الرئيسية / صفحات العالم / مقالات تناولت زيارة البطريرك الماروني إلى سورية

مقالات تناولت زيارة البطريرك الماروني إلى سورية

لا بدّ أن أسمّيها زيارةً مسمومة!

    عقل العويط

أكتب هذه المقالة تحت وطأة الاستهوال، من جرّاء زيارةٍ حجّ فيها بطريرك الجماعة المارونية إلى دمشق، في زمنٍ موسومٍ بأنه زمن طاغيةٍ، فضّل لا أن يترك لشعبه حرية تقرير مصيره بيديه، بل أن تصير بلاده قاعاً صفصفاً، وأن توصف بـ”الأرض الخراب”.

تمّت الزيارة تحت هدفين معلنَين: الاحتفال بعيد شفيع الجماعة لتأكيد ثباتها في أرضها، والمشاركة في تنصيب يوحنا العاشر بطريركاً على انطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس.

لن أُوارب، بل سأذهب مباشرةً إلى القصد، لأطرح سؤالَين اثنين:

الأول، هل كان الناسك التاريخي العظيم الذي اتخذ في هذه الفانية اسم مارون، ليشعر بالخيبة والإحباط واليأس لأن بطريرك الجماعة المارونية لم يحتفل بعيده في دمشق؟

الثاني، هل كان الموارنة في أرض انطاكية الروحية ليُنتقَص من علاقتهم بالأرثوذكس، لو أن بطريرك أولئك تخلّف عن الذهاب إلى دمشق في مناسبة تنصيب سيّد هؤلاء؟

لا أزعم صواباً، لكن جوابي هو الآتي: لا مارون كان ليخيب أمله في هذا الجالس على سدّته البطريركية، ويُحبَط، وييأس، ولا الأرثوذكس كانوا ليُنتقَص منهم في شيء.

لماذا إذاً، يا سيّد؟

تداركاً، أقول: ليس لأيٍّ كان، أن يملي على البطريرك ما يفعل وما لا يفعل. فهو حرٌّ، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً. ثمة روحٌ قدسٌ يلهمه ليخطو الخطوات التي يخطوها، وليس للمعترضين على الزيارة وعلى إملاءات الروح القدس أن يقيموا الدنيا ولا يقعدوها بسبب زيارةٍ كهذه.

فليعترض المعترضون، وليمتعضوا. أما الذين رأوا في الزيارة بشارةً وأملاً، فأنا أجلّهم، وإن لم أوافقهم الرأي.

أعود إلى سؤالي: لماذا، ذهبتَ يا سيّد؟ أقنِعْني بالأسباب التاريخية الموجبة. أظهِرْ لي علامات الروح القدس، لأني لم أقتنع. ولأني، حقاً، أريد أن أقتنع.

لقد صافحكَ الكثر من المتعلّقين بأهداب رسالتكَ، فما “ظهر” لي أنهم عاينوا أثراً للمسامير. هم أرادوا أن يلمسوا ثوبكَ البهيّ، لعلكَ تشفيهم من هذين الخوف والهلع المصيريين، فلم أجد لهم شفاءً.

أما أنا فقد “رأيتُ” وآمنتُ. لقد “رأيتُ” وجه الطاغية، ماثلاً أمام مرآته، مقهقهاً: ها قد جاء سيّدهم أخيراً إلينا. هؤلاء الفلاّحون العتاة الأجلاف القساة، المتشبثون بالحرية والمعاندة، والمنافسون لعنفوان الجبال، ها قد جئتُ بسيّدهم إلى هنا، فصلّى، وباركَ، في حمايتي، وتحت ظلّي.

… كثرٌ من اللبنانيين والسوريين، بل ملايين، لم يروا ما “رأيتُ”، لكنهم آمنوا بما “رأيت”. فطوبى لهؤلاء الذين لم يروا وجه الطاغية، وآمنوا بالسبب الجوهري للزيارة، التي لا بدّ أن أسمّيها زيارةً مسمومة، كي لا أسمّيها ملعونة!

النهار

مؤشر البطريرك

ساطع نور الدين

   لم تعد روح لبنان مسيحية،وهي بالطبع لن تصبح اسلامية، بصعود السنة والشيعة الذين يهددون بخطف الرمق الاخير للبلد الواقف اليوم على حافة جديدة من حواف تاريخه الدامي. لكن المسيحيين اللبنانيين كانوا وسيظلون مؤشرا مهما لقياس وضع الاقليات العديدة في الشرق العربي ومستقبلها.

  ولان المسيحيين اللبنانيين فقدوا الكثير من ارثهم ومن دورهم اللبناني، فان زيارة البطريرك الماروني بشارة الراعي الى دمشق تدرج في ذلك المؤشر اكثر مما تدخل في السجل الوطني، او حتى في السجل السياسي للبنان، باعتبارها علامة فارقة في العلاقات الثنائية بين البلدين، التي بات المسلمون يديرونها ويحددون وجهتها العامة.

  لن تصح في الزيارة صفة التاريخية، كما كان يمكن ان توصف زيارة أي بطريرك ماروني الى سوريا التي انتزع منها الموارنة الاستقلال ثم أعادوه إليها في فترات متلاحقة منذ سبعينات القرن الماضي: ما عاد البطريرك الحالي يملك هذا التفويض، وما عادت دمشق تملك ذاك الترف الذي تمتعت به لأربعة عقود.. وكان جوهره ذلك الحلف المقدس بين النظامين القائمين في البلدين واللذين استنفدا غرضهما.

  زيارة دينية بروتوكولية مثيرة للجدل في الحد الأدنى. هي في سرها الاول تعبر عن ذلك الخوف الدفين الذي يراود المسيحيين المشرقيين من سقوط النظام السوري الحالي، ومن بدائله الإسلامية المرعبة، وان كانت تغلف ذلك الخوف برفض غريب للتدخل الخارجي في سوريا، على ما جاء على لسان البطريرك الراعي، الذي نسي ان ما يتمناه السوريون اليوم هو ما سبق ان طلبه المسيحيون اللبنانيون لمواجهة جنون مواطنيهم المسلمين في الماضي القريب.

  الجدل حول الزيارة يبدو مبالغا فيه، على الأقل من وجهة النظر اللبنانية التي لا تستطيع ان تنفي حقيقة ان البطريرك الحالي في زيارته الدمشقية الرعوية، لا يحظى بتأييد الغالبية من أبناء رعيته المارونية، بل هو يستند الى دعم دوائر في الفاتيكان تتلقى تقارير عما يتعرض له المسيحيون في سوريا، وتضعها الى جانب التقارير الواردة من العراق ومصر.. وغيرها من البلدان العربية التي ظهرت فيها العمائم واللحى الإسلامية كما لم تظهر من قبل، نتيجة سقوط الطغيان الامني.

  لن تترك الزيارة البطريركية أثرا يذكر السياسة الرسمية اللبنانية تجاه الأزمة السورية، التي لا يمكن لاحد أصلا ان يفهمها. ربما ساهمت الزيارة في توسيع الهوة بين بكركي وبين رعاياها، ولكن الى حين يتضح ان المعركة السياسية مع الكنيسة المارونية لن تخدم أي غرض لا في الانتخابات النيابية، إذا جرت، ولا بعدها.

   عاد البطريرك الماروني من دمشق مثلما ذهب إليها، وحيدا. الرحلة صنفت خارج السياسة. وهذا وحده انتقاص من قيمة تلك الكنيسة الرائدة في الادوار السياسية، ومن مكانة رئيسها الحالي. وهو اختبار للموارنة والمسيحيين عموما الذين باتوا يدركون اكثر من اي وقت مضى مخاطر السفر الى الشرق، بغض النظر عن مواقفهم من الأزمة السورية ومآلاتها.

  حتى النقاش الذي كان يمكن ان تثيره مثل هذه الزيارة بين الأشقاء السوريين انفسهم، كان محدودا، على الرغم من الحاجة المشتركة الى التفكير، على الاقل، في مستقبل العلاقات المضطربة بين البلدين الشقيقين، لانه يخشى ان تصبح مثل هذه المهمة محصورة بالمشايخ من البلدين.. عندها يمكن ان يكون لزيارة بطريرك ماروني الى دمشق قيمة ما.

المدن

خريطة البطريرك الماروني الجديدة

سامر فرنجيّة

ربمّا لم ينتبه الكاردينال بطرس الراعي خلال زيارته القصيرة لدمشق إلى مئات الشهداء الذين سقطوا خلال يومي زيارته. وقد يكون محقاً بأن لا يعير الموضوع «السياسي» أهمية، فهو في مهمة دينية تتعدّى السياسة وقتلاها. وربّما لم يستطع أن يرى خلف المواكبة الأمنية التي أمّنها له النظام، المدن والقرى المُهدّمة على رؤوس سكانها. ذاك أن «الإصلاحات لا تفرض فرضاً من الخارج بل تنبع من الداخل»، والدمار، تالياً، آتٍ من الخارج. والمؤكد أن تصفيق فيصل المقداد والرسميين غطّى على صراخ من يعذّبهم أصدقاء المقداد في السجون. غير أن «كل ما يقال ويطلب من أجل ما يسمى إصلاحات وحقوق إنسان وديموقراطيات، لا يساوي دم إنسان واحد بريء يراق». وعندما يفهم الثوار هذه الحقيقة البسيطة، ويركزون على حرية الاعتقاد الديني فقط، لا تعود هناك حاجة لإراقة المزيد من الدماء البريئة.

لم ينتبه البطريرك ولم يرَ لأنه لم يذهب إلى سورية. فمشروع الكنيسة المشرقية الجديدة جغرافياً مختلفة عن التي نعرفها، لا تحدّدها حدود الماضي أو قوانين السياسة. هكذا، لم تكن هذه الزيارة الأولى لبطريرك ماروني إلى سورية منذ الاستقلال، بل كانت افتتاحاً لخريطة جديدة، تذوب فيها الحدود السياسية الموروثة، ويحدد إيقاعها منطق جديد، يعتبر السياسة والثورة والحدود والأكثريات مجرّد عارض، يمكن تجاهله باسم صراع الأقليات المشرقية الجديد. هكذا لم يأخذ البطريرك موقفاً من النظام أو المعارضة، بل كان في مكان آخر لا تطاله تلك التفاصيل، مهما كانت دامية.

لن نجد تاريخ هذه الخريطة الجديدة في توصيات الفاتيكان أو الإيحاءات البابوية، التي قد تُفسّر وتُحلل وتُقرأ بطرق مختلفة. ولن نجدها أيضاً في مآسي مسيحيي العراق أو صراع الحضارات المتجدد في المنطقة. فالخريطة تنطلق من تلك الحوادث لتقدّم رواية محدّدة لحاضر مسيحيي الشرق ومستقبلهم. غيرّ أن تاريخها في مكان آخر، نجد بعض صداه في عملية الاختزال المعمّمة التي بدأت منذ بضع سنوات، ومهدّت الطريق لهذه الخريطة عبر تسطيح الماضي والحاضر وكثافتهما.

ما سمح للبطريرك بتجاهل ما اضــطرّ لتجاهله هو تلك الحملة التي قامت على تلخيص الإسلام بالسنّة، والسنّة بالإسلاميين، والإسلاميين بالســـلفيين، والسلفيين بالقاعدة، ليتمّ تسطيح الجغرافيا والتاريخ، تمهيداً لإعادة رسمهما. فالمواقف البطــريركية من الربيع العربي لم تكن هفوة، والخوف من الثورة السورية ليـــس مجردّ عــنصرية متجددة، بل هما بداية تسطيح السياسة لإظهار معالم الخريطة الجديدة. فقد أعيدت قراءة النصوص والتوصـــيات البابوية بنفَسٍ إلغائي وتسطيحي، لتتحول العلاقات الإنسانية مجرّد عملية إلغاء. فأصبحت العلاقات الاقتصادية مجرّد شراء مذهبي للآراء والتنافس السياسي إلغاء دينياً. أمّا كل ما يمكن أن يعكّر هذا التسلسل المنطقي والدموي، فتمّ تجاهله كعارض يزول عاجلاً أم آجلاً.

ويمكن لجورج صبرا أن يصرح بما يشاء، أو لسعد الحريري أن يبرر الكازينو، لكنهما في آخر المطاف «سلفيان» في طور التكوين، وفق هذه الخريطة المسطّحة. وجاء الكره يملأ هذا التسطيح ويعطيه أبعاداً سياسية. فحفلات العنصرية المتتالية التي انضمت إليها القوى المسيحية اللبنانية بتذاكٍ يدل على غباء سياسي، مهّدت الطريق لهذه الخريطة الجديدة، وتوّجتها باسترجاع أول ذكرى لها، وهي ذكرى «غزوة الأشرفية». تسطيح سني تواجهه قلاع لم تتصل واحدتها بالأخرى، ووظيفة الخريطة الجديدة بناء تلك الجسور.

المنطق الاختزالي ليس حكراً على داعمي هذا الاتجاه المشرقي الجديد، بل له تاريخ طويل، توحِّده مقولة أنّ مرحلةً أو مجموعةً أو حدثاً ما يُعبِّر عنها مُكّونها الأكثر هامشية وتطرفاً. ففي هذا التطرف طهارة ووضوح يسمحان للحقيقة بأن تبرز خالية من أي عارض أو تعقيد قد يشوّشان شفافية تمثيل الجوهر.

هكذا انضم إلى كورس التسطيح مثقفون من الطرف المقابل رأوا في الثورات مجرّد عودة المكبوت الديني. وانتعش هذا المنطق مع تطور الثورة السورية، ووجد عنوانه في «جبهة النصرة» التي أصبحت الحقيقة الوحيدة لهذا التحرك الواسع والفضفاض، وشُخِّصت مشكلات المجتمع السوري في «الرؤوس» لا «الكراسي»، وفق ياسين الحاج صالح، ليتحوّل السوريون إلى «نوع بشري خاص، ميؤوس من صلاحه، إن لم يكن التخلص منه مرغوباً» (الحياة، ٣-٢-٢٠١٣). وربمّا كان هذا ما يدور في رأس البطريرك وهو يدخل الخريطة الجديدة بحماية النظام.

شكّلت الثورة السورية وانهيار منظومة الأسد دفعاً قوياً لهذا المنطق، التقت حوله تيارات مختلفة. ففي اختزال السنة بالقاعدة والثورة بالنصرة والربيع العربي بالسلفيين وتيار المستقبل بفتح الإسلام، منطق واحد يردده منظرو حلف الأقليات الجديد، وسياسيون غربيون لم يتعافوا من أزمتهم العراقية وممانعون في آخر أيامهم يفضلون تدمير المستقبل كـــــي لا يُمسّ تاريخهم الفاشل، ومثقفون حداثويون يحاولون المحافظـــــة على ما تبقى من منظوماتهــــم المفاهيمـــية ولو كان ثمــــن ذلك قتــــل نصــــف الشعب السوري «السلفي». ولجوقة الاختــــزال، شكّل الطاغي شرط المجتمع السياسي وخطاباته. أمّـــا الثورة، فانحلال العقد الذي أبرموه مع الأسد والعودة إلى «حالة الطبيعة» والحرب المفتوحة والبحث عن خريطة جديدة.

يمكن دحض هذا المنطق بسهولة، والبحث عن قراءة مختلفة لدور الكنيسة. غير أن هذا لم يعد ينفع. فجوهرة السياسة قتلها عبر تذويب العارض، الممتد من «التنسيقيات» غير الإسلامية إلى نصف المجتمعات العربية التي عارضت وما زالت تعارض حكم «الإخوان». والاختزال يرفض السياسة، كعملية إدارة العارض وتطبيع الممكن، ليستبدلها بمواجهة الجوهر في صراع مفتوح وأزلي. هنا لا مكان للغة: فإما التطابق ما قبل اللغوي وإما الصراع المفتوح الذي لا يحتاج إلى كلام. وفي خريطة البطريرك، لا كلام ولا سياسة، مجرّد وجود من جهة وأمور غير مهمة من جهة أخرى.

غير أنّ الاختزال خطر على أصحابه أولاً. فقرار بعضهم وضع طوائفهم في خطوط الدفاع الأولى عن النظام السوري انتحاري، مهما حاولنا تبريره. فسياسة الاختزال إجرامية في طورها الأوّلي، لكنها سرعان ما تتحوّل سياسةً انتحارية مع استكمال الاختزال باختزال مضاد. فلمنظّري تحالف الأقليات أن يختزلوا خصمهم ويؤبلسوه في مهرجانات الكره ويتجاهلوه في احتفالاتهم التنصيبية، طالما أنه يمتنع عن الخطوة المضادة. ولكنْ في تذاكي المختزلين تكمن استحالة، هي أن الاختزال فعّال طالما لم يُستكمل.

الحياة

ما بين مسيحيي سوريا ومسيحيي لبنان

    عبد الوهاب بدرخان

كانت مناسبة مسيحية، تاريخية وبالغة الأهمية، في دمشق. كانت فرصة لإعلان وإبداء اكثر مما قيل وسُمع. أن يقول البطريرك يوحنا العاشر يازجي: “سنبقى نعمل من أجل وحدة مسيحية – إسلامية في سوريا، وكي تنتهي الأزمة وتبقى سوريا موحدة”، فهذا يعبّر عن روح وطنية طيبة ومشهودة. لكن المحنة القاسية التي تعيشها تتطلب بالتأكيد أكثر من ذلك. وطالما ان هناك رفضا مسيحيا للحل العسكري، وبحثا دوليا عن حل سياسي، فقد كان في امكان البطريرك ان يدق ناقوس الخطر والانذار للطرفين، طالما انه لا يريد ان يتموقع. الخطر الذي بلغته سوريا بات يحدق بوحدتها، والانذار بأن الصراع بدأ يعصف بـ”الحضارة المشتركة” التي بناها المسيحيون والمسلمون معا.

في ذلك اليوم كان رئيس الائتلاف المعارض معاذ الخطيب ينتظر رد النظام على مبادرته بقبول الحوار اذا اطلق المعتقلون، بل اذا اقتصر “حسن النية” وبناء الثقة على الافراج عن النساء المعتقلات. لم يطلب المستحيل، ولم يأته رد، بل مجرد دعوة الى حوار “من دون شروط مسبقة”. طبعا، لم يتوقع احد ان يقحم مسيحيو سوريا، او لبنان، انفسهم في السجال، غير ان الحل السوري الداخلي المنشود صار بحاجة الى تدخل، يُفضل ان يكون ايضا من الداخل.

واذا كان المسيحيون معنيين بـ”البعد الحضاري” فإن المحافظة عليه لا يمكن ان تبقى الآن كما كانت قبل الأزمة او في بداياتها. أصبحت مدعوة الى شيء، بل الى الكثير، من المبادرة.

ليس لأحد ان يقول للكنيسة ماذا وكيف يمكنها ان تعمل. فهي ستجد السبيل والطريقة، وهي مدركة، بلا شك، ان “الحياد” في الداخل لم يعد له سوى معنى واحد: الميل الى النظام، والبقاء تحت جناحه، لئلا يقال “الانحياز” اليه. ليس خافيا لم كان هذا الميل، او لماذا هو مستمر، اما كيف يمكن ان يساعد في العمل من اجل “وحدة مسيحية – اسلامية” فهذا غير مفهوم البتة. المؤكد ان الميل الى النظام لا يعني بالضرورة الموافقة على ممارساته الوحشية، لكن مجرد السكوت عنها طويلا يثقل على الضمائر.

والكنيسة معروفة، اينما كانت، بأنها لا تسكت عن الظلم، واذا اضطرت، كما في الحال السورية، فلا تؤاخيه ولا تمنحه غطاء.

لا يمكن انكار الوضع الصعب الذي يجد مسيحيو سوريا انفسهم فيه. لنقل ان لديهم طريقتهم في ابلاغ اخوتهم في الوطن انهم متألمون لمعاناتهم. لكن بعض اصوات مسيحيي لبنان بات مسيئا لمن هم في سوريا، مسيحيين ومسلمين، لم يقولوا رأيا سويا في عنف النظام طوال شهور الاحتجاج السلمي، ولا في التنكيل والتعذيب والاغتصاب والتدمير. هؤلاء تفانوا في الدفاع عن النظام، اي عن الاستبداد والاجرام، فلأي مسيحية ينتمون؟

النهار

حوار الأديان.. يتحول في سوريا إلى حوار طرشان

 إياد أبو شقرا

تابعت صباح أول من أمس باهتمام الكلمات التي ألقيت خلال حفل تنصيب البطريرك يوحنا العاشر اليازجي، البطريرك الجديد لأنطاكيا وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، وخرجت من المتابعة السمعية، وأيضا مشاهدة بعض أبرز الحاضرين في الصفوف الأمامية، بكثير من التشاؤم حيال مستقبل المشرق العربي أولا، وحوار الأديان ثانيا.

بالنسبة للكلمات التي ألقيت، لا بد لي من الإقرار بأنها في معظمها جاءت إيجابية وتتفهم المناخ العام المحيط بسوريا والمنطقة، غير أن كلمتين اثنتين لفتتا انتباهي؛ الأولى بسبب ما أغفلته، والثانية بسبب ما تضمنته.

كلمة الفاتيكان التي شدّدت على وحدة المسيحيين وعلى تأكيد البابا بنديكتوس السادس عشر – قبل يوم من استقالته – في رسالته لليازجي على «معنى وأهمية الوجود المسيحي في الشرق وأهمية العمل على عودة المسيحية في الشرق».. لم تتطرق إلى أمر تعايشهم مع المسلمين. وهذا في منطقة من العالم يشكل المسلمون فيها نسبة تزيد على 90% من سكانها، وتعيش راهنا ما يسمى «صحوة» إسلامية. وكان من أبرز المؤشرات على ذلك وجود سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية لدى سوريا في الصف الأول من الحضور على بعد أمتار قليلة من السفير البابوي.

أما كلمة البطريرك الماروني الكاردينال بشارة الراعي فكانت، كعادة قائلها، صريحة ومباشرة في توجّهها السياسي؛ إذ قال الراعي: «كل ما يُقال ويطلب من أجل ما يسمى إصلاحات وحقوق إنسان وديمقراطيات.. هذه كلها لا تساوي دم إنسان واحد بريء يراق». ومع أن أحدا لا يجادل في هذا، فإن الإشكالية تكمن في تحميل البطريرك المسؤولية في إراقة الدم للمنادين بالإصلاحات وحقوق الإنسان والديمقراطية.. وليس للمتشبثين بكرسي الحكم بعد أربعة عقود من الزمن، وحتما ليس للدولة البوليسية التي بنوها وأهلهم من قبلهم، والتي في كنفها ترعرع اليأس وتحت أنظارها وأسماعها – وربما بجهودها أيضا – نما التطرف الطائفي.

في أي وضع آخر كان بإمكان المراقب الطامح إلى تعايش إنساني حقيقي بين الأديان والطوائف والمذاهب والأعراق، يظلله التسامح ويقوم على احترام الاختلاف، السكوت عما سبقت الإشارة إليه. كان مقبولا تفهم المناسبة، فهي كنسية دينية أولا وأخيرا.. ولا حاجة، بالتالي، لتحويلها إلى منبر للطرح السياسي، لكن وضع سوريا اليوم بعيد عن أن يكون طبيعيا، ومثله حال المنطقة.

نحن اليوم بصدد «إسلام سياسي» تتنازعه مشاعر المرارة والغضب.. إلى جانب مظاهر العنفوان والطمع. في تونس وكذلك في مصر ينبغي الإقرار بأن الصورة التي تعرضها بعض الفصائل الإسلامية بعدما بلغت السلطة صورة مقلقة ليس للأقليات فحسب؛ بل هي مقلقة أيضا لمستقبل التنمية والاستثمار في جيل الشباب والانفتاح على العالم.

إن الانكفاء والتراجع كارثة على المسلمين قبل غيرهم، وللخائفين من التشدّد الإسلامي – السني تحديدا – في ظل سعي البعض إلى الاستئثار بالسلطة وإقصاء الآخرين.. أقول ليست الأقليات الدينية والطائفية وحدها تخاف هذا التشدد؛ بل إن الخوف يشعر به ملايين المسلمين مثلهم مثل غيرهم. ولا أدل على ذلك من المظاهرات التي شهدتها وتشهدها شوارع المدن المصرية والتونسية.

وبناءً عليه، أعتقد أن على الحكماء في الدول حيث تشكل الأقليات الدينية والطائفية والعرقية نسبا لا بأس بها من سكانها، كحال مصر وسوريا ولبنان والأردن والعراق، السعي إلى تشجيع تيار الاعتدال والانفتاح داخل الأغلبية المسلمة – السنية بالذات – بدلا من بناء تحالفات ضدها. من مصلحة الأقليات إيجاد القواسم المشتركة مع الأغلبيات السنية، لا التآمر… والاستقواء على شركاء الوطن بقوى الخارج.

ما هو مؤلم اليوم أن الخطر المُحدق بالتعايش بين المكونات الدينية والطائفية في دول مثل لبنان وسوريا والعراق، غدا أكبر من مجرد جموح ضابط متقاعد يحلم بالرئاسة وهو على أعتاب الثمانين، أو رجل إكليروس يمضي جل وقته في ممارسة السياسة، أو مافيا طائفية دموية تحاضر صباحَ مساء بالتقدمية والعلمانية والممانعة والثورية، أو نظام مذهبي حتى النخاع نصبه احتلال أجنبي غربي وتبقيه في السلطة تبعية أجنبية شرقية. بل ما هو مؤلم أكثر وجود أكذوبة كبرى.. أكذوبة «حماية» المنطقة من نوع واحد من أنواع التطرف الديني، مع الاستغلال الفعلي لظاهرة التطرف على الرغم من العلم المسبق بأن التطرف يولد دائما تطرفا مضادا.

ثمة مقولة بريطانية شهيرة هي: «الأفعال أعلى صوتا من الكلمات»، وهي تصدق تماما على إعلان إسرائيل أخيرا عن تحضيرها لبناء جدار وإنشاء منطقة عازلة في هضبة الجولان السورية المحتلة «تحسبا لسقوط النظام في دمشق».

لنتأمل أولا السبب الذي جعل إسرائيل تتخوف من جبهة الجولان لأول مرة منذ 1973.. أي 40 سنة. فطوال 40 سنة كان الاحتلال الإسرائيلي مطمئنا إلى أمن مستوطناته في الجولان، ولكن فجأة عندما هددت الانتفاضة الشعبية بقاء نظام «الممانعة والصمود والتصدي» انشغل بال بنيامين نتنياهو ومن لفَّ لفَّه.

تصوروا ذلك الأمر العجيب.. نحن إزاء خشية إسرائيلية معلنة وذات مفاعيل عملية من انتفاضة شعبية يريد النظام السوري إقناعنا بأنها تخريبية وإرهابية «تنفذ أجندات العدو» بأموال موالية للغرب «الداعم طبعا لإسرائيل»… بهدف «إسقاط أعداء إسرائيل»!

وهنا نصل إلى مَن يظهران لنا عدوين لدودين يسحب كل منهما منطقة الشرق الأوسط باتجاهه، والقصد هنا إسرائيل وإيران.

موسميا، هناك ابتزاز إسرائيلي حتى لواشنطن بشن ضربة استباقية منفردة للمرافق النووية الإيرانية، ثم على مستوى آخر، يقصف الطيران الإسرائيلي قرب الحدود السورية – الإسرائيلية ما قيل إنها قوافل تحمل شحنات أسلحة لـ«حزب الله». وفي المقابل، لا دليل على تخفيف طهران لهجتها تجاه تل أبيب؛ لا عمليا على صعيد التسلح وتحرير فلسطين، ولا لفظيا على صعيد إنكار «المحرقة النازية».. بل العكس صحيح.

مع كل هذا، لا تبدو تل أبيب متحمسة لتغيير نظام تقول إنه جزء من استراتيجية طهران في المنطقة، بل هي قلقة من سقوطه. ومن تل أبيب امتدت عدوى «القلق» إلى البيت الأبيض؛ حيث رفض الرئيس الأميركي باراك أوباما طلبات بعض كبار معاونيه بتزويد المعارضة السورية بالسلاح بحجة أن «تسليح المعارضة السورية يشكل خطرا على إسرائيل»!

حقيقة أخرى، ولو على مستوى أدنى بكثير، تؤشر لتلاقي المصالح بين طهران من جانب؛ وتل أبيب ومعها بعض القوى والمرجعيات الغربية من جانب ثانٍ، وتتمثل في تحالف تيار ميشال عون و«حزب الله» في لبنان.

«حزب الله» تنظيم ديني يتبع علنا الولي الفقيه، والتيار العوني تيار مسيحي جدا دأبه تخويف الشارع المسيحي من التطرف الإسلامي. ألا يرى الجنرال عون يا ترى أن «حزب الله» حزب إسلامي؟ أو أن قيادات الحزب متدينة؟ أو أن الشيعة مسلمون؟

ثم ألا يشعر «حزب الله» بنبرة التحريض «العونية» على المسلمين السنة؟ ألا يجد أن التحريض على السنة أوجد قيادات سنية أكثر تطرفا من أخصام عون و«الحزب» في الشارع السني.. أم إن هذا هو القصد بالذات، أولا لشق صفوف السنة، وثانيا لتسهيل مهمة رمي السنة بتهمة التطرف؟

ما يحدث اليوم في جبهات سوريا؛ في مدنها وقراها، وما يحدث في مناطق عدة من لبنان بينها بلدة عرسال المحاصَرة، ومواقف بعض القيادات المسيحية في المنطقة العربية وخارجها من علاقة المسيحيين بالإسلام والمسلمين، يدعو للتشاؤم، وأيضا يدعو للتفكير بعمق أكبر حول ما إذا كان ثمة عداء حقيقي أم تقاطع مصالح بين مؤسستي السلطة في إيران وإسرائيل.

الشرق الأوسط

زيارة الراعي لدمشق طبيعية

    علي حماده

لم يستغرب المراقبون ان يزور البطريرك بشارة الراعي دمشق بمناسبة تنصيب البطريرك الارثوذكسي الجديد، بل كان المستغرب انه لم يزرها قبلا. كان طبيعيا ان تأتي هذه الخطوة قبل مدة طويلة استنادا الى التوجه الذي اتخذه البطريرك منذ صعوده الى سدة البطريركية المارونية. فمعه حصل تحول جذري في السياسة المتبعة، وفي الموقف السياسي باقتراب الراعي من الناحية العملية من فريق الثامن من آذار والنظام في سوريا.

الجميع يذكر الزيارة الاولى التي قام بها الراعي لفرنسا حيث التقى الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، واصطدم معه حول بشار الاسد والنظام في سوريا، ثم خرج ليصرح أن  “بشار الاسد مسكين، ويجب اعطاؤه مزيدا من الوقت لينفذ اصلاحاته”. ثم كرت السبحة بطريقة أو بأخرى على قاعدة ان مواقفه من سوريا املتها مخاوفه وهواجسه بالنسبة الى مصير الاقليات لا سيما المسيحيين بعدما حصل ما حصل للوجود المسيحي في العراق. وما من شك ان نظريته القديمة التي كان يتمسك بها منذ كان مطرانا على جبيل مفادها ان الصراع في لبنان سني – شيعي لا علاقة للمسيحيين به. وربما غاب عنه ان عددا من شهداء الاستقلال كانوا من كبار المسيحيين، والاهم ان القضية ربما لم تكن بين السنة والشيعة بل بين قاتل وجلاد، وقد ساوى بينهما.

نعرف ان بداية الاصطفاف مع قوى ٨ آذار، والنظام في سوريا وظهيره الايراني تبدأ بإعلان الحياد، ثم يتدرج الموقف شيئا فشيئا فتصب الترجمة السياسية في مصلحة الجلاد. هكذا هي ما تسمى “الوسطية” في لبنان والتي تتناسى عن اقتناع، او عن خوف، او عن مصلحة، فتساوي بين الضحية والجلاد تمهيدا لاصطفافها او لخضوعها للفريق الممسك بأدوات القتل والترغيب والترهيب.

انطلاقا مما تقدم، اتت الزيارة في السياق الطبيعي لاصطفاف البطريرك الراعي في السياسة، على رغم انه يصر دائما على القول انه فوق الاصطفافات. لكن حركته السياسية منذ توليه البطريركية ما صبّت إلا في طاحونة ٨ آذار، والنظام في سوريا. وزيارة دمشق في هذه المرحلة بالذات، تحت شعار “الراعوية” تنسجم مع الحركة عينها.  كلامنا ليس انتقادا، بل نتاج مراقبة محايدة. وهذا هو قراره عبر السياسة التي يتبعها. وإذا كانت زيارة دمشق لحضور احتفال تنصيب البطريرك الارثوذكسي الجديد تؤمن حماية للمسيحيين في سوريا فهذا رأيه. واذا كان يصرح أنها راعوية بحتة فهذا ما تجافيه النتائج المباشرة في السياسة، وهي تخدم تظهير صورة النظام حاميا للمسيحيين، في حين يقتل هذا النظام السوريين بعشرات الآلاف. فهل هذا موقف الكنيسة؟ واذا كانت الزيارة راعوية فما الذي يبرر القول بما معناه ان الديموقراطية والحرية لا تبرر قطرة دم واحدة؟ الم يسقط المسيحيون الاوائل بعشرات الآلاف دفاعا عن الدين والايمان والكرامة والانسانية والحرية في روما؟

البطريرك الراعي حر في ما يراه مناسبا لمصلحة المسيحيين، ولا نقول سوى انه كان منسجما مع نفسه وهو يصفق بحرارة لدى ذكر اسم بشار الاسد!

النهار

ما لزيارة الراعي وما عليها

الياس حرفوش

عند نقاش ابعاد زيارة البطريرك الماروني بشارة الراعي الى دمشق، ونتائجها السياسية على علاقات الطوائف في سورية ولبنان، وتبعاً لذلك في منطقة المشرق ككل، لا بد من الفصل بين مسألتين، كي يستقيم هذا النقاش ويأخذ سبيله السويّ.

والمسألتان هما: الجانب الرعوي لهذه الزيارة، وتوقيتها المرتبط بمناسبتين دينيتين، الى جانب وجود عدد لا بأس به من رعايا الكنيسة المارونية في سورية، سواء من السوريين او ممن يقيمون فيها.

والمسألة الثانية هي حقيقة ان الراعي لا يقوم بزيارته الى بلد «عادي» وفي وضع «طبيعي». انه يقوم بزيارة الى بلد تعصف فيه حرب بين نظام هذا البلد ومعظم ابناء شعبه منذ ما يقارب العامين، ويختلط العنصر الطائفي والمذهبي في هذه الحرب اختلاطاً كبيراً بالعوامل السياسية، حتى يكاد يطغى عليها.

واذ لا نناقش هنا سوى هذا الجانب السياسي، فلأننا لا نسمح لنفسنا بمناقشة الجانب الديني والرعوي، انطلاقاً من القناعة اننا لسنا اهل اختصاص لمناقشة موضوع كهذا، فضلاً عن ان هذا المكان ليس مكان هذا النقاش.

في الموضوع السياسي اذاً، انقسمت الآراء في لبنان وفي المنطقة بين مؤيد لزيارة الراعي الى سورية ومنتقد لها. وجاء هذا الانقسام تبعاً للمواقف التي اتخذها البطريرك الماروني من النزاع في هذا البلد، والذي كانت بداياته مع تولي الراعي قيادة الكنيسة المارونية. ومع ان البطريرك حاول في اكثر من مناسبة «تصحيح» هذه المواقف، التي فُهم منها دعمه لموقف النظام السوري في مواجهة معارضيه، الا ان الانطباع السائد ظل على حاله، وعززته طبيعة العلاقات التي اقامتها بكركي (مقر البطريرك) مع الاطراف اللبنانيين، بحسب قربهم من النظام السوري او خصومتهم له.

واذ اتت زيارة دمشق في هذا الجو، بات صعباً نزع الطابع السياسي عنها، وخصوصاً ان اسلاف الراعي امتنعوا عن زيارة سورية منذ انفصال البلدين، بسبب تحفظاتهم الدائمة على تدخلات سورية في شؤون جارها الصغير.

وما كان للتصريحات التي اطلقها الراعي في سورية ان تخفف من هذا الانطباع، الذي عكسته تغطية الزيارة في الاعلام المحلي اللبناني الموالي لسورية او في الاعلام الرسمي السوري. فقد اعتبرت الجهتان ان الزيارة تمثل اعترافاً بالنظام وبحقه في الدفاع عن نفسه في وجه «الارهابيين القتلة». كما وجد الطرفان فيها اعترافاً بأن هذا النظام هو الوحيد الذي يمكن ائتمانه على حماية الاقليات في سورية.

وبالتأكيد كان بامكان البطريرك، لو اراد، ان يتجنب هذه التفسيرات، وان يكون اكثر وضوحاً في حديثه عن المسؤول عن القتل الجاري في سورية وعن تهجير المواطنين الآمنين الابرياء، كما سمّاهم. أما ان يبقي هذه المسؤولية في علم المجهول، كما فعل، داعياً الى وقف الحرب والعنف «من اية جهة اتى»، في الوقت الذي كان موقعه يسمح له ان يشهد للحق، وان يقول كلاماً اكثر صراحة ووضوحاً ومن دون خوف، فلا يفهم منه سوى أنه محاولة لتبرئة النظام من المسؤولية، او للمساواة في المسؤولية بين الطرفين.

اما في حديثه عن الحل السياسي والاصلاح، فقد بدا الراعي متبنياً لوجهة نظر النظام بالكامل، عندما قال ان الاصلاحات لا تفرض فرضاً من الخارج، بل تنبع من الداخل حسب حاجات كل بلد، وتتم بالحوار والتعاون والتفاهم.

ومن البديهي ان كلاماً كهذا يغفل الطبيعة القمعية للنظام السوري، ولجوءه الى القوة لحماية هويته المذهبية، وهو ما فعله عندما واجه المتظاهرين الذين دعوا الى الاصلاح «من الداخل»، منذ اليوم الاول لانفجار الازمة. وهنا ايضاً كان بامكان الراعي ان يفيد النظام والشعب السوري اكثر مما فعل، لو انه كان صريحاً في وصف الداء والعلاج اللازم لسورية.

يقول البطريرك الراعي ان همّه من زيارة دمشق كان العمل على وقف سقوط الدماء البريئة، والمحافظة على الوجود المسيحي في سورية كما في سواها من دول المنطقة. وسيبقى للتاريخ ان يحكم اذا كان قيامه بهذه الزيارة، تحت راية النظام السوري وبرعايته، سيخفف من سفك الدماء، او اذا كان الانطباع الذي تركته زيارته عن دعمه للنظام، هو السبيل الافضل لحماية مسيحيي سورية فيما هم يواجهون التطرف والتعصب من كل صوب.

الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...