القومية العربية يتطلب الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي بشكل أساسي. ومع ذلك، قبل أن تتمكن من تنفيذ أي إصلاح ذي معنى، فإن الأسباب الرئيسية لعدم الاستقرار والحروب الأهلية يجب أولا أن تحل. وكما يخلص التقرير، «فالولايات المتحدة لديها مزيج من القدرات والاستعداد المحتملين للقيادة والتطوير والتنفيذ» للاستراتيجيات اللازمة التي قد توفر الأمل في تحقيق الاستقرار الدائم في المنطقة.
هذه المرة مختلفة
تاريخيا، اعتادت دول الشرق الأوسط على نوع مختلف من انعدام الأمن والذي كان يتمحور حول التهديدات الداخلية، والتي خصصت لمكافحتها موارد وجهود هائلة و كما يلاحظ «بولاك»، على مدى عقود، غطت الثروة الناتجة عن احتياطيات النفط الضخمة والمنافسة العظمى التي تدعم هذه السياسات الأمنية المكلفة بما فيه الكفاية على فشل منهجي في السياسات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المنطقة.
ويضيف أن الربيع العربي في عام 2011 عرض بشكل كبير لحالة الاستياء الشعبي المتأجج منذ فترة طويلة ضد نظام الدولة الفاشلة. ولم تؤد أعمال العنف التي تلت ذلك مع انهيار الدولة إلا إلى زيادة تأكيد المشاكل الهيكلية واسعة الانتشار في المنطقة.
ويتناول «بولاك» في تقريره، مجالات الاهتمام الأمريكي الحاسمة، التي يعد بعضها ذو أمد طويل وبعضها الآخر جديد، كما يقدم خارطة طريق شاملة للولايات المتحدة إذا ما اختارت العودة إلى وضع القيادة التقليدي.
المنطقة المتناقضة
وكتب «بولاك» يقول: «بما أنه الشرق الأوسط، فإن المفارقات لا نهاية لها»، وهذا ما أصبح واضحا تماما في جميع أجزاء التقرير. ويضيف «بولاك» أنه يتوجب على صانعي السياسة «التفكير ما وراء النماذج الأمنية التقليدية» والاعتراف بالحاجة إلى إجراء إصلاحات أساسية لمجتمع الشرق الأوسط.
و وفقا لـ«بولاك» ، فإن من التناقضات لما سبق أن الاهتمام المباشر والرئيسي، يجب أن يكون إنهاء الحروب الأهلية الكارثية التي «أصبحت من محركات عدم الاستقرار».
وقد أضعف الانهيار غير المتوقع لأسعار الطاقة من الدول الريعية في المنطقة، وربما هذا يعطى الفرصة لإصلاح اقتصادي ذي معنى. وبالنسبة للولايات المتحدة، فإن الشغل الشاغل هو تهديد الجماعات الإرهابية الإسلامية، ولكن «بولاك» يحذر من المبالغة في التركيز الأمريكي على مكافحة الإرهاب ففي نهاية المطاف، فإن الإرهاب ليس إلا نتيجة لمشاكل إقليمية أعمق.
الأمر المركزي لـ«بولاك» هو أنه من الممكن إنهاء الحروب الأهلية عن طريق تدخل طرف ثالث. وإذا قامت الولايات المتحدة حقا بالتدخل المساعدة والتدريب والدعم الدبلوماسي فإن بإمكانها أن تدعم تغييرا حاسما في التوازن العسكري في أي من الحروب الأهلية. ويقول إن واشنطن يمكنها أن تخلق فرصة عن طريق التفاوض وتقاسم الأدوار مع الجميع (دون الانخراط في مهمات كبيرة ومكلفة، و لا تحظى بشعبية).
ولكن، حتى مع تأكيد التزام القوة الأمريكية، فإن الحروب الأهلية في العراق وليبيا وسوريا واليمن سوف تتطلب استعدادا استراتيجيا. ومما يعقد هذه الاستراتيجية لا محالة هي القضايا المتزامنة، بداية من الانقسام الشيعي السني (بما في ذلك المنافسة الجيوسياسية السعودية الإيرانية)، والقضية الإسرائيلية الفلسطينية التي لم تحل بعد، والحاجة الملحة في جميع أنحاء المنطقة لإصلاح قطاع الأمن.
الفكرة القديمة الجديدة
يتطلع «بولاك» إلى أوروبا لأخذ الدروس، مشيرا إلى أنها انتقلت من كونها «القارة غير المستقرة والأكثر عنفا في العالم» إلى مكان هاديء وآمن إلى درجة الملل الجيوسياسي.
يوصي «بولاك» ببنية مماثلة للبنية الأمنية الأوروبية الدائمة التي أصبحت في نهاية المطاف منظمة للأمن والتعاون في أوروبا (OSCE) وعاملة على السلام المركزي الدائم في القارة. ولكن على نطاق واسع من أجل جلب الأصدقاء والأعداء معا في حوار لمنطقة الشرق الأوسط.
وليس من شأن الإطار الأمني الجديد أن يحل جميع الخلافات، ولكن، كما يقول «بولاك»، فإنه سيكون «آلية لتسهيل الإجراءات التي من شأنها أن تكون أكثر صعوبة للإنجاز دون ذلك».
إن تحقيق الاستقرار في المنطقة المنهارة في دوامة العنف سوف يبقى مشروعا طموحا، ولكنه محاط باحتمالات الفشل، ويخلص التقرير إلى الاعتراف بأن اختيار القيادة الأميركية ينحصر في العودة للانخراط في العمل، كما يوصي «بولاك»، أو الانسحاب الاستراتيجي الذي يسعى للاحتواء. لا هذا ولا ذاك يبدو خيارا كبيرا، ولكن كما يحذر «بولاك»، فإن الخيار الأسوأ سوف يكون ألا تختار.
المصدر | بروكنغز
كيف ينظر الشارع الأميركي للملف السوري؟/ هشام منوّر()
إذا كانت السياسة الأميركية تجاه الأزمة السورية تتسم بعدم الوضوح، وهو أمر يعكسه بشكل كبير تعدد التوجهات التي تُشير إليها تصريحات المسؤولين الأميركيين بشأن الأزمة في سورية، ومواقفهم المختلفة من أطراف هذه الأزمة، فإن الرأي العام الأميركي المعروف بقلة خبرته وإلمامه بالملفات الدولية إلا بما يتصل مباشرة برفاهيته وأمنه القومي، سيكون أشد تخبطاً وجهلاً بالشأن السوري على الرغم من تحول سورية لتتصدر شاشات الإعلام والاهتمام العالمي.
في بداية الحراك السوري، تزايدت التصريحات التي تندد بممارسات نظام بشار الأسد، وتؤيد مطالب الاحتجاجات الشعبية، وبلغت حد مطالبة الرئيس الأميركي باراك أوباما بشار الأسد بالرحيل، بعد أن فقد شرعيته لدى الشارع السوري. غير أن هذه التصريحات لم تستمر على هذا النحو مع تصاعد حدة الأزمة وطول مدتها؛ حيث تتركز التصريحات الأميركية حاليًّا حول ضرورة التفاوض مع النظام السوري من أجل إجراء عملية انتقال سياسي في سورية، وهو ما دعا إليه وزير الخارجية جون كيري، في حين جاءت تصريحات جون برينان، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية «CIA»، بشأن أن «الولايات المتحدة الأميركية لا تريد انهيار الحكومة السورية ومؤسساتها في مواجهة إمكانية سيطرة الجماعات الإسلامية المتطرفة»، لتشير إلى توجس أميركي من مآلات الصراع في سورية، لا سيما مع عدم توافق القوى الدولية على السبيل الأمثل للتعامل مع تداعيات تلك الأزمة
ينعكس عدم وضوح وثبات الموقف الأميركي الرسمي من الأزمة السورية على توجهات الرأي العام الأميركي الذي يتسم عادةً بعدم الاهتمام بالقضايا الدولية، فظهر انقسام واضح في توجهات الشارع الأميركي إزاء سبل التعامل مع الأزمة في سورية، وهو ما سجلته نتائج استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «غالوب للأبحاث»، خلال الفترة من 3 إلى 7 فبراير 2016، حيث عبر 34% من المستطلعة آراؤهم عن رغبتهم في أن تكون الولايات المتحدة الأميركية منخرطة في حل الأزمة عسكريًّا، مقابل 29% يرون أنها بالفعل منخرطة في جهود حل الأزمة، بينما طالب 30% بأن تقلّل بلادهم من الانخراط في جهود تسوية الأزمة.
كشفت النتائج أن الجمهوريين هم الأكثر حرصًا على ممارسة بلادهم دورًا مهمًّا في حل الأزمة السورية، حيث عبر 49% منهم عن ذلك، مقابل 30% للمستقلين، و26% للديمقراطيين، كما يعد الجمهوريون أيضًا أقل فئة ترى أن الولايات المتحدة الأميركية تقوم بدور مناسب حاليًّا، وذلك بنسبة 22%، مقابل 29% للمستقلين، و36% للديمقراطيين. وبالتالي تأتي رغبة التقليل من انخراط الولايات المتحدة الأميركية في حل الأزمة لدى الجمهوريين ضئيلة حيث سجلت وفق نتائج الاستطلاع 23%، بينما كانت نسبة المستقلين والديمقراطيين 33% و34% على التوالي.
كما بدا أن ثمة انقسامًا في توجهات الرأي العام بشأن التدخل العسكري الأميركي في سوريا، كان لافتًا أنه توافق مع إبداء أغلبية كبيرة من الرأي العام – بلغت 80%- نظرة سلبية لسوريا، مقابل 12% فقط ينظرون لها بشكل إيجابي، مع ملاحظة أن النظرة السلبية لدى الأميركيين لسوريا قد ارتفعت، حيث كانت 74% في استطلاع مماثل خلال عام 2015، وكانت نسبة الجمهوريين هي الأكبر في ما يتعلق بالنظرة السلبية إلى سوريا حيث بلغت 90%، في حين جاءت نسبة المستقلين والديمقراطيين على الترتيب: 77%، و76%. فيما تجدر الإشارة إلى أن غالبية قدرها 58% من الأميركيين يرون أن الصراع الحالي في سوريا يُشكل تهديدًا خطيرًا للمصالح الحيوية للولايات المتحدة الأميركية في المنطقة.
وتتسق هذه النتائج -إلى حدٍّ كبير- مع نتيجة استطلاع آخر أجراه «غالوب» ونشره على موقعه في 22 فبراير 2016، أشار إلى أن سوريا تأتي في المرتبة الثامنة بين أكثر الدول عداءً للولايات المتحدة الأميركية من وجهة نظر الرأي العام الأميركي بعد كل من كوريا الشمالية، وروسيا، وإيران، والصين، والدول التي ينشط فيها تنظيم «داعش»، والعراق، وأفغانستان.
تأتي هذه النتائج في إطار العديد من العوامل المؤثرة ليس فقط على توجهات الرأي العام والشارع الأميركي وإنما أيضًا على الموقف الأميركي من سوريا. فعلى صعيد الرأي العام الأميركي، بدا واضحًا أن ثمة اهتمامًا ملحوظًا بتصاعد أزمة اللاجئين السوريين، والانتهاكات التي يرتكبها النظام ضد المعارضة، وتزايد نشاط تنظيم «داعش» في العديد من المدن السورية، فضلا عن صور قتل عناصر التنظيم لبعض الصحفيين الأميركيين، إلى جانب حرص النظام السوري على تأسيس علاقات وثيقة بأكثر الأنظمة عداءً للولايات المتحدة (روسيا وإيران). وقد انعكس الانقسام في توجهات الرأي العام الأميركي إزاء الأزمة في عدم توافق وجهات نظر المرشحين للانتخابات الرئاسية الأميركية، بل وعدم تقديمهم رؤيةً واضحةً للدور الأميركي في الجهود المبذولة للوصول إلى تسوية للأزمة.
رسمياً، يمكن القول إن إدارة الرئيس باراك أوباما أبدت اهتمامًا خاصًا بتصاعد نشاط التنظيمات الجهادية في سوريا مثل «داعش» و»جبهة النصرة»، الأمر الذي ساهم في تغير الأولوية الأميركية، حيث أقدمت واشنطن على تشكيل تحالف دولي (مكون من 64 دولة) لمحاربة «داعش» في سوريا والعراق؛ ووضعت الإدارة الأميركية نفسها أمام خيارات محدودة بين محاربة تنظيم «داعش» أو النظام السوري، حيث حرصت في النهاية على عدم التدخل بشكل حاسم لإسقاط الأسد خشية من أن يؤدي ذلك إلى سيطرة التنظيمات «الإرهابية» على الدولة. ومن دون شك، فإن الوصول للاتفاق النووي مع إيران في 14 يوليو 2015 ورفع العقوبات الدولية المفروضة على إيران في 16 يناير 2016، كل ذلك أدى في النهاية إلى حدوث تحول في السياسة الأميركية باتجاه منح الأولوية للحرب ضد الإرهاب في سوريا والعراق.
يبدو الشارع الأميركي منقسماً ومتردداً كما إدارته التي شارفت ولايتها على الانتهاء، ومع ذلك لا تزال تتعامل مع الملف السوري على أنه مجرد ملف امني لمواجهة بعض التنظيمات التي تناصب الولايات المتحدة العداء، ولا ترغب في الانخراط في قضايا المنطقة في آخر أيامها، ليثبت الشارع الأميركي أنه أبعد ما يكون عن مواكبة الأحداث العالمية على الرغم من ادعائه أنه يتسيّد العالم ويهيمن نفوذه عليه، فما يهم الشارع الأميركي في النهاية هو ما يمس صلته بأمنه القومي بالدرجة الأولى، والاقتصادي بدرجة ثانية.
() كاتب وباحث
المستقبل

أوباما: إكتشاف سر القوة المطلقة أو قتلها نهائيا/ مطاع صفدي
ربما يقرّ اليوم أكثر الذين يعتقدون أن (الأوبامية) مرحلة عرضية في النهج الأمريكي المتأصل منذ قيام الدولة، والمستمر بقفزات هائلة طيلة النصف الثاني من القرن العشرين الماضي، أي أن الإمبراطورية لم تتخذ قرار تصفية ذاتها خلال حقبة رئاسية واحدة لتتراجع عنه فيما بعد خلال عهود رئاسية أخرى مختلفة، فالحقبة السمراء هي على وشك الإنتهاء بعد بضعة أشهر، لكنها ستظل لها أشباح كثيرة هائلة في منعرجات كل ما هو قادم مع مستقبل الأدوار السياسية الكبرى للعالم ولقارات الغرب خاصة.
هناك حقيقة أولية تقول إن الرئيس المختلف لم يكن قادراً لوحده على إعلانات ساعات الحقيقة الجديدة، لم تكن تحولاته ناجحة أساساً من صلب الدولة الأمريكية القوية، فمن أراد أن يعطي الوجه الدبلوماسي المبتسم بديلاً عن وجه المدفع والصاروخ لم يكن ينتوي أن يحوّل أهم دولة عالمية إلى مجرد قرارات سياسية مرتجلة، ومن ثم متعارضة فيما بين قطب وآخر. ومع ذلك فقد اختار أوباما أن يتابع طريق الشوك هذه، وأن يجعل حتى من شخصه، مهزلة الصحافة في بلده، وليس في دول الخصوم وحدهم : لم يتراجع الرجل قيد أنملة عن ثوابته الجديدة هذه، وها هو في خطاباته شبْه اليومية الأخيرة لايزال مدافعاً بارعاً، الاستاذ الجامعي إن صحّ القول، عن مبدئيات أفكاره التي يعتبرها حتى معظم أنداده وأصدقائه مجرد مسوّغات لفظوية لقلب حقائق البدهيات السياسية المتعارف عليها أكاديمياً وتاريخياً، رأساً على عقب. فالرجل يعتبر نفسه مبشّراً جديداً في فلسفة العلاقات الدولية وخاصة بما يتصل منها بمصائب الشعوب الصاعدة، والباحثة عن حرياتها الضائعة بين أكتاف العمالقة كلها، وأتباعهم الصغار. فهو يرى أن هزائم هذه الشعوب المستضعفة كانت علّتها هو اندفاعها المطلق وراء التحرير بكل وسائل العنف المطلق، إذ أنها بعد توالي الخيبات الكبرى في هذا الإتجاه وكأنها تنحو نحو سلم استسلامي لإرادة المستتبين بها، من دون أي اعتراض فعّال. فلماذا لا نأتي بالبديل الثالث عن كلا الحديْن وهما الكفاح المحكوم بهزائمه المتوالية، من ناحية، أو السلم الإستسلامي لمصير الخضوع لأمر الواقع التسلّطي وحده. هذا البديل الثالث هو الجمع بين الحديْن لكن دون الإستتباع التلقائي لأحدهما ضداً على الآخر.
تجربة أوباما مع فتن سورية شكلتا أول تطبيق صارخ لهذه المعادلة، فالتوجيه الفاعل في مختلف تجلّيات هذه التجربة هو من وحي الرفض الأمريكي على كلا الحبلين معاً دون أن يقع أسيراً لأحدهما دون الآخر على الأقل.
فالإدارة الأوبامية لم تنجرّ إلى أية معركة واحدة حاسمة مع النظام السوري الذي كانت لا تكفّ عن المطالبة برحيله ولاشرعيته، هذا حدث مع توفر عشرات المناسبات الميدانية والثأرية، التي كان يمكن لها أن تنهي الحرب خلال أسابيع أو أيام وليس أشهراً أبداً.
إذا أتيح يوماً لبعض المعارضين الإضطلاع على بعض جوانب العلاقة المعقدة بين العملاق والقزم، فسوف تتلخص لها ذخيرة حية بالمفارقات المتنوعة سياسياً وعسكرياً وحقوقياً فريدة من نوعها في الثقافة الدولية، كان فيها أوباما يصطاد الفأر والقط من لعبتهما معاً، ويتلاعب بها إيجاباً وسلباً معاً. كان حريصاً، في كل حبكة معقدة في السياسة السورية أو في ميدان من ميادينها، للقبض على رأس كل من القط والفأر في اللحظة المناسبة، رادعاً لهما عن إرتكاب مجزرة هنا أو هناك. أو دافعاً لارتكاب سواها في مناسبة أخرى.
بكلمة واحدة، فقد يختلف الكثيرون حول مدى النجاح أو الخيبة من السلوك الأمريكي لأوباما. لكن بصورة عامة لن يكون من المبالغة التصريح بالفم الملآن، أن الحاكم الأسود الأول، وربما الأخير، لأعظم دول الدنيا قد خرج من تمارينه السورية كأنه هو الرابح وحده. كذلك لن يكون نجاحه ذاك نصراً عابراً محدوداً، بل انعطافاً بالغ الأهمية بالنسبة لمكانة أمريكا وأدوارها المنتظرة إزاء قضايا دولية لا تزيدها المهالك العسكرية إلا شراسة وضراوة ضد ما تبقّى للإنسانية من تعلقها بالمُثل العقلانية العريقة. إنه المنطق الأمريكي الذي سيغدو مثلاً عالمياً حتى في مفاهيم متجذرة حول استراتيجية كونية شاملة، أهم عناوينه البادية منذ الحاضر هو إلغاء مبدئية الفاعل العسكري في بناء الأمن المحلي والدولي. فالمستقبل الذي هو لقوة الذكاء الإنساني مرافقاً لمنهج الذكاء الإصطناعي إنها القيادة للعلم وحده، اللامحدود. غداً لن تكون الدولة الأقوى عالمياً هي دولة الصواريخ أو القنابل النووية، بل إنها شجاعة الآلات الحاسبة الجبارة التي ستتابع حركات كل إنسان على الأرض؛ لأقل نجمة في السماء.
وأما إذا سألنا أنفسنا نحن العرب، أين سنكون في هذا العصر الجنوني ذكائياً الذي فتحت سوريا بابه الأصغر كلياً، ثم راحت بقية أبوابه الأخرى تستعد للإنفتاح، وذلك ما وراءها من المصارف والأرقام والمعادلات الرمزية السرّية والعلنية، بالطبع لم تكن نكبة سوريا في كل هذا إلا الذريعة أو الخدعة التآمرية الكبرى. وقد عرف أوباما كيف يكتشفها هكذا على حقيقتها ويمتطيها ليخوض بها (ثورته) السرّية الخاصة به، التي سوف تصير ثورة الدنيا على ذاتها، من أجل ذاتها وربما حتى مسارها الأخير كذلك.
٭ مفكر عربي مقيم في باريس
القدس العربي
عن مقابلة أوباما بأتلانتيك.. يمدح نفسه منتقدا الأوروبيين والعرب ومتناسيا مأساة سوريا/ فريدا غيتس
إذا أردت أن تفهم كيف يرى الرئيس باراك أوباما العالم ودور الولايات المتحدة الأمريكية فيه، فإن قراءة مقالة “Obama Doctrine”، بمجلة أتلانتيك هو أمر لا غنى عنه. ولكن إذ كنت تأمل في أن تجد فهما عميقا لشخصية الرئيس هناك، فإن آمالك ستخيب.
لقد أعطى أوباما للصحفي جيفري غولد بيرغ، كاتب المقالة، طريقا مفتوحا للوصول إلى المعلومات التي يريدها، وقام الأخير بدعم لقاءاته التي استمرت لساعات مع أوباما، بمحادثات ورؤى لعدد لا يحصى من الأشخاص. وما يظهر من كل ذلك، هي صورة رئيس عميق التفكير وذكي وحذر، ولكنه ميال إلى مدح نفسه بدلا من انتقادها.
ويعرض أوباما تحليلا مدروسا، للسبب الذي يدفعه إلى عدم الدخول في اشتباكات جديدة، وخصوصا في الشرق الأوسط، كما عرض تقديراته للطريقة التي يرى أن أمريكا تستطيع استخدام قوتها من خلالها. الولايات المتحدة الأمريكية تبقى دولة لا غنى عنها، ولكنها لا تستطيع حل كل مشاكل العالم.
ويطرح كذلك أفكاره على الرئيس المقبل، والذي يقول إنه يجب أن يكون على دراية بأنه “لا يستطيع حل جميع المشاكل”، ولكن “إذا لم نستطع وضع الأجندة، لن يحدث شيء”، وفقا لأوباما.
مثال على عدم حدوث شيء حين تقف الولايات المتحدة الأمريكية جانبا، موجود في سوريا، فإن أوباما يتحمل بعض المسؤولية بسبب تراجعه في وقت كان يستطيع أن يفعل فيه المزيد، ولكن يُحسب له الأسلوب الذي تعامل به مع القضية السورية.
يركز المقال بشكل مطول على قرار أوباما المثير للجدل، بالتراجع عن خطته لضرب سوريا، بعد أن استخدم الدكتاتور بشار الأسد، الأسلحة الكيماوية ضد الآلاف من المدنيين، وقد كان أعلن أوباما في وقت سابق لذلك عن أن استخدام الأسلحة الكيماوية يشكل “خطا أحمر”، ويستدعي تدخل الولايات المتحدة الأمريكية.
وقد أرسل وزير الخارجية، جون كيري، إلى الكونغرس، ليدافع بشغف وقوة عن الحاجة إلى فهم التهديد الذي تشكله عواقب تصرفات الأسد المروعة وليؤكد أنه حين يضع الرئيس الأمريكي خطا أحمر، فإنه يعي ما يقول.
ولكن بعد ذلك، أدرك أوباما أنه على المسار الخطأ وتراجع عن خططه. وقد كان معظم العالم مذهولا من تراجعه، وقد رأوا أن مصداقية الولايات المتحدة الأمريكية قد تلاشت. وفي النهاية قدمت روسيا حلا يقضي بأن يسلم الأسد أسلحته الكيماوية.
وقد قال أوباما لغولد يرغ، إنه “فخور جدا بهذه اللحظة”، إذ استطاع أن “يتراجع عن الضغوطات الفورية”، التي فرضتها السياسة الخارجية. والمفارقة هنا، تكمن في أن الضغط كان مفروضا بشكل ذاتي. فإن أوباما هو من رسم الخط الأحمر، وفي الحقيقة، فإنه لا يوجد شيء قد حدث في سوريا يعطي سببا لأحد بأن يكون فخورا، حتى باراك أوباما.
تجاوزا لأحداث 2013، إن الفشل الأكبر لسياسة الرئيس في سوريا يكمن في أنه لم يتدخل بشكل حازم ومحدود، ما كان من شأنه أن يمنع الكارثة.
سوريا تشكل كارثة حقيقية، فقد قتل نصف المليون شخص، وهجر ملايين آخرين، وفقد الاستقرار في المنطقة، ونزح عدد من اللاجئين لم يشهد مثله العالم منذ الحرب العالمية الثانية، كم أبرزت الجماعات الإرهابية وحشيتها بشكل مستمر.
كلا، إذا أراد أوباما أن يتحدث عن إنجازاته، فعليه أن يلغي اسم سوريا من القائمة.
ولكن عليك ألا تتوقع من أوباما أن يجد الكثير من الأخطاء في سجله الشخصي. هو يعترف بأن التدخل في ليبيا كان خطأ، ولكنه لن يقبل اللوم. إذ يقول “هناك مساحة للانتقاد، وذلك لأنني وثقت بشكل أكبر بالأوروبيين”، حسب تعبيره.
وفي محاولة فاشلة لإظهار التواضع، قال أوباما إن “كل رئيس يمتلك نقاط قوة وضعف، هناك أوقات لم أكن فيه متنبه بشكل كاف إلى المشاعر والأحاسيس والسياسة التي ربطت ما كنا نفعله بالطريقة التي كنا نقوم بفعله عبرها”، حسب تعبيره.
أوباما يفكر بنفسه إلى حد كبير، وهذا ما يجب أن يحدث. هو رجل رائع، كما يظهر هذا المقال، ولكنه يفتقد إلى التواضع الذي يتيح له الانفتاح على آراء الآخرين، من زعماء العالم ومستشاريه المقربين. فيقال إنه رفض اقتراحا لكيري بإطلاق صواريخ على أهداف تابعة للنظام، لإجباره على التفاوض.
وفي قصة طريفة، فقد كان أوباما يجلس مرة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، والذي كان يحاضره عن الشرق الأوسط، ليقاطعه الأول قائلا “أنا ابن أم عزباء إفريقية أمريكية وأنا أعيش هنا، في هذا البيت. في البيت الأبيض، ولقد خططت لأكون رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية. أنت تظن أنني لا أفهم الذي تتحدث عنه، ولكنني أفهم”، حسب تعبيره.
والحقيقة أن وصول أوباما إلى الرئاسة كان أمرا رائعا وإنجازا تاريخيا وأن المواهب والمهارات التي جعلت ذلك يحدث، قد أعطت الرئيس رؤى هامة وقيمة.
لقد قرر أوباما أن الشرق الأوسط أقل أهمية للولايات المتحدة الأمريكية، مما ظنه الرؤساء السابقين، وجزء من ذلك صحيح، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الولايات المتحدة الأمريكية تعتمد بشكل أقل على النفط المستورد، ولكن كما أظهرت سوريا، وكما يدرك أوباما نفسه، أنه حين لا تتدخل الولايات المتحدة الأمريكية، تخرج الأمور عن السيطرة، ولا يبقى انعدام الاستقرار، والعواقب التي تنتج عنه في المنطقة وحدها.
الأزمة السورية تؤثر على حلفاء أمريكا في أوروبا والشرق الأوسط، وقد وصلت أمواج الصدمة الأيديولوجية إلى السواحل الأمريكية، وبدأت حقا بالتأثير على السياسة الداخلية، والأورام التي أنتجتها المعركة قد تصبح أسوأ.
وفقا للمقال، فإن أوباما قد اشتكى لأصدقائه ومستشاريه من أن الحلفاء العرب للولايات المتحدة الأمريكية استغلوا قوة أمريكا لدعم غاياتهم الطائفية. الإحساس بأنه يتم استغلال الولايات المتحدة الأمريكية حتى من قبل أقرب الحلفاء، منتشر بقوة.
يرى الرئيس أن الولايات المتحدة الأمريكية يجب أن تنظر إلى آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية، ومن يمكنه أن يخالف هذه الرؤية؟ ويرى أيضا أن على الولايات المتحدة الأمريكية استخدام قوتها العسكرية عندما يكون هناك خطر حقيقي على الأمن القومي الأمريكي، ويجب عليها أن تتدخل دائما من أجل القضايا الإنسانية. “العالم مكان صعب ومعقد وتعمه الفوضى، مليء بالمصاعب والتراجيديا، سيكون هناك أوقات نستطيع فيها التدخل لإنقاذ الأبرياء ولن نستطيع فعل ذلك في أوقات أخرى”، يضيف أوباما.
وهذا أمر من المستحيل أن تختلف معه، ولكن السؤال يبقى في مكان رسم الخطوط، وهو قرار يقع على كاهل الرجل الذي يجلس في المكتب البيضوي. لقد أظهر أوباما أنه رجل عميق ويفكر ويتأمل مليا في المسؤوليات الثقيلة التي يفرضها عليه منصبه. ولكن هذا المقال ليس موضع قراءة دقيقة وصادقة. فالمقابلات التي قام بها أوباما قد هدفت إلى تلميع إرثه.
ولا تظن مخطئا بأن هذه المقالة تهدف إلى البحث في أعماق ذات الرئيس. قد يصدر شيء من هذا القبيل بعد سنوات من تركه للرئاسة، عندما يعيد حساباته في القرارات الصعبة التي اتخذها خلال فترة ولايته، ومن ضمن هذه القرارات، قراره اتجاه الحرب في سوريا وتوقيع الاتفاق النووي مع إيران. ولكن حتى حينها، فإنني أرى أن أوباما سيشارك انتقاداته لنفسه مع الأشخاص المقربين منه فقط.

رأي لفريدا غيتس، كاتبة في الشؤون العالمية لمجلة The Miami Herald and World Politics، وصحفية سابقة في CNN. يذكر أن الآراْء المطروحة في هذا المقال تعبر عن وجهة نظر الكاتب، ولا تعبر بالضرورة عن رأي CNN.
“لوموند”: واشنطن تجاهلت عمدا تمدد “داعش” في سورية/ باريس ــ عبد الإله الصالحي
الولايات المتحدة الأميركية تجاهلت عن عمد تقارير استخباراتية مفصلة عن تقدم تنظيم “الدولة الإسلامية” في شمال سورية منذ منتصف عام 2013، ولم تستغل تلك التقارير والمعلومات إلا نادراً حتى بعد قرارها ضرب معاقل “داعش” في سبتمبر/ أيلول 2014. هذا أبرز ما كشفت عنه صحيفة “لوموند” في تحقيق مطول نشرته في عدد اليوم أنجزه مبعوثان خاصان في أوساط المعارضة السورية بتركيا دام عدة أسابيع.
واعتمدت الصحيفة الفرنسية في هذا التحقيق على ما قالت إنه اعترافات خاصة لأحد كوادر الجيش السوري الحر قالت إنه كان مكلفاً من رؤسائه ببعث تقارير مفصلة للأميركيين عن “داعش”، ورصد تحركات التنظيم في مدينة سراقب، ولفت انتباهه مقاتل غريب الأطوار من أصل بلجيكي جزائري يدعى “أبو براء الجزيري” سبق له أن قاتل في أفغانستان والعراق ويتحدث الفرنسية والروسية والانجليزية بطلاقة. وكان هذا الأخير يردد على مسامع الجميع أن “دولة الخلافة ستتأسس قريباً في سورية” ولم يكن يؤخذ على محمل الجد. وكانت تقاريره الأولى عن “داعش” تحذر الأميركيين من إغفال تقاطر مئات الجهاديين الأجانب على سورية.
وفي لقاء له مع السفير الأميركي لدى المعارضة السورية، روبير فورد، قال السيد “م” بالحرف لمحاوره “هؤلاء الإرهابيون الأجانب يتدفقون لسرقة بلادنا وأرضنا وحقوقنا، إن لم توقفوا هذا التدفق فبعد ثلاثة أشهر فقط سنؤدي الثمن غالياً”.
وكان الرجل السوري الذي سماه تحقيق الصحيفة السيد “م” يعتمد على شبكة من عشرات المخبرين، ومدّ الاستخبارات الأميركية بتقارير تتضمن معطيات ميدانية دقيقة وخرائط وأرقام هواتف وعناوين الحواسيب التي يستعملها التنظيم في المناطق التي يسيطر عليها.
وبدأت التقارير الأولى عندما كان “داعش” مجرد مجموعة صغيرة لا يتعدى عناصرها مائة مقاتل إلى حين تقوى التنظيم وتجاوز مقاتلوه 20 ألف عنصر. واطلعت الصحيفة عبر المدعو “م” على نسخ من التقارير والوثائق التي كان يبعثها للأميركيين ومن بينها تقرير مفصل عن مدينة الرقة يتضمن أسماء القادة الميدانيين وعناوين مكاتب التنظيم والحواجز وأيضاً عنوان قيادة التنظيم في المدينة. كما اطلعت الصحيفة على صور عالية الجودة التقطها أحد مخبري السيد “م” لمعسكر خاص بتدريب المقاتلين الأجانب في محافظة اللاذقية.
وبعد تحققها من صحة الصور والوثائق ومقارنتها بوثائق أخرى من كوادر الجيش الحر وفصائل معارضة أخرى، اعتبرت الصحيفة أن الأمر يتعلق بفرصة ذهبية تجنبت واشنطن استغلالها ولو أنها فعلت ذلك لما وصلت الأسرة الدولية إلى مأزق المواجهة مع “داعش” بعد أن تقوت شوكته في المناطق التي يسيطر عليها في الأراضي السورية.
وذكر السيد “م” لصحافيي “لوموند” بأن الإدارة الأميركية آنذاك (بين عامي 2013 و2014) لم تكن لديها رغبة لصد تمدد “داعش” في سورية وكانوا يكتفون برصد المشهد الحربي السوري من بعيد وجمع المعلومات والتقارير الاستخباراتية.
واطلعت الصحيفة على وثيقة أعدها السيد “م” للأميركيين وتتضمن خطة عسكرية لفصائل الجيش الحر للاستيلاء على مواقع “تنظيم الدولة الاسلامية في سورية والعراق” قبل أن تتحول إلى “داعش” في محور أعزاز/حلب بداية 2014. وكانت الخطة “تعتمد على معلومات دقيقة ومفصلة عن القرى التي يسيطر عليها التنظيم الجهادي مع خرائط تحدد مكاتب وحواجز التنظيم ومواقع القناصة وبيت وسيارة أمير التنظيم في كل قرية”، لكن الأميركيين تماطلوا كثيراً في إعطاء الضوء الأخضر لبدء عمليات عسكرية ضد التنظيم.
العربي الجديد

عقيدة أوباما» الفاسدة/ عبدالعزيز التويجري
كشف الرئيس الأميركي باراك أوباما في أحاديثه الطويلة الشاملة لمجلة «ذي أتلانتيك»، القناع عن وجهه الحقيقي، في سابقة غير معهودة في الأحاديث التي يدلي بها الرؤساء الأميركيون أو غيرهم من قادة دول العالم للصحافة. فللمرة الأولى يطلع أوباما على العالم بهذه التصريحات الفاضحة الكاشفة عن الخلفيات والمعبرة عن الأفكار الخطيرة، التي إن فاجأت الرأي العام العالمي بصورة عامة، فإنها لم تكن مفاجئة لمن سبروا أغوار سياسة الإدارة الأميركية في هذا العهد، المطبوعة بالتردد، وعدم الحسم، والنكوص عن اتخاذ القرارات التي يقتضيها حفظ الأمن والسلم الدوليين، وافتعال الغموض لإخفاء الدوافع الحقيقية، والتناقض بين الأقوال والأفعال والكيل بمكيالين، مما تسبب في تفاقم الأزمات الحادّة التي تشهدها مناطق عدة من العالم، خصوصاً منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ومنطقة الساحل الأفريقي.
لقد تحدث أوباما في سلسلة طويلة من الحوارات (تقع في 20 ألف كلمة) صاغها الكاتب الأميركي الصهيوني جيفري غولدبرغ تحت عنوان «عقيدة أوباما»، عن تحول أندونيسيا، تدريجياً، من دولة مسلمة متسامحة إلى دولة أكثر تطرفاً وغير متسامحة. وردّ هذا التحول، إن كان قد حصل فعلاً، إلى المملكة العربية السعودية والدول الخليجية، فزعم أنها ترسل الأموال وعدداً كبيراً من الأئمة والمدرسين إلى أندونيسيا.
وادعى أوباما أن السعودية موّلت في 1990 المدارس الوهابية في شكل كبير، وأقامت ندوات وملتقيات ودورات لتدريس الرؤية الأصولية المتطرفة للإسلام. وزاد فقال واصفاً هذه الرؤية المتطرفة بأنها «المفضلة لدى العائلة المالكة». وخلص إلى القول: «أصبح الإسلام في إندونيسيا عربيَّ التوجّه غير ما كان عليه الوضع عندما كنت أعيش هناك».
هذه التصريحات، وغيرها كثير مما لا نريد أن ننقله ونروج له، تعني بالعبارة الواضحة، أن الرئيس الأميركي أعلن العداء للسعودية ولدول مجلس التعاون، حين اتهمها بالتورط في نشر الإرهاب من خلال إنشاء المدارس وإيفاد المدرسين وإنفاق الأموال، حتى تحولت الدولة الإسلامية الكبرى من حيث عدد السكان، إلى ساحة للتطرف الذي يـنشئ الإرهاب. وهذا افتراء وتلفيق يخل بالحقـائق، الغرض منه القول إن السعودية والدول الخليجية تنشر الإرهاب في إندونيسيا وغيرها من دول العالم الإسلامي.
واتخذ أوباما موقفاً واضح الانحياز إلى إيران، حين قال: «إن السعوديين يجب أن يتقاسموا الشرق الأوسط مع الأعداء الإيرانيين، وأن التنافس بين السعوديين والإيرانيين الذي غذى الحروب بالوكالة والفوضى في سورية والعراق واليمن، يتطلب منا أن نقول لأصدقائنا (يقصد السعوديين) وللإيرانيين إنهم في حاجة الى أن يتوصلوا إلى وسيلة وطرق فعالة لتقاسم الجوار وإقامة شكل من أشكال السلام البارد». واستطرد قائلاً: «أن نقول لأصدقائنا فقط إنكم على حق في أن إيران مصدر كل المشكلات، وأننا سندعمكم في التعامل مع إيران، فسوف يعني بالضرورة أن هذه الصراعات الطائفية ستستمر في التصاعد». وهذا يعني أن الدولتين معاً، السعودية وإيران، هما المسؤولتان عن تدهور الوضع في المنطقة.
وفي ذلك تبرئة لإيران، بقدر ما فيه اتهامٌ باطلٌ للسعودية، والإيحاء بأنها تدعي على إيران وترميها بما ليس فيها. وهو مخالفة للواقع على الأرض، بالتجاهل وليس بالجهل، لأن الرئيس أوباما يعلم جيّداً وبما فيه الكفاية، عن الأدوار التخريبية لطهران في المنطقة، مباشرة أو عن طريق الميليشيات الشيعية التابعة لها في العراق وسورية ولبنان واليمن، ومن خلال الخلايا الإرهابية التي زرعتها في دول الخليج العربي، وبخاصة البحرين والكويت والسعودية، بحيث تعدّ ضالعة في ممارسة الإرهاب، وزعزعة الاستقرار، لفرض هيمنتها. فهذه السياسة الإيرانية لا تخفى عليه وعلى مساعديه.
أراد أوباما أن يعلن للعالم أن «الإرهاب السني» مصدر التوترات والاضطرابات في هذا العالم، وأن إيران لا تمارس «إرهاباً شيعياً»، وحتى إن مارسته فإنه لا يهدد الأمن الإقليمي والسلام العالمي. وتناسى أن إرهاب داعش والنصرة وقبلهما القاعدة الذي يوصف ظلماً وزوراً بـ «الإرهاب السني»، هو صناعة مشبوهة لبلاده يدٌ طولى فيها. والخطير في هذه التصريحات أنها تصدر عن الرئيس الأميركي، الذي يفترض فيه أن يكون رصيناً في كلامه وتحليلاته، وهي من دون شك، شر مستطير يؤذن بالدفع بالمتغيرات نحو ما هو أخطر على الأمن والسلم الدوليين. فهذه الحملة العدائية ضد السعودية تخدم في الأساس مصالح إيران والصهيونية والاستعمار الجديد، ولا تتفق في شيء مع المصالح الاستراتيجية الحيوية للشعب الأميركي، ولا مع العلاقات التاريخية الوثيقة والمثمرة بين البلدين والتي بدأت بلقاء الملك عبدالعزيز، رحمه الله، بالرئيس الأميركي الراحل روزفلت في شباط (فبراير) 1945 على ظهر المدمرة الأميركية «كوينسي».
إنَّ الترجمة الواقعية لهذه التصريحات توضح أن «القيم الأميركية» المستمدة من الدستور الأميركي ومن وثيقة الاستقلال، باتت في مهب الريح، وأصبحت موضع إخلال بها وتنكر لها على نحو شديد الخطورة. كما تؤكد تلك التصريحات المنافية للأعراف الديبلوماسية، أن ما سمي «عقيدة أوباما»، حسب تعبير غولدبرغ، عقيدة فاسدة في مضمونها، ومنحرفة عن المسار التقليدي للعلاقات بين أميركا وأصدقائها في المنطقة، كما تتناقض مع القانون الأميركي بالدرجة الأولى، ومع القيم الأميركية التي جعلت من هذه الدولة القوة العالمية الأكثر تقدماً والأوسع انتشاراً والأوفر ازدهاراً.
* أكاديمي سعودي
الحياة

تصريحات لأوباما ينبغي أن تُسْمِعَ الصُّمَّ العرب/ أسامة أبو ارشيد
لمن لم يستوعب بعد من العرب أن الولايات المتحدة حليفٌ لا يمكن الاعتماد عليه، ولا الوثوق به، نحيلهم إلى التقرير الطويل الذي نشرته مجلة “ذا أتلانتيك” الأميركية الأسبوع الماضي، وكتبه جيفري غولدبيرغ “عقيدة أوباما” في السياسة الخارجية. هو قائم على حواراتٍ ومقابلاتٍ كثيرة، أجراها غولدبيرغ مع الرئيس باراك أوباما، وعدد من أعضاء حكومته ومستشاريه لشؤون الأمن القومي، فضلاً عن مسؤولين رفيعين في بعض الدول الحليفة للولايات المتحدة، كبريطانيا وفرنسا.
في ذلك التقرير، تجد مستوى صادماً في صراحة أوباما، وبعض مساعديه، في الحديث بطريقةٍ، أقل ما توصف به، أنها استفزازية، إن لم تكن مهينة، عن بعض أقرب “حلفاء” أميركا العرب، وتحديدا المملكة العربية السعودية، ومطالبتهم بالقبول “مشاركة المنطقة” مع إيران. ولا يتوقف أوباما عند مطلبه ذاك، بل إنه لا يداري في تواطؤه في جريمة إبادة الشعب السوري على أيدي نظامه وحلفائه من الروس وإيران ووكلائها، بذريعة أنه لا يمكن للولايات المتحدة أن توقف ذلك من دون وضع قوات كبيرة على الأرض. طبعاً، لا يشير أوباما، هنا، إلى أن إدارته هي من وضعت، ولا زالت، “فيتو” على مساعي قوى إقليمية في المنطقة، لتسليح الثوار السوريين بأسلحةٍ نوعية، وتحديداً، صواريخ أرض-جو، للتصدّي لعربدة طائرات النظام الحربية التي كانت تزرع الموت والدمار بين السوريين، قبل أن تدخل روسيا على الخط، أيضاً، بقصف جوي بربري، يذكّر بدكها العاصمة الشيشانية، غروزني، في تسعينيات القرن الماضي.
في التقرير، يلقي أوباما مسؤولية تعبئة ما يصفه بـ”الغضب الإسلامي” على دولٍ صديقة، وتحديداً السعودية ودول الخليج العربي الأخرى. ويقتبس التقرير حواراً، حديثاً، جرى بين رئيس وزراء أستراليا، مالكولم تيرنبول، وأوباما، يشير فيه الأخير إلى أن السعودية ودولا خليجية هم من صَدَّرَ نسخة “وهابية” أكثر “أصوليةً” من الإسلام إلى إندونيسيا. وعندما يسأله تيرنبول: “أليس السعوديون أصدقاءكم؟”، يجيب أوباما: “إنها مسألة معقدة”. بل ينقل التقرير عن مسؤولين في البيت الأبيض قولهم إنه كثيرا ما تسمع مستشاري أوباما في مجلس الأمن القومي الأميركي يُذَكِّرونَ زائري البيت الأبيض أن غالب مرتكبي هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001، كانوا سعوديين، وليسوا إيرانيين، منتقدين النسخة التي تتبناها السعودية للإسلام.
ولا ينسى أوباما، في هذا السياق، أن يمارس “الأستاذية” على العرب والمسلمين، عندما يُقَرِّرُ أن الإسلام بحاجة إلى مصالحةٍ مع الحداثة، وإلى عمليات إصلاح كالتي عرفتها المسيحية من قبل. ومع إقرارانا أن ثمة إشكالات بنيوية في مقاربات كثيرين للإسلام، فقهياً ومنهجياً وفكرياً واجتماعياً وثقافياً، اليوم، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يدفعنا إلى إغفال حقيقة أن ذلك جانب واحد من مشكلةٍ مركبةٍ معقدة. فهذا الجانب، على عِظَمِهِ وضرورة إصلاح خلله، لا ينساح في فراغ، وإنما هو يتغذّى، كذلك، من قمع وتخلف سلطوي في فضاء “عالم الإسلام”، كما أنه يتغذّى من عدوانٍ أجنبيٍّ على حياضه.
وعودة إلى مقاربة بعض الدول العربية التي بنت استراتيجياتها الدفاعية على موثوقية الحليف الأميركي، والتزامه نحوها، فأوباما، في ذلك التقرير، أطلق تصريحاتٍ تُسمع الأصمَّ أن ذلك الرهان وَهْمٌ أكثر منه حقيقة. فهو يشير إلى أنه خَلُصَ إلى جملةٍ من القناعات حيال المنطقة، وهي، أولا: أن الشرق الأوسط لم يعد مهماً، بشكل كبير، للمصالح الأميركية. ثانياً، أنه حتى وإن كانت تبقى أهمية للشرق الأوسط، أميركياً، فهناك القليل مما يمكن لرئيسٍ أميركي أن يفعله لجعله مكاناً أفضل. ثالثاً، أي توجه أميركي لإصلاح المشكلات التي تظهر في الشرق الأوسط ستقود، حتما، إلى حروبٍ، وستؤدي إلى مقتل أميركيين، وإلى إضعاف المصداقية والقوة الأميركيتين. وبناء على ذلك، فإنه يطرح الخلاصة الرابعة التي توصل إليها، وهي أن العالم لا يستطيع تحمل تراجع القوة الأميركية.
ولأن الشرق الأوسط لم يعد ذا أهمية كبرى، أو أنه لم يعد أولويةً أميركيةً ضاغطة، فإن أوباما
“لأن الشرق الأوسط لم يعد ذا أهمية كبرى، أو أنه لم يعد أولويةً أميركيةً ضاغطة، فإن أوباما يدعو السعوديين والعرب إلى القبول بمشاركة إيران المنطقة” يدعو السعوديين والعرب إلى القبول بمشاركة إيران المنطقة، ويقول: “المنافسة بين السعوديين والإيرانيين، والتي ساهمت في إذكاء الحروب بالوكالة والفوضى في سورية والعراق واليمن، تتطلب منا أن نقول لأصدقائنا، وكذلك للإيرانيين، أن عليهم أن يجدوا طريقةً فعالةً، لكي يتشاركوا المنطقة، وأن يصلوا إلى نوع من السلام البارد”. دعوة “تشارك” المنطقة هذه مع إيران، ينبغي لها أن تطلق أجراس الإنذار في كل عواصم العرب، ذلك أن أوباما لا يتحدّث، ببساطة، عن حق إيران في الوجود الطبيعي ضمن فضائها الإقليمي، واحترام مصالحها وحجمها، بل إنه يعتبر، كما يقترح تصريحه، أن سورية والعراق واليمن، ولا شك لبنان كذلك، أجزاء من “الكعكة” التي ينبغي تقاسمها مع إيران. بمعنى آخر، ينبغي لنا، نحن العرب، حسب منطق أوباما، أن نقبل إيران شريكاً ينازعنا مجالنا الجغرافي، وعمقنا الاستراتيجي!
ولكي يؤكد أوباما المعطى السابق من أن رهاناً من “حلفاء” أميركا العرب عليها سيكون خاطئاً، فإنه يقول، وبكل وضوح: “المقاربة التي تقول لأصدقائنا: أنتم على حق، إيران هي مصدر كل المشكلات، وبأننا سندعمكم في التعامل معها، سيعني، جوهرياً، أن هذه الصراعات الطائفية ستستمر بالتأجج، وليس لدى حلفائنا الخليجيين، أصدقائنا التقليديين، القدرة على إطفاء النيران بأنفسهم، كما أنه ليست لديهم القدرة على ربح المعركة بشكل حاسم وحدهم، وهذا سيعني أن علينا الذهاب واستخدام قوتنا العسكرية لحسمها لصالحهم. هذا لن يكون في صالح الولايات المتحدة، ولا في مصلحة الشرق الأوسط”.
هل وصلت الرسالة؟ مبدئياً، يبدو أن السعوديين التقطوا الرسالة، وجاء الردُّ عبر الأمير تركي الفيصل، السفير السعودي الأسبق في واشنطن، في مقال نشره في صحيفة “عرب نيوز” السعودية التي تصدر بالإنجليزية. في ذلك المقال، شدد الفيصل على أن السعودية ليست عبئاً على أميركا، وذكّر أوباما بالشراكة التاريخية الأميركية-السعودية، وبالخدمات التي قدمتها بلاده للولايات المتحدة. ليس ذلك الرد كافيا، ولن يكون قادرا على إعادة بعث الحياة في العلاقات “التحالفية” الثنائية، فالردُّ السعودي الحقيقي ينبغي أن يكون أكبر من ذلك، وأوسع نطاقا، خصوصا وأن السعودية تتعرّض لضغوطٍ أميركية كبيرة، منذ قرابة العام، وليس فقط منذ تصريحات أوباما الأخيرة، للقبول بـ”مشاركة” إيران النفوذ في النطاق العربي. وما المطالب الأميركية من الرياض بوقف “عاصفة الحزم” في اليمن، والقبول بالحوثيين، المخلب الإيراني، جزءاً أساسياً في المعادلة السياسية فيه، ثمّ الضغوط الممارسة عليها لاستئناف مساعداتها الدولة والجيش اللبنانيين القابعين تحت وصاية حزب الله، إلا دلائل على ذلك. الأمر نفسه يمكن أن يقال عن المساعي الأميركية الحثيثة لحل الصراع في سورية عبر صفقة مع روسيا وإيران، وتحييد “الحلفاء” التقليديين للولايات المتحدة، وتحديداً السعودية وتركيا.
قد يجادل بعضهم بأن مقاربات أوباما ستذهب معه، وأن من وصفهم يوماً بـ”من يسمون حلفاءنا في الشرق الأوسط”، سيسترجعون مكانتهم تلك، في ظل إدارة قادمة، خصوصاً إذا كانت جمهورية، غير أن التمنيات تبقى آمالاً معلقة في الهواء، ولا ينبغي التعامل مع قضايا بهذا الحجم من الخطورة بمثل استخفافٍ كهذا. لا يقل الجمهوريون والديمقراطيون شراسة في نظرتهم للعرب، وخصوصا العربية السعودية. وتكفي، هنا، الإحالة إلى البرنامج الانتخابي لـ”الحمائمي” اليساري، بيرني ساندرز، المرشح الديمقراطي الطامح بتمثيل حزبه في الانتخابات الرئاسية أواخر العام الجاري.
الرهان على أميركا هو “كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَمآنُ ماءً حَتّى إذَا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئاً” (النور: 39). هل، يا ترى، يفقه العرب ذلك، ويطلقون حملة مصالحات داخلية ومع الذات، ويحاولون إعادة بناء منظومةٍ أمنيةٍ عربيةٍ جَمَعِيَّة، قبل أن يلتهم الماردان الصهيوني والإيراني المنطقة!؟ فمن الواضح أن منطق توازن القوى الذي يريد الأميركيون إحداثه في منطقتنا بين قوى متنافسة، ليبقى زمام الأمر بأيديهم، حتى مع ابتعادهم النسبي عنها، لا يشملنا نحن العرب، ولا حتى تركيا، التي وصف أوباما، في التقرير نفسه، رئيسها، رجب طيب أردوغان، بـ”الفاشل” و”السلطوي”!
العربي الجديد
مبدأ أوباما غير المبدئي/ هشام ملحم
أكد الرئيس أوباما، في حواراته الكثيرة مع الصحافي جيفري غولدبرغ بصراحة ما كان يضمره او يلمح اليه ضمنا في مواقفه العلنية عن السياسة الاميركية في الشرق الاوسط. الشخصية التي رسمها غولدبرغ دونما قصد لأوباما في مقاله بعنوان “مبدأ أوباما” في مجلة “ذي اتلانتيك”، هي لرئيس يثق بنفسه وبقراراته الى درجة من الغطرسة تدفعه الى الاستخفاف بكبار مساعديه (الوزير جون كيري)، وغير قادر على تحمل مسؤولية احكامه الخاطئة (الخط الأحمر في سوريا)، ويرفض ممارسة أي نوع من النقد الذاتي (تجاهل ليبيا بعد اطاحة القذافي)، ويسارع الى لوم الآخرين (المؤسسة السياسية التقليدية في واشنطن)، ولا يتردد في تشويه مواقف نقاده في شأن سوريا (مثل اتهامه المجحف لهم، بأنهم طالبوه بغزوها). هذه النقطة الاخيرة واحتقاره السافر للعرب، كانت من النقاط التي ركزت عليها في ردي على المقال الذي طلبته ادارة المجلة مني.
http://www.theatlantic.com/international/archive/2016/03/obama-doctrine-middle-east/473178/
يقول غولدبرغ ان أوباما كان مقتنعاً صيف 2013 بانه كان يسير في اتجاه مكمن نصبه له حلفاء أميركا وخصومها لتوريطه في معاقبة نظام الاسد. لكن الواقع هو ان أوباما طالب أولاً بتنحي الاسد من غير ان تتوافر لديه الوسيلة لتحقيق ذلك، وهو الذي رسم الخط الاحمر من دون استشارة مساعديه، واضعاً نفسه في مأزق من صنعه. ونرى النمط ذاته، عندما يلوم أوباما المؤسسة العسكرية على قراره زيادة عديد القوات الاميركية في أفغانستان. وعندما يدعي ممارسة النقد الذاتي، فهو ينتقد نفسه لأنه أساء تقدير عجز الدول الأوروبية عن التدخل الفعال في ليبيا بعد انتصار الانتفاضة.
يمكن للمراقب أن يتفهم احباط أوباما في تعامله مع الدول العربية، واستياءه من أنظمة تسلطية تفتقر الى الشرعية، أو من حكومات تدعم تنظيمات اسلامية ظلامية وتسلّحها. لكن انتقاده لدول الخليج ومصر سوف يعزز الانطباع السائد في المنطقة أنه يحتقر السنّة العرب، ويراهن تاريخياً على ايران واحتمال تطوير العلاقات معها بعد توقيع الاتفاق النووي. من الواضح من المقال ان أوباما – باستثناء مواصلة الحملة على “داعش” ومحاولة القضاء على قياداته لانه يتخوف من عمليات ارهابية في أميركا – سوف يتجاهل جميع قضايا المنطقة الملحة ليورثها لخلفه. ما لا يمكن غفرانه لأوباما هو ادانته العملية لجيل كامل من الشباب العربي حين قارن بين شباب آسيا الذين يسعون الى التعليم والحداثة والشباب العرب الذين يريدون قتل الاميركيين على حد قوله. ولم يصدر عن أوباما أي تعاطف مع ملايين العرب الذين انتفضوا – سلمياً – ضد الطغيان وطالبوا بالحريات والحداثة. وكأنه يريد عزل مناطق واسعة في المنطقة نتيجة أوبائها المستعصية على الأدوية.
النهار

أميركا تتجاوز قرارات بوتين تدخلاً وانسحاباً… وتحفّظ في الرهان على كلينتون لإعادة/ روزانا بومنصف
حجبت التطورات المتلاحقة في المنطقة، ولا سيما ما اتصل منها بالخطوة الروسية للانسحاب الجزئي من سوريا وانعكاساتها المحتملة، الاهتمام عن الانتخابات التمهيدية الجارية في الولايات المتحدة، رغم أن مؤشرا مهما برز مع توارد الأنباء عن أن الخطوة التي أعلن عنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شكلت مفاجأة للولايات المتحدة أيضا ولإدارة الرئيس باراك أوباما، وسط استغراب متجدد لدى مراقبين متابعين لكيفية تجاوز روسيا الولايات المتحدة بهذا الأسلوب، كما لدى التدخل الروسي في سوريا في أيلول الماضي. فمن الصعب جدا التصديق أن الولايات المتحدة فوجئت بقرار الرئيس الروسي وبقرار تدخل قواته في سوريا سابقا، انطلاقا من اعتقاد لا يزال قويا ويصعب دحضه في أذهان أبناء المنطقة، أنه لا يمكن تجاوز الولايات المتحدة، الدولة الأقوى والأكثر اطلاعا من أي دولة أخرى في العالم، ولأن مفاجأتها على هذا النحو، إذا صحّت، فإن ذلك يدفع الى الواجهة أكثر مدى الضرر الذي ألحقته إدارة أوباما بموقع الولايات المتحدة في السياسة الخارجية في المنطقة، نتيجة الانكفاء الطوعي والإرادي الذي يسمح بسيطرة الأجندات الخاصة، ولا سيما لروسيا كما لبعض الدول في المنطقة. يفتح تجاوز بوتين الإدارة الأميركية، ولو جرى اتصال هاتفي بينه وبين أوباما بعد إعلان القرار، الباب واسعا أمام إعادة إثارة الثمن الذي ترتب على انكفاء اميركا عن المنطقة، كما امام الآمال المعلقة على تغيير الادارة الاميركية الحالية وانتظار الانتخابات المقبلة بفارغ الصبر. فالمتابعون للانتخابات التمهيدية الاميركية يسجلون أنها تندفع في اتجاه حصر الترشيحين الجمهوري والديموقراطي بين دونالد ترامب، رغم ما يثيره هذا الاخير من ردود فعل لدى الجمهوريين بالذات، وهيلاري كلينتون التي يرجح أن تختصر دعم الديمواقراطيين وربما حتى الجمهوريين رفضا لوصول ترامب، وليس حبا بها. هؤلاء المراقبون سجلوا تغييبا للسياسة الخارجية كما في كل انتخابات، أقله في هذه المرحلة وقبل انتقالها الى النهائيات. لكن المواضيع الخارجية لا تبدو اساسية، بل تحتل حيزا صغيرا انطلاقا من الحديث مداورة أو بشكل عام عن السياسة الخارجية انطلاقا من عناوين أو شعارات تتناول اميركا القوية او المنعزلة او الضعيفة. ومع ترجيح غالبية المهتمين المتابعين للشأن الانتخابي الاميركي وصول كلينتون للرئاسة ما لم يطرأ عامل مفاجئ حتى تشرين الثاني المقبل موعد الانتخابات الرئاسية، ثمة خشية في ضوء الاقتناع بمستوى الانكفاء الكبير للولايات المتحدة عن المنطقة، والذي هو انكفاء حقيقي على هذا المستوى، ان من سيأتي بعد اوباما، ولو كانت كلينتون هي من ستخلفه، سيحتاج الى وقت إذا أراد أن يغير وينخرط في المنطقة ومشكلاتها، وهي ستأخذ وقتا طويلا من أجل إعادة عقارب الساعة الى الوراء على صعيد العودة الى الانخراط في شؤون المنطقة. وبحسب هؤلاء، ليس أكيدا أنه إذا انتخبت هيلاري كلينتون ستختلف عن أوباما. فالانطباعات التي تركتها من قراءة مذكراتها، الى جانب أحاديث مع كبار مساعديها السابقين بالنسبة الى هؤلاء المتابعين، هو أنها هي من أقنعت الرئيس اوباما حين كانت لا تزال وزيرة لخارجيته بالتدخل في ليبيا، وحاولت لاحقا مع مسؤولين آخرين في المخابرات وسواها أن تحمله على التدخل في سوريا، لكنها فشلت. إلا أن هذا لا يعني أن لها وجهة نظر مختلفة عن اوباما بالنسبة الى الانكفاء عن المنطقة العربية، لأنها تعتبر أن التدخل الاميركي، ولو بقيادة من خلف في ليبيا، فشل، والتدخل في سوريا كان سيفشل لو حصل، وهي تكرر عبارة مفادها أننا نحن الاميركيين تدخلنا في العراق واحتللناه، والنتائج كانت مدمرة، وتدخلنا في ليبيا ولم نحتل، والنتائج كانت مدمرة، وفي سوريا لم نتدخل ولم نحتل، ولكن كانت النتائج مدمرة أيضا، الأمر الذي يفيد وفق معطيات هؤلاء المتابعين أنها لا ترى، كما اوباما، جدوى في المنطقة من دون أن يعني ذلك أنها ستعتمد المنهج او المقاربة نفسها كليا في حال وصولها.
هذا لا يعني أن الرهان ليس قويا على التغيير في الادارة الاميركية، وقد أنهكت سياسة اوباما دول المنطقة، ولا سيما الحلفاء منهم، والتطلع قوي في الوقت نفسه نحو كلينتون تحديدا من أجل أن تظهر ارتدادا على سياسة أوباما كما ارتد هو على سياسة سلفه جورج دبليو بوش، خصوصا في ضوء المآخذ التي أبدتها على السياسة الخارجية لاوباما في بعض المحطات، ثم لأن هناك اقتناعا يترسخ أكثر فأكثر لدى الدول الحليفة لأميركا في المنطقة بأنها باتت متروكة كليا من الولايات المتحدة. وقد غدا واضحا أن التسوية النووية التي أنجزتها مع إيران لم تفتح باب التفاوض معها على المنطقة، لكنها فتحت الباب أمام التطبيع الفعلي بين ايران والولايات المتحدة على حساب دول المنطقة وعلاقات أميركا مع العرب. وبنتيجة تحرك لوبي ايراني فاعل في الولايات المتحدة، اضافة الى اعتبارات أخرى متعددة، فإن ثمة خشية أن يغدو التصور الاستراتيجي لدى الولايات المتحدة ان ايران يمكن ان تؤدي دور استقرار في المنطقة، وانه اذا كانت كلفة هذا الاستقرار هيمنتها فلن يكون هناك مشكلة في التسويق أن ليس لدى الدول العربية جهة يمكن الاعتماد عليها على هذا الصعيد. وحتى يتسلم الرئيس الجديد بعد سنة، يخشى أن تسير مياه كثيرة تحت الجسور في المنطقة.
النهار
دراما أوباما/ محمد عارف
«شدّ أفكارك خارج متاعبك، سواء من آذانها، أو من كعوبها، أو أيّ طريقة أخرى تَتَدبّرها»، قال الكاتب الأميركي الهزلي «مارك توين»، وهذا ما يحاول فعله «أوباما» طوال الوقت، وحتى في تعامله مع «داعش». فالرئيس الأميركي يقارن التنظيم الإرهابي بشخصية «الجوكر» في فيلم «باتمان الفارس الأسود»، الذي يشعل حرائق تأتي على جميع رؤساء العصابات الذين يتقاسمون أحياء المدينة. ويرى «أوباما» نفسه في المنطقة مثل «مايكل كوروليوني» في فيلم «الزعيم الروحي» الذي «ما إن يتصور أنه تحرر من رؤساء المافيا حتى يشدوه إليهم من جديد». وآخر متاعب الرئيس الأميركي العثور على «بضعة حكام أوتوقراطيين، وتكنوقراط مضبوطين»، ويضيف: «لو كان كل شخص كالاسكندنافيين لسهل كل شيء».
وأكثر متاعب «أوباما» وأصعبها ليس في المنطقة العربية، بل في الولايات المتحدة نفسها، وأحاديثه عنها موضوع مقالة الكاتب الأميركي جفري غولدبرغ التي تقع في 20 ألف كلمة. عنوان المقالة المنشورة في مجلة «ذي أتلانتيك» الأسبوع الماضي «عقيدة أوباما» وتمثل بالأحرى دراما رئيس القوة العظمى التي أبدعت علوم وتكنولوجيات تغيّر العالم، لكنها عجزت عن تحرير نفسها من «الغواط القديم». تتردد هذه الشتيمة بتعابير مختلفة على لسان مسؤولي البيت الأبيض، ويستخدمها الرئيس الأميركي نفسه عندما يعلن التراجع عن قرارات صعبة، مثل «الخط الأحمر»، الذي وضعه لبشار الأسد في حال استخدام السلاح الكيماوي.
و«عقيدة أوباما» تختلف كليّة عن التصور العالمي، وحتى الأميركي لسياسة «البيت الأبيض» وآلية إدارتها، فهي تتضمن الخروج بمحور السياسة الخارجية من «مستنقع» الشرق الأوسط إلى رحاب آسيا، وأميركا اللاتينية الصاعدة، وتدعو إلى مشاركة السعودية إيران في المنطقة، وتعتبرُ مساهمة واشنطن في قصف ليبيا خطأ، وتُحمِّل بريطانيا وفرنسا مسؤولية تدمير ليبيا، وترى «تغير المناخ» وليس «داعش» هو الخطر الذي يهدد الوجود.
ودراما أوباما ازدراؤه لإدارة السياسة الخارجية الأميركية، التي تجعل «المصداقية معبوداً، خصوصاً المصداقية المشتراة بالقوة، وقاد الاعتصام بها إلى حرب فيتنام»، حسب أوباما، الذي يجهد في إقناع مساعديه بأن «إلقاء القنابل على أحدٍ ما للبرهنة على أنك ترغب في إلقاء قنابل على أحد ما أسوأ ذريعة لاستخدام القوة».
و«دراما أوباما» اختلاف تقييمه للرئيس الروسي عن الإعلام الأميركي، الذي يصوره كقطاع الطرق، فيما يقول «أوباما» عنه: «الحقيقة أن بوتين في الواقع دمث تماماً في جميع لقاءاتنا وبالغ الصراحة. واجتماعاتنا عملية جداً، ولا يتركني أبداً أنتظر ساعتين كما يفعل آخرون». ويضيف أن «بوتين» يعتقد أن علاقاته مع الولايات المتحدة أهم كثيراً مما يتصور الأميركيون. وفي حديث «أوباما» نكتشف أن ما يُسمى «المجتمع الدولي» ملعب كرة قدم لا يحق اللعب فيه إلاّ للاعبين يلعبون بمصائر الدول الأخرى. «وبوتين يهتم دائماً بأن يبدو نداً لنا، ويعمل معنا، لأنه ليس غبياً تماماً، فهو يدرك أن موقع روسيا عموماً في العالم تقلّصَ كثيراً. وغزو القَرَمَ، ودعم الأسد لا يعني أنه أصبح لاعباً فجأة».
وتبلغ «عقيدة أوباما» ذروة الدراما ساعة اتخاذه القرار النهائي بعدم ضرب سوريا. سأل «أوباما» رئيس موظفيه «ماكدناو» التمشي معه في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض. ولم يكن اختياره عبثاً، فرئيس موظفيه «يفكر بعقلية كمائنية، وهو من أشد المعارضين للتدخل العسكري للولايات المتحدة، ويشارك أوباما استياءه الثابت من رؤية واشنطن تنجرف في حروب في البلدان الإسلامية». و«استغرق تمشيهما ساعة، وعندما عادا أخبر أوباما مساعديه للأمن القومي أنه قرر التراجع عن قرار قصف سوريا». وزير الخارجية «كيري» الذي علم بالقرار بعد إلقائه خطاباً حماسياً عن القصف المنتظر لّخصّ ردّ فعله بكلمة «غواط»!
الاتحاد

صدمة حديث أوباما/ عبد الرحمن الراشد
تمنيت لو قال الرئيس الأميركي باراك أوباما كلامه العاصف لجيفري غولدبيرغ الأخير في مجلة «أتلانتيك»، قبل خمس سنوات، ربما كانت آثاره مختلفة. هذه المرة صراحته أغضبت أصدقاءه وفي الوقت نفسه هناك القليل الذي يمكنه أو يمكنهم عمله في الفترة المتبقية لإقناعه بخطأ رأيه أو تغيير مواقفهم. بعد سبع سنوات رئاسية، اكتشفوا أن الرئيس يحمل رأيًا مختلفًا لم يبح به لهم من قبل. وكما قال لي أحدهم إنه مثل أن تكتشف آراء زوجتك بعد عمر طويل من العلاقة.
ومع أنني أتفق مع الرئيس أوباما في كثير من الأشياء، بما في ذلك نقده لنا حول قصورنا في معالجة التطرّف، وأهمية تمكين المرأة في المجتمع، فإن هناك أيضًا الكثير مما يستوجب الجدل حوله.
حديث أوباما طويل جدًا، ومرهق، لأنه ليس نصًا تقليديًا يمكننا أن نفهمه في سياق واحد. وهذا يعود ربما لأن محاوره، جيفري غولدبيرغ، التقاه عدة مرات، وسافر معه في بعض رحلاته، وجمع أحاديثه في صياغته الأخيرة التي نشرها. وغولدبيرغ يعرف أوباما جيدًا، حيث سبق أن أجرى معه عدة مقابلات منذ توليه الرئاسة. ويعرف المنطقة بشكل جيد، كونه أميركيًا وإسرائيليًا غطى لبنان وشمال العراق من قبل. وقد نجح أوباما في إغضاب أصدقائه فقط، السعودية وحكومة بريطانيا وتركيا وإسرائيل.
ولم يكن الرئيس يتحدث بشكل عفوي كردود سريعة، بل نرى إجاباته عميقة، استمدها من فهمه للواقع اليوم وامتداداته التاريخية. وهذا ما يجعل الأمر مقلقًا أكثر، لأنها ليست تبريرات إعلامية بل مجموعة مبادئ يؤمن بها، وصفها غولدبيرغ بـ«عقيدة أوباما»، ولهذا السبب قلت في بداية المقال ليت الرئيس قال الكلام المهم في حواراته السابقة، منذ حديثه الأول الذي أعطاه غولدبيرغ عام 2008.
أوباما لا يرى الإرهاب قضية خطيرة، يعتبر المشكلة البيئية أخطر على العالم. وهي مفاضلة غير منطقية، لأنه يمكن لدولة قائدة في العالم أن تفعل شيئين في آن واحد؛ أن تواجه خطري الإرهاب والتلويث البيئي.
تراجعاته في الشرق الأوسط هي أهم محاور الحديث، وهو لم ينكرها حيث استعار من التاريخ الحديث ما يقال عن صلابة الرئيس الراحل رونالد ريغان، مذكرًا بأنه انسحب فورًا من لبنان بعد تفجير مقر المارينز في بيروت. وهذا صحيح، لكن ريغان كان يحارب السوفيات في أفغانستان ويعمل ضد حلفاء السوفيات في مناطق متعددة من العالم عبر شبكة من التحالفات.
والحقيقة أن الخطأ الأميركي في سوريا ليس أن الرئيس أوباما لم يحارب نظام الأسد بإرسال قواته إلى هناك، بل لأنه لم يساند مشروع المعارضة المعتدلة، مثل حرمانها من الحصول على الأسلحة المطلوبة لمواجهة قوات الأسد، وإيران لاحقًا، رغم رجاءات دول المنطقة الصديقة لواشنطن. أوباما أصاب في رفضه إرسال قوات إلى سوريا وليبيا، وأخطأ عندما ترك الحرب في سوريا تشتعل حتى تحولت إلى واحدة من أكبر مآسي تاريخ ما بعد الحرب العالمية الثانية، مارس فيها نظام الأسد القتل بصورة غير مسبوقة؛ يقوم فيها بإلقاء البراميل المتفجرة من طائرات على ارتفاعات متدنية مطمئنة أن لا أحد يملك وسيلة لإسقاطها ووقف عمليات التدمير. وفي الحرب السورية كان كل حلفاء الولايات المتحدة الأساسيين في المنطقة مستعدين لتحمل مسؤولياتهم بخلاف ما قاله الرئيس من أنه ضد «ركاب البلاش». وصدمتهم كانت كبيرة عندما تراجع عن الخط الأحمر الذي هدد به الأسد إن استخدم سلاحه الكيماوي، وصدمتهم أكبر عندما أكدت الأمم المتحدة رواية قتل آلاف السجناء بطريقة بشعة في سوريا، وهي جميعًا موثقة بالصور، وعندما انهمر ملايين الناس يبحثون عن مأوى من القتل.
سوريا علامة فارقة في تاريخ المنطقة، كحكاية مأساة إنسانية. وأصبحت مصدر توتر لم نرَ له مثيلاً من قبل، رغم كثرة الأزمات في الشرق الأوسط. والمفارقة أن الرئيس الذي يشهد التاريخ له بأنه من قضى على «القاعدة» وزعيمها أسامة بن لادن، في زمنه ظهر «داعش» وزعيمه أبو بكر البغدادي!
* نقلا عن “الشرق الاوسط”

عقيدة أوباما: الخليج والمصالح “غير الحيويّة”/ أسعد أبو خليل
لا يتجرّأ إعلام آل سعود على رئيس أميركي إلّا في سنته الأخيرة، عندما يصبح الرئيس بالمفهوم الأميركي «بطة عرجاء». لكن جرأة إعلام آل سعود لا تتناسق مع أمراء وملوك آل سعود: هؤلاء يستقبلون وينحنون أمام أي موظّف أميركي مارّ في بلادهم —حتى لو كان في مرتبة نائب مساعد مساعد نائب وزير.
لكن أنظمة الخليج ضاقت ذرعاً بأوباما وهي أطلقت العنان لإعلامها الدعائي كي يعبّر عن حنقهم. هؤلاء عتبوا على أوباما لأنه لم يشنّ لهم حروباً أكثر، تزيح عن دروبهم بعض الأنظمة غير الخاضعة لمشيئة آل سعود. الحروب الأميركيّة حول العالم لا تكفيهم، ويطالبون بالمزيد. لقد جرح اوباما مشاعر حكّام الخليج وملك الأردن، وليس أمامه غير التذمّر. لم يعد التهديد بالتحالف مع الاتحاد السوفياتي يخيف أحداً.
لم تكن المقالة الطويلة لجيفري غولدبرغ عن «عقيدة أوباما» في مجلّة «اتلانتك» عاديّة: المقالات الطويلة تغيب عن الإعلام في القرن الواحد والعشرين وعهد الكراريس والكتيّبات اندثر مع اندثار الاتحاد السوفياتي. والمقالة مبنيّة على محادثات طويلة بين أوباما وبين غولدبرغ. والطريف ان إعلام الخليج الذي ثارت ثائرته ضد المقالة حيّد في نقده الكاتب، مع ان موضوعه متلازم مع موضوع أوباما وعقيدته. وغولدبرغ قريب من فريق اللوبي السعودي في العاصمة واشنطن، لكنه أقرب حتماً إلى اللوبي الإسرائيلي الأم، وإن كان اللوبيان باتا مثل جناحيْن للوبي واحد فاعل ومؤثّر. وغولدبرغ حاز منذ بداية عهد أوباما (وحتى منذ سنواته في مجلس الشيوخ) على قرب استثنائي منه، والسبب في ذلك سياسيّ محض. لقد قرّر أوباما ان ينال رضى اللوبي الإسرائيلي وأدواته الطيّعة في الكونغرس فتقرّب من هذا الصهيوني الصادح. علم أوباما في بداية حملته الانتخابيّة في عام 2008 ان بعض كلامه عن الشرق الأوسط —وإن لم يحد يوماً عن دعم الكيان الصهيوني الغاصب— أزعج أقطاب اللوبي. فمفردات الكلام عن الشرق الأوسط في أميركا مُنتقاة بعناية شديدة خشية الخطل، ولهذا فإن خطاب هيلاري كلينتون عن الشرق الأوسط لا يختلف البتّة عن المرشحين الجمهوريّين لأن حفظ المفردات تلك هي من ضرورات العمل السياسي الطموح هنا. وأوباما، الواثق من نفسه في مجال السياسة الخارجيّة، لأنه وصل إلى سدّة الرئاسة عليماً بها خلافاً للكثير من الرؤساء، أراد التحرّر من تلك المفردات قليلاً لكنه عانى سياسيّاً جراء ذلك. وهكذا استعان أوباما بغولدبرغ لإرسال رسائل ودّ وحنان دوريّة لدولة العدوّ الإسرائيلي وأبواقها في الكونغرس الأميركي. وقد زاد أوباما من استعانته بغولدبرغ بعد ان لاحت في الأفق علامات التوصّل إلى اتفاق نووي بين إيران والدول الست. أي أن غولدبرغ هو صلة الوصل بين أوباما واللوبي الإسرائيلي ودولة الكيان الغاصب.
لكن لماذا غولدبرغ؟ لأنه إسرائيلي (هو مزدوج الجنسيّة) تدرّب في العمل الصحافي في مطبوعات صهيونيّة (مثل «فوروارد» و«جيروزاليم بوست») قبل أن ينتقل إلى الصحافة الصهيونيّة «المحترمة»، مثل «واشنطن بوست» وغيرها. وتطوّع في جيش الاحتلال (هو يقول عن سنوات خدمته في جيش العدوّ أنه كان سجّاناً فقط، كأن قمع المساجين السياسيّين من الفلسطينيّين هو عمل سلمي) ويعمل في الصحافة فقط لرصد الأخطار المحيقة بدولة العدوّ. وهو كان قد أيّد بشدّة العدوان الأميركي على العراق قبل عام من بدئه (في عام 2010 نشر غولدبرغ مقالة على مدوّنته عنّي بعنوان «ومن يكون العربي الغاضب هذا»، أعلم فيها قراءه أنني أدعو —يا للهول— إلى «تدمير» دولة إسرائيل). أي ان اختيار غولدبرغ من قبل أوباما للإفصاح عن مكنوناته هو عمل سياسي مقصود.
والكاتب في «واشنطن بوست» (والقريب من سلالات الأردن والسعوديّة)، ديفيد أغناتيوس، لاحظ أن الكلام المرسل للرئيس عن السياسة الخارجيّة ينتظر عادة تقاعد الرئيس عن منصبه: أي ان الصراحة في الحديث في السياسة الخارجيّة عادة لا ينقط بها رئيس إلا في مذكّراته، وبخفر. إن اختيار أوباما لهذه اللحظة (وقبل زيارته المُقرّرة إلى السعوديّة) فيه من الإشارات السلبيّة الواضحة والمهينة لدول الخليج. وهو أرسل لهم أن الشرق الأوسط لم يعد منطقة «مصالح حيويّة» لأميركا كما كانت قبل عقود: لا تستورد أميركا من النفط من الشرق الأوسط أكثر من ١٣٪ فقط (نحو ٨٪ من السعوديّة). لم تعد المملكة في الموقع التي كانت عليه في أوجّ قوّتها في السبعينيات من القرن الماضي. كما ان أوباما عبّر من دون مواربة عن ضيق من حكّام المنطقة ومن شعوبها. وهذا الضيق ليس محصوراً به (خلافاً لما يتمنّى طغاة الخليج): فالمرشّح دونالد ترمب صرّح عبر السنوات عن تبرّم من السعوديّة وعن عنصريّة ضد العرب، بالإضافة إلى عنصريّته الفاضحة هذه الأيّام (حتى جون كيري انتقد السعوديّة في حملته الانتخابيّة في عام ٢٠٠٤).
وعدم إيلاء مطالب حكّام الخليج الأولويّة التي يريدونها يترافق مع عنصر أساس في عقيدة أوباما، وفي العقائد الرئاسيّة التي ستليها: أن الصين ستكون على مدى سنوات وعقود الشغل الشاغل للحكومة الأميركيّة لأن واشنطن ترى فيها الخطر الرئيس ليس فقط بالنسبة إلى مصالحها الاقتصاديّة بل بالنسبة إلى هدف وحدانيّة سيطرتها العالميّة. لا تخشى أميركا من روسيا (على المدى الطويل) بقدر ما تخشى من الصين لما لها من ثروات وقدرات استراتيجيّة ومن تنامي قوّة مضطرد.
وقد أخذ أوباما الفرصة كي يردّ على أقاويل ونقد طغاة الخليج له. فمحمد بن زايد قال عنه إنه «ليس محلّ ثقة»، والطاغية الأردني قال إنه يثق «بالقوّة الأميركيّة أكثر من أوباما نفسه»، ولقد وصل هذا النقد لأوباما (يظنّ طغاة العرب ان الحكومة الأميركيّة التي تتجسّس على أنجيلا ميركل ستتردّد قبل ان تتجسّس على مكالماتهم) الذي انتحى جانباً بالملك الأردني وأعلمه أنه علم بأنه وجّه له نقداً أمام أعضاء الكونغرس وأنه يفضّل لو انه يصرّح بنقده له أمامه، وجهاً لوجه (طبعاً، فإن الملك أصيب بالذعر على الأرجح، ونفى لأوباما ما قاله). ومحمد بن زايد —مثله مثل نتنياهو وآل سعود— لم يغفر لأوباما عدم فرضه بالقوّة على الشعب المصري حكم حسني مبارك. قضيّة سقوط مبارك شكّلت عقدة للطغاة العرب ولنتنياهو. كانوا يريدون من أميركا ان تفرض حكم مبارك بالقوّة المسلّحة مهما سقط من ضحايا من الشعب المصري. استنتج طغاة الخليج ان الحاكم الأميركي سيتركهم وشأنهم لو تعرّضوا لانتفاضة أو ثورة. وقد يكون هذا العامل بالذّات هو الذي قوّى من أواصر التحالف بينهم وبين العدوّ الإسرائيلي، الذي سبق له في الأردن وفي المغرب وفي عُمان وفي السودان وفي البحرين وفي لبنان أن حافظ (أو حاول ان يحافظ) على حكم قائم بوجه شعبه.
لكن المقالة تضمّنت أيضاً ضيقاً يُقارب العنصريّة من أوباما نحو الشعب العربي برمّته. قد يكون بقي له من ترسّبات الأنثربولوجيا الأميركيّة (التي درستها ودرّستها والدته) ذلك الهوس بالهيكليّة الاجتماعيّة التقليديّة. تذمّر أوباما من ترسّخ القبيلة والعشيرة في المجتمع العربي (ما يجعله عصيّاً على التغيير الحديث) متناسياً ان مأسسة القبيلة والعشيرة ليس خياراً شعبيّاً حرّاً: إن الأنظمة المُرتبطة بالاستعمار والاحتلال (الإسرائيلي والأميركي) ربطت بين مصالحها السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة وبين ممانعة تحديث المجتمع بكل أوجهه. إن النظامين السعودي والأردني جعلا من القبيلة عماداً اجتماعيّاً للنظام. كما ان الاحتلال الأميركي فرض العودة إلى العشائر والقبائل في العراق لأن التنظيمات السياسيّة الحديثة تناقض مصالحه. والمفارقة ان الأنظمة العربيّة المعاصرة التي حاربت التنظيم القبلي والأواصر الاجتماعيّة التقليديّة (مثل النظام الناصري والبعثيّة في بداياتها) هي تلك التي عانت من العداء الأميركي الشديد، وتلك الأنظمة التي اعتمدت على القبليّة والعشائريّة والطائفيّة هي تلك التي نالت حظوة المُستعمِر الأميركي. إن الاحتلالين الأميركي والإسرائيلي أنعشا أكثر التنظيمات الاجتماعيّة تخلّفاً ومعاداة للمرأة.
لكن ردّة فعل أبواق أنظمة الخليج على مقالة «عقيدة أوباما» تأتّت أيضاً من هذا الاحتقار الذي ثبتَ ان أوباما يكنّه نحو آل سعود وزملائهم من الطغاة في الخليج والأردن. لم يخفِ احتقاره لهم. قال تعليقاً على نقد طاغية الأردن له بما معناه بالعربيّة: «كان ناقصني في آخرة الزمن تعليقات نقديّة من طغاة الشرق الأوسط». لا يمكن لمَن يقرأ المقالة إلّا ويخرج بانطباع أن اوباما يحتقر الحلفاء العرب ويُشكّك بجدوى تحالفهم. وهو عليم بحكم طفولته ونشأته وأصله بشؤون العالم الإسلامي أكثر من أسلافه، ولهذا فإنه لاحظ التغيّر في هويّة وطبيعة التديّن الإسلامي في أندونيسيا ولاحظ ان البلاد باتت أكثر تزمّتاً ومحافظة وهو عزى ذلك عن حق إلى الدعوة الوهابيّة العالميّة المُنتشية بالمال النفطي الوفير عبر العقود. لكن الذي لسع في كلام أوباما أكثر من غيره هو وصف طغاة الخليج العرب بـ«الركاب بالمجّان» (ترجمها الإعلام العربي خطأ لحظر المهانة)، وهذه العبارة مهينة في السياق السياسي والشعبي الأميركي وهي تُطلق على الكسالى وعلى عديمي المبادرة، والمنتفعين (هي تشير إلى نزوع البعض إلى الاستفادة من تضحيات وجهود وعمل الغير). وهذه العبارة شكّلت فحوى ردّ تركي بن فيصل على أوباما في جريدة الملك سلمان، «الشرق الأوسط». وحاول تركي تذكير أوباما بخدمات ومساهمات المملكة السعوديّة لصالح الولايات المتحدة عبر العقود. وقد أجحف أوباما في وصفه هذا. حتماً، ليس طغاة الخليج من الذين يمكن أن يُوصفوا بـ«الركّاب بالمجّان».
إن حجم الخدمات السياسية والماليّة لطغاة الخليج للصالح الأميركي والغربي لا تُقدّر بأثمان. ذكّر تركي ببعضها فقط، لأن بعضها الآخر سيصيب عائلته المالكة بالإحراج. لقد ساهم النظام السعودي في حروب أميركيّة حول العالم، بما فيها حرب الـ«كونترا»، كما أنّ النظام السعودي لم يرَ حرباً أميركيّاً إلا وشارك فيها في خندق الولايات المتحدة (باستثناء الحروب العربيّة – الإسرائيليّة حيث التزم النظام السعودي بالحياد فعلاً —أو بالانحياز للعدوّ كما في عدوان تمّوز، وبالجهاد اللفظي في العلن). وكانت أنظمة الخليج شريكة نشطة للولايات المتحدة في الحرب الباردة الطويلة وهي طوّعت الدين الإسلامي لصالح العقيدة الأميركيّة الرجعيّة، وحاربت الفكر اليساري والتقدمي النيّر بحماسة شديدة. وهي أنفقت المليارات في شراء سلاح أميركي وغربي (وهي خزّنت معظمه، إذ ان شراء السلاح الغربي هو نوع من الخوّة التي تدفعها تلك الأنظمة مقابل الحماية التي تتلقّاها من الغرب المُستعمِر). إن النفقات الباهظة التي يبذلها حكّام الخليج هي نوع من الدعم الخارجي لصناعات السلاح والطيران الغربيّة. هو إنفاق بلا طائل. ولم ينسَ تركي الفيصل ان يُذكّر أوباما بدعم بلاده لسندات الخزانة الأميركيّة. والحكم الذي هدّد لبنان بأقلّ من مليار دولار في مصارفه، لا يجرؤ أن يهدّد أميركا بمئات المليارات السعوديّة المودَعة في المصارف الأميركيّة، والتي قد تقوم أميركا بتجميدها لو هدّد آل سعود بسحبها. كما ان النظام الخليجي الإقليمي حوّل منطقته إلى قاعدة عسكريّة عملاقة، وهو يُخضع سقف الإنتاج الأميركي للصالح الأميركي. وقد أنفقت السعوديّة من مالها ومن مال حلفائها على الحرب الأميركيّة في العراق في ١٩٩١، وعلى الغزو الأميركي في عام ٢٠٠٣. لا، أجحف أوباما بحقّ أنظمة الخليج في اتهامه الجائر لهم بـ«الركاب بالمجّان». والأمير السعودي امتعض من دعوة أوباما لهم بالتعايش مع إيران، فيما هم يتعايشون بحبور مع الكيان الإسرائيلي الغاصب.
لكن مقالة «عقيدة أوباما» أشارت إلى ظاهرة مُستجدّة في صنع السياسة الخارجيّة الأميركيّة في واشنطن. لم يعد اللوبي الإسرائيلي وحده يُقرّر ويهيمن ويؤثّر على الخطاب والسياسات. إن الظاهرة الكبرى تكمن في صعود مراكز أبحاث جديدة خاضعة لأنظمة الخليج، وتكمن أيضاً في ضخّ المال الخليجي في مراكز الأبحاث التقليديّة في شارع ماساشوستس. هذا ما يسمّيه البعض في البيت الأبيض بـ«الأراضي المحتلّة من قبل العرب» (لا يجرؤ الساسة في واشنطن على الإشارة إلى اللوبي الإسرائيلي العملاق لأن أي تعيير ممكن ان يؤدّي إلى تهم معاداة اليهوديّة).
والسفير الإماراتي الحالي في واشنطن، يوسف العتيبة (الذي يزهو بصداقته مع السفير الإسرائيلي أمام الصحافيّين الأميركيّين) بات يبني على إرث بندر بن سلطان: ليس فقط من ناحية العلاقة الحميمة مع اللوبي الإسرائيلي بل أيضاً من ناحية تمويل مراكز الأبحاث الأميركيّة. إن التقارير التي نقرأها من «مركز الدراسات الاستراتيجيّة والدوليّة في واشنطن (والذي قطعت جامعة جورج تاون كل صلاتها به منذ ١٩٨٦ بسبب ضحالة إنتاجه الأكاديمي وغلبة الوجهة السياسيّة على أعماله) من خبراء مثل أنتوني كوردسمان أو غيره مضمّخة بالتمويل الخليجي. ويتلقّى خبراء وإعلاميّون في واشنطن دعوات مجانيّة لجولات بالطائرات الخاصّة التي يوفّرها لهم يوسف العتيبي وغيره في دول الخليج. لكن قدرة اللوبي الخليجي على التأثير ليست إلّا واحدة من ثمار التحالف السعودي ــ الإسرائيلي. لو أن اللوبي الإسرائيلي أراد أن يحارب اللوبي الخليجي (كما فعل في السبعينيات والثمانينيات) فإنه يقدر على «طرده من المدينة» بلغة أفلام رعاة البقر. إن قدرة اللوبي الخليجي على العمل والتأثير (في الكونغرس والإعلام) هو في الدرجة الذي أصبح فيها هذا اللوبي رديفاً للوبي الإسرائيلي.
لكن بالغ أبواق آل سعود في ردود الفعل على المقالة. لم يكن كلام أوباما إلّا تفريجاً عن المكبوت السياسي. والمقالة عينها لم تتضمّن نقداً واحداً ضد العدوّ الإسرائيلي باستثناء سياسة الحفاظ على التفوّق الإسرائيلي العسكري والاستخباراتي النوعي ضد كل الأنظمة العربيّة. لكن كلام أوباما لم يُشكّك في التحالف مع العدوّ ولم يعيد النظر في وعده بالذهاب إلى الحرب للدفاع عن الكيان الصهيوني. لكنه خلافاً لانتقادات المحافظين الجديد، لا يرى في نفسه نموذجَ السياسة المثاليّة في العلاقات الدوليّة التي تعتمد على القانون الدولية والمنظمّات الدوليّة والدبلوماسية. أوضح أن منطلقات سياسته الخارجيّة تدور حول العنصر الأساس في نظريّة الواقعيّة، ألا وهي القوّة. لكن طرق الاعتماد على القوّة، وظروف استخدامها تختلف بين حاكم وآخر. كما ان أوباما ميّز بين الخطر القريب والخطر البعيد (الذي لا يستحقّ استخدام القوّة العسكريّة ضدّه). وهذه النقطة بالذات هي التي استخدمها ضد أوباما الكاتب الألماني اليميني (المُستقرّ في «مؤسّسة هوفر» اليمينيّة)، جوزيف جوفي. صنّف جوفي أوباما على أنّه ينتمي إلى مدرسة الانعزاليّة في السياسة الخارجيّة في مقالة بعنوان «أوباما لا ينتمي إلى المدرسة الواقعيّة (في العلاقات الدوليّة)». وجوفي وفريقه في المحافظين الجدد يخافون من سقوط أميركا عن مرتبة القوّة العظمى الوحيدة في العالم، ويرون ان أوباما فوّت فرصاً عظيمة لاستعمال القوّة.
لكن من السذاجة التعويل على كلام أوباما على أنه مؤشّر إلى قطع بين سياسة أميركيّة خارجيّة وأخرى. قد يتذمّر أوباما وقد يعبّر عن حنق، لكنه في نهاية المطاف سينحني هو أمام ملك السعوديّة في زيارته المقبلة في الرياض، ولو طُلب منه سيشاهد رقصة العرضة من أمراء آل سعود وسيحمل سيفهم امام الكاميرات. وملك السعوديّة والأمراء لا يجرأون على معارضة مشيئة حاكم أميركا. هؤلاء الذين أصرّوا ان حرب اليمن لن تتوقّف إلا بطرد الحوثيّين من صنعاء، رضخوا لأوامر الحكومة الأميركيّة باستضافة الحوثيّين أنفسهم في المملكة للبحث في وقف الحرب. وعندما سيطلب هذا الرئيس أو مَن يخلفه أمراً من آل سعود، سينفّذون صاغرين على عادتهم.
إن عقيدة أوباما ليست إلا امتداداً لعقيدة بوش. ليست عقائد الرؤساء في عصر الإمبراطوريّة إلا اختلافاً في الأسلوب. هذه الإمبراطوريّة في عصر السيطرة الوحدانيّة تفرض العقائد والسياسات والاستراتيجيّات على الرؤساء، وليس بمستطاع الرؤساء إلا تغيير الأساليب وأشكال الحكم فقط. الرئاسة اكبر من شخص الرئيس الذي يُلقّب هنا «بزعيم العالم الحرّ» (وينقل هذا الوصف بعض الإعلام العربي، كأن «العالم الحرّ» —الذي يضمّ الديكتاتوريّات المطيعة للحكم الأميركي— أجرى انتخابات وقرّر فيها رفع الرئيس الأميركي إلى مرتبة زعيم الكرة الأرضيّة والمَجرّات). لكن عقيدة أوباما تأخذ في عين الاعتبار متغيّرات استراتيجيّة: ان الصين هي الخطر الداهم، وهي مصدر الخطر وهدف الاهتمام والترصّد، فيما تلقى أنظمة الخليج الاهتمام الذي يُقرّره اللوبي الصهيوني بحكم صلة القرابة المُستجدّة.
لن تتغيّر طبيعة علاقة الرئيس الأميركي المُقبل (كائناً من كان أو كانت) مع منطقة الشرق الأوسط. ستبقى إسرائيل قرّة العين، وسيبقى طغاة الخليج مطيعين صاغرين، وإن حاولوا التمرّد في بعض المفاصل لجرّ أميركا للمواجهة مع إيران. تتبع أنظمة الخليج سياسة «التوريط» التي انتهجتها حركة «فتح» في منتصف الستينيات مع الأنظمة العربيّة، والتي لم تؤدّ إلى توريط الأنظمة العربيّة في حروب مع إسرائيل لأن مصلحة الأنظمة كانت أعلى مرتبة من أي اعتبار، بل أدّت إلى وأد الكفاح المسلّح الذي بشّرت به «فتح». فشلت كل مساعي دول الخليج لتوريط أميركا في حروب ضد إيران وسوريا وحزب الله، غير الحروب السريّة والعلنيّة التي تقرّرها أميركا وإسرائيل من دون مشورة طغاة الخليج. لكن تذمّر حكّام الخليج زاد مع وصول رئيس أسود إلى سدّة الرئاسة. هؤلاء نشأوا في قصور كان الرجال السود فيها مُستعبدين قانوناً. وردود الفعل على تصاريح أوباما لم تخلُ من الإشارات إلى لون البشرة. وسمير عطالله اعترض على كلمة نابية استعملها أوباما في المقالة. الأبواق اللبنانيّة لآل سعود أكثر حرصاً على سمعة آل سعود من آل سعود.
إن التقليل من شأن دول الخليج في العقائد الرئاسيّة الأميركيّة سيكون له تأثيره على منطقة الشرق الأوسط. ستزيد دول الخليج من تقرّبها من دولة العدوّ الإسرائيلي وستستعين إسرائيل بدول الخليج لتزيد من حجّتها في تأجيج العداء ضد إيران وضد أي حركة تقاوم إسرائيل في المنطقة العربيّة. كما ان دول الخليج ستستعين بإسرائيل من أجل ان تحصل على مكاسب معيّنة من الكونغرس الأميركي خصوصاً إذا أرادت تجاوز رئيس لا ينتمي إلى حزب الأغلبيّة في الكونغرس. أي ان ليس مِن خيار لدول الخليج إلا التبعيّة: تبعيّة لأميركا وتبعيّة لدولة العدوّ الإسرائيلي. أي ان عقيدة طغاة الخليج هي التمسّك بوصفة رديفة للصهيونيّة —لكن باسم رداء العروبة والإسلام الذي بات حكّام إسرائيل يرفلون به.

أوباما بين المكابرة والفشل/ فهد الأحمري
أبدى الزعيم الأميركي انزعاجه من تصدير الإرهاب من قبل بعض الدول المصدرة للنفط، بينما تناسى دوره المتخاذل في مواجهة الإرهاب
يقول صاحب رواية “الخيميائي” باولو كويلو ‫”بعض الأشخاص عاجزون عن اتخاذ القرارات، ويسعون دائما إلى تحميل الآخرين مسؤولية مصائب العالم‫”. مقولة قديمة للسيد كويلو الذي بالتأكيد لم يكن يقصد السيد أوباما تحديداً، لكن المقولة تلخّص مسيرة أوباما ذات الثمان سنوات بجملة مقاربة للثمان كلمات، خصوصاً أن هذه التصريحات صدرت قبيل وداعه للبيت الأبيض بثمانية أشهر.‬‬
ظهر الرئيس أوباما بمظهر القائد الفاشل الذي يوزع الأخطاء ذات اليمين وذات الشمال على قيادات العالم باستثناء إيران وروسيا اللتين لم يتعرض لهما سيادته، وهو يودّع المشهد الرئاسي. انتقد بريطانيا الحليف الإستراتيجي لأميركا بقوله عن ديفيد كاميرون إنه “شارد الذهن”، وفعل الأمر نفسه في انتقاد ساركوزي الزعيم الفرنسي السابق. تعرّض أيضاً لنتانياهو والرئيس التركي، ثم عرّج على دول الخليج والسعودية.
ظهر أوباما وكأنه يريد أن يقول إن كل قراراته في الفترة الرئاسية كانت سليمة، ولم يرتكب أخطاء كارثية أدت إلى تهديد العالم بأسره بما فيها الولايات المتحدة الأميركية نفسها. لم يرتكب خطأً حين ترك بشار الأسد يستخدم الأسلحة الكيماوية ضد شعبه بلا هوادة. لم يرتكب خطأً حين أمر بسحب القوات الأميركية من العراق تاركاً المنطقة تعيش حالة الفراغ والفوضى والطائفية التي تولّدت على إثرها الجماعات الإرهابية. لم يرتكب خطأً حين ترك سورية للرئيس الروسي يرتع فيها كيفما يشاء. لم يرتكب خطأً حين حوّل البيت الأبيض إلى غرفة يتفرج من خلالها على أحداث العالم بعد أن كان البيت نفسه يمارس دور قيادة العالم.
لقد أبدى الزعيم الأميركي انزعاجه من تصدير الإرهاب من قبل بعض الدول المصدرة للنفط بينما تناسى سيادته دوره المتخاذل في مواجهة ذات الإرهاب كقائد لأقوى دولة عليها التبعات الأكبر لحفظ الأمن العالمي.
والمؤكد أن ترتيب الأولويات لدى الرئيس الأميركي جعله يقدم مواجهة مشروع تغيّر المناخ على مواجهة سفاحي النظام السوري، ومجرمي التنظيم الداعشي! وما يضير الدولة العظمى أن تعمل على المشروعين في وقت واحد، تواجه خطر الإرهاب وتواجه خطر التغير المناخي!
والمؤكد أيضاً أن أميركا لم تكن لتتبوأ موقع الدولة العظمى والأقوى لو كان من تعاقب على رئاستها على شاكلة أوباما! وها هو الآن يقود بلاده إلى التخلي عن قيادة العالم.
صحيح أن أوباما يسجل له أنه قضى على أسامة بن لادن و”قاعدته” غير أنه صرف النظر عن بشار وترك العراق في فوضى بعد الانسحاب في الوقت الخاطئ، الأمر الذي ترتّب عليه ظهور أبوبكر البغدادي و”داعشته” الأقوى تنظيماً والأشد فتكاً في تاريخ المنظمات الإرهابية، وذلك في تجلّ بديع للمثل القائل “شهاب الدين ألعن من أخيه”.
ولكون اللقاء عن “عقيدة أوباما” فقد كان اللقاء “معقداً” لرجل عاقد العزم على الرحيل، بيد أن هناك تساؤلاً قد يكون الأبرز، وهو هل لتصريحات أوباما ضد السعودية بالذات علاقة تزامنية مع عصر الحزم في الجنوب، والرعد في الشمال، وما ترتب على ضوئهما من تحالفات دولية غصت وشرقت بها إيران حليفة أوباما الجديدة؟
كيف سيكون وقع الأمر على العالم بأجمعه لو أن أوباما، وهو يحزم حقائبه قافلاً إلى وجهته بعد البيت الأبيض، خرج إلى العالم ليتحدث عن نفسه وعن أخطائه إبان الفترة الرئاسية بدلاً من الحديث عن غيره.
سيادة الرئيس؛ الاعتراف بالخطأ فضيلة، وسجل رئاستك ليس فيه خطأ واحد، بل هي خطايا، ليتك فعلت ذلك، كان أجدى لك من المكابرة وتعليق فشلك على أكتاف الغير.
عقيدة أوباما: اليأس من الشرق الأوسط والتعالي على الأصدقاء العرب/ خطار أبو دياب
تعتبر مقالة “عقيدة أوباما” التي نشرتها مجلة آتلانتيك، مرجعا لا غنى عنه لفهم مقاربة الرئيس الأميركي للعالم ودور واشنطن فيه، لكنها لا تسهم في فك ألغاز تردده وخياراته. وأكثر ما يبرز من خلالها خيبة أمله من الشرق الأوسط، استخفافه بأوروبا، وملامسته ازدراء النظام العربي الرسمي الحليف لبلاده.
نقرأ في عبارات أوباما خروجا على المألوف في الدبلوماسية وصلفا واعتدادا بالذات، مع تهجم مستغرب بصراحته على رؤساء وقادة من حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين أو الشرق أوسطيين. ويبدو أن الرئيس الذي ينهي ولايته آخر هذا العام لا يأبه كثيرا بقواعد اللعبة التقليدية.
عبر هذه المقالة المطولة تطلع علينا مرافعة الرئيس المحامي في الدفاع عن حصاده في البيت الأبيض، من دون أن يكلف نفسه أي نقد ذاتي. لكن التبرير للخطوات والمواقف يستند إلى تمحيص وتفكير أراد به أوباما التميز عن أسلافه الذين يسخر منهم أيضا. بيد أن هذا الرئيس المفكر لم يكن بالطبع الرئيس الفيلسوف الذي تصوره أفلاطون نظريا وتطبيقا، بل رافقته عقد طفولته وأصوله، ويبدو أحيانا أنه يتصرف كشخص من خارج المؤسسة وأنه عبر إسداء النصائح يتصور أنه يرسم الإطار لمن سيخلفه في البيت الأبيض، بينما اعترى مفهومه للسلطة تناقضات على المكشوف، إذ لا نرى معه متى يتوجب اللجوء إلى القوة الناعمة ومتى يتوجب استخدام القوة الصلبة. إنه ينتقد الرئيس الروسي لأنه يفكر بأساليب القرن التاسع عشر في اكتساب النفوذ، ولأن القوة ليست الشرط لتحقيق الأهداف (يتباهى أوباما بقدرة بلاده على الإقناع وتسيير شؤون العالم) لكنه يعود ليطلب من المملكة العربية السعودية أن تتقاسم النفوذ مع إيران، وفق المنطق الذي انتقده أعلاه.
يفتخر أوباما، من دون مواربة، أن أهم قرار اتخذه كان عدم القيام بعمل عسكري ضد النظام السوري في 2013 عقب استخدام السلاح الكيميائي، ولا نلـمح بين سطور مرافعة سيد البيت الأبيض أي اعتراف بحيز معين لمسؤولية سياساته عن أهوال الكارثة السورية، أو عذابات الشرق الأوسط، أو صعود ما هو أعتى من القاعدة التي يعتبر أن تصفية زعيمها كان من إنجازاته الملموسة.
انطلاقا من تركيزه على أخطاء أسلافه في الحروب الخارجية، يستنتج أوباما أن الشرق الأوسط عصيّ المسار، إذ أنه مع تدخل أميركي في العراق لم يصبح الوضع أفضل، ومع قيادة أميركية من الخلف تحول التدخل في ليبيا إلى فشل آخر، ومن دون تدخل في سوريا يبقى الوضع مأساويا.
وهكذا يقوده التحليل بالإضافة إلى حنقه ممن أسماهم “المتسلطين الأذكياء” وفشل “الربيع العربي” إلى اعتبار الشرق الأوسط منطقة “حروب الجميع ضد الجميع”، ولذا لا يجب أن تندرج في أولويات الانخراط الأميركي لأنها لم تعد استراتيجية اقتصاديا مع وجود مصادر جديدة للطاقة، ولأن ذلك يقود واشنطن إلى الاهتمام أكثر بآسيا حيث يكمن مستقبل العالم حسب رأيه.
بيد أن هذا الانسحاب، أو شبه الانسحاب، يتغاضى عن مفاعيل الهيمنة الأميركية وسياسات واشنطن في الإقليم منذ خمسينات القرن الماضي. وهذا اليأس من الشرق الأوسط يناقض تبشير أوباما نفسه ببزوغ فجر جديد لهذه المنطقة في خطاب له في برلين إبان الشهور الأولى لحكمه.
بالطبع، إن تعقيدات صراعات مزمنة وحجم شبكة المصالح الإقليمية والدولية وعدم وجود دول ناجحة (تأخر في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ووزن الأساطير الدينية، ومأزق الإصلاح ونماذج الحداثة) تلقي بثقلها في تحول الشرق الأوسط إلى بركان ملتهب في السنوات الأخيرة، لكن مما لا شك فيه أن إدارة باراك أوباما عبر فشلها في ملف السلام الإسرائيلي الفلسطيني، وعبر تعاملها مع التحولات العربية التي اختصرتها، بعدئذ، في أولوية الحرب على الإرهاب، كانت تعمل على خط ينطلق من قراءة أخرى لصعود التطرف الإسلامي، ومن خلال التركيز على الوصل مع إيران، بهدف إيجاد تركيبة جديدة في الشرق الأوسط.
وهذه القراءة الأوبامية للمشهد السياسي الشرق أوسطي وللعلاقة مع إيران لم تكن ظرفية، بل كانت نتاج تفكير بالخطط المستقبلية استنادا إلى ستيفن والت، البروفيسور في جامعة هارفارد وصاحب نظرية “التوازن الجيوسياسي بين السنّة والشيعة”، التي تبرر الاعتماد لاحقا على إيران كشريك محوري.
في مقاربة تطبيقية اعتبر أوباما “أن هدف الإدارة في الشرق الأوسط هو التوصل إلى توازن جيوسياسي” بين دول الخليج (السنّية) وإيران وهذا يؤدي إلى نوع من التنافس أو حتى الشك من دون إشعال حروب دموية أو حروب بالوكالة. إنها سياسة تنظيم أو مواكبة “الحرب الإسلامية – الإسلامية” على الأرض العربية وأكبر مثال لهذا الاستنزاف ما يحصل في سوريا ويمتد لباقي بلاد الشام. وهذا النزيف يطال الشعوب العربية ووحدة كياناتها ومجتمعاتها.
بعد توقيع اتفاق فيينا، كان أوباما يعلم أن استمرار هجوم إيران الإقليمي سيكون صداه عكسيا عند شركاء واشنطن التاريخيين في الإقليم، لكنه يحمّل المملكة العربية السعودية مسؤولية تأجيح النزاعات إقليميا ومذهبيا، وفي ذلك نوع من التعالي والقراءة المنحازة لمسار النزاعات. والأدهى من ذلك أن أوباما لا يلقي محاضرة أكاديمية، بل يدافع عن سياساته التي أدت إلى تدهور في العلاقات مع الأصدقاء التاريخيين من إسرائيل إلى تركيا ومصر والمملكة العربية السعودية.
في العلاقة مع الرياض بالذات يبدو أوباما قصير الذاكرة بخصوص العلاقات المتشابكة والمصالح المترابطة بين واشنطن والرياض، ويبدو متجنيا وكأنه يحمل ضغينة تتصل بها مقارباته لنزاعات الشرق الأوسط مع قراءته للإسلام وخشيته من التحولات فيه. يحاول الرئيس الأميركي إظهار الاهتمام السعـودي والخليجي بشـؤون المسلمـين في إندونيسيا وآسيا بمثابة غزو ثقافي وكأن ارتداء الحجاب للتعبير عن هوية أو انتماء أصبح من المحرمات في بلد مسلم. ولكنه يركز على الـدور السلبي للإســلام العـربي، وكأنه لا يعلم أنه بالرغم من وجـود مليار وحوالي ستمئة مليون مسلم (غـالبيتهم في الكتلة الآسيوية) فإن القرآن الكريـم “عربي اللسان”، ولا يمكـن حـذف دور العرب في عـوالم الإسلام وفي العالم، بالرغم من أخطاء النظام العربي الرسمي التي هناك مساحات أخرى لنقاشها.
وفي هذا الشأن يلـمح أوباما إلى مسؤولية نظرات معينة للإسلام في صناعة الإرهاب، لكنه يغفل وصية بن لادن التي تم كشف بعض أجزائها وفيها إظهار لعلاقات القاعدة المصلحية مع إيران، ومن غير المعقول أن يتناسى أوباما دور بلاده في حقبة الجهاد الأفغاني وفي سقوط شاه إيران، مما مهد الطريق لصعود البعد الديني في العلاقات الدولية.
عبر قراءة آراء أوباما ومداخلاته كما أظهرها تحقيق جيفري غولدبيرغ، يتبين أن لا مكان للأحاسيس والمشاعر لديه، وأن حامل نوبل للسلام يحتاج ربما إلى التفتيش عن سلامه الداخلي عند مغادرته البيت الأبيض، الذي سيخرج منه والعالم أقل أمنا وأكثر اضطرابا.
ومما لا شك فيه أن كيله الانتقاد للعرب وأوروبا لن يعفيه من مسؤولياته. إن تعامل رئيس القوة العظمى مع مأساة سوريا سيلعب دورا في حكم التاريخ عليه.
*نقلاً عن صحيفة “العرب”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى