الرئيسية / كتاب الانتفاضة / بشير البكر / مقالات تناولت جبهة النصرةودولة العراق والشام الاسلامية

مقالات تناولت جبهة النصرةودولة العراق والشام الاسلامية

التطرف الأصولي في سوريا

-1-

                      ميشيل كيلو

لم يعد من الجائز الاستمرار في تجاهل ظاهرة الاصولية، التي تسبب أضرارا بالغة للثورة السورية وتخدم بصورة اساسية وجوهرية النظام في ما تمارسه من انشطة وتوجهات، تنصب بطريقة تكاد تكون حصرية على «الجيش الحر» والابرياء من المواطنات والمواطنين. وبما أنه لا يمكن أن نجمع تحت كلمة الاصولية العامة والفضفاضة كل من وما لا ينضوي في «الجيش الحر» او يتبع حزبا سياسيا، فإنه لا مفر من اجراء تمييزات وتصنيفات أولية ترفض خلط الاصوليات ورميــها في قــدر واحد، خاصة ان بينها ما هو من فبركة النظام السوري خلال عقود عديدة، مع ما يتطلبه ذلك من تأسيس وتشغيل منظمات اصولية يجب ان تنسب الى الثورة وأن تبدو كجزء منها، لدمغ ثورة الحرية بطابع أصولي وتشويهها، وبيعها إلى الدول والرأي العام العالمي بوصفها اصولية دينية ـ مذهبــية تصارع نظاما علمانيا، ذلك لأنه من المحتم أن يعني رفضها قبول النظام رغم قسوته، لكــونه اهون الشرين، ولأن وحشــيتــه ليســت موجــهة ضــد الغــرب، بينــما لا تعد الأصــولية الغرب بغير الغزو والعدوان. وكــنت قد حذرت قبل قرابة عام من هذه الحسبة الاستراتيجية للنظام في مقالة نشرتها «السفير»، قلت فيها إن الاسد يريد تخيير العالم بين نظامه و«القاعدة»، ويؤمن أن العالم سيختاره هو وسيرفض الاصولية، وانه سيخرج عندئذ منتصرا من معركته.

ثمة اسباب متنوعة تكمن وراء بروز الأصولية وتحولها إلى ظاهرة تتمدد أكثر فأكثر في بلادنا، وتحتل مساحات متزايدة في صحافة وإعلام العالم. هذه الأسباب يمكن إجمالها في ما يلي:

1- سياسات النظام التي قامت منذ اول يوم على تقويض وتدمير القطاع المدني في الثورة والضغط بالخيار الأمني ـ العسكري على قطاعها الأهلي، بقصد ارغامه على اللجوء إلى السلاح دفاعا عن نفسه في إطار ايديولوجيته التقليدية الولادة الطبيعية لقدر من الأصولية سيتكفل بتبديل طابع الثورة وحرفها عن الحرية كغاية وهدف، وتحويلها إلى ما خطط له النظام: صراع طائفي مذهبي يقف إلى جانبه فيه كل من يخاف الحكم الأغلبي، فضلا عن علمانيي المسلمين، الذين يمثلون قطاعا واسعا من مواطنات ومواطني سوريا، ويمكن أن يضمنوا له تأييدا شعبيا واسعا إن هم انحازوا إلى ما يسمونه اليوم «الأقليات». منذ بداية الثورة، لم يكن لسياسات النظام غير هدفين اثنين هما: توطيد وحدته على اسس متنوعة اهمها الطائفية، وتفتيت الشعب ولغمه بشتى أصناف التطرف والأصولية، لتحويل الثورة من نضال حر، سلمي ومجتمعي عام، إلى اقتتال طائفي الهوية، يتسم بقدر من التطرف يبرز معه الأكثر على حساب الأقل تطرفا واصولية، مع ما ينتج عن ذلك من تمزق عنيف في الشعب وتبدل متعاظم الجذرية في الثورة، يأخذها إلى عكس رهانها الأصلي: الحرية للشعب الواحد والدولة القوية التي لجميع مواطناتها ومواطنيها.

2- سياسات التلكؤ العربية والدولية، والسياسات المذهبية الإسلامية المتصارعة، المعتمدة إقليميا كايديولوجيات ترى في سوريا والمشرق ساحة لانشطتها المذهبية المتناقضة. اعطى التلكؤ العربي والدولي النظام الفترة الزمنية اللازمة لتحقيق خطته القائمة على تنظيم اقتتال اقلوي ـ اكثري يحل محل مبدأ الحرية الجامع، وها هو يمكنه من العمل لكسب عالم شرع يصدق أن المعركة في سوريا تدور بين نظام علماني وبين الأصولية القاعدية. اما الآلية التي ساعدت النظام على النجاح، فتكمن في موقف أميركي ـ غربي صدق الروس واعتقد مثلهم أن الثورة واجهة للأصولية الإسلامية، وأن اخذ مسافة منها سيتكفل بتمكين النظام من التصدي الناجع لها والقضاء على طابعها الأصولي، بينما كانت الحقيقة في مكان آخر: فقد أدت السلبية التي اعتمدها الغرب واميركا إلى منح النظام ما يكفي من وقت وأدوات لبلوغ هدفه: خنق صوت الحرية تحت أمواج متلاطمة من طوفان اصولي خانق، لم يغير ما وقع منه إلى اليوم سياسات الدول الغربية، او يجعلها ترى في إطالة احتضار سوريا سببا مباشرا لصعود الاصولية وتجذرها المتزايد، بينما كانت تدابيرها التصحيحية عرجاء وناقصة ومتأخرة عن الواقع ومساره. هذا المسار الذي كان يبلور قطبا اصوليا في مواجهة قطب النظام، زاد من أهمية حضوره وعجل في تخلقه ما ادلى به قادة اميركيون وغربيون من تصريحــات ضخمت حــجمه وبالغــت في خطره، وفي ما املاه من سياسات عليهم زادت من المسافة التي اخذوها حـيال الصراع بدل أن تدفع بهم إلى العمل لإحداث تأثير مباشر عليه، حتى بدا وكأن الغرب يشارك النظام في سياساته ولا يفهم مقاصده في ما يفعله، ويعالج المشكلة بنتائجها لا بأسبابها. واليوم، يتصرف العالم الغربي وكأنه بوغت بوجود الأصولية في سوريا، ويتكلم وكأنه لا يعرف ما حدث، ويمعن في سياساته اللحاقية، الخالية من أي بعد استباقي، ويعرج بتثاقل وراء الوقائع، ملقيا بكامل المسؤولية عما جرى على غيره. في حين تستعر نار أصولية طائفية هوجاء تمدها إيران بالحطب البشري الضروري لاستمرار اشتعالها وتصاعده.

3- حجم الكارثة المرعبة التي حلت بشعب خرج في تظاهرات سلمية مطالبا بحريته، لكنه قوبل بطوفان من الرصاص والقنابل والصورايخ، وتعرض خلال زمن صار يبدو بلا نهاية لعنف لم يكن يخطر ببال احد منه، ووجد قراه ومدنه وبلداته تسوى بالارض، بينما تعرض لعملية تمزيق عنيف وغير مسبوقة في تاريخه القديم والحديث طاولت كل خلية في جسده التاريخي والمجتمعي، وادت إلى طرد ملايين منه الى خارج مواطنهم الأصلية، إضافة إلى تشريد جموع هائلة الأعداد منه تجبر اليوم على العيش في مخيمات جوع وبؤس ومرض وذل، لم يعد لديها من أمل في العودة إلى مواطنها غير قدر من العنف يدمر النظام الذي دمرها، فليس مهما في نظرها نوع هذا العنف وليست معنية بهويته، وكل ما تبتغيه ان يكون اشد من عنف النظام واكثر فاعلية وفتكا، ولا ضير عليه ان هو ارتكب افظع الجرائم، ان كان ضحاياه من الطرف الآخر: من النظام واتباعه، الذين ينخرطون بدورهم في عنف متعاظم الوحشية يعبر يوميا عن نفسه في مذابح يصعب إيجاد لغة تصفها، أليست هذه البيئة هي الحيز الملائم لانتاج أصولية معاكسة من جنسها، لا هم لها غير ان تبزها في العنف، خاصة انها تشارك النظام في سعيه المنهجي إلى القضاء على ثورة الحرية، وتتبنى مثله قدرا من العداء لها يتطلب إبادة اتباعها بلا تمييز او رحمة: لأنهم خصوم النظام؟

-2-

اندفع شباب حملوا راية السلمية خلال فترة التظاهر الاولى الى طلب السلاح من اي مصدر، بعد ان وجدوا انفسهم في قبضة موت لا يستثني احدا منهم، لمجرد انهم شباب. بما ان سلاح الاصولية كان هو الامضى والاكثر فاعلية وتطورا، وأموالها أكثر وفرة، فإن الشباب انضموا إليها حبا بالحياة ودفعا لأذى السلطة عن ذويهم ووطنهم لا حبا بآرائها، خاصة بعد ان مارست عنفا خارج المألوف يقلد عنف النظام، وبعد أن قال قادة عالميون إن المنظمات الأصولية صارت خطيرة على بلدانهم، التي كره السوريون مواقفها من مأساتهم، وتعمدوا الانضمام إلى خصومها بالذات لا سيما بعد إقناعهم بأن رسالتهم العنيفة ستكون نبيلة، وأنهم لن يقاتلوا فقط نظاما عميلا لاسرائيل واميركا، وإنما سيقاتلون أيضا من سمح له بسفك دمائهم وقتل احبائهم وتدمير وجودهم، فمهمتهم مزدوجة، وهم لن ينتقموا من النظام وحده، وإنما كذلك من الذين سمحوا له بممارسة إجرام لا يرحم ضد اهلهم وذويهم. هذا المزاج العام عززه اعلان بعض التنظيمات الأصولية انضمامها إلى حــركة عابــرة للدول هي منظمة «القاعدة»، التي رأوا في الانتماء إليها بعدا تحالفيا مقابلا ومعاكسا لما يسمونه التحالف السلطوي الصهيو ـ أميركي، المكمل للتحالف الروسي الإيراني مع النظام. هنا، ثمة فارق مهم يميز التنظيمات الأصولية عن «الجيش الحـر» وبقــية الأحـزاب السورية. ويتجلى ذلك في كون الأخــير يحــارب بمـفرده حلفا إقليميا دوليا متشابكا، في حين يستطيع حلف «القاعدة» العراقي السوري بما له من دعم مالي سلاحي، وتأييد شعبي اسلامي عابر للحدود تحسين شروط المواجهة مع الأعداء، علما بانه جــزء تكــويني من تنظيم عالمي أذاق الغرب ونظمه العميلة الأمرين، وصمد في صراعه مع هؤلاء وأعجزهم عن القضاء عليه، برغم أنه ينتشر ويقاتل في كل مكان من ارض العرب والمسلمين، ويجسد سندا قويـا للجــهاد السوري ضد النظام والغرب الصهيــوني، الــذي وقف مع النظام خلال المأسـاة الســورية ولم يفعــل شيئا ضده.

إضافة الى ذلك، هناك حجم التدمير والتشريد الذي قوض تماما حياة السوريات والسوريين الشخصية، ودمر مصادر رزقهم المادية ومواردهم، ورماهم في جوع لم يسبق لهم ان واجهوه، لأنهم لم يكونوا جياعا او مشردين في أي يوم من تاريخهم الحديث. استغل الاصوليون هذه الواقعة، وعاملوا الناس بطريقة من يهتم لمصيرهم، بعد أن وضعوا يدهم على جزء لا بأس به من موارد وثروات سوريا، اتاح لهم دخلا ثابتا وإنفاقا منظما مكنهم من إمداد مناطق سيطرتهم ببعض السلع الحيوية، الضرورية للعيش، ووضعهم في موقع أعلى من مواقع سواهم من خصوم النظام، وجعلهم يبدون كمنافسين له، بينما غرق الجيش الحر غرقا تعاظم باضطراد في نقص السلاح والمال وأخيرا في الفقر والجوع، وبدأ المنتمون إليه ينتقلون إلى هذا التنظم الأصولي أو ذاك، طلبا للسلاح الأفضل والذخائر الأوفر والطعام المتاح، علما بأن الانتقال إلى الموقع الجديد بدا وكأنه لا يعني الكثير على الصعيد الأيديــولوجي، في حين يبرز معناه واضحا على المستوى العملي: مستوى القتال ضد النظام. ولعله ليس سرا أن الفاعلية الميدانية للتنظيمات الأصولية كانت لفــترة طــويلة اعلى من فاعلية وحدات كثيرة في الجيش الحر، الذي لم يعـرف كثــيرون له قيــادة او قوامــا ثابتــا، بينما أدارت معارك وسياسات الأصوليات مراكز قيادية موحدة، تكفلت بالإشراف على معاركها وأمدتها بما احتاجت إليه من طعام وسلاح وذخيرة، حتى شاعت فكرة تقول: حيث يخفق «الجيش الحر» في تحقيق انجازات عسكرية، تصير الحاجة إلى قوات التنظيمات الأصولية جدية، ويكون من المحتم استدعاؤها والاستعانة بها.

ما مستقبل التطرف في سوريا وكيف يعالج؟ هذان سؤالان هامان يرتبط بالاجابة عليهما مستقبل ومصير وطننا، الذي يعاني من انفلات اصولي متطرف غريب عن تاريخه وثورته، شرع يفتك بقدراته المستنزفة بقوة، ويدمر قضيته العادلة ويحولها من ثورة تمثل خطوة على طريق الحرية إلى فوضى تهدد البشرية بأعظم المخاطر، يجبر الخوف منها الدول على أحد خيارين: الابتعاد عن مطالب وحقوق شعب سوريا اكثر مما هي بعيدة عنها، وربما معاداتها باعتبارها التربة التي ينمو فيها التطرف اليوم وستنطلق منها الأزمات والتحديات المسلحة غدا، وإلا فإكمال الانحياز إلى النظام ومساعدته على كسب صراعه ضد الشعب، الذي لن يقبل تحوله إلى داعم لأصولية يرفضها العقل ويحاربها أركان النظام الدولي، المختلفون اليوم على مستقبل سوريا والمتصارعون على ارضها، الذين شرعوا يؤمنون بارتباط اصوليته بنضالها اكثر مما يرونها مرتبطة بنظامها، على الرغم من علمهم بانه لطالما رباها ورعاها، وشكل منظمات لها ومنها ارسلها إلى بقية الدول العربية والاجنبية، أو احتفظ بها لساعات الشدة، ليستخدمها في تشويه سمعة خصومه باعتبارها جزءا منهم وليست تكوينا اشرف هو على ولادته، كما يفعل منذ بعض الوقت في اكثر من واحدة من عواصم العالم الغربي الكبرى، بنجاح نسبي لا يستهان به.

ليست الأصولية ابنة الحرية ومن المحال أن تكون وليدتها. إنها جزء بالغ السوء من عالم الاستبداد وصنيعة له. ولو كان العالم الغربي منصفا لتذكر أن من يصفهم اليوم بـ«الجهاديين» اتوا بعد العام 2003 من سوريا ليقاتلوا اميركا في العراق، وأن النظام درب الآلاف منهم وسلحهم واشرف على تسللهم إلى ميادين المعارك، وأن القسـم الأول منهــم رجــع من العراق بعد منتصف العـام 2012 الى ســوريا. سوريا التي كانت خالية بصورة تكاد تكون تامة منهم، وارتبطوا بظاهرة تفشي العنف كإفراز للسياسات الأسدية، ولم يرتبطوا بصرخة الحرية والمواطنة، التي انطلقت من المجتمع، معلنة تصميمه على طي صفحة الاستبداد إلى غير رجعة. علما بأن السوريين لم يمحضــوا الأصوليــة أي تأييــد جــدي إلـى اليــوم، بــدلالة التظاهرات الشعبية المعادية لها، التي انطلقت خلال الأشهر الأخيرة في كل مكان، وطالبتها بالخروج من ديارها وبرفع يدها عنها وعن ثورتــها. ويلاحــظ انها الى ازدياد يومي، وانها ترفض الأصــولية وتواجهها سلميا في الميادين والساحات التي عرفت مواجهاتها السابقة مع النظام الأسدي وأصولييه، مع ما في ذلك من دلالات هائلة الرمزية والأهمية، قد تخفى على كثير من الدول، لكنها لا تخفى على اي مراقب نزيه.

لم تنطلق الثورة السورية من فكر اصولي، ولم تبدأ على يد قوى أصولية، وكانت نتائج تسرب الأصولية إلى مجتمعها مضادة لرهاناته، لذلك نلاحـظ في كل مكان من سوريا اليوم صحوة مدنية عارمة، يحملها شباب راغب في استعادة مطلب السوريات والسوريين الرئيس: الحرية لمواطنات ومواطني شعب واحد موحد، يلاحظ انه يعزف أكثر فأكثر عن قبول أي طرف لا يجعلها مادة برامجه وموضوع نضالاته، ويتــظاهر ضده ويقاومه من دير الزور إلى حوران، من دون أن ينجح حتى الآن في إبطال الشروط الملائمة لتخلق الأصولية وتنظيماتها سواء في سياسات النظام أو في أوضاع الجيش الحر والسياسات العربية والاقليمية والدولية.

السفير

«الدولة الإسلامية» ومقدمات ابتلاع «جبهة النصرة» ميدانياً

حسين جمو

لا يستقيم إيراد الأدلة على خلافات بين منظري السلفية الجهادية حول «جبهة النصرة» والدولة الإسلامية في العراق والشام من دون شواهد تبرهن على وجود الخلاف في العمليات الميدانية.

حتى الآن، تتبع «الدولة الإسلامية» الحد الدنى من مبدأ «حسن الجوار» مع «جبهة النصرة»، وفق شهادات متطابقة لناشطين موجودين قرب الجاريْن الجهاديين.

يحرص الجانبان على عدم جعل الخلاف موضوعاً يتداوله العامّة. في المناطق السكنية المحررة في حلب، لا يلتقي السكان بالكثير من مقاتلي «النصرة» المرابطين على الجبهات، فيما لا توجد الدولة الإسلامية سوى في نقطتي تماس مباشر مع النظام، ولا يوجد فيهما أي قتال. أما بقية القوة البـشرية الهائلة لها فإنها تتمركز في الخطوط الخلفـية المحررة، أو في معـسكرات تـدريب لا تنفذ مهمات قتالية.

ولدى تصفح المواقع المحـسـوبة على هذا التنظيم، فإن من السهولة استنتاج أنه تنظيم لا يأخذ القتال ضد النظام على محمل الجد، فكل عملياته الموثقة بالبيانات هي في العراق، ولا توجد لديه سوى ثلاث عمليات خلال ثلاثة أسابيع بدءاً من اليوم الأول لشهر رمضان، وفق ما نشرته مواقع التنظيم على الإنترنت، اثنتان منها مسجلتان ضد المقاتلين الأكراد في محافظتي الحسكة والرقّة، والثالثة عملية إعدام بالرصاص لرجل من الحسكة قيل إنه قتل «مسلماً». تدارك هذا الشحّ في «الجهاد بالسيف» يتم تعويضه بوضع مقاطع فيديو لعمليات نفذها عناصر من «جبهة النصرة» أو أحرار الشام، إضافة إلى نشر مقاطع فيديو مركّبة تمدح «المجاهدين» ومرفقة بأناشيد دينية.

4 طرق للتمدد

يعتمد جناح البغدادي على أربع طرق لتوسيع نفوذه، أهمها كسب مقاتلي «جبهة النصرة»، والثانية إرسال المقاتلين الجدد من الخارج، وثالثاً احتلال مناطق محررة بالقوة، ورابعاً، كسب البيعة من كتائب وألوية مقاتلة.

شكّلت الطريقة الأولى النواة الصلبة لجناح الدولة الإسلامية في سورية، فبعد دقائق من نشر الجولاني رسالة رفض دمج «جبهة النصرة» في «الدولة الإسلامية في العراق والشام» في 10 نيسان (أبريل)، قام الكثير من مقاتلي الجولاني بالانضمام إلى «الدولة» تحت قيادة أميرهم «البغدادي».

نسبة الانتقال كانت كارثية على «جبهة النصرة»، وهي مهددة بابتلاع ناعم من «الدولة». هناك من روى من الطرفين أرقاماً تطابقت في أن نسبة تغيير الولاء تصل إلى 80 في المئة في صفوف المقاتلين الأجانب، و50 في المئة من السوريين لمصلحة «الدولة الإسلامية». وهذا ما أربك موقع الجبهة ميدانياً، وخلق إشكالات مع كتائب في الجيش الحر.

وبين أيدينا نموذجان لهذا الإرباك، الأول هو ما حدث في مدينة أعزاز شمال حلب. كان لـ «جبهة النصرة» مكتب دعوي في أعزاز يضم عشرة أشخاص بعد اتفاق مع عمار الداديخي، قائد لواء عاصفة الشمال، وكان شرط السماح بذلك هو أن يكون العشرة غير مسلّحين.

بعد خطاب الجولاني مباشرة برفض الدمج، أعلن هؤلاء ولاءهم للبغدادي، وأصبحوا في حِل من الاتفاق السابق، فقاموا باستقدام حوالى 50 مقاتلاً ممن رفضوا البقاء تحت راية «النصرة» وهم مدججون بالأسلحة، ورفعوا راية «الدولة» على المقر وبدأوا بتطبيق «الشريعة». أرسلت الهيئة الشرعية في حلب كتاباً إلى مسلحي الدولة الإسلامية تطلب فيه إخلاء المدينة فوراً من المظاهر المسلّحة. رفض هذا الطلب فوراً، فلا سلطة للهيئة الشرعية في حلب عليهم، وأقاموا هيئة بالاسم نفسه تابعة لهم، وقاموا بتسيير مظاهرة صغيرة في أعزاز، نصفها من الأطفال، في 5 تموز تمهيداً لإعلان أعزاز جزءاً من الإمارة الأسلامية، وهو أمر لن يتم من دون السيطرة على معبر باب السلامة، إلا أن الهجوم أخفق مبكراً بعد مساندة ألوية الجيش الحر بالدبابات للواء عاصفة الشمال الذي ضعف كثيراً بعد مقتل قائده الداديخي في مطار منغ.

المثل الآخر على تأثير التسرب من النصرة إلى الدولة ذكره أيضاً الشيخ السلفي أبو عبدالرحمن الأثري، وهو إلغاء هجوم كبير في منطقة وادي الضيف بريف إدلب بسبب إصرار مقاتلي النصرة القتال باسم «الدولة الإسلامية»، وهو ما رفضته الفصائل المشاركة مثل «أحرار الشام»، وساهم إلغاء الكثير من العمليات في نجاح النظام في فك الحصار عن المعسكر منتصف نيسان الماضي.

احتلال مناطق

ترابط كتائب صغيرة وفقيرة التسليح في مناطق محررة، فيطلب أحد قادة الدولة الإسلامية اجتماعاً معهم، ويطرح عليهم فكرة تسليم المنطقة لهم. عندما رفض قائد كتيبة ذلك، خلع هذه الأمير سترة كان يرتديها ليرى المفاوضون حزاماً ناسفاً على خاصرته، فوافقوا على الفور. وتكرر هذه الأمر في اجتماع مجلس محلي لبلدة متعددة الهويات في الحسكة، ليخرج الاجتماع بنتائج كتبها صاحب الحزام الناسف.

في مناطق أخـرى مـمن لا تنـفع مـعـهم هذه الأساليب، يكون الاسـتيلاء بـمبـدأ الغلبة، وبهذه الطريقـة اسـتولوا على مقر «جبهة النصرة» (مستشفى الأطفال)، ومبنى البريد في حي الإنـذارات الذي كانت تديره كتيـبة الـصفوة الإسلامية. وأكثر عمليات الاستيلاء غرابة تـلك الـتي شـهـدتـها مـديـنة جـرابلس (شمال شرقي حلب)، فقد انـشق معظـم مقـاتلو الـنصـرة وانضموا إلى دولة العراق الإسلامية، وحـصـلوا عـلى دعـم المجلـس الثـوري في المدينة، وقاموا بفتح مدارس للأطفال لـ «تنشئتهم وفق الشرع»، وأصبحت المدينة المقر الأكثر أمناً لهم ومقصد الجهاديين الجدد الذين لا هم لهم سوى نشر الدعوة بين «السنّة».

الولاء بالبيعة

كسبت الدولة الإسلامية كتائب عدة بطريقة البيعة. في هذه الحالة تبقى الكتيبة كما هي وبقيادتها، لكنها تقاتل تحت راية الدولة الإسلامية بدلاً من راية الجيش الحر أو كتائب إسلامية أخرى، كما حدث مع «جيش المهاجرين» في مطار منغ، وهي خطوة استفادت منها جماعة البغدادي لتقول إنها موجودة على «الجبهات». وفي 28 تموز (يوليو)، نشرت منتديات جهادية موالية للبغدادي «بشرى سارّة» بمبايعة كتيبتين للدولة الإسلامية، وهما تجمع الأقصى (450 مقاتلاً من بينهم 300 تركي) وكتيبة أنصار الشريعة التابعة لأحرار الشام.

ولكن، كيف نفسر وجود عمليات مشتركة بين «الدولة» و «النصرة» طالما أن هناك تنافساً بينهما؟ الإجابة تكمن في السؤال نفسه، وهو التنافس، كما يحدث حالياً على جبهة القتال ضد الأكراد، حيث تحرص الدولة الإسلامية على عدم قيام النصرة بعمليات منفردة لكي لا يسجّل الانتصار باسمها، كذلك تفعل كتائب إسلامية مثل «أحرار الشام» عندما يدخلون إلى جبهات غير حاسمة مثل الحسكة إلى جانب الدولة الإسلامية لكي لا ينفردوا بإدارة المنطقة لوحدهم.

«الخوارج» و«الصحوات»

ينقل ناشطون باستغراب كيف أن الكثير من مقاتلي الدولة الإسلامية يصفون «النصرة» بـ «الخوارج»، والموالين لـ «الصحوات». وهذه واحدة من أوجه الخلاف المعقدة بينهما، فنتيجة ميراث الدولة الإسلامية في معارك العراق والمرارة التي يكنّونها تجاه «صحوات العراق» التي أنهكتهم في المناطق السنّية، فإن لا شيء يقنعهم أن الجيش الحر ليس نسخة سورية من «الصحوات»، لأنهم «مرتدّون يمارسون التقيّة»، فيما ترى النصرة أن الجيش الحر في غالبيته مجاهدون يحتاجون إلى القليل من الرعاية والتوجيه ليكونوا دعاة للحكم الإسلامي.

وهناك رسالتان تتناولان في شكل مبطّن ما ورد من اختلاف الرؤية بين جناحي القاعدة بالنسبة للجيش الحر. الرسالة الأولى للجولاني، حيث أشار في كلمة صوتية (21 تموز 2013) مرات عدة إلى «الحركات الجهادية في أرض الشام» من دون تخصيص، ونبّه إلى أن المجتمع في سورية «يمر بمرحلة مخاض لولادة جديدة، وهو مجتمع يمتلك من الفطرة السليمة والقيم ما يدفعه لقبول الدعوات السنّية الشرعية بعيداً من الشدّة والتشنج». والتعبير الأخير (الشدة والتشنج) بالتأكيد ليس موجهاً إلى سليم إدريس، رئيس أركان الجيش الحر، ولا رياض الأسعد، بل إلى البغدادي. والخطاب موظف أيضاً لإيقاف «الحملة الشفهية» على الجولاني، ومنها الترويج أنه يريد نظاماً برلمانياً لإرضاء الغرب، وهذه تهمة لا تقال إلا لمن يجدونه «منحرفاً عن شرع الله»، الأمر الذي أجبر الجولاني على الكشف أكثر عن هوية الجبهة وما تقاتل في سبيله عندما أعلن عن رفض أي عملية سياسية تفضي إلى نظام برلماني، لكنه حرص على استخدام ألفاظ تحمل أكثر من وجه، مثل السعي «لإقامة حكم إسلامي راشدٍ» من دون أن يأتي على ذكر الخلافة أو الدولة الإسلامية.

هناك إشكالية يقع فيها الإعلاميون أو حتى بعض من يتعرضون للملاحقات، فلا يكون التمييز بين «النصرة» و «الدولة» مهماً، وكثيراً ما يستخدم اسم الأولى لوصف انتهاكات قامت بها الثانية. لكن، إن كان هذا القصور في التمييز مصدره الناقل، فإن هناك رايات للنصرة ترافق مقاتلين ليسوا منها، ونوه الجولاني إلى ذلك عندما جاء على ذكر الانتهاكات في الرقّة باسم النصرة، قائلاً إن «هناك ممَّنْ يَحْمِلُون رايتنا بقصد التعاطف أو قصد الإساءة وهم غير منتمين لنا».

رسائل مبطّنة

في خطاب يصلح ليكون رداً على كل ما ورد أعلاه (21 تموز الماضي)، نفى أبو محمد العدناني، المتحدث باسم الدولة الإسلامية، اعتبار الدولة من لا يبايعها من الفصائل المقاتلة «صحوات». ولم يخلُ الخطاب من رسائل مبطّنة إلى النصرة عندما اعتبر أنهم يواجهون ثلاثة خصوم، الكفار، و «المرتدون من بني جلدتنا»، وأهل الأهواء والبدع وحتى «بعض من يحسب على المجاهدين»، وما يرجح أن المقصود هو الجولاني ذكره لمقولة: «وظلم ذوي القربى أشد مضاضة». لكن الأخطر هو دعوة العدناني، الذي يعتبر من صقور «الدولة» تجاه الجولاني، قادة وجنود الفصائل المقاتلة إلى الالتحاق بمشروع الدولة، وهذا يشمل بالتأكيد مقاتلي النصرة، كما يشملها أيضاً مقصد العدناني في القول بتورط فصائل تسعى لإقامة دولة إسلامية بمشروع إقامة «دولة وطنية تسمى إسلامية وتخضع للطواغيت»، ذلك أن القوى الموالية للائتلاف، مثل أركان الجيش الحر، أمرها منتهٍ بالنسبة للدولة، لأن الائتلاف يدعو إلى دولة مدنية تدعمها «ملّة الكفر».

خسارة النصرة هويّتها

خلال مفــــاوضــات «الهيـــئة الشرعية» الموالية لـ «جبهة النصرة» مع كتائب غرباء الشام حول اتهامات بالقتل والسرقة، تهكّم أمير الدولة في حي الصاخور على الأسلوب غير الجهادي في التعامل مع «حسن جزرة»، لأن الحل الأنسب هو تفجير شاحنة مفخخة في نقطة تجمعهم، ومن يُقتل من المدنيين الأبرياء يكون الله اصطفاه من بين عباده. وروى الجهادي كيف أنهم فجروا سيارة مفخخة في سوق ببغداد تبيّن في ما بعد أنها للسنّة، «في هذه الحال يكون الله قد اصطفاهم».

وبما أن هذا الأسلوب هو أكثر جذباً للجهاديين، فإن النصرة بدأت هي الأخرى بتنفيذ مثل هذه العمليات في مناطق مدنية، كما جرى في تل أبيض وريف دير الزور، في محاولة لمجاراة «الدولة». هكذا، تتحول «جبهة النصرة» التي كانت صاحبة رؤية واستراتيجية محكمة في بداية ظهورها، تتوسل اللين في التعامل مع «التدين السطحي» لأهل السنّة بغية كسبهم، إلى نسخة من الدولة الإسلامية في بعض المناطق البعيدة عن النظام، فيما لا تزال محافظة على تمايز أسلوبها في مناطق التماس كما قرب المناطق المحيطة بالقواعد العسكرية للنظام في ريف إدلب. وتبدو ورطة النصرة ثقيلة في موقعها الحالي على رغم أن هدفها النهائي لا يختلف عن هدف الدولة الإسلامية، والفارق يكمن فقط في المدى الزمني لتحقيقه. وهي إما أن تنهل من السياسة مع ما يحمله ذلك من ضرورات «التقيّة» المرحلية، فتكون بذلك ممن خرجوا عن جادة الجهاد في نظر الدولة الإسلامية، أو أن تقوم بتقليد سلوكيات «الدولة» لحماية نفسها منها، وتخسر بذلك استـراتـيـجـيـتـها وخـصـوصـيـتـها وحلفاءها المحليين، وتصبح تنظيماً مكشوف الوجه – وربما الظهر- وبلا سياسة.

وإذا كانت الدولة الإسلامية تؤمن – بحكم ميراثها المرّ في العراق – بأن حكم الشرع يجب أن يتم فرضه من الأعلى، فإن «النصرة» ترى أنه يجب إعطاء المجتمع فرصته ليكون بنفسه داعية لهذا النمط من الحكم بناء على نشاط دعوي مكثف. على الأقل هكذا كانت تفكر النصرة في بدايات ظهورها. كما أن البغدادي لا يرى في بقاء النظام عائقاً أمام إعلان «الدولة الإسلامية» وتطبيق الأحكام الشرعية، لذلك لا يأخذ قتال النظام محمل الجد، فهي موجودة به أو من دونه، فيما تلتزم «النصرة» بأن يكون مشروعها رهناً بسقوط النظام، أو تحرص على الظهور في هذا الشكل.

من الواضح أن الأمور لا تسير باتجاه اندماج بين «النصرة» و «الدولة»، بل إلى مزيد من التباعد ربما يصل إلى الانفصال النهائي والصدام، وخروج أحدهما من مدرسة «الجهاد العالمي» الذي يرعاه الظواهري، أو انهيار هذه المدرسة بطابعها الحالي طالما أن جمهور الجهاديين يشارك بقوة في هذا الانقسام.

الحياة

«جبهة النصرة» تمارس مهماتها

سلامة كيلة *

كالعادة تنبهنا إلى خطر «جبهة النصرة» (ومن ثم دولة العراق والشام الإسلامية) بعد أن أصبح مكشوفاً واضحاً. المعارضة تلطم، ومن دافع عنها إما ساكت أو بات يدينها من دون أن يشير إلى الخطر الذي شكله ذاك الدفاع، والجريمة التي اقترفها. أما الشعب فقد بات في صراع مع مستبد آتٍ من القرون الوسطى، في مظهره وأفكاره وما يريد فرضه على شعب تحرر وتقدم، وكان يعمل على أن يعيش العصر الحديث.

تنظيم «القاعدة» كان امتداداً لـ «المجاهدين العرب» الذين أرسلوا لقتال السوفيات في أفغانستان، و «جبهة النصر» أعلنت أنها فرع له، وكانت «دولة العراق الإسلامية» فرعه العراقي. بالتالي كان من المفترض أن تقييماً قد جرى لهذا التنظيم لمعرفة ماهيته، وتحديد الأهداف التي «يقاتل» من أجلها، والأيديولوجية التي تحكمه، وبالتالي هل يفيد في الصراعات السياسية أو يضر؟ وهل أنه حين أعلن عن ذاته في سورية يخدم الثورة أو يضرها؟ خصوصاً أن تجربة دوره في العراق لم تكن بعيدة، وكان واضحاً بأنه خرّب المقاومة (وبالتالي خدم الاحتلال الأميركي). فقد افتعل صراعاً طائفياً، فرض تحوّل المقاومة إلى صراع سني – شيعي، كما فرض سلطة جلبها من أحط القرون الوسطى دفعت المقاومين ينحازون إلى عدوهم (بتشكيل مجالس الصحوة).

وإذا كان هناك بعض التخوّف من وجود بعض الأفراد من هذا التنظيم في الشمال في الفترة الثانية من الثورة، حيث بدأت أشكال من العمل المسلح، فقد كان وضع التنظيم على قائمة الإرهاب الأميركية كافياً لقبوله والترحيب به كفصيل في الثورة، مختلف نوعاً ما، وأصولي، لكنه فصيل من فصائل الثورة. طبعاً من دون التدقيق في تكوينه وأفكاره، وممارساته التي حصلت منذ وقت قريب. والمشكلة أن معظم من هلل له بعد القرار الأميركي هم الذين جهدوا لدفع أميركا (والغرب) كي تتدخل عسكرياً، ويبدو أنهم تبنوا التنظيم كـ «نكاية» فيها، ربما كان هذا العنصر يكمن في اللاوعي، لكنه كان قائماً. لكن ما جعل النكاية ممكنة هو الجهل بالتنظيم. وأكثر هو حالة العجز التي فرضت أن يقبلوا كل من يريد القدوم لـ «قتال» النظام. لقد كانوا يريدون من يسقط النظام لكي يصبحوا هم السلطة.

الآن، انكشفت الورطة، وبات التنظيم/ الدولة يفرض سلطته الاستبدادية الشمولية والقروسطية على مناطق تواجده، في الرقة وفي حلب وتل أبيض. وبات يصطدم بالأكراد ويخطف منهم كما خطف من الدروز والاسماعيليين والمسيحيين، والناشطين من كل الطوائف (بمن في ذلك الأب باولو الذي عاش في سورية طويلاً وبات جزءاً منها، ولأنه كذلك طردته السلطة منها). لقد بات يمارس الممارسات ذاتها التي مارسها في العراق، والتي حذرنا منها منذ البدء في مقال سابق (عن «جبهة النصرة» وانسانيتها). بات يعتقل ويقتل ويخطف، ويفرض قوانينه وسطوته. كل ذلك من دون اكتراث للصراع الدائر مع السلطة من أجل إسقاطها، بالضبط لأن هذه ليست معركته.

تشكل التنظيم من قيادات وكادرات كانت معتقلة لدى السلطة السورية، الذي أفرج عنها في نيسان (أبريل) 2012، أي بعد أكثر من عام من اندلاع الثورة، وبعد أن كانت استخدمت اسم «جبهة النصرة» قبل أن يوجد حين قامت بتفجير أمن الدولة في كفر سوسة، وفرع المنطقة للأمن العسكري في الجمارك (في إطار صراع الأجهزة الأمنية الذي فرض سيطرة المخابرات الجوية). ومن ثم أتى «المدد» من قوى إقليمية هدفت إلى تخريب الثورة، وكانت في ذلك على توافق كبير مع السلطة رغم الخلاف الشكلي الذي كان يحكم العلاقة بينها. ومن ثم دخلت مجموعات من تنظيم «دولة العراق الإسلامية» على الخط، وعلى رغم الخلاف الشكلي هنا أيضاً فقد أصبحت دولة العراق هي الأساس، رغم أنها على تبعية للمخابرات الإيرانية.

لماذا كل ذلك؟ لأن السلطة التي قررت في نيسان عام 2012 الانسحاب من بعض المناطق نتيجة ضعفها العسكري، قررت أن توجد القوة التي تستطيع استخدامها لإفشال كل إمكانية لتنظيم المناطق «المحررة»، وكرأس جسر من أجل السيطرة عليها مجدداً. ويبدو أن قرار السلطة بحسم الصراع فرض أن تتقدم «دولة العراق والشام الإسلامية» لكي تربك الكتائب المسلحة، وتهيئ الوضع لعودة قوات السلطة (خصوصاً أن كثير من عناصر النصرة كانوا من الشبيحة في العديد من المناطق).

الآن، دولة العراق والشام تمارس «طقوسها» من دون رادع. وحين تشتبك مع قوى كردية (بغض النظر عن تقييمنا لها) تقف الكتائب الأخرى متفرجة، رغم أن الدور سيصلها إذا ما قويت هذه أكثر.

نعود للذين طبّلوا وزمّروا، خصوصاً المعارضة التي تمارس وكأنها هي قيادة الثورة (وهنا الائتلاف)، والتي دافعت عن «جبهة النصرة»: أليس من المطلوب إصدار موقف واضح حاسم بعد كل الذي تمارسه دولة العراق هذه؟ أليس مطلوباً العمل على إنهاء وجودها قبل أن تستحكم أكثر، وتفرض سيطرة السلطة على المناطق «المحررة»؟

المطلوب، بالضرورة، هو تصفية وجود جبهة النصرة ودولة العراق، هذه خطوة حقيقية على طريق إعادة ترتيب وضع حيث يجب أن تكون «الجبهة الداخلية» مؤمنة، لكي يكون ممكناً نقل الصراع إلى «خطوط العدو».

على أمل ألا يظل تعامل المعارضة مع الثورة بالسطحية التي لمسناها هنا، وفي كثير من المواقف. أو ربما يجب أن تنهي تمثيلها الوهمي للثورة. فالثورة مستمرة بقوة الشعب، وبطولة الشباب الذي قرر خوض الصراع إلى النهاية. وأفضل له ان يبقى بلا هادي على أن يكون هاديه فاشل، ويؤشر إلى الوجهة الخطأ.

* كاتب سوري/فلسطيني.

الحياة

دولة العراق والشام الاسدية

بشير البكر

حين يتأمل المرء في نتائج الأفعال المنسوبة لما بات يعرف ب”دولة العراق والشام الاسلامية” في سوريا، يأخذه العجب والاستغراب، وتختلط عليه الألوان والموازين، حتى لا يعود قادرا على الفرز والتمييز. ومهما اجتهد المراقب اليوم، فإنه لا يمكن له أن يمسك برأس الخيط الذي يأخذه إلى الطريق الصحيح، للتعرف على حقيقة هذه المنظمة في ظل تشعبات ” تنظيم القاعدة” الكثيرة، وتعدد مرجعياته.

يجمع الباحثون الذين اشتغلوا على متابعة ” تنظيم القاعدة” في بلدان مختلفة، على أنه لم يسلم من محاولات اختراقه، وبقدر ما هو مغلق، فإن اجهزة أمنية عربية وأجنبية، عملت على زرع بعض العملاء داخله. وقد فشل بعض تلك المحاولات، ونجح بعضها الآخر إلى حد مثير للريبة، وكُتب الكثير عن استخدام ” تنظيم القاعدة” من طرف أجهزة سورية وايرانية ويمنية وعراقية واردنية وجزائرية وحتى سعودية. وتؤكد بعض البحوث والشهادات على أن هناك اجهزة استطاعت توظيف “القاعدة” في حروبها الاستخباراتية، في حين قامت أجهزة أخرى باستخدام التنظيم كواجهة للعمل.

مسألة الاختراق الأمني هي من بين اكثر الوسائل التي شاعت في القرن العشرين لمحاربة الاحزاب والتنظيمات السرية الحديدية من داخلها، وصارت خلال فترة الحرب الباردة أحد الأسلحة الناجعة لتفكيك هذه الاحزاب، لا بل استخدامها لاغراض استخباراتية. وهناك الكثير من الكتب والأفلام السينمائية التي تتحدث عن الأساليب الجهنمية للاجهزة، في ما يخص توظيف الخصوم لصالحها.

في حالة الجماعات الاسلامية القريبة من فكر وممارسات ” تنظيم القاعدة” يجري الحديث منذ سنوات، عن اختراقات موصوفة قامت بها الأجهزة الجزائرية بمساعدة غربية. وهناك حالات يتم التوقف عندها دائما، كلما تمت اعادة تركيب شريط فترة التسعينات في الجزائر التي شهدت نشاطا مسلحا واسعا للجماعات الجهادية. وصار من المسلم به أن العديد من قادة التنظيمات الاسلامية المقاتلة، كانوا من صناعة أجهزة الاستخبارات، ومن أجل “شيطنة” الاسلام السياسي في نظر الرأي العام المحلي والخارجي، وشد الشارع من حول الأجهزة العسكرية الحاكمة، قامت قوات رسمية متنكرة بأزياء اسلامية، بارتكاب العديد من المجازر بحق المدنيين. وكثيرا ما نقل صحافيون أجانب صورا حية تؤكد على حصول مجازر بحضور اجهزة الأمن، التي كانت تراقب عن كثب، ولم تتدخل بسبب تعليمات رسمية تمنعها.

هناك كتابات وشهادات تحدثت عن استنساخ تجربة الجزائر في العراق من جانب أكثر من طرف، لاسيما الأجهزة السورية والايرانية والأميركية. ولم يعد سرا، على نحو خاص، توظيف الاجهزة السورية للتنظيمات الجهادية، وهو الأمر الذي دفع في صيف 2009 رئيس الوزراء العراقي الحالي نوري المالكي لرفع دعوى ضد سوريا إلى مجلس الأمن الدولي، وقال في حينه، إن حكومته لديها معلومات عن رعاية الاستخبارات السورية لاعمال ارهابية يقوم بها ” بعثيون” و “تكفيريون”. والرواية المتداولة عن رعاية الاستخبارات السورية للجهاديين لها أكثر من فصل، ويتعدد رواتها وشخصياتها وأزمنتها وأمكنتها. ولكن الرواة يجمعون على أن النظام السوري لكي يبعد التدخل الاميركي عنه، لعب ورقة هز الاستقرار في العراق، والتنغيص على الاحتلال الاميركي، ومن ثم عاد وسحبها من التداول بعد تفاهمات 2008 التي قادت بشار الاسد إلى باريس. وطبقا لتلك التفاهمات جرى اغلاق كافة البوابات السورية التي يتدفق منها الجهاديون العرب الى العراق ولبنان، واعتقال العديد من الرموز القيادية والكوادر، وهناك من تحدث عن  اعتقال أكثر من ألف جهادي سوري وعربي واجنبي، وجرى حبس الغالبية في سجن صيدنايا، وتمت تصفية العشرات منهم بعد تمرد نفذوه في السجن في صيف 2008. أما البقية الباقية من الجهاديين فقد تم اطلاق سراحهم على دفعات خلال العامين الاخيرين، وتفيد معلومات ناشطين سوريين أن غالبية هؤلاء التحقوا ب ” دولة العراق الاسلامية” التي بدأت بنقل جزء من نشاطها إلى داخل الاراضي السورية، منذ أن بدأت تضعف سلطة الدولة في مدن الجزيرة ( الحسكة، دير الزور، الرقة). ورغم ان هذا التنظيم ينشط منذ تأسيسه في سنة 2006 في العراق، فإنه وجد في الوضع السوري الحالي فرصة ثمينة للتمدد والانتشار، مستفيدا من تسهيلات رسمية.

وبعيدا عن مدى مشاركة ” دولة العراق والشام الاسلامية” (داعش)، في المواجهات العسكرية مع النظام، فإن ممارساتها في الأماكن التي سيطرت عليها، لا تختلف عن الدولة الأسدية الآخذة في التهاوي.

المدن

أمتان متباينتان ومستقبلان مختلفان

علي العبد الله

يثير الحديث عن “الأمة” و”ثوابت الأمة” الذي تروج له الحركات الإسلامية في نشاطها الدعوي والإعلامي وفي برامجها السياسية (برنامج حركة الإخوان المسلمين في سوريا: المشروع السياسي لسوريا المستقبل، مشروع حزب الحرية والعدالة: نهضة مصر) التباسات وإشكالات كثيرة وخطيرة بسبب تداخله وتعارضه مع ما يطرحه علم الاجتماع السياسي حول الأمة والدولة القومية وتناقضه مع مستدعيات نظام العصر:الدولة – الامة.

لقد نشأت جماعة دينية من أفراد وقبائل وشعوب اتبعت دين الإسلام. لكن تسميتها “أمة” يحتاج إلى تحديد لمعنى “الأمة”ودلالة “أمة إسلامية”. فالقرآن الكريم استخدم مصطلح أمة بسبعة معانٍ أحدها فقط الجماعة القائمة على وحدة المعتقد، وهي هنا مشتقة من جذر أمّ أي تبع. وهذا جعلها “أمة” ذات طبيعة خاصة المشترك بين ابنائها الاعتقاد بالإسلام، وهي لذلك أقرب إلى الكيان المعنوي منها إلى الكيان الاجتماعي كما يحدده علم الاجتماع السياسي وأصحاب النظريات القومية. فالأمة الإسلامية ضمت بداخلها كيانات اجتماعية متعددة ومتمايزة ومختلفة، ضمت أمما وشعوبا وقبائل لكل منها كيانها الاجتماعي المتميز، وتجربتها التاريخية الخاصة، كمعطى لسياق تاريخي واقعي حي نشأ بفعل قوانين(نواميس بالمصطلح القرآني) موضوعية تتحكم بمسار الظواهر الاجتماعية، وقد أضاف دخول هذه الأمم والشعوب والقبائل في الإسلام بعدا حضاريا إلى أبعادها التاريخية ومنحها مقدرة أكبر على مواجهة ظروفها الخاصة في إطار حضاري جديد أوسع وأقدر (الدولة المشتركة). لكن دخولها في الدين الجديد واندماجها في الكيان السياسي الذي نشأ بفعل الضرورة الاجتماعية لم يلغ كيانها الاجتماعي الخاص، لأنه وجود موضوعي يمكن أن يضاف إليه، يمكن أن يغتني ويتطور لكنه لا يمكن أن يلغى، بل جعلها جزءاً من كيان سياسي تشترك فيه مع مكوناته الأخرى من الأمم والشعوب والقبائل بوحدة العقيدة وتختلف معها في التجربة الحضارية والإرث الاجتماعي.

أما الأمة بمعناها الاجتماعي فطبيعة أخرى مختلفة، إنها واقع اجتماعي، إطار جماعي لحل مشكلات البشر داخله، تنشأ كإطار اجتماعي من اختصاص شعب معين بأرض معينة، ومن تفاعل هذين العنصرين:الشعب والأرض، يقوم الإنتاج المادي والمعنوي وتنشأ الثقافة وتتبلور الشخصية القومية. وحيث إن الأمة كيانا اجتماعيا واقعيا له كثافته، ثقله، ودوره في تنظيم وإدارة علاقات أفراده فإنها تأخذ كامل أبعادها في إقامة مؤسساتها التنفيذية والتشريعية والقضائية لإدارة المصالح المشتركة لأفرادها(الدولة الوطنية)وعندما يتطور تنظيم العلاقات وتعتمد السلطة دساتير وقوانين مناسبة وتتبنى طرق إدارة توازن أو تجمع بين مصلحة الكل ومصلحة أجزائه من دون تمييز عرقي أو ديني أو جنسي تغدو دولة- أمة.

لقد استوعب الإسلام في داره أمماً وشعوباً وقبائل كثيرة، كان الإسلام بالنسبة لها كيانها العقائدي المشترك، من دون أن يحوّلها كياناً اجتماعياً واحداً حيث بقيت أمماً متعددة ومختلفة. من هنا كان طبيعيا ألاّ تتعرب الشعوب غير العربية التي دخلت الإسلام، بفعل كون العرب هم حملة الإسلام وكون لغة القرآن الكريم العربية، وأن تأخذ ثورات الشعوب غير العربية على الحكم الأموي والعباسي، حين لم يكن العدل والمساواة بين شعوب الدولة المشتركة محققين، ثورة الأطراف على المركز، أبعاداً قومية، وصفت آنذاك بالشعوبية، وأن تحمل ثورة العرب ضد السلطنة العثمانية اسم الثورة العربية. وأنها- الأمم- لم تذهب عندما ضعفت الدولة الإسلامية وتفككت إلى التيه، بل كان لديها إطارها الاجتماعي الخاص الذي لجأت إليه لتواصل، مع بقاء شعوبها مسلمة، مسيرتها الوطنية في اتجاه حل مشكلات أبنائها المادية والمعنوية مستخدمة ما لديها من وسائل وتجارب وأدوات، بما فيها تجربتها الحضارية في ظل الإسلام.

يستدعي هذا التمييز بين الأمة الاجتماعية والأمة العقائدية نظرة مختلفة عن السائدة في صفوف التيار الإسلامي.فالأمة كوجود اجتماعي/ قومي ليست، كما يذهب بعض الإسلاميين، قوة عنصرية، وليست، كما يذهب معظمهم، عصبية بغيضة يجب تركها كما دعا إلى ذلك الرسول عليه السلام، في إشارة غير موفقة إلى قوله عليه السلام: “اتركوها فإنها نتنة” ذلك لأن الحديث النبوي الشريف تحدث عن العصبية القبلية في مواجهة الأخوة الإسلامية. ويقود – هذا التمييز – الى تمييز آخر بين دور كل منهما في حياة الشعوب والبنى السياسية التي تتفق مع كل منهما ففي حين تفرض الاولى قيام دولة وطنية، او قومية لا فرق، فان طبيعة الثانية لا تقود الى دولة، فالدين لا يقيم دولة لان قيامها ليس جزءا من العقيدة، ولان قيامها في التاريخ الاسلامي ارتبط بالضرورة الاجتماعية دون غيرها، أما الآن فان قيام دولة على اساس الدين فيتناقض مع نمط الدولة الحديثة السائدة في الاجتماع الانساني وتجربة الدولة في باكستان وإسرائيل وإيران، التي قامت على اساس الدين، خير دليل على هذه الاستحالة حيث تحولت الأولى الى دولة فاشلة بكل معنى الكلمة، بينما تعيش الأخيرتان في حالة قلق وعدم استقرار وفي صراع دائم مع محيطهما والعالم.

 كما يستدعي، في ضوء هذا التمييز، تحديدا دقيقاً لثوابت الأمة التي يشيرون اليها وبرنامجاً سياسياً اجتماعياً اقتصادياً وثقافياً مختلفاً لأن برنامجاً يستهدف حل مشكلات عينية لجماعة بشرية معينة يجب ان يلحظ بنيتها الاجتماعية والاقتصادية وما تتطلبه أولا وقبل أي شيء آخر، من دون أن يتجاهل البنية الثقافية لهذه الجماعة، ناهيك عن الإطار السياسي الذي ينظم علاقات أفرادها، أي الدولة الوطنية وحدودها ومواردها البشرية والمادية، بحيث لا يبقى البرنامج أسير عموميات ومجردات لا طائل منها حيث تعددت شعارات الإسلاميين: الاسلام دين ودنيا، ودين للدنيا، ودين وأمة، ودين ودعوة، ودين ودولة، أو أسير أهداف مستحيلة(دولة الخلافة) تبدد الوقت وتستنفد الجهود في السعي وراء سراب خادع. لعل المفكر الاسلامي الجزائري مالك بن نبي قد ادرك عمق الاشكالية التي تثيرها الدعوة الى دولة اسلامية واحدة فطرح فكرة كومنولث اسلامي يربط دول العالم الاسلامي ببعضها برباط رقيق، كما هو حال دول الكومنولث البريطاني، باعتباره الانسب لطبيعة الامة الاسلامية الحقيقية وليس المتخيلة.

المدن

زرقاويون وممانعون ويساريون

حازم نهار

بعد اعتقال دام أسبوعاً في أيار 2005، جاء رئيس الفرع وأراد أن يفتح معي “حواراً” قبل مغادرتي لمعتقله، وقد استفاض في حديث مكرور وأنا أستمع، وبالطبع لم يخلُ حديثه من أسطوانة “الممانعة السورية” والمؤامرة التي تتعرض لها سورية والمخاطر المحدقة بها، بخاصة بعد الاحتلال الأميركي للعراق، مشيداً بما كان يسمى آنذاك “المقاومة العراقية”، ومؤكداً على دور سورية الداعم لها، لكن ما لفت انتباهي وقتها هو قوله “نحن خلقنا الزرقاوي، ومستعدون لخلق ألف زرقاوي”.

هذا “الممانع” يقول بوضوح إن “الممانعين” يخلقون الزرقاويين، كي يقوم الزرقاويون بفعل “الممانعة”، في الوقت الذي تنام فيه “الممانعة” مرتاحة وتحتفظ بحق الرد. هذه إحدى المعادلات السياسية التي يرتكز إليها نظام “الممانعة”: خلق منظمات زرقاوية الهوى والممارسة، ودعمها وتظهيرها على حساب بقية الفئات والتيارات في المجتمع، كي تبدو جماعة “الممانعة” الحالة المدنية الوحيدة “المتحضرة”، وتوكيلها بمهمات لعرقلة الآخرين وخلط الأوراق، لتقوم “الممانعة” آنذاك بإدارة الفوضى وتصبح الطرف الوحيد الضامن للاستقرار، وعندما تنتفي الحاجة لها تسلِّمها إلى “المكافح الأكبر” ضد الإرهاب، أميركا، وتقبض الثمن.

بالطبع، لا تسير الأمور على هذا النحو المبرمج، أو كما يرغب نظام “الممانعة” تماماً، فالمعروف أن الجماعات الزرقاوية لا يؤتمن جانبها دوماً، إذ يمكن أن تقوم بأدوار لا تتوافق دائماً مع تطلعات “الممانعة”، وقد تحدث تغيرات في الواقع تفسح في المجال لقتال وصراع بين الطرفين في لحظات ما. مع ذلك تبقى معادلة “الممانعة” في هذا الشأن حقيقية في العموم لجهة علاقتها بالجماعات المتطرفة.

في سورية، هذه الجماعات ابن شرعي للنظام السوري، سواء لجهة إنشاء بعضها ودعمه والتنسيق معه وتسهيل أموره في أوقات سابقة، كما حدث بعد الاحتلال الأميركي للعراق، أو كما حدث بعد انطلاقة الثورة بأشهر عندما أفرج النظام عن الكثير من قياداتها المعروفة بقصد إرباك الثورة وتلويثها، أو لجهة كونها نتيجة طبيعية للاستبداد والفساد المزمنين.

قبل الثورة السورية، كان نوري المالكي لا يفتأ يتحدث عن دور النظام السوري في دعم الجماعات الإرهابية في العراق (قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين بزعامة الزرقاوي، والتي أصبح اسمها فيما بعد “دولة العراق الإسلامية”، ثم تحولت إلى “الدولة الإسلامية في العراق والشام”)، فيما كانت هذه الجماعات ينظر لها من جانب النظام ومعظم أهل “اليسار” (القوميون والشيوعيون على الأخص)، سواء المعارض أو النائم في حضن النظام، على أنها “جماعات مقاومة” للاحتلال الأميركي، على الرغم أن هذه الجماعات كانت واضحة جداً في أساليبها الإرهابية آنذاك، وكان كل من يعترض على إجرامها يرمونه بتهمة العمالة للخارج.

أليس غريباً أن النظام السوري الذي لا يفتأ يكرر عداوته لأميركا يسعى دائماً لطلب شهادة منها على حسن سلوكه والقبول به عضواً أو شرطياً في نادي مكافحة الإرهاب في العالم بزعامة أميركا، على الرغم من أن الإرهاب الموصوف أميركياً لا يطال إلا الحركات والجماعات التي تهاجم المصالح الأميركية والإسرائيلية، فيما تغض أميركا النظر عن جميع أشكال الإرهاب في المنطقة، كالإرهاب الإسرائيلي، وكذلك إرهاب الأنظمة التي ترتدي قشرة هشة من “العلمانية”.

الجماعات المتطرفة والإرهابية هي لعبة الجميع، فليس هناك دولة في العالم إلا وتورطت أجهزة استخباراتها في إنشاء ودعم مثل هذه الجماعات، والجميع كانت نظرته لها متغيرة عبر الزمن استناداً للمصلحة والموقف السياسي،كما لا يوجد دولة إلا وتبرأت منها ورمتها في حضن الخصوم في لحظات أخرى.

يمكن القول، على الرغم من قناعتنا بالمساهمة الإيرانية السورية في تيسير إنشاء ودعم العديد من الجماعات المتطرفة القاعدية في المنطقة، فإن تعاظم وزن وتأثير هذه الجماعات يكاد يكون حتمياً في السياق الذي سارت فيه الثورة السورية وما رافقها من حوادث وممارسات. فالبنية المغلقة للنظام استدعت في الحد الأدنى تشكل بنى مغلقة ومتطرفة على شاكلته، هذا إن لم نقل أنها كانت ضرورة للنظام ليرعب بها السوريين والعالم من الأسوأ القادم إن رحل، كما كانت ضرورة أيضاً للغرب وأميركا من أجل التنصل من التزاماتهم الأخلاقية تجاه الشعب المسكين، وضرورة لتغطية تدخل ميليشيات حزب الله والحرس الثوري الإيراني.

على التوجهات والرؤى، فإن التطرف في سورية ليس له حاضنة شعبية حقيقية، على الرغم من وجود بعض مظاهره في مناطق متفرقة، لكن كان من المتوقع أن ينمو تدريجياً مع ازدياد عنف النظام والتدخلات الإقليمية والتقاعس الدولي. الحاسم في نمو التطرف هو النظام السوري، ومن لا يبدأ بمقاربة التطرف الحاصل اليوم من هذه الحقيقة فهو أعمى، أو يبحث عن ذريعة لتغطية انتهازيته وموقفه ضد الثورة منذ البدايات.

لم يكن “اليسار” المعارض في العموم، بخاصة القوميين والشيوعيين، خارج الأرضية السياسية والثقافية للنظام الحاكم، ولا يختلف عنه إلا من حيث المواقع، وربما هذا يفسر مواقف بعض أطرافه ضد الثورة من اليوم الأول، أو مواقف المهادنة لدى البعض الآخر، وهذا لا ينفي بالتأكيد وجود من خرجوا على هذه القاعدة، كما لا بدّ هنا من التمييز بين هذا “اليسار” المتحزب والشباب المدني الذي قامت على أكتافه الثورة، فهؤلاء لا علاقة لهم لا باليمين ولا باليسار.

كان “اليسار” المعارض حتى لحظة انطلاق الثورة ينظر إلى حزب الله بوصفه “مقاومة” مقدسة لا يجوز نقدها، وربما ما تزال هذه النظرة طاغية حتى اليوم لدى قطاعات واسعة منه على الرغم من اشتراك ميليشيات حزب الله في قتل السوريين، واتضاح أنه ليس أكثر من لعبة أو أداة في يد الولي الفقيه، إضافة إلى كونه لا يختلف من حيث النهج والممارسة عن “القاعدة” وأخواتها التي يرد ذكرها كثيراً في بيانات هذا “اليسار” المعارض.

لم يكن هؤلاء يسألون أنفسهم آنذاك كيف يمكن للمقاومة أن تكون محمولة على جماعات إرهابية، لكنهم اليوم يسألون أنفسهم كيف يمكن للثورة السورية أن تكون محمولة على جماعات إرهابية؟ وهو سؤال صحيح منطقياً في وجه “الثوريين” الذين أخذوا على عاتقهم الدفاع عن هذه الجماعات فحسب، لكنه مع ذلك يبقى سؤالاً غير بريء النية والمقصد. إذ يجري ذلك في الوقت الذي يغضون فيه الطرف عن الإرهاب الواضح والمنظم للنظام السوري، وبوصفه المنتج والمولد لجميع أشكال الإرهاب. فمعظم “اليسار” المعارض ليس له من عمل اليوم سوى تحديد مواقفه استناداً للجماعات المتطرفة كطريقة لستر هامشيته وخصائه. “اليسار” المعارض يستحق النقد، فيما “اليسار” الآخر، المهادن أو النائم في حضن النظام السوري، لا يستحق الذكر.

كذلك، لا نكاد نجد في بياناتهم وتصريحاتهم ذكراً لجماعات أبو الفضل العباس ولا للجماعات الشيعية الظلامية القادمة من العراق ولا لميليشيات حزب الله المتطرفة ولا للحرس الثوري الإيراني ولا للجيش الوطني الطائفي ولا حتى للإرهاب الذي تمارسه الأجهزة الأمنية والجيش النظامي الذي يطلقون عليه في بياناتهم “استبداداً” أو “تعسفاً” أو “عرقلةً للحل السياسي”. وهذه المفارقة تحدث على الرغم من أن إرهاب بعض هذه الجماعات واضح على مدار سنتين، ويفوق أضعافاً مضاعفة الإرهاب الذي مارسته، على الأقل حتى اللحظة، بعض الجماعات المتطرفة القادمة من خارج سورية تحت ذريعة مناصرة الثورة السورية، وهي التي تتكشف ارتباطات بعض قياداتها يوماً بعد يوم بالنظام السوري وإيران.

للأسف، تنطلق جميع التحالفات والمواقف السياسية من قاعدة “عدو عدوي هو صديقي”، مع الاختلاف في تحديد العدو من الصديق، فقد كانت هذه هي القاعدة التي انطلق منها معظم أهل “اليسار” بكل أشكاله، سواء الواقف في جبهة الثورة أو ضدها. في الماضي كنا نقول لأهل “اليسار”: “ليس كل من يطلق رصاصة على إسرائيل هو صديقي”، فكانوا يستشيطون غضباً لأننا اقتربنا من مقدسهم “المقاومة”، واليوم يستنكر هذا “اليسار” الفاشل ذاته – وهو محق – على شقيقه في الفشل، أي “اليسار” الذي يعلن أنه جزء عضوي من الثورة، دفاعه أو صمته عن الجماعات القاعدية الإرهابية التي يظهر أنها تقاتل النظام، بالاستناد لقاعدة مماثلة: “كل من يقف ضد النظام السوري فهو صديقي”؟ باعتقادي إن القاعدتين السابقتين تستندان إلى منهج التفكير ذاته، وهما خاطئتان وكارثيتان، وتدلِّلان على هشاشة “اليسار” في المواقع كافة.

على العموم، كما يظهر الواقع والتاريخ، فإن المبادئ لم تحكم أحداً، لا في الماضي ولا في الحاضر، والقضية هي تحالفات سياسية لتحقيق مصالح وأهداف محددة. لذلك، فإن مناقشة انسجام المواقف السياسية مع المبادئ مسألة فضفاضة ولا تؤدي إلى نتائج، فكثيراً ما يجرى تفسير المبادئ استناداً للمصالح والمواقف، وكثيراً ما يجري إسباغ الصفة الوطنية على هذه المصالح، فيما هي في الحقيقة مصالح حزبية وشخصية. المؤسف هو عدم وجود حالة متوازنة من العلاقة بين المبادئ والمصالح عند الجميع، فضلاً عن عدم وجود توافق على ماهية المصلحة الوطنية.

المدن

فوضى السلاح و “الهيئات الشرعية

عمر كوش

الثورة السورية من العسكرة إلى المقاومة

تبدأ قضية السوريين في ملحمتهم الثورية من الحراك الاحتجاجي السلمي، الذي اندلع في الخامس عشر من آذار/ مارس 2011، وتكشّف عن ثورة شعبية فريدة، قلّ نظيرها في التاريخ الحديث. واجهها النظام الأسدي بالقمع والعنف المفرط منذ يومها الأول، ومع ذلك استمر المحتجون السلميون أشهراً عديدة، قدموا خلالها تضحيات كبيرة في الأرواح والممتلكات والأرزاق.

ولم يكن من الممكن أن يستمر الثائر السوري في التظاهر فاتحاً صدره العاري في مواجهة رصاص قوات النظام العسكرية والأمنية، أو أن يسلم رأسه وجسده لسيوف وسكاكين الشبيحة، أو أن يستقبل المتظاهرون بمختلف انتماءاتهم وتكويناتهم وثقافاتهم قذائف الدبابات وصورايخ الطائرات وبراميلها المتفجرة في صفوف طويلة، تلبس الأبيض، وترفع أغصان الزيتون بيد، وتطيّر الحمام الأبيض باليد الأخرى.

ولعل التحول الأول على مسار الثورة، طرأ نتيجة اضطرار قسم من شبابها، الذين شاركوا بشكل أو بآخر في حركة الاحتجاج العام، الذي شمل معظم المناطق السورية، إلى حمل السلاح، ليدخلوا في حربٍ غير متكافئة مع النظام الأسدي، بعد إعلانه الحرب على المتظاهرين السلميين وعلى حاضنتهم الاجتماعية، وراح يخوض حرباً شاملة مدمرة ضد غالبية السوريين ومناطق سكناهم، الأمر الذي أفضى إلى تراجع المظاهر المدنية السلمية التي أسست للثورة السورية، حين كان المتظاهرون يوزعون التمّر على الجنود، ويحملون الورود وأغصان الزيتون في مواجهة رصاص قوى الأمن والشبيحة. ولعل صور اللافتات التي كانت تجمع بين الهلال والصليب، وتساوي ما بين السني والعلوي والدرزي والإسماعيلي، وبين العربي والتركماني والكردي، مازالت ماثلة للأذهان، وتختزنها ذاكرة الثورة. وكلنا يذكر شعار “واحد واحد واحد.. الشعب السوري واحد”، الذي صدحت به حناجر المحتجين في معظم المناطق الثائرة. لكن التحول في مسار الثورة استحال إلى حرب حقيقية، أزاحت المظاهر السلمية لتظهر مشاعر الكراهية والانقسام، وصعدت مظاهر العسكرة من خلال تسلح مجموعات أهلية، وبخاصة في الريف السوري، حيث أن عائلات وقرى كثيرت جنّدت شبانها ورجالها من أجل الدفاع عن حياتهم وأماكن سكناهم، لكنها أدخلت أيضاً نفساً من الكراهية وروحية الانتقام من الآخر. وراحت المجموعات العسكرية غير المنظمة تبحث عن موارد تسليحها وعيشها بشتى الطرق، المشروعة وغير المشروعة، خصوصا مع انعزال معظم الضباط الذين انشقوا عن الجيش النظامي وآثروا اللجوء إلى تركيا والأردن.

ولعل الدعم الخارجي، المنحاز وغير المنتظم، الذي تلقته المجموعات والفصائل المسلحة، أسهم في تعدد ولاءاتها وتناثرها، وأثار ريبة سوريين كثر من الأجندات التي تهدف إليها الدول الداعمة، وعمل على إشاعة فوضى السلاح والتسلح، وإطلاق اللحى والذقون.

ربما، وبالنظر إلى خصوصيات ما واجهته – وما زالت – تواجهة الثورة السورية، كان لا بد من العسكرة والتسلح غير المنتظم، بوصفهما من مظاهر رد الفعل الأولية والطبيعية على جرائم وهمجية النظام الأسدي، لكنها مع الأسف – لم تتحول إلى فعل مقاومة منظمة ضد استباحة النظام للمدن والمناطق والقرى السورية، بالرغم من أن خصوصية الثورة السورية وفرادتها، تستلزم مقاومة منظمة، متعددة المظاهر والفعاليات، بخاصة وأن سوريا اليوم، تخضع لآثار احتلال مركب: احتلال داخلي، ممثلاً بالنظام الأسدي الذي احتل البلد منذ أربعة عقود، واحتلال خارجي، يجسده العسكر والخبراء الإيرانيون وميليشيات حزب الله وبعض الميليشيات العراقية وسوى ذلك، وبالتالي، ليس صدفة أن توصف المناطق التي يسيطر عليها الجيش الحر، بـ”المناطق المحررة”، والمناطق التي يسيطر النظام السيطرة عليها بـ”المناطق المغتصبة”، ذلك أن ضباطاً من الجيش العقائدي، راحوا يصرحون لبعض وسائل الإعلام، بأنهم يعملون على الأرض كقوة احتلال، وليس كقوة أمنية، وأنهم يعرفون تماماً بأنهم باتوا قوة احتلال في نظر سكان المناطق السورية التي يجتاحونها. وعليه، فإن الثورة السورية تواجه نظاماً، يعتبر نفسه قوة احتلال، واستدعى قوات احتلال أجنبية، كي تساعده وتخوض المعارك معه على الأرض، وهي تتصرف على هذا الأساس. وبالتالي، من المشروع إن يقاوم السوري الاحتلال حتى يتحرر وينال حريته، في اقتران مشروع بين الحرية والتحرر.

وفيما يستمر المدنيون السوريون في فعل مقاومتهم، تبدو معظم الفصائل المسلحة بعيدة كل البعد عن فعل المقاومة، بمختلف مظاهرها، ولعل العسكرة المنفلتة من رباطها وعقالها، أنتجت مظاهر و”هيئات شرعية” و”إمارات”، بعيدة كل البعد عن أهداف الثورة السورية ومطالب ناسها، فالناس في الثورة أحسوا بأنهم أحياء، حين قرروا الخروج من بيوتهم والنزول إلى الساحات والشوارع للاحتجاج على الاستبداد المقيم منذ أكثر من أربعة عقود. خرجوا طلباً للحرية واسترجاع الكرامة، ولوضع حدّ لليأس والذل والخنوع، وتحملوا لأجل ذلك كل أنواع القذاف والقنابل والرصاص التي مازالت تنهمر عليهم، وتخطف أرواحهم.

لقد شعر الثائرون السوريون بأن حياتهم أضحت ذات معنى في الثورة، وأن كل فرد فيهم يمتلك ذاتاً، شعر لأول مرة في حياته بقيمتها في ميدان التظاهر والاحتجاج، فقرروا جميعاً عدم التراجع أمام إمعان النظام في القتل والمجازر، بل وأظهروا قدرة لا توصف على التحمل خلال أكثر من عامين ونصف من عمر الثورة، بالرغم من كل انواع القصف والدمار الذي لحق بهم وباماكن سكناهم. وبالتالي لن يقبل السوريون بحكم “الهيئات الشرعية”، التي منحت نفسها شرعية مفقودة، ومشكوك بها ومطعون فيها، كونها جاءت من أمراء العسكرة وتوابعها، وهي تنتمي إلى مجموعات ليست مفجرة للثورة، ولا قادتها في أي يوم من الأيام، بل استغلت فراغ القوة الحاصل بعد انحسار سلطة النظام الفاقد الشرعية مثلها، كي تحتل الفضاء العام وتصادر الحرية التي خرج من أجلها الثوار السوريون. وقد تحولت هذه المجموعات المسلحة إلى سلطة استبداد جديدة، حاولت إشغال مكان سلطة الاستبداد القديمة، وراحت تقوم بأفعال لا تليق بثورة السوريين، حتى باتت تعيث فساداً في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وذلك بدلاً من ان تنخرط في حركة المقاومة الشعبية وتكون عوناً لها.

وبالرغم من كل ذلك فإن قوى الثورة ستظل تصارع من أجل تحقيق آمال الشعب السوري في نيل الحرية والتحرر، والوصول إلى دولة مدنية تعددية، تنهض على مبادئ المواطنة وحقوق الإنسان، لذلك من الصعب اختصار الثورة السورية بالعسكرة، ذلك أن العسكرة تعني خضوع كل شيء للبندقية، وتفضي إلى نشوء أمراء الحرب وتجارها، فيما المقاومة تنهض على إخضاع السلاح لحسابات سياسية ومصالح وطنية عليا، وتحقق انتماءً سياسياً وعسكرياً للوطن وناسه. وإن كان ثمة فعل ضروري ومطلوب من المجاميع المسلحة، فهو الانخراط في صف الثورة، والمشاركة في المقاومة بشكل موحد ومنظم، بغية الوصول إلى سوريا الجديدة، والعمل على الحفاظ على صورة سوريا التاريخية، باختلافاتها وتنوعاتها ومدنيتها، ذلك أن التاريخ اليوم – يسطره الفاعلون في حدث الثورة، ولن يتوقف إلا عند بلوغها الهدف، المتمثل في تحقيق تحول تاريخي نحو سوريا الجديدة، ولن يتحقق هذا التحول إلا عبر صراع مديد، وبالتالي فإن أعداء الثورة يلتقون اليوم – دون أن يعلموا – مع أنصارها في تحقيق هدفها المنشود.

المستقبل

هل من شرعية لـ “الهيئات الشرعية”؟

صبر درويش

يقول أبو ليلى، وهو مقاتل في إحدى كتائب الجيش الحر العاملة في دمشق وريفها “قمنا بسوق شاب حكمت عليه محكمة المدينة بالإعدام، إلى المكان الذي نقوم فيه بهذه المهمات عادةً، وقبل أن أقوم بتنفيذ أمر الاعدام، خاطبني الشاب قائلاً: دمي برقبتك، وأنا بريء من كل التهم الموجهة إليّ. عندها ترددت بإطلاق النار عليه، انتابني شعور غريب، فألححت على قائد مجموعتي أن نعيد الشاب إلى المحكمة عسى أن تعاد محاكمته؛ وهذا ما جرى فعلاً، وبعد نحو شهر من التحقيق، أطلق سراح الشاب، حيث لم تتم إدانته”.

تلقي هذه الحادثة الضوء على جانب من المحاكمات التي يخضع لها بعض المتهمين بالعمالة للنظام الحاكم في سوريا في المدن التي جرى تحريرها على أيدي الثوار. كما تثير العديد من الأسئلة حول “مشروعية” هذه المحاكم الشرعية، ومدى قدرة القائمين عليها على إتمام مهمات، هي الأصعب والأخطر من نوعها، حيث يلقى على عاتق هذه الهيئات مهمة تحقيق العدالة بين السكان، وفضّ النزاعات، وإطلاق الأحكام التي قد يؤدي الخطأ فيها إلى إزهاق أرواح الأبرياء. ومن جهة أخرى فالاستقلالية السياسية والقضائية مطلوبة بشكل حاسم بالنسبة لأي هيئة قضائية، كما يقتضي ذلك عرف القضاء، وهو امر يكاد يكون غائباً في الهيئات الشرعية التي تم إنشاؤها في المدن المحررة.

الشيخ سعيد درويش، أحد مؤسسي المحكمة الشرعية في الغوطة الشرقية، يؤكد أن “المحكمة الشرعية تأسست في بداية عام 2012، على يد مجموعة من علماء الدين، ومن المؤكد أن للمحكمة الشرعية مرجعية وهي تدعى الهيئة الشرعية، وهذه الاخيرة هي بناء مؤسساتي كبير، تتبع له لجان من كل مدينة او بلدة. وهذه الهيئة الشرعية ينبثق منها مكتب قضائي، ومكتب تعليمي، ومكتب الدعوة والإرشاد، ومكتب البحث العلمي، ومكتب الفتوى، ومكتب إعلامي، ومكاتب أخرى تحتاجها”. والفكرة في الأصل أتت في سياق دعم علماء الدين للثورة والثوار في آن واحد. أما بالنسبة للهيئة الشرعية فهي تأسست في وقت سابق، وكانت نتيجة سلسلة من الاجتماعات بين “المختصين”، في القابون 13/11/2011. كما يقول الشيخ درويش. بينما من يعمل في المكتب القضائي هم “أهل الاختصاص”، أي قضاة مجازون إجازات قضائية ومحامون محققون، وكلهم أصحاب خبرة لكنهم لا يخوضون العمل القضائي لوحدهم اذ هناك ايضاً مراقبون شرعيون”.

تسعى هذه الهيئات إلى أن تكون بديلاً عن مؤسسات الدولة التي تلاشت إثر تصاعد حدة الحرب بين المعارضة ونظام الأسد، وفي الوقت الذي يحاول الناشطون بذل كل الجهود الممكنة في سبيل تجنيب هذه المدن الوقوع في الفوضى، لا يخفى على أحد نقص الخبرة لدى هؤلاء الناشطين، كما لا يخفى الانتهاكات التي قد ترتكب بحق المواطنين. إذ في سياق سؤالنا أحد القضاة حول علاقة “الهيئة الشرعية” بحقوق الإنسان أجابنا “أن الهيئة مؤمنة ومقرّة بحقوق الانسان والتي لا تتعارض مع مفهوم حقوق الانسان في الشرع الاسلامي”، وأنهم حريصون على حفظ كرامة الناس”. بيد أننا، ومن خلال جولتنا في السجن التابع للهيئة، فقد التقينا أحد السجناء المتهمين بالتعامل مع قوات الأسد، حيث أخبرنا الشاب أنه تعرض لتعذيب شديد، وأنه استسلم في نهاية الأمر للمحقق وأدلى باعترافه كما فرض عليه؛ ومن الواضح أن آثار التعذيب ما تزال واضحة على جسد الشاب، حتى ان أنفه كان مكسوراً على إثر التعذيب الذي تعرض له؛ بينما شهادات العديد من الشبان المعتقلين الآخرين، فقد أشارت إلى غياب أي شيء له علاقة بوجود محامين أو من يدافع عنهم، كما أن السجناء غالباً ما يحتجزون في أماكن تحت الأرض تنقصها الإضاءة والتهوية الجيدة، ولا يسمح لهم بالخروج إطلاقاً من زنزانات السجن.

كل هذه الشهادات وغيرها، تضع مشروعية الهيئات الشرعية على المحك، وتلقي بظلال قاتمة على بعض الممارسات التي تسيء إلى ثورة السوريين، وقدرتهم على إدارة مدنهم المحررة.

يعزو بعض الذين التقينا بهم هذه الانتهاكات، إلى عدم توفر شرط استقلال القضاء، ما جعل من هذه الهيئات كيانات تابعة في أغلب الأحيان للألوية العسكرية المقاتلة، وهو ما يفرض عليها التمثل بسياسة هذه التشكيلات العسكرية والرضوخ لتعليماتها. يقول أحد المواطنين الذين التقينا بهم: “تسارع الهيئة إلى اعتقال أي مذنب من المواطنين، بينما لو كان المذنب منتمياً إلى هذا التشكيل العسكري أو ذاك، فغالباً ما يتم غض النظر عنه. أمن أجل هذا خرجنا بثورتنا؟” يتساءل الشاب.

لا نستطيع ان نحمّل كل هذه الأعباء للهيئات الشرعية وحدها، إذ من المعروف جيداً طبيعة الظروف التي تمر بها المدن المحررة، حيث إنها محاصرة منذ أشهر وتكاد اتصالاتها مع محيطها الاجتماعي تكون شبه منعدمة، إضافة إلى أن الظروف المعيشية السيئة دفعت بأغلب الكوادر المتعلمة إلى النزوح مع عائلاتهم خارج هذه المدن، ومن هنا لا أحد اليوم ينكر الحاجة الملحة للكوادر المتعلمة فوجودها يحدث فرقاً في إدارة هذه المدن.

تحتاج المدن السورية المحررة في هذه المرحلة، وأكثر من أي وقت مضى، لشبانها المتعلمين بكافة الاختصاصات، الحقوقية منها وغير الحقوقية، فذلك من شأنه أن يقوي العنصر المدني في إدارة شؤون المدن المحررة. ومن شأن عودتهم، وضع حد لتمدد سلطات التشكيلات العسكرية، التي تبقى مهمتها الدفاع عن المدن وليس بسط سيطرتها عليها وادارتها.

الأصوليّة والانتفاضات العربية

حمّود حمّود()

هل يرتقي حدث “الربيع العربي” إلى مستوى “الحدث التاريخي”؟ الأستاذ هاشم صالح وفي كتابه الجديد “الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ” (دار الساقي، 2013) يشكّك بذلك. فإذا كان الحدث التاريخي (وهو قليل الوقوع في تاريخ الشعوب) يتصف بنقل البشر من مرحلة إلى مرحلة أخرى مغايرة تماماً، فإنّ هذا ليس حاله في بلاد العرب. لكنْ لنسجّل بداية أنّ صالح بتشكيكه في رفع حدث الربيع العربي إلى مستوى الحدث التاريخي، لا يقلل على الإطلاق من أهمية الانتفاضات العربية التي جرت، وما زالت، في بعض البلدان العربية، بل بالعكس إنه يراها بمثابة تنفس للعرب لم يشهدوه من قبل للسير مستقبلاً نحو الحرية والديمقراطية. نحاول في هذه العجالة التركيز سريعاً على أهمّ جانب في الكتاب ألا وهو تناوله للأصولية، ثم تسجيل نقد سريع حول ذلك.

لو تتبعنا المؤلف من خلف أسطر الكتاب لرأينا أنّ مردّ ذلك التشكيك يعود إلى استحقاق “القطيعة الابستمولوجية” وما يضفيه عليه. كيف ذلك؟ هناك ناحيتان شكّلتا بمثابة بارادايمين سيطرا على الكتاب كله: الأول، يضع المؤلف في ذهنه بارادايم الثورة الفرنسية التي يعتبرها “حدثاً تاريخياً” (إضافة إلى أحداث تاريخية كبرى)، والتي قطعت إبستمولوجياً مع سيطرة ماضٍ كنسيّ كاثوليكي سيطر على فرنسا لقرون. بينما البارادايم الثاني، وبكل اختصار، هو معاكس للأول يتمثل باستمرار سيطرة الأصولية على مقاليد الشارع العربي، حيث لم تستطع أحداث الانتفاضات العربية تأسيس مرحلة قطيعة مع التفسير الأرثوذكسي الأصولي بمقدار ما أعادتهم إليه، وذلك عن طريق صعود الإسلام السياسي إلى سدة السلطة، وتربع مشايخ كبار ليدافعوا عن ذلك مثل الشيخ يوسف القرضاوي (ينقل عنه هاشم صالح مثلاً تصريحه: “من يهاجم الإخوان لصوص وفجرة وأصحاب ملذات وشهوات محرمة وشاربو خمر ولاعبو ميسر…” (ص 261). هكذا، فإنه لا يجوز تشبيه الانتفاضات العربية بالأحداث التاريخية الكبرى مثل الثورة الإنكليزية أو الفرنسية أو الأميركية، بل (والرأي دائماً للمؤلف) إنها انتفاضات أشبه بالثورة الإيرانية التي اندلعت قبل أكثر من ثلاثين عاماً والتي أصعدت نموذجها الأصولي الخاص ممثلاً بالخميني وآيات الله إلى سدة الحكم.

من هنا كانت الموضوعة الرئيسة التي سيطرت على الكتاب، وهي الحديث عن الأصوليّة، واستتباعات ذلك في ظل ربيع العرب، لدرجة أنه لا تكاد تخلو صفحة من صفحاته إلا وترد ألفاظ (الأصوليّة، الإسلام السياسي، الإخوان المسلمون، السلفية…الخ). والشيء الذي تميز في تناول هذا هو الأسلوب الرشيق والسلس للمؤلف. حيث بدا الأسلوب وكأنه، وفي كثير من محطات الكتاب، حوار مباشر مع القارئ العربي من غير أيّة حمولات ثقيلة فلسفية أكاديمية (ربما على عكس ما يتوقع القارئ لأول وهلة أنه سيكون على موعد تحليل فلسفي تاريخي عميق، جراء العنوان الكبير “على ضوء فلسفة التاريخ”).

صالح يرى أنّ هناك تفسيرين يسودان العالم العربي والإسلامي، الأول هو التفسير المستنير والعقلاني الذي قدمته نخبة من المفكرين المتنورين مثل محمد أركون؛ وهذا التفسير لم يجد ضالته بَعدُ لأنْ يتعمق في الشارع الإسلامي. والتفسير الثاني، هو التفسير الأصولي الذي يقدمه رجال الدين القروسطيين المتزمتين ورجال الإسلام السياسي؛ وهؤلاء، للأسف، هم الذين يسيطرون على الشارع اليوم، وهم الذين يحصدون نتائج الانتفاضات العربية وينشرون الفتاوى التكفيرية المتعصبة…الخ، والأهم أنهم لم يستطيعوا تأسيس “قطع معرفي” مع حمولات التفسيرات الماضوية. والحال هذا، كما أنه ينطبق على الشارع العربي، فإنه كذلك ينطبق على طهران الخمينية التي لا تقلّ في سيطرة الأصولية عنها في الشارع العربي.

لهذا، يشدد صاحب “الانتفاضات العربية” على الحاجة الأبدية للثورة على الثورة أو للانقلاب على الانقلاب، حيث إنّ الثورة العربية بالمعنى العميق للكلمة لم تحصل بعد ولا كذلك الثورة الإيرانية. ولن تحصلا قبل أن يتم نقد العقل اللاهوتي الشيعي والعقل اللاهوتي السنّي الموروثين عن العصور الوسطى. بمعنى آخر لن تحصلا قبل أن ينجح مشروع نقد العقل الإسلامي وتفكيك الانغلاقات المذهبية والطائفية (ص262). من هنا، فإنّ صالح يرى أنّ المعركة العربية اليوم هي معركة “فكرية قبل أن تكون سياسية. وإذا لم تُربح فكرياً فلن تُحسم سياسياً”. لهذا لطالما يشدد الكتاب على أهمية التنوير الحداثي وفي ضرورة ولوج العرب فيه والقطع إلى الأبد مع الحوامل الضيقة والتعصب الديني، والأهم أيضاً تشديده على خطورة الانقسام المذهبي والطائفي الذي بدأ يطل بحلل جديدة على العالم العربي (وبخاصة في سوريا)، وضرورة التخلص من ذلك، طالما أنّ هذا الانقسام يُعتبر من العوائق الكبيرة التي تمنع انخراط العرب في الحداثة.

هاشم صالح يبدو محقاً في ذلك وفي كثير من محطات الكتاب والتي لا نستطيع استعراض تفاصيل نقدها كلها للأصولية في هذه العجالة السريعة. وقد برع بذلك بأسلوبه الرشيق، كما ذكرنا. لكن النقد الذي بإمكاننا تسجيله هنا، هو أنه بالرغم من هذا النقد للأصولية، إلا أنّ الكتاب خلا من أي تحليل عميق يدرس الأصولية بنحو جدّي ومستقل، وجدل ذلك وصعودها مع الانتفاضات العربية. هكذا مثلاً فإنه أهمل أسئلة مهمّة من قبيل: ما الأصولية بحد ذاتها أساساً؟ جدلها مع الظاهرة الدينية؟ مع الخطاب الديني الأرثوذكسي؟ مع السياق الدولي؟ كيف تجدد نفسها؟ والأهمّ كيف تفاعلت مع حدث الربيع العربي؟…الخ. يمكن أن نضرب مثالاً واحداً فقط على ذلك:

يقول صالح (ص166): “ينبغي العلم بأنّ اللاهوت الإسلامي الشيعي ظل هو نفسه بعد الثورة كما كان عليه الحال منذ مئات السنين. وقل الأمر ذاته عن اللاهوت الإسلامي السني”. مثل هذا الكلام لا ينطبق إطلاقاً على أصولية الأصوليين لا في إيران ولا حتى في مصر. ما هو مهمّ إدراكه وتمييزه بأنه هناك دائماً ثابت ومتحول: “ثبات” في الأسس التكوينية للبنية المركزية الأصولية (وبخاصة في “الوعي الأصولي”)، و”متحول” في شكل البنية، حسب سياق الأصولية (وبخاصة في “الأفكار الأصوليّة”). وقد يرافق هذا التغيّر في شكل البنية، تبدلٌ في الأساسيات الثيولوجية نفسها وذلك، حسب ضغط اللحظة التاريخية على الأصولي (غالباً بسبب انهزامية العقل الأصولي أمام التاريخ) أو حسب الحجم السلطوي الذي يتطلبه وجود الأصولي. هذا ما شهدته إيران مع الأصولي الخميني، حيث طرأ على اللاهوت الشيعي تغيرات جوهرية وفق ما تطلَّبه حجم سلطوية الخميني. ونعلم كم أحدث ذلك من خلافات عميقة بين علماء الشيعة (وبخاصة في النجف وبعض القيادات في لبنان) وذلك بسبب ما أحدثه الخميني من تغيرات جوهرية، ليس أقلها ما طال مفهوم ولاية الفقيه الذي ترتكز جمهوريته عليه. لنتوقع دائماً أنه “هناك لاهوت جديد يولد مع ولادة كل أصولية جديدة” (نشدد على هذا الكلام).

نقول هذا الكلام أيضاً في الحالة المصرية، لكن مع اختلاف الدرجات واستحقاقات السياق. هل حال اللاهوت السلفيّ، مثلاً، قبل سقوط مبارك هو نفسه بعد سقوطه؟ بالتأكيد لا. (هناك أمثلة عديدة: لفظة الديمقراطية نفسها محرمة، الخروج على الحاكم، النظر إلى الأقليات، فكرة الأحزاب، الانخراط في السياسة…الخ. وكل ذلك بدأ يتغير بما يتناسب وحجم أصولية السلفيّ، لكن مع ثبات الوعي الأصولي السلفيّ في النظر إلى الذات والعالم). وهكذا ينبغي الالتفات إلى ما هو متغير من حيث “شكل البنية الأصولية” التي هي دائماً في حالة تغير دائمة حسب السياق التاريخي الذي تخضع له الأصولية، وما هو ثابت من حيث الوعي الأصولي.

مهما يكن، يبقى كتاب هاشم صالح من الكتب المهمّة والقليلة التي صدرت أخيراً في رصد تداعيات حدث الربيع العربي واستحقاقات ذلك إنْ حاضراً أو مستقبلاً على مصير الواقع العربي من جهة، وفي التركيز على أهمية التنوير الحداثي كخيار وحيد أمام العرب في مواجهة الظلاميات والأصوليات الدينية من جهة أخرى.

المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

زلزال ترامب وارتداداته/ علي العبدالله

    لم يتوقف تأثير الزلزال السياسي الذي أحدثه انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من اتفاقية ...