الرئيسية / كتاب الانتفاضة / روزا ياسين حسن / مقالات تناولت مؤتمر المعارضين العلويين في القاهرة

مقالات تناولت مؤتمر المعارضين العلويين في القاهرة

حين تقع المعارضة السورية في فخ الطائفية

روزا ياسين حسن

عُقد قبل أيام قليلة في القاهرة المؤتمر الأول للناشطين العلويين المعارضين تحت عنوان: “كلنا سوريون”. هذا المؤتمر هو الأول من نوعه بعد استقلال سوريا عام 1946 لجهة إشهار الانتماء الطائفي كناظم لمؤتمر أو لمؤتمرين تحت عنوانه، فعنونت الكثير من الصحف العربية والأجنبية مقالاتها بخصوصه تحت بند عريض: “المعارضة العلوية”!! وهي المرة الأولى التي يُشهر فيها تعبير مشابه!!.

خلق هذا المؤتمر الكثير من السجالات والمشادّات والاختلافات والخلافات في أوساط المعارضة السورية، القليل يثني عليه، البعض ينتقده، أما البعض فقد هاجمه بأشد العبارات التي لم تنتهي بتخوين القائمين عليه واتهامهم بالارتهان لرفعت الأسد أو للمال السياسي القادم من دول أخرى، أو بأنهم عملاء للنظام السوري إلى آخر المعزوفة.. بغض النظر عن الاتهامات التي تحتاج إلى كثير من الإثباتات والتفنيد والتي تكرّس منطق اتهام الآخر بالأبشع بدل محاوراته، وهو منطق الطغاة ذاته، ومع التأكيد على أن الكثير من المنظّمين للمؤتمر هم من خيرة رجالات المعارضة السورية، دفعوا الأثمان الغالية جراء معارضتهم الوطنية، إلا أن هذا المؤتمر يعدّ برأيي كارثة وطنية. ليس المهم ما جاء في البيان الختامي للمؤتمر، الذي يثلج صدر الكثيرين لجهة موقفه الحاسم من النظام الفاشي والارتهان له، بل المهم هو الفكرة الأساسية الناظمة للمؤتمر، بمعنى الأس الطائفي للعقل والمنهج الذي أدى إلى ترتيبه وتنسيقه وإشهاره. في البند الأول افتتح هذا المؤتمر منطق التقسيم على الأساس الطائفي، وأول الغيث قطرة. سيكون من المألوف بعده أن يكون ثمة مؤتمر للناشطين الدروز، أو للمعارضين السنة مثلاً، ثم قد يتطور الأمر ربما باتجاهات أخرى أكثر خراباً كخلق أحزاب طائفية على النموذج اللبناني!! هذا التقسيم الذي يعتمد على الجذر الطائفي يتناقض من حيث عمقه مع الوطنية السياسية، ومع كون الانتماء الطائفي انتماءاً ما قبل وطنياً يتناقض مع العمل السياسي والمدني الذي يفترض بالناشطين والسياسيين أن يمثلوه. كما أنه يعمّق، من حيث لا يدري منظّموه، تشرذم المعارضة السورية التي تنوء تحت ثقل النزعات الإقليمية والأثنية والطائفية. في البند الثاني ومن حيث أراد المنظّمون أن يوجهوا ثلاث رسائل للطائفة العلوية وللشعب السوري وللمجتمع الدولي فقد أخطأوا في الرسائل الثلاث. أولها للطائفة العلوية، مدنيين وعسكريين، ألا تصطف مع النظام السوري وترفض القتال بسلاحه لأنه يستخدمها كأدوات ودروع بشرية لمصلحته. هذه الرسالة تكرّس عند الطائفة ذاتها الرؤية الطائفية لأنفسهم ولغيرهم من عموم السوريين، الرؤية التي راحت تستشري يوماً بعد يوم كلما ازداد الخوف من القادم وارتفع منسوب الدم في الشارع السوري. الأحرى أن يتم توجيه رسالة “مواطنة” للطائفة العلوية من قبل مؤتمر للناشطين والمعارضين السوريين الوطنيين وليس للناشطين المعارضين “العلويين”، هذا إيغال في التمهيد للقسمة الطائفية والارتهان للمنطق الطائفي.

الرسالة الثانية للشعب السوري بعمومه ألا يماهي بين الطائفة العلوية وبين النظام فهناك نسبة كبيرة من الطائفة غير موافقة على منهجه الوحشي ولا تصطف وراءه بل هي مجبرة، كما تطالب الرسالة الثانية الشعب وثواره بتقيدم ضمانات حقيقية للطائفة من الانتقامات أو ردود الأفعال الطائفية التي من الممكن أن تحدث بعد سقوط النظام، والثالثة للمجتمع الدولي ليتيقظ في موقفه وأفعاله بخصوص هذه المسألة الحسّاسة. لكن هذه الرسالة ستؤكد زيادة على الوباء الطائفي الذي راح يعصف بالشارع السوري بدل أن تقلّله، فمن حيث أراد المؤتمر تبديد الرؤية الطائفية من قبل الشارع كرّسها بذلك أكثر!! إذ ليس المهم الآن تبديد موقف الشارع السوري من الطائفة العلوية في إلصاقها بالنظام فحسب، بل المطلوب تبديد الرؤية الطائفية لتلوينات الشعب السوري. من هنا ربما قدم المؤتمر رسالة مهمة للشعب السوري، إن كان ثمة من مجال لقبول الرسائل بعد كل ما مرّ، لكن تم توجيهها بلغة وشكل ومعنى طائفي لن يكرّس إلا رؤيتهم للعلويين باعتبارهم طائفة مستقلة وليسوا جزءاً من نسيج وطني عام!! وحين تتغير المواقف السياسية في المستقبل، كما تتغير دوماً، ستكون مواقف سياسية للطائفة العلوية وليس لفصيل سياسي وطني خارج الانتماءات الضيقة ما قبل المدنية.

الرسالة الثالثة التي تم توجيهها للمجتمع الدولي لا تقل إشكالية عن الرسالتين السابقتين لجهة إمكانيات قراءتها بأشكال مختلفة، بعضها غامض أكثر مما ينبغي، فمن المعروف أن ثمة جهات خارجية يبدو تقسيم سوريا من مصلحتها، وثمة جهات تزكّي، بكافة السبل، فكرة الانشطار الطائفي في الشارع السوري، وستكون سعيدة للغاية وداعمة لمؤتمر كهذا، كأن الأمر تمهيد لسيناريو لبناني عراقي. فما الذي يستطيع الناشطون المعارضون توجيهه بلسان الطائفة العلوية “في مؤتمر للناشطين العلويين” ولا يستطيعون توجيهه بلسان وطني في مؤتمر وطني للمعارضة السورية يضمّ جميع الأطياف، ويرى إن ثمة مشكلة طائفية ينبغي العمل على حلّها، وثمة طائفة “تنتمي إلى نسيج المجتمع” تعاني من معضلات خطرة؟!! أعتقد بأن الخيار الثاني أوسع وأرحب وأشد تأثيراً وفاعلية حتى حين أوجهه للمجتمع الدولي، إذا كان المجتمع الدولي من أولوياته وحدة البلاد كما تدّعي قواه ودوله!!.

أخطأ الشباب، باعتقادي، في الرسائل الثلاث، مع أني أكاد أجزم، من معرفتي بالكثير من المنظمين للمؤتمر، بأن النوايا صادقة والمطلوب صالح الثورة والسوريين، لكن الطريق إلى جهنم كذلك مفروش بالنوايا الحسنة. ويبدو لي بأن المعارضة العلمانية السورية التي تشكل الجسم الأساسي للمؤتمرين، لم تتدرّب على التعامل مع المشكل الطائفي المتنامي على عكس النظام ومعارضته الدينية اللذين خبرا ذلك جيداً، فراحت عقدة الذنب الطائفية تقوده. كما أعرف بأن الانفعال “المبرر” قاد للتفكير في مؤتمر الناشطين العلويين، بسبب من الكوارث التي ألمّت بسوريا منذ سنتين ونيف، وأعرف بأن الرغبة في تبديد العداء للطائفة العلوية وفك ارتباطها بالنظام كان الدافع لقيام المؤتمر، لكن يبدو بأن الرياح لا تجري كما تشتهي النوايا، خصوصاً حين يزيد منهج التفكير هذا من حدّة الأدران الطائفية المتقيّحة على الجسد السوري.

http://www.24.ae/Article.aspx?ArticleId=11562&SectionId=33

الطائفة تكسر صمتها

رند صباغ

 مع ارتفاع وتيرة المخاطر الطائفية في سوريا والتحذيرات الداخلية والدولية حيالها، اختتمت في القاهرة أعمال اجتماع المعارضة المخصص لفصل النظام السوري عن الطائفة العلوية ومكوناتها المناصرة للثورة السورية ، بحضور ما يقارب 30 شخصية معارضة من بينهم برهان غليون وميشيل كيلو، مترافقاً مع بلبلةٍ حول وضع الائتلاف الراهن والحكومة المؤقتة.

 ومن أهم ما نص عليه “إعلان القاهرة” هو تشديده على ضرورة عدم الخلط بين الطائفة العلوية والنظام الحاكم معتبراً أن هذا الخلط يشكل “خطأ سياسياً وأخلاقياً”، حيث يؤكد المشاركون رفضهم لما وصفوه بـ “محاولة النظام خطف الطائفة ووضعها في مواجهة إخوانها من الشعب السوري”، مشيرين إلى أن النظام “يكذب عندما يصور نفسه على أنه حامٍ للأقليات وخصوصاً الطائفة العلوية” منوهين إلى أنه ينوي من هذا الكذب “تخويف السوريين من التشدد الإسلامي المحتمل”.

 وقد أثار المؤتمر سلسلةً من ردود الأفعال بين مؤيدٍ ومعارضٍ للخطوة، فيما أشار الكاتب والصحافي بشار عبود أحد منظمي المؤتمر ل”المدن”، إلى أن الخطوة أتت “نتيجة الصمت المطبق لمرجعيات الطائفة العلوية، في عدم اتخاذها لموقفٍ واضحٍ من الوقوف إلى جانب الثورة”، منوهاً إلى أن المؤتمرين لم يقدموا أنفسهم على أساس انتمائهم للطائفة العلوية وإنما “من منطلق كونهم سوريين أولاً وأخيراً، لا سيما أنه قد شاركت في المؤتمر وبالتحديد في اليوم الثاني مجموعة من الشخصيات السورية المعارضة المنتمية لجميع الطوائف في سوريا”.

 وعما يحمله المؤتمر من رسائل، يقول عبود إن “المؤتمر أراد توجيه رسائل عدة أولها لأبناء سوريا ككل، لنقول لهم: إن العلويين لا يمثلهم هذا النظام القمعي الفاسد والمجرم، وعليهم ألا يلصقوا جرائمه بالطائفة العلوية”، مشدداً على أن المجرم يجب أن يحاسب “من أية طائفةٍ كان”، ويقول “من غير المعقول أن تُجرّم طائفة بأكملها نتيجة فساد مجموعة أشخاص فيها، لأن هذا ينطبق على جميع المشاركين في النظام”.

أما الرسالة الأخرى للمؤتمر فهي بحسب عبود “لأبناء الطائفة العلوية الصامتين والموالين إلى الآن ليقولوا كلمتهم ضد هذا النظام، ويعلنوا تنصلهم من أعماله”.

 ويشير عبود إلى أن المؤتمر انبثقت عنه لجنة أعمال وتوصيات، واللجنة مؤلفة من 11 عضواً سيعملون على التواصل مع الداخل في تأمين أعمال إغاثية ومساعدة المنشقين من الطائفة العلوية وأسرهم بعيداً عن أعين النظام، وقد عقدت أول اجتماعاتها أمس الأول حيث تم الاتفاق على عقد اجتماعٍ دوري مرة في الشهر لمتابعة سير أعمالها في التواصل مع الداخل.

 من جهته، يتحدث علي ديوب الكاتب والصحافي السوري المشارك في التنظيم عن أن الخطوة أتت لإعلان موقفٍ واضح، ويقول: “مثلما كان يؤمل من جميع مكونات المجتمع السوري التعبير عن موقف جريء واضح وصريح من ثورة شعبهم النازعة لحرية تشملهم في من تشمل، فقد كانت خصوصية اللحظة تحتم على الطائفة العلوية، أكثر من سواها، أن تقول كلمتها في وجه المحتل الداخلي؛ تماماً كما كان لزاماً عليها أن تقولها في وجه الاحتلال الفرنسي”، واصفاً المرحلة الحالية بـ “امتحان الامتحانات، ومحنة المحن” والتي على الطائفة خلالها أن تقول كلمتها من داخل ما وصفه بالمعتقل الأسدي.

 وعن أسباب عقد المؤتمر في القاهرة وهوية المشاركين فيه، يقول ديوب “لأن هذا متعذر من الداخل، إن لم يكن محالاً؛ فقد كان لا بد لمن يضطلع فيه أن يمتلك زمام حريته في القول والتعبير وهذا ما دفع بعدد من المعارضين المنتمين للطائفة العلوية بالولادة، لتولي مسؤوليته… متغلبين في النهاية على العقبة التي أخرت تحقيق موقفهم واقعياً، وأقصد عقبة التمويل الوطني غير المشروط”، ويضيف “كان لي شرف المشاركة بين طيف متنوع من أبناء الطائفة  التي تشكل جزءًا من هويتي، بوصفها المشترك الذي جمعنا كلنا- على تنوع خلفياتنا الفكري- لقول كلمتنا، في وقفة وطنيةٍ تاريخية، هي محض تحية لثورة شعبنا الذي قرر أن يكون حراً إلى الأبد، متحرراً من التسلط الأسدي الأبدي”، مشيراً إلى أنه يأمل من المؤتمر أن يستطيع “النهوض بالمسؤولية التي تبناها، عبر لجنة متابعة أعمال المؤتمر على الأرض..، فيمد يد العون للمنكوبين، ويفتح ثغرة في جدار زنازين المأسورين”.

المدن

عن مؤتمر المعارضين العلويين في القاهرة

إيلي عبدو *

ليس بالأمر البسيط أن يعقد مثقفون يساريون وشيوعيون سابقون في مدينة القاهرة مؤتمراً يُمثل المعارضة العلوية في سورية بهدف النأي بالطائفة عن نظام الأسد. إنها من دون شك نهاية مرحلة وولوج أخرى. فهؤلاء، قارعوا في الثمانينات الأسد الأب باسم اليسار وعادوا بعد عقدين من الزمن ليقارعوا ابنه باسم الطائفة.

لقد سقطت الإيديولوجيات الزائفة التي طمست الصراعات الأهلية في البلاد وبات السوريون في مواجهة قاسية مع ذواتهم الطائفية، يعيدون تكوينها على وقع التهديد الوجودي. علويو القاهرة بدوا حائرين، مرتبكين في أداء دورهم الجديد، قالوا نحن لسنا معارضين علويين بل شخصيات وطنية من أصول علوية. ولتخفيف حدة الارتباك دعوا إلى مؤتمرهم شخصيات مسيحية وسنية معارضة.

كل ذلك طبيعي بالنسبة لمثقفين ومعارضين سياسيين انغمست لغتهم في قواميس العروبة واليسار والصراع الطبقي، وجاءت الثورة لتصدّع وعيهم السياسي المؤدلج وتُدخل إليه مفردات ومفاهيم جديدة. إنه تمرين أول للتعرّف على الواقع السوري بكل نواقصه التي لا ترضى النظرة الأيديولوجية التسليم بها. ولعلَّ الخرق الثاني الذي تم إحداثه في البنية الذهنية للمؤتمرين هو اعترافهم بوجود علاقة طالما تم إنكارها بين النظام والطائفة. لقد أكد المعارضون العلويون أن النظام يخطف طائفتهم ويوظفها بغرض الاستمرار في السلطة.

لأول مرة يتمُّ الحديث عن صلة ما بين عائلة الأسد والطائفة العلوية وذلك من قبل العلويين أنفسهم. لقد استثمر الأسد الأب علاقته بطائفته خلال صراعه مع الإخوان المسلمين، لا سيما في الجيش والأمن، وكذلك فعل ابنه خلال الانتفاضة الأخيرة. مع ذلك بقيت المعادلة التي تحكم هذه المسألة في كلا الزمنين شعاراتية تؤكـــد وجود طائفتين متصارعتين هما «النظام» و»المعارضة». ولتدعيم هذه المقولة ذهب العــديد من التحليلات ليؤكد وجود موالين سُنّة فـــي صفوف الشبيحة مقابل الكثير من نخـــب العلويين في صفوف المعارضة، مع نفـي أي بعد طائفي للصراع الدائر في سورية.

الكلام عن علاقة بين النظام والطائفة أياً كانت طبيعة هذه العلاقة يعني أن اللحظة الحالية هي لحظة التصالح مع الهوية الطائفية، بكل ما تختزنه من مخاطر وتحديات. المعارضون العلويون لم يكتشفوا فقط علويتهم، بل أيضاً المأزق الذي وصلت إليه بسبب علاقتها الشائكة بنظام الأسد.

والحال أن الذين أخذوا على المؤتمر تأخر انعقاده لم يدركوا السماكة الإيديولوجية التي تغطي لغة المثقفين والمعارضين العلويين، ولم ينتبهوا أيضاً إلى أن تسرّب لغة جديدة تعمل على تذويب هذه السماكة لا يمكن أن يحدث خلال وقت قصير، وتحديداً في سورية، البلد الذي تتخذ فيه المفاهيم دلالات معاكسة لجوهرها بفعل التحكم الاستبدادي.

لقد ظهر داخل المعارضة مكون علوي ولو بتعابير مواربة وخجولة، يبحث عن السبل التي تكفل فك النظام عن الطائفة، وهذا بحد ذاته إنجاز مهم. إلا أن الحديث عن التأخر في عقد المؤتمر يأتي في سياق آخر يرتبط بحجم التأثير الذي سيحدثه داخل صفوف الجماعة الأهلية العلوية. لقد جاء هذا المؤتمر بعد سنتين من اندلاع الثورة، أي بعد تحولها إلى العسكرة والأسلمة وصولاً إلى الجهاد.

وخطاب المؤتمرين في القاهرة يصلح للأيام الأولى من الانتفاضة، أما الآن فإنه يتقاطع، من موقع التناقض والاختلاف، مع لغة النظام. الأول يشجع العلويين على الانخراط في ثورة رأس حربتها العسكرية جبهة النصرة التي تكفرهم وتهدر دماءهم.

والثاني يدفعهم للموت من أجله، للحفاظ على إرث عائلي مافيوي فاسد. في الحالتين، العلويون مدعوون إلى موت محتّم يضج بالشعارات المتضاربة.

لا ريب أن المؤتمر نجح في رصّ صفوف النخبة العلوية وجمع شملها، لكنه لم يستطيع أن يصدّع الطائفة بوصفها كتلة متراصة تدافع عن نفسها عبر النظام. بقيت الجماعة الأهلية تُحصي قتلاها الذين يسقطون يومياً في مناطق متفرقة من البلاد وتنتظر كل صباح عناصر الأمن يقتحمون القرى لاصطحاب الفتية والشبان ليعودوا إلى أحضان أمهاتهم جثثاً هامدة.

صحيح أنه باتت لدينا معارضة علوية مُعلنة تحضّ الطائفة على الانخراط في الثورة مقابل نظام يدعوها للانتحار معه، لكن الصحيح أيضاً أن الطائفة كمكون سوسيولوجي تمــــضي يومياتهـــا علـــى وقع الخطــــر وتبحث عمّن يمثلها و يقدّم لها ضمــــانات البقاء. لا يكفي أن يقول المجتمعون في القاهرة إن الطائفة في خطر مقترحين حلولاً زجلية لتجاوز ذلك، من نوع أن الشعب السوري يحمي بعضه بعضاً. فلا بد من اجتـــراح رؤى جريئة لا تتجاوز الإيديولوجيات السابقة فحسب وإنما تفتح الجدل على أفكار سياسية كانت بحكم المحرمة في الماضي.

لقد أنهى المثقفون العلويون بيانهم الختامي بعبارة «أن أية محاولة لتقسيم سورية من أطراف داخلية أو خارجية، تعتبر خيانة للوطن وللتاريخ وللأجيال»، مقفلين بذلك النقاش على طرح صيغ سياسية مستقبلية يمكن أن تريح الأقليات في سورية ومـــن بينهم العلويون. وعلى الأرجح فإن وضع خــيار التقسيم في سياق الخيانة هو ممارسة تنتمـــي إلى الآلية الأيديولوجية السابقة التي اعتاد عليها هؤلاء المؤتمرون الذين تداركوا التصدع الذي حصل في بنيتهم الذهنية بسرعة مذهلة وعادوا إلى مقارباتهم القديمة.

المرحلة الراهنة تحتاج إلى عقول تمتلك خيالاً سياسياً رحباً، لا تنظر إلى التقسيم على أنه «خيانة»، إذ قد يكون صيغة سياسية توافقية تكفل للجماعات الأهلية والطائفية حقوقها وخصوصياتها، ولو كان الخيار السوري الطوباوي المُرتجى من جميع السوريين هو الوحدة الوطنية والجغرافية. لكن الذكاء يقتضي في هذه اللحظة أن لا نستبعد خيار التقسيم بالسياسة طالما أنه مطروح بالسلاح والدم.

* كاتب سوري.

الحياة

بمناسبة انعقاد مؤتمر المعارضة العلوية: طائفة النظام هي الاستبداد وحده

غازي دحمان

يتفق أغلب السوريين مع كل ما جاء في بيان المعارضة العلوية الذي إنعقد في القاهرة “الأسبوع الماضي”، وبخاصة لجهة ان النظام اختطف الطائفة العلوية، وأن لا هوية له إلا هوية الإستبداد، تلك حقائق عايشها السوريون ويعرفونها عن كثب أكثر من غيرهم، بل ويعرفون أكثر من ذلك، أن النظام، ساعة الحقيقة، لن يتأخر في المساومة على بيعهم، ودليل هذه المعرفة، ان ثوار كفر نبل رفعوا في بداية الثورة السورية لافتة كتب عليها “الطائفة العلوية الكريمة، طائرة بشار الأسد لا تتسع لكم، مكانكم هنا بيننا”.

البيان الصادر عن المعارضة ذهب إلى مطالبة الثورة بتحرير الطائفة من أسر النظام، بإعتبار ذلك “إحدى مهام الثورة السورية، وفي سياق إعادة بناء الهوية الوطنية”، لكن من دون تحديد آليات هذا الفعل” النبيل”، وكيفية تحقيقه وإنجازه، والأهم من كل ذلك هو ما مدى تأثير وتمثيل المؤتمرين العلويين في البنية الإجتماعية العلوية، وقدرتهم في التأثير على توجهات الطائفة ومواقفها تجاه النظام والثورة؟

نسوق هذا الكلام إنطلاقاً من حجم المعرفة بدور الطائفة العلوية وأثرها في الحدث السوري الراهن، ووصولاً إلى المستقبل الذي ينتظر سوريا برمتها. إذ ليس بوسع أحد، من أولئك الذين يتصدرون المشهد السياسي والعسكري، في سوريا اليوم، الإدعاء بأنه يملك خلاص سوريا ومعافاتها من جرحها النازف، والذي يهدد بالإستمرار بالنزف لسنوات مقبلة؛ لا النظام بقوته النارية وحجم إجرامه الفائق وصلافته المقززة، ولا معارضته بكثافة أحلامها وسذاجة سياساتها وإستعراضيتها المنفرة. تلك القدرة صارت خلف هؤلاء، لسبب بسيط وهو أن هؤلاء جميعاً لا يشكلون متفرقين ضمانة وثقة لدى جميع السوريين، وإجتماعهم مستحيل، بالتأكيد.

وحدها الطائفة العلوية في سوريا من لديها هذه الإستطاعة، وتملك القدرة على تجنيب سوريا الخوض في حرب طائفية مديدة، وفي الوقت نفسه، يمكن لهذه الطائفة ترسيخ اللحمة الوطنية على أسس حقيقية، وليس بناءً على شعارات كاذبة، كما فعل نظام الأسد على مدار أربعة عقود.

كيف ذلك؟ لم يعد خافياً على أحد أن هذه الطائفة تشكل أساس قوة النظام الحاكم في دمشق، وأن أبناءها يشكلون الذراع العسكرية والقوة الضاربة لهذا النظام. ويعرف السوريون ان لدى الطائفة عشرات الآلاف من المقاتلين، ينضوي أغلبهم في إطار أجهزة الأمن وفرق النخبة العسكرية، وجزء آخر جرى استدعاؤه ممن له خبرة في الأمن والتعامل مع السلاح، من العسكريين السابقين.

بذلك تكون الطائفة العلوية هي الحامل الاساسي لنظام الحكم في دمشق، رغم وجود العديد من أبناء الطوائف الأخرى، بما فيها وربما أكثرها الطائفة السنية نظراً لنسبتها العددية الكبيرة، لا يزال يقوم بأدوار مهمة في خدمة النظام. وبالتالي، فإن من شأن إنفكاك هذه الطائفة عن النظام أن يؤدي إلى تعطيل آلة القتل لديه، وتدفعها إلى البحث عن مصالحها الحقيقية، لا ان تبقى منجرفة وراء توليفة الهواجس، التي يركبها النظام عن امنها ومستقبلها.

لا شك بأن ثمة من سيعتبر هذه القراءة تحمل قدراً هائلاً من التبسيط والتسطيح لأزمة كبيرة، كما أنها تفتقد لفهم طبيعة العلاقة بين نظام الحكم والطائقة العلوية، والتي تكاد تكون علاقة عضوية، ذلك أن قيم هذا النظام وعقيدته إنما تصدر عن مخاوف وأمال عميقة ومتقدمة في آن للوجدان الشعبي الذي يقف خلفها، كما أن هذه الجماهير (الطائفة) هي التي صاغت هواجسها على شكل مسلكيات ومنهجيات لنظام الحكم، ما دام الطرف الآخر يرفض، أو لا يقدر أن يضمن إلغاء فتوى إبن تيمية الخاصة بتكفير من ليس على مذهب السنة.

وفوق ذلك، ثمة شبكة من العلاقات المصلحية التي لا يمكن نكران رؤيتها بين النظام وأفراد الطائفة العلوية، عبر شبكة الامتيازات، وبالتالي فإن العلويين ليست لديهم مشكلة مع النظام، ولا يجدون مبرراً للوقوف في مواجهته كرمى لعيون أطراف يرتابون من توجهاتها، ولا يثقون بعهودها.

فضلاً عن هذا وذاك، فإن الطائفة العلوية، مثل غيرها من الطوائف الأخرى، لا تستطيع إتخاذ قرارات مصيرية من هذا القبيل من دون موافقة وجهائها وزعاماتها الدينية والسياسية، وهذه محصورة في عائلات محددة مرتبطة بالنظام، أو هي جزء أساسي منه، وبالتالي فإن الخروج الفردي عن هذه الأطر معناه الانتحار الطائفي والسياسي.

لا شك بأن كل ما سبق ذكره يشكل حقائق راسخة في واقع الطائفة العلوية، كما يشكل عوائق أكيدة في طريق خياراتها الوطنية في هذه الأزمة، لكن ورغم ذلك، تبقى الطائفة العلوية، سواء عبر نخبتها العسكرية، أو من خلال حدوث انتفاضة في قواعدها، أمل سوريا في الخلاص، لا يعني ذلك بالطبع أن هذا النظام لا يمكن أن يرحل بطريقة أخرى، ذلك أن سقوطه ليس أكثر من مسألة وقت، لكن من الأفضل أن يتم بتوافق وطني، على أن يتم تحت ظلال سيوف المنازعة.

المستقبل

علويون سوريون: لسنا على الجانب الخطأ من التاريخ

“المعارضة لم تقم بما يجب لتشجيع عمليات الانشقاق في الداخل العلوي”

علي الأمين

نحو 15 الفاً تقريبا هو عديد القتلى من الطائفة العلوية حتى اليوم، وهو عدد كارثي على ابناء الطائفة المقيمين في مناطق الساحل والجبل. تلك المناطق التي تقطنها اكثرية علوية. هذا ما يؤكده المعارض السوري الناشط توفيق دنيا، ابن بلدة السلمية والملاحق من قبل النظام السوري منذ 35 عاما. دنيا الذي يبلغ نحو 80 عاما كان من ابرز الداعمين والمنظمين لمؤتمر “كلنا سوريون … معا نحو وطن للجميع “، الذي عقد في القاهرة يومي 23 و24 الجاري. غلب على المشاركين فيه معارضون سوريون من “اصول علوية” جاء جزء منهم من دمشق والساحل السوري، فيما الجزء الآخر أتى من الشتات السوري الموزع على اطراف العالم.

التقوا بمشاركة وجوه بارزة من المجلس الوطني والائتلاف السوري المعارضين، واصدروا في ختامه بيانا سياسيا توجه بشكل غير مباشر الى ابناء الطائفة العلوية والشعب السوري عمومًا. والمشاركون هم من الذين سجنوا وعذبوا من قبل النظام في عهد الأسد الأب والأسد الشقيق والاسد الابن، ومنهم من لم يزر سورية منذ عقود. ما فعله النظام السوري بالطائفة العلوية، كما يقول المعارض دنيا، هو أنه جعلها رهينة وسخرها لمصالحه هو. فيما تتقاطر الى القرى ذات الغالبية العلوية جثامين القتلى موضوعة في صناديق مغلقة يمنع فتحها في كثير من الاحيان. ويؤكد بعض الناشطين من هذه المناطق ان “اعدادا لا يستهان بها من تلك الجثامين قتل اصحابها برصاصة في خلفية الرأس”، في اشارة الى حملة تنفيذ اعدامات على كل من كان يرفض تنفيذ الاوامر داخل الجيش.

ليست جموع ابناء الطائفة العلوية في الداخل السوري مؤيدة للثورة السورية بطبيعة الحال، لكن معظمهم، كبقية ابناء الشعب السوري، يدركون ان هذا النظام هو سبب كوارث اجتماعية وسياسية تصيب السوريين منذ عقود، وهو يريد احكام اسره للطائفة بمزيد من اهراق دماء ابنائهم في معركته لتدمير سورية ونسيجها الاجتماعي. في المقابل تتباين آراء الناشطين في الثورة السورية، من ابناء الطائفة العلوية، حيال نقد المعارضة وسلوكها تجاه دورها في منع النظام من تطييف الثورة. احد ابرز الكتاب السوريين المعارضين العلويين قال بصوت عال وصريح ان اعادة تنشيط الحراك الشعبي في مناطق نفوذ النظام والاضاءة عليه وحدها الكفيلة باسقاط الذريعة الطائفية التي يستثمرها النظام السوري لصالحه.

آخرون قالوا بصراحة ان المعارضة السورية لم تقم بما يجب لتشجيع واستقبال عمليات الانشقاق في الداخل العلوي. الناشطة السورية سعاد خليل، الآتية قبل ايام من دمر (احدى ضواحي دمشق)، ابدت احتجاجا، هي الفتاة العشرينية والملتزمة دينيا، على ما سمّته “”المبالغة في اضفاء البعد الطائفي على الثورة”. قالت: “نحن نواجه النظام على الارض وبيننا من كل الطوائف السورية”، واضافت: “في دمر ارتكبت مجازر من قبل النظام والذين نفذوها نعرفهم وهم من ادوات النظام وليسوا من الطائفة العلوية”. وتابعت: “ثمة محاولات تشويه دؤوبة للثورة في الاعلام، تستند الى وقائع حقيقية ولكن يجرى تعميمها واختصار الثورة السورية في مشهد واحد”.

الناشطون العلويون في الثورة لا يعملون في اطر خاصة طائفيا، بل ينشطون في اكثر من اطار او مجموعة، لكن ذلك لا يمنع بذل الجهد، على ما يقول احد الضباط المنشقين عن النظام، “من اجل احداث خرق نوعي في مناطق الساحل والجبل”. هو يلفت الى ان “مئات العائلات في هذه المناطق تعبر عن اعتراضها العلني ضد سياسة سوق ابنائها، من قبل النظام، ليكونوا قتلة او مقتولين من اجل نظام غير قابل للبقاء”. وباتت مقولة “اولادنا الى القبور واولادكم الى القصور” جملة تتكرر لدى القاعدة الواسعة من ابناء الطائفة العلوية في اشارة الى مجموعة قليلة من ادوات النظام التي حصدت ثروات ونفوذاً بقوة النظام وتسلطه.

اللافت ان القلق لدى البعض من حصول مواجهات طائفية هو ليس في الساحل السوري او في “الجبل”، بل في دمشق، على ما نبه احد المشاركين في المؤتمر. فالحرب الطائفية “إذا وقعت ستقع في دمشق. وبالتالي يجب ان نتوجه الى الجيش الحر بان يعمل على التحضير لقوة فصل ولجان ارتباط في الاحياء”. وفي سياق الحديث عن الضمانات كان تأكيد على ان احدا لا يستطيع ان يطمئن احدا والسبب عوامل عدة أبرزها: عدم وجود مؤسسة عسكرية ناظمة على الارض، واستمرار الفوضى في الداخل. تلك التي يتحسس الجميع خطورتها. في النهاية المؤتمرون وضعوا على رأس مهامهم في المرحلة المقبلة تنشيط الحراك الثوري في الساحل السوري، لمنع ادراج الطائفة العلوية على الجانب الخطأ من التاريخ.

كاتب لبناني

البلد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...