الرئيسية / صفحات الثقافة / مقالات تناولت قطع رأس ابي العلاء -1-

مقالات تناولت قطع رأس ابي العلاء -1-

  الجزء الثاني من هذه المقالات على الرابط التالي

مقالات تناولت قطع رأس ابي العلاء -2-

المعرّي

عباس بيضون

في حومة الصراع يدفع القدامى ثمن جرائر الجدد، بل يدفعون ثمن جرائرهم التي قام عنها الزمن وغفلت عنها السلفيات. لنقل أن الأدب لا يناسب السلفيات والأصوليات. بينه قديما أو حديثاً وبين السلفيات سوء تفاهم مستمر، الأدب معني بالذات في مخاوفها ووساوسها واندفاعها وانحباسها ليس هذا ما تريده السلفيات، تريد السلفيات أن يكون الأدب لا يسأل ولا يشك ولا يهجس ولا يداعي ولا يطالب، تريد للنفس ان تكون محنطة جامدة وتريد للأدب، إن جاز الأدب، ان يكون محنطا جامداً، لا تقبل الأصوليات والسلفيات بالسؤال من حيث كونه سؤالاً فنحن في عالم الأجوبة، أما الوساوس والريب والقلق والشكوك فهذه شبهات ينبغي التخلص منها. السؤال وحده اعتراض والسؤال وحده أنكار والسؤال وحده ارتياب. وأحرى بالمرء ان يشتغل بالأجوبة فهذا ميراثنا ولسنا في هذا العالم إلا لنشهد ولسنا في هذا العالم إلا لنوقن ونتأكد ونؤمن بلا أي ريب. ما عدا ذلك يحيلنا منكرين كفاراً والكفر تحت الأسئلة والشبهات تحت الشكوك، والوساوس إذا نطقت لن تكون سوى تجديف.

أبو العلاء المعرى، أقاموا له تمثالاً… لا شك أن العين احمرت على المعري منذ تلك الساعة، إذا سكتوا عن التمثال فهذا عن عجز بدون شك وإذا عفوا عنه فقد لاموا أنفسهم بدون شك. واليوم في حومة الصراع الأهلي يجد البعض ثأره ويلحق به. التمثال صنم لكن أحداً لم يعبد المعري، كان المعري صنما فيما لو صار معبوداً، المعري الذي لم يذق اللحم كان نصيراً للضعف البشري وللضعف عموماً، ولسنا نحسب أنه في شعره أو أدبه تخطى ذلك. بل نحن لا نظن أنه وهو الذي يتورع عن أن يأكل في محضر من الناس تحرجاً وخجلاً. كان يعد نفسه ليكون معبوداً، لم يجد المعري في نفسه وفي سواه من البشر ما يستحق الاعتداد. لم يكد يجد سوى حقيقة وحيدة هي الموت، لم يكن المعري سوى عدمي آمن بالموت وحده، وسوى شاعر لم يترك مأخذاً على العالم والناس الا وقاله. لم يكن سوى أحد أكبر عقول عصره وأكثرها انفتاحاً وأشدها مضاء وأخصبها وأسخاها، لقد عانى هذا العالم وحمل عليه. عاش هذا العالم وانتبذ فيه. ورغم عماه فقد كان المعري أحد أكثر رجال عصره علما وثقافة ونقداً. فمن هم الذين ربحوا الجنة بإعادة قتل الرجل، ومن سعى للثأر منه ضمن حساب تاريخي طويل، ومن أراد أن يجللنا في هذه الأيام الدموية بعار وأن يلحق عارنا بالتاريخ والماضي. وأن يرفع سيوفنا على عقول الماضي. الا ينتظر شيء كهذا المستقبل نفسه.

السفير

قتلوا «كلب المعرة»؟

مصطفى زين

يروى أن أبو العلاء المعري قصد جامعاً في بغداد، وبينما كان سائراً وسط الناس اصطدم، وهو الأعمى، بأحدهم. غضب الرجل غضباً شديداً وسأله: أيها الكلب من أنت؟ فما كان من المعري إلا أن رد عليه قائلاً: الكلب من لا يعرف سبعين اسماً لهذا الحيوان.

بعضهم، يشرح هذا الرد فلسفياً فيرى أن رهين المحبسين وضع من شتمه، ومن لا يعرف سبعين اسماً للكلب في مرتبة الحيوان. أي انه تحدى الجميع بالمعرفة. وجعل التطور يبدأ من عد أسماء الكلب. كلما عرف احدهم أكثر ارتقى في اتجاه أن يكون إنساناً. كانت الشتيمة والرد عليها مجرد رمز لتأكيد أن إنسانية الإنسان لا تكون إلا بالمعرفة التي من أجلها اضطهد المعري وتعرض للإهانات حتى انكفأ في منزله ليعيش مع الكتب وليطلق أفكاراً هي بين الأكثر شجاعة وتقدماً في تاريخ الفلسفة الإسلامية.

ليس غريباً أن يكون للمعري أعداء كثيرون في عصره، فالرجل خالف معتقدات وافتضح أوهاماً كثيرة كرسها كتَاب ورجال دين لا علاقة لهم بالمعرفة العقلية، بل كانت معتقداتهم جزءاً من أيديولوجيا هدفها السيطرة السياسية على البسطاء، وإرهاب المثقفين وارتهانهم لخدمة السلطان، وقد خضع كثيرون لهذه الأيديولوجيا، عدا فيلسوف المعرة الذي رهن كل حياته لمناقشة السائد ونقضه وإطلاق حرية الفكر ومساءلة كل ما يخالف العقل، ونزع القداسة عما هو غير مقدس فاستحق في نظر أعدائه اسم «كلب المعرة».

بعد أكثر من تسعة قرون كثر الذين لا يعرفون أسماء الكلب السبعين. عادوا بكل»تراثهم» العقيم ليوقظوا المعري من قبره ويحاكموه. انتصر «الثوار». لوحوا بسيوفهم. أطلقوا النار على نصبه، متوهمين إصابة عقله المضيء. والواقع أنهم لم يقتلوا سوى أرواحهم الميتة، ولم ينالوا من فكر هذا الفيلسوف الذي يمثل أزهى عصور الدولة العباسية، بما حفلت به من معرفة وانفتاح على الثقافات.

كان في تلك العصور ظلاميون لم ينج من تكفيرهم كبار المفكرين. واليوم تكاثر هؤلاء كالفطر، وانتشروا من المغرب إلى أندونيسيا. همهم الوحيد ملاحقة أي متنور، حتى لو كان في قبره. والطريف أن في صفهم «ديموقراطيين» يدافعون عنهم باسم الحرية ومحاربة الطغيان.

لا هم ولا مؤيدوهم يعرفون اسماً واحداً للكلب.

الحياة

رهين المحبسين… والتطرف

موسى برهومة *

هل كان أبو العلاء المعري يحدس بلحظة تأتي بعد زهاء ألف عام يصدق فيها قوله: «اثنان أهل الأرض: ذو عقل بلا دين، وآخر ديّن لا عقل له»؟

وهل كان يتوقع أن رأسه سيتدحرج من على النصب التذكاري في مسقطه بمعرة النعمان في محافظة إدلب السورية على يد جماعات متطرفة لا عقل لها ولا دين؟

لقد أضحى «رهين المحبسين» رهينَ محبس ثالث أشد بلاءً هو التطرف بأقاليمه المختلفة التي يعد العنف الديني أكثر أشكالها بغضاً وتنفيراً من الدين، أو من التعبير الديني والسلوك الديني على وجه التعيين.

فبعد أن حطم متطرفو طالبان تمثال بوذا، وراح متطرفو مالي يهدمون معابد الأولياء والنسّاك، ها هم أعضاء «حلف التطرف الديني» ينقضون بمعاول حقدهم وعمائهم على تمثال شاعر رصد حياته لتأمل الحياة والكون والوجود، وأهدى البشرية عصارة روحه، وجمال خياله.

إنها حرب القبح على الفن والثقافة، بذريعة الدين. كأن الرسالة المتوارية من وراء ذلك أن الدين الإسلامي عدو للجمال والإبداع، وهو أمر لا شك في أن الدين منه براء، فالعصر الذي عاش فيه المعري كان عصر الثقافة العربية الذهبي، وفيه ازدهرت الفنون، وانتعشت الترجمة، وشيّدت القصور والتماثيل والصروح، وفجر العقل العربي الإسلامي أبهى مكنوناته، وزها بأرقى تعبيراته.

عصر المعري كان عصر التنوير بامتياز، وكذلك عصر التسامح الذي كان يتقبّل أشعاراً كتبها، هي في مقياس الراهن خروج عن نواميس الدين كما يتخيله وكلاء الفتاوى الفقهية الذين جعلوا الحياة معلقة بين قطبي الحلال والحرام، حتى شمل الدين الحياة برمتها، وغمرها بالتهديد والوعيد والإباحة والاستحسان والحظر. صار الدين هو الحياة، وأضحت الحياة معطى دينياً.

كلاهما، وكلاء الفتاوى الدينية، والجماعات الدينية المتطرفة يختطفون الإسلام، ويقدمونه على نحو منفّر، ولا يقترحون أي تعبير حضاري لروح الدين بما هو منظومة سامية تنظم العلاقة بين الكائن وخالقه، أو بين الأرض والسماء.

الفريق الأول؛ وكلاء الفتاوى الدينية باعتمادهم على طاقة التأويل السلبية يتعاملون مع النص الديني بصفته قماشة يفصلون منها ما شاؤوا من ثياب، يساعدهم في ذلك سيولة لا متناهية من ميراث الأسلاف الذين قدموا تصورات قارة لعلاقة الإنسان بالكون والوجود والمتعالي.

وعلى فتات هؤلاء، يقتات الفريق الثاني؛ أنصار الجماعات الدينية الذين لا يرون العالم بكل تناقضاته وتركيباته إلا من زاوية الفسطاطيْن المعروفين: الخير والشر، أو دار الدنيا، ودار الآخرة، فتراهم لا يأبهون بالدار الأولى، ولا يسعون إلى بنائها، بل يندغمون في الولاء للدار الآخرة عبر تهديم منجز الحضارة، وإزهاق روح الإنسان، وتبديد طمأنينته، وتجفيف منابع سلواه. إن إعمار الآخرة، في نظر هؤلاء، لا يقوم إلا على هدم الدنيا وخنق هوائها، وإزهاق نبضها.

ولو أن شاعرنا العظيم المعري شاهد بعين قلبه رأسه يتدحرج، لعاد وأنشد بكل ما فيه من تعفف وكآبة:

«واللبيبُ اللبيبُ من ليس يغترُّ بكونٍ مصيره للفساد

تعبٌ كلّها الحياة فما أعجب إلّا من راغبٍ في ازدياد»!

* كاتب وصحافي أردني

الحياة

قطع رأس ابي العلاء

ياسين الحاج صالح

تتجه أقوى الشبهات إلى أن رأس التمثال النصفي لأبي العلاء المعري في معرة النعمان، مسقط رأسه ومثواه، قد قطع من قبل مجموعة سلفية، ربما تكون “جبهة النصرة”. إن صح ذلك، ولا يبدو أن هناك رواية تنفيه، فإننا حيال حالة كلاسيكية لقتل مفكر حر لأسباب دينية، لا تختلف في شيء عن قتل الحلاج في بغداد العباسية، والسهروردي في حلب أيام صلاح الدين، أو قتل جيواردنو برونو وكثيرين غيره على يد محاكم التفتيش في أوربا مطلع “عصر النهضة”. لا يغير من الأمر أن “رهين المحبسين” رحل قبل ألف عام. بل لعله يزيده سوءا، ويضفي عليه طابعا رمزيا وعاما، يفيض كثيرا عن شخص فيلسوف المعرّة. قطع رأس تمثال أبي العلاء اليوم هو معادل رمزي لقطع رأس الفكر الحر والمفكرين الأحرار في مجتمعنا الذي يجري فيه صراع مركب، تفجر أصلا للتحرر من طغيان قاطع للرؤوس.

يخطئ كثيرا من يقولون، تخفيفا: كيف تنشغلون بقطع رأس تمثال بينما يجري قتل بشر أحياء، منهم أطفال، كل يوم؟ حين لا يكون مقصد السؤال تبرير التمثيل بتمثال المعري، فإنه ضيق الأفق وبليد. فحين يرسم كاريكايتري دانمركي رسما لنبي الإسلام، وقد جعل رأسه قنبلة موقوتة، فإنه يمارس قطع رأس رمزي للمسلمين عموما، ويُخفِّض من مرتبتهم الإنسانية، ويجعل الاعتداء عليهم أمرا قليل الأهمية، إن لم يكن بالشيء المرحب به. ومثل ذلك حين يحرق قس أميركي موتور القرآن. إنه يُعرّي المسلمين من ارتباطهم بالمقدس، ومن معنى لحياتهم يعزّ عليهم كثيرا.

وعندما يجري قصف مسجد، فإن الرسالة التي تصل إلى عموم المسلمين تقول إنه لا حماية رمزية أو أخلاقية لهم من أي نوع، أن حياتهم مجردة من كل قيمة. لقد عني قصف المساجد على يد النظام الأسدي أنه لا يعترف بأية حرمة للثائرين عليه، مؤمنين أو غير مؤمنين، ولا يقر لهم بأدنى حصانة، وأنه يعتزم قتلهم حيثما تمكن منهم. وحين كان المحتل الفرنسي يتوقف عند أبواب المساجد التي يلجأ إليها ثائرون سوريون مطاردون من قبل قواته، كان يعني ذلك أن له حدودا يقف عندها، أن صراعه مع السوريين ليس صراعا مطلقا، ليس حرب إبادة.

وحين أخذ الثائرون يحرقون صور حافظ وبشار الأسد، ويدمرون تماثيل الأب، كانوا يعبرون عن جذرية قطيعتهم مع النظام ويعلنون العزم على الإطاحة به واجتثاثه من جذوره. وهو ما فهمه النظام جيدا. وكان مكدر التعامل باستهانة مع صور حافظ موردا للمهالك في أيامه.

وهذا كله صحيح أيضا حين يمارس مسلمون أفعالا مشابهة، كأن يحرقون كتب مفكر حر على ما جرى لأعمال ابن رشد الذي غاب قبل أكثر من 8 قرون. فلم يكن أبو الوليد وحده من كان معنيا بذلك، بل كل مفكر حر في ديار الإسلام. ومثل ذلك حين يدمر مسلمون تماثيل هندوسية على ما فعل متعصبو طالبان في مطلع هذا القرن. هذا يعني أنهم لا يكنون أي احترام للهندوس ورموزهم، ولا يقيمون وزنا لحياتهم، فوق أنه علامة على ذوق فظ. وما استنتجه الأميركيون من تدمير مركز التجارة العالمي عام 2001 هو أن المعتدين لا يقرون لهم بحرمة أو كرامة، وأن قتل 3000 منهم، وتدمير مبنيين لهما قيمة رمزية عندهم، وبطائراتهم المدنية أيضا، هو إعلان صريح عن الرغبة في قتل الأميركيين جميعا.

قطع رأس أبي العلاء، بالمثل، هو معادل رمزي لقطع أية رؤوس حرة أو تفكر تفكيرا غير نمطي، وهو إعلان عداء لسلالة فيلسوف المعرة المعاصرة، لمجايلي قاطعي رأس تمثاله، جيلنا نحن الأحياء. الأحرار منا.

بالدفاع عن رأس تمثال أبي العلاء إنما ندافع عن رؤوسنا نحن.

لأبي العلاء رأي مكثف نافذ في المذاهب وأصحابها. يقول:

 إنما هذه المذاهب أسباب/ لجلب الدنيا إلى الرؤساء

طاقة “المذاهب” على “جلب الدنيا إلى الرؤساء” أكبر كلما كانت أكثر تشددا وامتلاء باليقين. والترؤس وقطع الرؤوس قرينان، بخاصة تلك الرؤوس التي لا تقر بالمذاهب والرؤساء. ومنها رأس أبي العلاء ذاته.

لذلك فإن الدفاع عن رؤوس الأحياء يمر عبر مقاومة الترأس ونقد اليقين. اليقين يقتل ما في الرؤوس، ويسهل أمر قطع الرؤوس ذاتها.

كان أبو العلاء يقول:

أمّا اليَقين فلا يَقـــين وإنّمَا/ أقصَى اجتهادي أن أظُنَ وأحدِسَا.

تماثيل سوريا: بين الاستبداد و”البن لادنية

محمد حجيري

 بدا إسقاط تمثال صدام حسين في بغداد، في نيسانَ  2003، بالنسبة إلى كثيرين، فعلاً رمزياً لنهاية نظام وبداية مرحلة جديدة. كان أشبه بسقوط جدار برلين الشرق الأوسط. قفز العراقيون فوق التمثال وضربوه بالأحذية، تعبيراً عن سخطهم من ديكتاتورية حكم صدام. صارت صورة سقوط التمثال “أيقونة فوتوغرافية”، تؤرخ لمشهد عراقي جديد. سقط التمثال على مرأى الناس من خلال النقل المباشر للمحطات الفضائية، وكان إشارة إلى إعدام أو سقوط فكرة البعث العراقي.

ليس بعيداً من ذلك، تتمظهر في ميديا الربيع العربي حالات سقوط أنصاب معمر القذافي وحسني مبارك وكذلك تماثيل عائلة الأسد.

ما يمكن قوله حتى الآن، إن مشهد التماثيل في سوريا أكثر تعقيداً من غيره، بسبب استمرار الأزمة السياسية والأمنية وارتباطها بتعقيدات السياسيات الدولية. ومع أننا لا نعرف إلى أي اتجاه تسير الأمور في الشام، إلا أنه يمكن أخذ العبرة من خلال نموذجين رمزيين حصلا في الساعات الأخيرة. النموذج الأول هو حرق تمثال حافظ الأسد في مدينة الطبقة، في محافظة الرقة. أما النموذج الثاني فيتمثل في قطع رأس تمثال الشاعر أبي العلاء المعري في إدلب.

كان لافتاً الفيديو الذي نشر على “يوتيوب”، حول إحراق المعارضين تمثال حافظ الأسد. تظهر في بداية المقطع فتاة صغيرة وهي تلقي خطبة وسط جموع المقاتلين، تقول فيها: “من كان يعبد هبل، فإن هبل قد مات. ومن كان يعبد الله، فالله حي لا يموت”. يعقب ذلك إطلاق نار كثيف من عناصر المعارضة على تمثال الأسد، ثم حرقه، على نحو تبدو جلية فيه رمزية الخلاص من الدكتاتورية التي حكمت  البلد أكثر من أربعة عقود.

وإذا كان حرق تمثال الأسد إشارة إلى تداعي النظامي الاستبدادي، فإن قطع رأس تمثال المعري إشارة إلى شبح استبدادي من نوع آخر. فقد أظهرت الصور على “فايسبوك”، أنه تم إنزال هيكل التمثال كاملاً عن العمود الذي يحمله، وجرى تشويه الكتابات الشعرية على قاعدته. وأشارت تقارير تداولها ناشطون ومستخدمو مواقع تواصل اجتماعي، إلى أن مقاتلين من “جبهة النصرة” المتشددة هم من حطموا تمثال المعري، بوصفه واحداً من “الزنادقة”.

لا بدّ من التذكير بأن تمثال المعري كان “يعيش” ما يمكن تسميته بالحرب النفسية. فقبل قطع رأسه، وردت عشرات الأخبار حول مصيره. مرة يُقال إنهم سيحطمونه بتهمة الإلحاد، ومرة بتهمة الانتساب إلى الطائفة الشيعية. واللافت هنا، تأكيد أحد الناشطين السوريين أنه “رغم جهود كبيرة من مثقفي المدينة للتأكيد أنه لا علاقة للمعري بالساحل السوري، وليس أصلاً من عائلة الأسد، بقي هناك من المسلحين من يصر بأنّ النظام لم يرفع تمثالاً له إلا لأنه من أجداد الرئيس بشار الأسد”. وفي هذا أشارة أخرى إلى أن الأسد كان يحتل المشهد العام، حتى في قطع رأس تمثال المعري.

بين فعلَي تهديم التمثالين، نحن أمام وجهين للاستبداد، أوّلهما البعثي المسيطر الذي أسسه حافظ الأسد وقد جعل من نفسه معبوداً تقدم له القرابين ويحتل المشهد العام من نشرات الأخبار المسائية إلى العملات الورقية والشارع والمدرسة والرياضة والفضاء والشجر وحتى أحلام الناس. والاستبداد الثاني هو الديني أو الأصولي الذي يلوح خطره في الأفق، وينادي أنصاره بالعودة إلى زمن الخلافة، وهم في أفكارهم لا ينتجون سوى الرماد والظلام، ويفيدون النظام القائم في سوريا، في حين يتوجس المجتمع الدولي منهم بسبب تصنيف بعضهم على لائحة الإرهاب.

بقدر ما كان حرق تمثال الأسد تعبيرياً ويشكل علامة على تداعي النظام الأسدي، بقدر ما كان قطع رأس المعري همجياً يشكل خطراً فعلياً على مستقبل سوريا. وقد استفزت إهانة المعري كثيرين من الكتاب العرب على “فايسبوك”. كتب الباحث أحمد بيضون في هذا الإطار: “رأس أبي العلاء مستأصلاً في المعرّة! ولا غرابة! فلعله أزعج الرؤوس في تاريخ الإسلام لمستأصلي العقول”. وكتبت دلال البزري: “إسلاميو جبهة النصرة يقطعون رأس تمثال المعري بتهمة الزندقة والكفر. أبو العلاء المعري خسر رأس تمثاله، وربح عقله… وهم حملوا سيفاً بلا عقل. كأني به يغني: فلا ذنب يا رب السماء على امرىء… رأى منك ما لا يشتهي فتزندقا”. وثمة من وظّف بيتاً من الشعر للمعري في الرد على الهمجيين الذين تطاولوا على تمثاله، يقول: “اثنان أهل الأرض ذو عقل بلا، دين وآخر ديِّن لا عقل لهْ”.

لا غرابة في أن يحارب العقل “البن لادني” المتزمت رموزاً حضارية، كما جرى مع تمثالي بوذا في أفغانستان، ومع أضرحة الصوفيين والأولياء في ليبيا ومالي. ولا يتردد هذا العقل في التهديد بتدمير الأهرامات الفرعونية في مصر، بوصفها وثنيةً، دون أن يعرف الذين يحملون هذه العقول في رؤوسهم، أن أفعالهم هي أكثر وثنية من الحجارة الصماء التي يسعون إلى تهديمها.

لا يختلف مشهد وضع النقاب على تمثال أم كلثوم، في مدينة المنصورة، عن مشهد الهجوم على تمثال المعري. إنها الرغبة ذاتها في نسف رموز التحرر والانفتاح، التي يرى فيها الإسلاميون “زندقة” و”كفراً”. الصورة التي انتشرت، على نحو هائل، في مواقع التواصل الاجتماعي، وتظهر تمثال سيدة الغناء العربي منقّب الرأس، رأى فيها البعض “محاولة إخوانية لمصادرة التراث والتاريخ” كما كتب أحدهم على “تويتر”، في حين قال آخرون إن ثواراً مدنيين نقّبوا التمثال في إشارة تهكّمية من مشروع “أخونة الدولة”. وأياً يكن الفاعل ورغبته من وراء فعلته، فإن تنقيب أم كلثوم الذي جرى يوم الإثنين الماضي، إشارة خطيرة إلى إمكانية تنقيب الفن، الذي بدأ فعلاً منذ وصول الإسلاميين إلى الحكم، بل إمكانية تنقيب مصر بأكملها!

جحيم سوريا لا يغفر لابي العلاء

    سميح صعب

رسالة الغفران” لابي العلاء المعري لم تشفع له لدى مقاتلي “جبهة النصرة” المرتبطة بـ”القاعدة” التي تتصدر المشهد القتالي في سوريا ويختبئ وراءها “الجيش السوري الحر”، فقطع هؤلاء رأسه بما يرمز اليه الشاعر والفيلسوف السوري الذي يعد من نوابغ عصره ولا تزال فلسفته وحياته مصدر الهام للانسانية جمعاء و”جحيم” دانتي شاهد على ذلك وكذلك طه حسين في أدبياته، وقد اعتبره انطون سعادة دليلاً على التفوق الفكري للأمة.

ليس أبو العلاء وتاريخه وتراثه وفكره هي المستهدفة بل ان تاريخ سوريا كلها يباع اليوم في اسواق الاردن وتركيا ولبنان. وتنقل صحيفة “الواشنطن بوست” الاميركية عن احد مقاتلي المعارضة انه مضطر الى العمل في التنقيب عن الاثار في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة كي يبيعها من اجل تمويل “الثورة” على الرئيس بشار الاسد، لتخلص الصحيفة في تبريرها لسرقة التاريخ السوري  الى ان المعارضين يضطرون الى بيع التاريخ من اجل بناء المستقبل.

وقبل تخريب آثار سوريا وبيعها، حدث ذلك في العراق عندما اباحت القوات الاميركية التي اجتاحت بغداد متحفها الوطني للصوص بينما ذهب الجنود لحراسة وزارة النفط. وقد بيع تاريخ ما بين النهرين بعد نهبه في السوق السوداء وكأن ما فعله الجنود الاميركيون كان فعلاً متعمداً لمحو اقدم الحضارات من الوجود كي لا تبقى الا الصورة النمطية التي يقدمها الغرب عن هذه البلاد.

والى العوامل الخارجية التي تهدد بتشويه تاريخ بلاد ما بين النهرين وسوريا، يضمر الاسلاميون المتشددون عداء مطلقاً للتاريخ. فماذا فعلت “طالبان” بتماثيل بوذا في افغانستان؟ وماذا فعل تنظيم “انصار الشريعة” بضرائح الصوفيين في مالي على رغم كل مناشدات “الاونيسكو” والمؤسسات التي تعنى بالتراث؟

والآن يأتي دور “جبهة النصرة” لتقضي على تاريخ سوريا من خلال التدمير، فيما يستغل لصوص الاثار الفوضى الناجمة عن الاحداث لبيع الاثار بذريعة تمويل “الثورة” وكأن اموال دول الخليج العربية وتركيا ودول اوروبية والولايات المتحدة ليست كافية لشراء اسلحة المعارضة وتمويل حربها لتدمير سوريا وليس لاقتلاع نظام واستبداله بنظام آخر.

والواقع أن سوريا ليست وحدها التي تعيش الجحيم، بل  ان  كل دول “الربيع العربي” تعاني هذه المحنة على مستويات مختلفة. وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف محقاً في وصف الوضع الراهن عندما قال ان فرنسا تقاتل اليوم في مالي من سلحتهم في “ربيع” ليبيا. وغداً ستضطر فرنسا ودول اوروبية اخرى واميركا الى مقاتلة من تدعمهم اليوم في سوريا!

النهار

المعري حي يرزق

غسان المفلح

قام بعض الثورجية من السلفيين، بتدمير تمثال الشاعر ابو العلاء المعري في مسقط راسه معرة النعمان، في محافظة ادلب، شمال سورية المحرر تقريبا من حكم العصابة الأسدية، في ثقافة اعتبر جزء منها أن رهين المحبسين كان زنديقا، آثار هذا العمل حفيظة مثقفينا وبعض نخبنا السياسية، وتم تدبيج المقالات والعناوين التي تدين هذا العمل الاخرق، باعتباره تحريضا ضد حرية الفكر والمعتقد، تقوم به بعض الجهات المناصرة للثورة والمشاركة فيها. لم يدرك من قام بهذا العمل أنهم اعادوا الروح من جديد لصاحب رسالة الغفران، واعادوا احياء قضيته في حرية التفكير والمعتقد أيضا. هذا العمل بغض النظر عن صوابية او عدم صوابية مظاهر الاحتجاج عليه، وما كتب حول ادانته،إنما يفتح ملفا شائكا جدا، يتعلق برمزيات الثورة السورية، إن من قام بهذا العمل يعتبر نفسه حرا في التعبير عن رأيه هذا، وإن كان هذا الرأي يمثل عنفا رمزيا في وجه من وجوهه، يحيل إلى عنف مادي صريح تجاه حرية التفكير التي طالما احياها الشاعر في كتاباته. اوضحت الثورة السورية بما لايقبل الجدل أن الكتلة المناهضة للثورة، ليس لديها أي رمز تدافع عنه سوى العصابة الأسدية، بينما لأي مراقب لمسار الثورة يستطيع أن يرى أن الحرية هي الرمز الوحيد الاعلى شأنا بعد الله الذي تجمع عليه الاكثرية السورية، التي قامت في الثورة، فإذا كان لله تفسيرات مختلفة لقوى الثورة، بما فيها القوى الاسلامية المتعددة ذاتها، فالله متعدد بتعدد هؤلاء..وكل منهم يفهمه على طريقته، فإن الحرية ربما تكون اقل اختلافا على تفسيرها من قبل المجموعات الثورية باعتبارها مجموعات سياسية في المؤدى الأخير واسست لاعتبارات سياسية وبالتالي دنيوية مهما كانت ايديولوجياتها، إن حادثة تحطيم تمثال المعري، عبر قطع راسه تعتبر اول عنفا رمزيا وربما ماديا يحدث بين قوى الثورة. لأن هذه الحادثة تطال رمزية الحرية من قبل طرف يعتبر انه حر!! ويريد ان يمنع الحرية عن غيره. إن المجموعات المتشددة داخل الثورة وعلى رأسها جبهة النصرة، تحاول فكفكة رموز الثورة بطريقة تجعل الحرية تقترب من مفهوم الفوضى، لهذا نجد أنها مزقت علم الثورة السورية، ورفعت عوضا عنه الراية السوداء، تعبيرا عن منبت ايديولوجي تريده جماعات الدعم..هذه الحوادث المتفرقة تشير إلى أن المطلوب من قوى الثورة، ان تحترم فقط الرمز الجامع بينها وهو الحرية، ودون ان تتنازل عن معتقداتها مهما كانت شريطة عدم ممارسة العنف ضد مخالفيها..وليسأل جماعة جبهة النصرة وغيرهم من المجموعات المتشددة على قلتها لماذا لم تمزق قوى الثورة الأخرى وهي الاقوى والاكثر حضورا وشعبية رايتها السوداء؟ إن محاولة التقاسم الوظيفي مصلحيا لرمزيات الثورة، ولاهداف سياسية ليس في مصلحة احد، ويطيل عمر جراح شعبنا، الذي يتوق لانتصار الثورة والاستقرار في بلد الحريات العامة والفردية فيه هي الاساس في استقراره هذا..إن من حق على من تشاركه الدماء من أجل الحرية لسورية أن تحترم معتقده ايا يكن شريطة ألا يمارس العنف ضد معتقدك.

 من جهة أخرى لابد من رؤية أن الثورة السورية لم يعد لديها رمزيات مقدسة لا تمس على الصعيد الدنيوي..فحتى الرموز المجمع عليها عنوانا لها تفسيرات مختلفة ممارسة. الحرية تعني نظاما ديمقراطيا تتنافس فيه سلميا كافة الايديولوجيات والمصالح والبرامج السياسية..هي المطلوب وهي الحكم..

 * أبو العلاء المعري هو أحمد بن عبد الله بن سليمان القضاعي التنوخي المعري (363 هـ – 449 هـ)، (973 -1057م)، شاعر وفيلسوف وأديب عربي من العصر العباسي، ولد وتوفي في معرة النعمان في الشمال السوري وإليها يُنسب. لُقب بـرهين المحبسين بعد أن اعتزل الناس لبعض الوقت. اشتهر بآرائه وفلسفته المثيرة للجدل في وقته، رفض مبدأ أن الإسلام أو أي دين آخر يمتلك الحقائق التي يزعمها…الموسوعة

ايلاف

إعادة قتل أبي العلاء المعرّي واستشهاده

فؤاد عبيد

حين هوى رأسك على أرض معرة النعمان، تفجّرت ينابيع الدماء من أبياتك وكأنها نزيف أمة لا زالت تُصرّ على محاربة الحياة.

درسناك شاعراً يتلمّس موقع الفيلسوف.

حفظناك أمثالاً نردّدها كلّما ضاقت بنا السُبل.

أعطيناك دائماً مثالاً لاتساع صدر الأمة والدين.

ولم نعهدك عرّافاً يقرأ منذ ألف سنة أن التعصب يجافي العقل في كل زمان ومكان.

قتيلاً ذهبت ضحية شغفك بالقراءة والكتابة والمعرفة وقاتلك يفخر بأنه لا يقرأ حتى كتاب إيمانه، ولا يدرك عظمة نبيّه.

خالف السيرة والسورة ولم يعلم أن الله يهدي من يشاء ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة.

خالف الكتاب ولم يعرف أن الله قال في كتابه العزيز «إقرأ وربّك الأكرم الذي علّم بالقلم علّم الإنسان ما لم يعلم»، فبدأ بقطع رؤوس أهل القلم.

صنّفك من بطانة الحكام وأنت الذي استهلكت ألف حاكم ولا زلت تشعّ كالمنارة منذ رحيلك وحتى الآن.

أبو العلاء، على امتداد أرض الأمة العربية تُخالَف المصاحف، تُنهَب المتاحف، تُهدَم الآثار، تُضطهَد الكلمة، يُسجَن الأحرار، يُقتَل المفكرون، يُكفّر الفلاسفة، يُسجَن الشعراء، تُكسَّر أصابع المبدعين، تُقتَلع حناجر الفنانين، تُغتصَب النساء ترهيباً باسم التغيير، فكيف نكون خير أمة أخرجت للناس إذا لم نتعلم كيف نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر.

انها أزمنة القحط المتكررة حين تضلل الشعوب وتضل طريقها إلى الخلاص.

في أزمنة النور إيمان وهداية وحكمة وفكر وانتشار حضاري.

وفي أزمنة القحط ضلال وغي وانكسار وافتخار بالجهل المقيم، في أزمنة النور احتمل الفكر العربي وافتخر بالمعتزلة والأشعرية وبعلم الكلام.

وفي أزمنة النور احتملت حضارة الإسلام وفاخرت بإبن رشد والفارابي وإبن سينا وإبن خلدون وكل العباقرة وكبار التاريخ العربي والإسلامي، وفي أزمنة القحط حُرقت آثارهم ولو وُجِدوا لسُحلت أجسادهم.

في أزمنة النور الفكر نور والعلم نور وفي أزمنة الضلال الفكر عورة والعلم معصية.

في زمن النهضة العربية تخرج جيوش الاستعمار وفي زمن التردي تعود مصالح الاستعمار تدبّ كالنعاس تحت جفون الأمة.

ونحن اليوم نفتقد العروبة على ضفاف النيل وتعود إلينا رائحة الحاكم زين العابدين تغتال عطر الياسمين.

وها أنت يُمرّغ رأسك في التراب.

ونحن نقضي عمرنا وطموحنا ان نفض الاشتباك المفتعل بين أنبيائنا في أرض الأنبياء والديانات.

فماذا أقول في إعادة اغتيالك وفي يوم استشهادك؟

طوبى لك ولكل الشهداء فمن دمائك ستعود هذه الأمة لتزهر، ولكن حسرتنا أننا لن نرى مواسم الزهر في عمرنا.

أبو العلاء سنخفف الوطأ لأن أديم الأرض العربية أصبح من أجسادنا ومن عظمة روح تاريخ أمتنا.

السفير

رأس أبي العلاء المعري

    إبراهيم اليوسف

يصنف أبو العلاء المعري”973-1057″ من عداد هؤلاء المبدعين الكبار، الذين كان لهم حضورهم الفلسفي الفكري الذي يبزُّ إبداعهم الأدبي، فقد ظهرت عليه علامات النبوغ وهو ابن أحد عشرعاماً، من دون أن يعيقه عماه الذي فجع به- وهو في الرابعة من عمره- عن تحصيله العلمي في مجالات الفقه والنحو والصرف، بل والأدب وغير ذلك من أبواب العلوم التي كانت منتشرة في الكتاتيب الدينية التي كانت بمثابة مدارس وأكاديميات تلك المرحلة، بل إن قوة إرادته جعلته يغادر مسقط رأسه-معرة النعمان التابعة لمحافظة إدلب السورية-إلى حلب وأنطاكية، ليتبحر في المجالات المعرفية التي أحبها على أيدي فقهاء وعلماء آخرين، غيرأبناء أسرته من آل بني سليمان الذين كانوا يعنون بمثل كل تلك المجالات، كما أنه بعد أن ذاع صيته، وصارلإبداعه وفكره متابعوهما على نطاق واسع، لم يتردد من السفر إلى بغداد لإفادة طلبة العلم هناك-نساء ورجالاً- في مجالات الأدب والشعر، وليستزيد علماً من مكتبات هذه المدينة التي كانت عاصمة الثقافة والإبداع والفكر.

    وإذا كان أبو العلاء المعري قد أبدع الكثير من القصائد التي باتت تستظهر من قبل مجايليه، وحتى الآن، وراحت تترجم إلى اللغات الحية، منذ ديوانه الأول” سقط الزند” ومروراً بلزومياته، ولتكون”رسالة الغفران” إحدى أهم الكتب الكثيرة التي أبدعها، ولا تزال محتفظة بقيمتها الأدبية الفكرية، وتجاوزت دائرة تأثيرها حدود لغتها، إلى تلك الدرجة التي يتم فيها الحديث عن أن دانتي” 1265-1321″ قد تأثر في كوميدياه الإلهية بهذا الكتاب، لاسيما وأن هناك الكثير من التناصات بين هذين السفرين الإبداعين.

    وقد اعتكف أبو العلاء المعري بعد عودته من بغداد إلى مسقط رأسه في المعرة، في صومعته الصغيرة، زاهداً، ليشتغل على عدد من المؤلفات والتصانيف الأكثر أهمية في مجالها، ومنها: الأيك والغصون في الأدب وهو يقع في أكثر من مئة جزء، وتاج الحرة في النساء وأخلاقهن وعظاتهن، ويقع في أربع مئة كراس، ورسالة الملائكة ورسالة الهناء ورسالة الفصول والغايات ومعجزة أحمد”أي أبوالطيب المتنبي” وشرح اللزوميات وشرح ديوان الحماسة وضوء السقط أوالدرعيات ورسالة الصاهل و الشاحج.

    وعرف أبوالعلاء المعرِّي أنه كان صارماً في رؤيته الفكرية، حتى مع نفسه، بل إنه من هؤلاء الذين لايتركون أية فجوة بين النظرية والتطبيق، ومن أوجه ذلك أنه كان من المناصرين لما يسمى اليوم ب”حقوق الحيوان”، وهذا ما دعاه لأن يتحول إلى من يسمون ب”النباتيين”، فلم يتناول على امتداد خمسة وأربعين عاماً اللحوم، ولذلك فإن قصيدة أبي العلاء نفسها كانت لوحة من الجمال والرؤيا والإبداع، من دون أن تتخلى عن فلسفته الحياتية، ولعل قصيدته التي يقول فيها” خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد” والتي قالها لمن حوله بعد فجيعتهم بأحد أقربائه، تقدم رؤية كاملة، لثنائية الحياة واليوم من منظورفيلسوف ومفكر،عبرشعرية تحقق معادلتها الإبداعية على أكمل وجه.

    وقد تمتع المعرِّي بالحظوة والاحترام في مجتمعه، قبل حوالي ألف سنة، بالرغم من أن الكثير من آرائه كانت عبارة عن اجتهادات خاصة به، حيث عومل على أساس أنه ذو رؤية، وكان من الممكن التوقف عند بعض الجزئيات التي طرحها لإلحاق الأذى به، إلا أن ذلك لم يحدث، وحظي بتقدير وحب الناس من حوله، انطلاقاً من حضوره الإبداعي والمعرفي، بيد أن اعتداء بعض الظلاميين عليه، قبل أيام وهو في مرقده، وبعد كل هذه العقود على رحيله، وذلك من خلال قطع رأس التمثال الذي شيد تكريماً له، إنما هو تحد للفكر، والتاريخ، والإبداع، وإساءة لمفهوم ثورات الربيع العربي، وانقلاب عليها، وتشويه لجوهرها، مايدعو لقرع الأجراس والذعر والخوف من رسالة الإنذار الكبرى من قبل هؤلاء الجهلة، الأبعد عن حركة التاريخ، و نبض الثورة والفكر، والوطن، والإنسان…!

الحوار المتمدن

فيلسوف المعرة يتحدى التكفيريين ..!

    شاكر فريد حسن

    قبل ايام معدودات اقدمت مجموعة مسلحة من الجهاديين والتكفيريين المعارضين للنظام السوري، بقطع رأس تمثال الشاعر والاديب والفيلسوف العربي الخالد ابو العلاء المعري، المكنى بـ “رهين المحبسين” ، المنتصب وسط معرة النعمان ، مسقط رأسه ، في منطقو ادلب ، باعتباره ، وفق عقيدة هذه الجماعات، “زنديقاً ” و”كافراً ” ، ولأن معتقداته وأرائه الفلسفية ، التي عبّر عنها في كتابه الشهير “رسالة الغفران” تزعج هذه الجماعات الجهادية الاصولية والسلفية المتطرفة، وتتعارض مع وجهات نظرها وتفكيرها وارائها الدينية المتشددة .

    وهذا الاعتداء ان دل على شيء فانه يدل الفكر الظلامي الذي تتبناه هذه القوى السلفية الغيبية المتعصبة ، وعدائها للعلم والثقافة المتنورة ، وللعقول العلمية والفكرية . وهو عمل وحشي وبربري وظلامي يستهدف رمز من رموزنا الادبية والفلسفية والثقافية له منزلة كبيرة وعظيمة في ثقافتنا العربية الاسلامية وتاريخنا الادبي والفكري الحضاري ، ويرمي الى تشويه صورته والنيل من فكره وارائه من الدين والحياة .

    وابو العلاء المعري ، الذي اعتدت على تمثاله الايدي الشريرة ، هو احد ابرز وجوه الادب العربي في القرن العاشر ، وايقونة من ايقونات تراثنا الفكري والفلسفي العربي . وهو شاعر واديب وفيلسوف له مذهبه الفلسفي الخاص ، اعتزل الناس، وعاش متزهداً، ونظر الى الحياة نظرة تشاؤمية كلها سخط وازدراء . اعتمد على العقل ، وآمن بالعلم والمعرفة ، ووقف ضد الخرافات والشعوذات والاساطير والتعصب الديني والطائفي والأعمى ، ودافع عن العدالة الاجتماعية والانسانية لبني البشر ، ودعا الى عدم الانجاب لتجنيب الاطفال المعاناة ومتاعب الحياة وهمومها والامها . وقد كان صافي الفكر ، عميق الادراك، صادق التعبير عن ارائه ومواقفه ونظراته الفلسفية والفكرية ، وانشغل في الكتابة والتأليف ، فوضع “رسالة الغفران” و”وتاج الحرة في النساء واخلاقهن وعظاتهن” و”معجزة احمد بن الحسين المتنبي” و”سقط الزند” و”اللزوميات” وغير ذلك .

    ولعلنا نستشف فلسفته، التي يختصرها في هذه الابيات الشعرية ، حيث يقول:

    غير مجد في ملتي واعتقادي

    نوح باك او ترنم شادي

    وشبيه صوت النعي اذا قيس

    بصوت البشير في كل ناد

    صاح هذي قبورنا تملأ الرحب

    فأين القبور من عهد عاد

    رب لحد قد صار لحداً مراراً

    ضاحك من تزاحم الأضداد

    تعب كلها الحياة فما اعجب

    الا من راغب في ازدياد

    واذا كانت العصابات المسلحة تمكنت من تدمير وتحطيم رأس التمثال ، فانها لا ولم ولن تنال من ابي العلاء المعري، هذا الرمز الساطع والشامخ ، و تغييب فكره الفلسفي . انه باق وراسخ في عقول وأذهان مثقفينا ومفكرينا وادبائنا وشعرائنا المسلحين بالرؤية العقلانية التقدمية والنظرة النقدية والجدلية وبالمعارف الفلسفية ، لما لأبي العلاء من حضور ادبي وثقافي طاغ ومميز . والخزي والعار لعصابات التكفير وقوى الظلام ، التي تغتال المفكرين والمثقفين النهضويين العقلانيين ، بدلاً من تكريمهم والاحتفاء والاحتفال بهم ، بما قدموه من مساهمات فكرية وادبية وفلسفية لا تقدر بثمن .

الحوار المتمدن

الغفران من المعري

ساطع نور الدين

  الاعتقاد الشائع بان سوريا اكثر مدنية وعلمانية من مصر أو حتى من تونس نفسها، ما زال ساري المفعول ، لكنه يخضع لتحديات يومية متزايدة منذ ان احتلت جبهة النصرة الإسلامية واخواتها، وبما يشبه الانقلاب، واجهة الثورة السورية وصارت عنوانها الرئيسي، ودخلت في صراع مبكر مع  الثوار السلميين ومطالبهم وشعاراتهم ورموزهم.. وتماثيلهم المقدسة.

  لا خوف على المجتمع السوري من ان يخلف نظامه السياسي الحالي حكم إسلامي متشدد، يعتمد الشريعة ويقيم حد السيف، مثلما لا خوف على مصر وتونس من ان يعلن اسلاميوهما أنهم نهاية التاريخ، بعدما سبق ان أعلنوا أنهم بدايته. لكن الامتحان الذي يخضع له أشقاء السوريون يشي بانهم سيواجهون في المرحلة المقبلة مصاعب اكبر من تلك التي يتعرض الاشقاء المصريون والتونسيون الذين يحطمون هذه الأيام الكثير من الاصنام والاساطير الاسلامية .

 قبل يومين، فقد المدنيون السوريون والعرب واحدة من أبرز ايقوناتهم التاريخية، بعد طول صراع مع الإسلاميين في أدلب الذين تمكنوا من تحطيم تمثال المفكر والشاعر العربي الخالد أبو العلاء المعري، الذي قطع رأسه عن جسده وشوهت قاعدته، في خطوة لا تدع مجالا للشك في هوية الجناة وطقوسهم المستوردة من المجاهل الافغانية، التي كانت وستظل تشكل عدوانا آثما على التراث العربي والإسلامي.

  لم يكن اعتداء مفاجئا أو مروعا. وضع على الفور في السياق المبتدىء بتفجير تماثيل بوذا الشهيرة في إقليم باميان الأفغاني قبل ١٢ عاما، والمتصل بالهجمات التي شنها الأفغان العرب على معالم تراثية كان العالم كله يحفظها ويحميها، في مختلف أنحاء العالمين العربي والإسلامي، وآخرها دول الربيع العربي التي فقدت بعضا من مزاراتها التاريخية المهمة، وما زال بعض روائعها الاثرية مهددا.

 كان تمثال أبو العلاء متواضعا، حاول المثقفون في أدلب حمايته من دون جدوى. لكن في النهاية ، انتصر السيف على القلم الأكثر جرأة في نقد الثقافة والتجربة الإسلامية، والمؤسس لمدرسة فكرية في التراث العربي ما زالت صروحها منتشرة في بعض الزوايا الاكاديمية المهددة من قبل ذلك الزحف الافغاني على العرب وتاريخهم. كانت طقوس الاعتداء ب مثابة انتقام مؤجل منذ نحو عشرة قرون من ذلك المفكر الذي أرسى أسس تحدي التقليد السلفي الأعمى، وبناء عمارة شعرية شاهقة ومؤثرة.. لا يمكن ان تخدش بالشائعات الخرقاء الرائجة حاليا في سوريا عن ان تمثاله ازيل لانه شيعي، أو لانه احد أجداد عائلة الأسد، أو سواها من الأقاويل الساذجة التي لا تحتمل أي شكل من أشكال الغفران.

   تحطيم التمثال كان طبيعيا. لم يكن يحتاج الى فتوى. الشعر وحده اتهام. والشاعر مدان سلفا، قبل ان تقرأ دواوينه. والأرجح ان أولئك الافغان العرب لم يتلقوا رسالته. كان الحكم سريعا بان يزال التمثال الذي يحرم فقههم الصلاة بوجوده او حتى استراق النظر اليه. فهو كفر ما بعده كفر.. فكيف إذا كان المتجسد هو المتهم الدائم بالردة، من قبل السلفيين على مر العصور.

   الخسارة ليست فادحة. لم يكن المعري بحاجة الى نصب يحفظ ذكره وأثره الذي لن يمحى أبد الدهر.. لكن التحدي السوري يكبر، وينذر بانه سيكون أسوأ من التحدي المصري والتونسي .. ومن تحديات بقية بلدان الربيع العربي التي تعصف بها رياح أفغانية سامة.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

− 2 = 7

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...