الرئيسية / كتاب الانتفاضة / بشير البكر / مقالات تناولت معركة الساحل السوري

مقالات تناولت معركة الساحل السوري

خافوا مثل السوريين: ديمة ونوس

سنتان ونصف والسوري يختبر الخوف، كل على طريقته.

لم تعد الطمأنينة حكراً على شريحة صغيرة من السوريين. والخوف لم يعد ضيقاً. اتسع، امتدّ، تسرّب إلى هنا وهناك. إنها العدالة الإنسانية. هذا ما فكرت فيه عندما سمعت أن مقاتلين من “الجيش الحرّ” باتوا على بعد عشرين كيلومتراً عن منطقة القرداحة. فكرت أن أهل الساحل سوريون ولا ضير في أن يتشاركوا الخوف مع باقي السوريين في باقي المناطق. كيف سيتقاسمون وطناً فيما بعد إن لم يتقاسموا الخوف على الأقل!

سنتان ونصف، والساحل السوري ينعم بالهدوء والسكينة. ثمة خوف بالتأكيد، لكنه خوف عابر وغامض وهش. يدافعون عنه بفكرة أن ما يجري بعيد: هناك وليس هنا. عندهم وليس عندنا. أطفالهم وليس أطفالنا. وأرى في الفكرة هذه أصل انقسام جرى. صحيح أن شباباً من الساحل عادوا ويعودون إلى بيوتهم في توابيت، إلا أن ما يجري بعيد. لا غمامات دخان سوداء ولا أصوات قصف. ثمة من لم يسمع بعد صوت القصف. ثمة من لا يعرف الوقع الذي يحدثه هدير المدفعية. ثمة من يتفرج على ما يحدث في بلده من وراء زجاج التلفزيون. لم يختبر أبعاد الخوف التي يختبرها ابن ريف دمشق أو حمص أو حلب أو إدلب أو الرقة ودير الزور. سوريا كلها باستثناء الساحل.

 يحدث. لكنه بعيد. في محافظة أخرى يحدث. نحن بعيدون وأطفالنا كذلك وبيوتنا وكل ما يمت للحياة بصلة. سنتان ونصف، مئات آلاف القتلى والمعتقلين والمخطوفين. مدن مدمّرة. قرى منتهكة. مجازر جماعية. أجساد مشوية وممزقة. والساحل السوري منفصل عن الواقع كما كان دائماً. الساحل الذي عاش أبناؤه سنوات طويلة ظانّين أنهم يحكمون سوريا، في حين يعيش معظمهم حياة متواضعة، هامشية، مقهورة. أبناء الساحل الذين قدّموا للنظام خلال عامي الثورة ما لم يقدمه النظام لهم خلال أكثر من أربعين عاماً. هاهم يقدّمون له أبناءهم وليس فقط ولاءهم المطلق. ها هم يجددون بالاكفان بيعتهم للنظام ويقفون في صفّ القاتل ويدافعون عن مدمّر لوطنهم.

 أتخيل الخوف الذي عاشه ويعيشه أهل الساحل بعد سماع أخبار عن اقتراب عناصر من “الجيش الحرّ” من مناطقهم المحصّنة. لقد حان وقت الخوف. ليست شماتة. ولا تشفٍّ. ولا انتقام. إنها العدالة الإنسانية. إنه وقت التخلي عن الانقسامات التافهة والتشارك في المشاعر كلها دفعة واحدة بما فيها القلق والخوف والذعر. إنهم هنا. يقتربون. هل سيقتلوننا؟ أين نذهب؟ هذه الأفكار والأسئلة تعفّنت في رؤوس سوريين كثر في قرى شمالية وشرقية وجنوبية.

 حان الوقت لتقاسم الخوف. وليس أي خوف. هذا النوع تحديداً وبالجرعة هذه بالضبط. خافوا قليلاً أو كثيراً. ألستم سوريين؟ ألستم في سوريا؟ أم أن الساحل بات دولة مستقلة؟ كلا. لن يكون دولة مستقلة. خافوا. الخوف شكل من أشكال الحياة. على الأقل، ما زال لديكم ترف الخوف. أن تشعر بالخوف، يعني انك لا تزال على قيد الحياة. وحده الميت لا يشعر بالخوف. واعلموا أن ثمة من خرج من بيته قبل سنتين ونصف ليدافع عنكم، ليحارب خوفه وخوفكم، ليصنع له ولكم وطناً أجمل، لتكونوا أفراداً وليس عناصر، ولتكونوا مواطنين وليس طائفة. لتكونوا أنتم كما تريدون وليس كما تريد السياسة لكم أن تكونوا. خافوا وتذكّروا من خاف قبلكم. الخوف يقرّب.

خافوا كسوريين.

المدن

معركة الساحل السوري: بشير البكر

رأت وسائل اعلام لبنانية محسوبة على تيار الممانعة أن فتح معركة الساحل السوري، من جانب بعض الكتائب المقاتلة، يشكل منعطفاً كبيراً للمسألة السورية، لأنه يستهدف الطائفة العلوية مباشرة. وجاء في إحدى الصحف اليومية ( السفير) منذ أيام: ” للمرة الأولى منذ اندلاع الأزمة، دخلت الحرب السورية ساحة الهجوم الطائفي المعلن، على منطقة تقطنها غالبية من العلويين”. واعتبرت الصحيفة ان الجماعات “الجهادية” ثابرت خلال الأشهر الماضية على الدعوة إلى تحريك جبهة الساحل، وتطوير القتال إلى حرب مكشوفة ضد “النصيريين”.

الحديث عن البعد الطائفي ليس بالأمر الجديد، ولكن النظر إلى تداعياته من زاوية النتائج المترتبة على معركة الساحل، هو الذي يثير جدلا في وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي،  كما لو انه حدث لم يسبقه اجتياح وتدمير بلدات وأحياء تقطنها غالبية سنية في ريف دمشق وحمص وبانياس، وارتكاب مجازر بحق المدنيين من طرف النظام وانصاره من الميليشيات الطائفية. وبغض النظر عن توقيت المعركة في الساحل والأهداف المتوخاة من ورائها، فإن الوقوف عندها واعتبارها أول طور طائفي تشهده المواجهات العسكرية في سوريا، فهو من باب الاستغباء المتعمد للآخرين، لأن جرس الانذار الطائفي كان قد رن بصوت عال في أكثر من مرة خلال الاشهر القليلة الماضية، ولكن لم يعره أحد أي اهتمام.

لم يبرز المظهر الطائفي للصراع في سوريا طيلة عامين، مثلما ظهر عليه مع إعلان حزب الله هذا العام عن مشاركته الرسمية في القتال إلى جانب النظام السوري، وزاد في إعطاء الأمر بعدا عربيا ودوليا تبرع أمينه العام حسن نصرالله باعتلاء منبر “البروباغندا” الطائفية عدة مرات، وصدرت عنه خطابات جارحة واستفزازية للسوريين، الذين يعرفون إن أحد أسباب إطالة عمر نظام الأسد، هو الدعم الايراني العسكري والسياسي والامني والمالي، ومن غير القابل للنقاش هو أن الحلف المقدس بين ايران والنظام السوري، تحكمه اعتبارات ليست طائفية، حتى لو تم تغليفة بشعارات المقاومة والممانعة.

 لم يخطر للسوريين على بال، أن يقوم “حزب المقاومة” بنقل معركته من مواجهة العدو الاسرائيلي في جنوب لبنان إلى ريف حمص ودمشق وحلب، كما بات مقاتلوه وتلفزيونه يتقدمون طلائع قوات الاسد وشبيحته، وبدلا من أن يقف نصرالله عند ذريعة الدفاع عن المقامات والقرى الشيعية، فإنه اخترع حرب الدفاع عن خاصرة المقاومة من داخل سوريا، وصار قتل وتشريد الابرياء السوريين وتدمير بيوتهم وساما على صدر مقاتلي المقاومة.

نصرالله الذي ذهبت به نشوة الانتصارات العسكرية لمقاتليه في الداخل السوري، لم يسعفه الحلم ليفكر بما يمكن أن تحفره في نفوس السوريين عمليات التجييش الطائفي، ورفع الرايات الشيعية على مآذن المساجد السنية في القصير، وتوزيع البقلاوة في الضاحية الجنوبية لبيروت، ولا حتى تدمير ضريح الصحابي خالد بن الوليد ومسجده في حمص.

لا يختلف اثنان في سوريا على أن البعد المذهبي للصراع في سوريا اختلف كليا بعد مشاركة حزب الله في القتال داخل سوريا، وما فشل فيه الاسد طيلة عامين لجر الثورة إلى المستنقع الطائفي، أنجزه حزب الله خلال اسبوع واحد في معركة القصير، التي هلل لها سياسيا واعلاميا، في صورة لا تضاهيها غير احتفالاته سنة 2006.

بأي صيغة كانوا يتوقعون أن يرد الطرف الآخر، الذي أحس بالإهانة والجرح؟ عندما ترمي خصمك ب “التكفيرية”، هل تريد أن يصفك ب” العلمانية”؟ لن يخرج عن لغة قاموس الانحطاط، وسيقول لك يا “نصيري، ويا “فارسي”.. إلخ.

لا يد للسوريين في إذكاء نار الطائفية. ويشهد العالم على أنهم ظلوا مدة عامين يترفعون عن الانجرار إلى المنزلق الخطير، ولم يشهد مجرى الثورة رد فعل طائفي نافر، ورغم قيام ميليشيات طائفية محسوبة على النظام بمجازر تطهير ضد قرى سنية في بانياس وريف حماة وحمص، فإن أحدا من جانب الثورة لم ينتقم، وباستثناء حوادث فردية متفرقة، لم تسجل إلى يومنا اعتداءات طائفية ذات طابع جماعي ضد العلويين. وكان يمكن أن يحصل ذلك ببساطة في مناطق بعيدة مثل ديرالزور والحسكة، لا بل جرى ترحيل عائلات علوية من حقول النفط، التي سيطرت عليها “جبهة النصرة” في الشدادي (الحسكة)، وأمنت “النصرة” حماية للعائلات العلوية حتى مطار القامشلي.

ورقة الطائفية التي يلعبها النظام اليوم، هي غير تلك التي رماها في بداية الثورة. في المرة الماضية أراد منها تحويل الثورة الشعبية إلى كمين طائفي يسهل تطويقه، ولكن الورقة احترقت بسرعة، واحتفظت الثورة بطابعها الوطني. أما اليوم فهو يشهرها من أجل خلط الأوراق، والاحتماء بالحصن الأخير.

المدن

: صبحي حديدي‘تحرير الساحل’ وتحريك المياه الراكدة: رفعت الاسد نموذجا

رغم أنها ما تزال محدودة النطاق جغرافياً، وذات طبيعة رمزية عسكرياً، ومتضاربة في حصيلة فوائدها ومضارّها سياسياً؛ فإنّ عمليات ‘الجيش السوري الحرّ’ الأخيرة في بعض قرى الساحل السوري حرّكت مقداراً ملموساً من المياه الراكدة في مواقف أبناء الطائفة العلوية، تجاه الانتفاضة أسوة بالنظام. كذلك استدعت ردود أفعال متباينة، ليس بمعنى اختلاف الرأي حول العمليات ذاتها (إذْ توفّر ما يشبه الإجماع، المشروع، على التخوّف من عواقبها)؛ بل بمعنى خلخلة عدد من الولاءات والانحيازات، التي لاح انها استقرّت عند مستوى من الثبات النسبي طيلة سنتين ونصف من عمر الانتفاضة. أخيراً، وبالتضافر مع نجاحات الجيش الحرّ في محيط حلب (تحرير مطار منغ)، وفي درعا، وما تردد عن استهداف موكب بشار الأسد أمس؛ شاعت مناخات توحي بتقهقر النظام عسكرياً، وارتداد الحال إلى ما قبل سقوط بلدة القصير.

وإذا كان من المبكّر، في هذه المرحلة، استخلاص أيّ تقدير متكامل في الحدود الدنيا حول عمليات قرى الساحل وجبل الأكراد، وخاصة من حيث الجدوى العسكرية (التي تتجاوز القيمة الرمزية لاستهداف بلدة القرداحة، مثلاً، مقابل إمكانية قطع طريق إمدادات قوّات النظام من اللاذقية إلى إدلب وحلب)؛ فإنّ رصد أنساق محددة من ردود الفعل متاح منذ الآن، بل لعلّه يرتدى مغزى بالغ الخصوصية، في شأن ما طرأ أو قد يطرأ من تحوّلات على مزاج بعض أبناء الطائفة العلوية، وفي ما هو أبعد من مظاهر الاحتجاج التلقائية التي قيل إنها اندلعت في القرداحة ذاتها، وكذلك في اللاذقية (حيث تردد أنّ تجمعاً شعبياً أمام فرع المخابرات الجوية، شهد هتافات مثل: ‘أولادنا بالقبور، وأولادكم في القصور’).

نسق آخر من ردود الأفعال، عاد مجدداً بعد ظهور أوّل يعود إلى شباط (فبراير) 2012، وهو انتشار لافتات وملصقات تحمل صورة رفعت الأسد، وعبارة ‘الشعب يطالب بعودة القائد الدكتور رفعت الأسد. ناطرينك’. ولم تكن مصادفة، استطراداً، أن يسارع ‘التجمع القومي الديمقراطي الموحد’، حزب هذا الأخير، إلى إصدار بيان اتهامي صارخ: ‘كلكم تتاجرون بالوطن وبالمواطن وبالحرية، وكلكم تقتلون باسم الوطن والمواطن والحرية، وكلٌ منكم تخلى عن أخلاقه، ولا بد لهذا النزيف اليومي والدمار اليومي أن يتوقف’. كذلك لم يكن مستغرباً أن يطالب البيان ‘كافة الغرباء بمغادرة التراب السوري الطاهر، لأنهم يحيكون للوطن مؤامرة كبرى’، وأن يهاجم ‘المعارضة المسلحة داخل سورية’ لأنها تمارس ‘سياسة القتل والتدمير وتفسيخ نسيج المجتمع السوري المتآخي’، ومعارضة الخارج بسبب ‘الاستقواء بالأجنبي على الوطن، وممارسة التأجيج والتجييش والحض على الجهاد، والدعوة إلى إسقاط النظام، حتى ولو لم يبق في سورية حجر على حجر آخر’.

أمّا النظام ذاته، الذي يقصف البشر مثل الحجر، ويحرق الزرع اسوة بالضرع، ولا يوفّر سلاحاً خفيفاً أو متوسطاً أو ثقيلاً، ويقصف بالطائرات والدبابات والمدفعية والراجمات، بالبراميل المتفجرة وصواريخ ‘سكود’ والأسلحة الكيميائية… فهذا ما يقوله عنه بيان رفعت الأسد: ‘لسنا مع المتشددين في النظام الذين يمارسون سياسة العنف’. نعم، ‘متشددون’… فقط، لا غير! ولا عجب، بعد هذا، أن يتماهى العمّ (رفعت) مع أطروحات ابن أخيه (بشار)، فيردّد مثله: نحن ‘مع كلّ معارضة وطنية شريفة، ومع كلّ القامات والشخصيات الوطنية التي ترفض العنف، وتسعى لمصلحة الوطن والمواطن أولاً، وترفض كل ما يجري على الساحة الوطنية السورية من قتل ودمار وتمزيق لنسيج المجتمع السوري’. ولا غرابة أن ينتهي البيان هكذا: ‘لا بدّ من صحوة وطنية عاجلة، والتمسك بسياسة العدل والسلام والحرية لإنقاذ الوطن قبل فوات الأوان’.

ثمة ‘أوان’ ما، إذاً، كان الدافع وراء إصدار هذا البيان، وكان حافز التغيير الجلي الذي طرأ على موقف العمّ من الانتفاضة الشعبية العارمة التي تعصف بركائز ‘الحركة التصحيحية’، حكم شقيقه حافظ، وشقيقه الثاني جميل، وحكمه هو شخصياً، ثمّ أبناء شقيقيه، وأبنائه، وآل الأسد أجمعين؛ متضافرين، متضامنين، مع آل مخلوف، وآل شاليش، وآل ناصيف، وآل دوبا، وآل الخولي، وآل مملوك؛ وقبلهم، وإنْ بحصص أقلّ دسماً وليس أقلّ شراهة إلى امتصاص دماء السوريين، آل خدّام، وآل طلاس، وآل الشهابي، وآل الأخرس… ومَنْ لفّ لفّهم، وجرّ جرّهم! الحال تتبدّل على الأرض، وثمة نيران تشتعل في أركان البيت الداخلي، بعد أن بلغ لهيبها مراكز موالاة لاح أنها منيعة بوفائها المطلق لسردية النظام، ومراصد دفاع بدت منيعة مدججة بالسلاح والشبيحة؛ ولا مناص إذاً، أو ‘لا بدّ’ وفق نصّ البيان، من تغيير المواقف، بعد تبدّل الحال.

وكان رفعت الأسد (75 سنة) قد بدأ بمحاولة امتطاء مظاهرات درعا، التي انطلقت في آذار (مارس) 2011، زاعماً أنه أعطى التوجيهات لأنصار حزبه بالمشاركة فيها، وأنها كانت سلمية تماماً، والحماقة الأولى أتت من قريب بشار الأسد، مسؤول الأمن السياسي هناك، الذي أعطى الأوامر باستخدام الذخيرة الحية ضدّ المتظاهرين (حوار مع أسبوعية ‘باري ماتش’ الفرنسية، يعود إلى خريف 2012). قبلها كان قد أصدر بياناً خاصاً يترحم فيه على الشهيد حمزة الخطيب: ‘لا يسعني إلا أن أحيي هذا الطفل الشهيد، وأعزي نفسي باستشهاد الشعب السوري، وأجثو على قدمي مبتهلاً ما قدس الله شهداء، حيث لم يبق منه إلا جيلك وأجيالك عليك الصلاة ولك الخلود’!

بعدئذ، في نقلة دراماتيكية تتوخى تضخيم الذات، أعلن رفعت الأسد أنه يملك الحلّ السحري لإنهاء ‘الأزمة’ في سورية، وأنّ روسيا موافقة عليه، وكذلك ‘الإخوان المسلمين’، وبشار الأسد يمكن أن يوافق، وثمة آفاق لإقناع المعارضة الداخلية والخارجية بالسير في الركاب… أين العائق، والحال هذه؟ إنها إيران: ‘لأنّ المشكلة الدولية اليوم هي سورية، وليست إيران. ولإيران كلّ المصلحة في صرف الأنظار عنها ورفض كلّ مساومة. يتوجب أن نجبر إيران. نحن نحترم إيران والشعب الفارسي. لكنّ لإيران مطامح مفرطة تجعلها تتجاوز حدودها في كلّ مرّة’. (حوار مع موقع Slate.fr الفرنسي، يعود إلى آب/ أغسطس، 2012).

واتكاءً على ثقته المطلقة بأنه (كما تابع، في الحوار إياه) يُنتظَر في سورية بصفة المنقذ، يؤكد أنّ عودته إلى البلد اليوم هي أسهل بكثير ممّا كانت عليه قبل 20 سنة، حين نفاه شقيقه حافظ؛ وأسهل عليه، أيضاً، أن يتولى إصلاح سورية: ‘الكلّ يدرك ضرورة التغيير، والنظام مرفوض على نطاق واسع، ولا يحميه اليوم الا خوف الأقليات، وسورية ترغب في العيش بسلام، ولهذا لا تمثّل خطراً على جيرانها، وليس لجيرانها أن يمثّلوا خطراً عليها’. المنقذ من الضلال، إذاً؟ ربما، في ناظر شرائح ليست بالقليلة في صفوف عسكر النظام، وأفراد أجهزته الأمنية، وشبيحته، من أبناء الطائفة العلوية بصفة خاصة؛ لأسباب جديرة بالاستعادة، هنا، وكلما طُرح اسم رفعت الأسد في نقاش كهذا.

ذلك لأنّ أرصدته، السياسية والأمنية والعسكرية والمالية، سواء داخل صفوف الضباط أو المدنيين، في الحزب أو الدولة أو المجتمع، ليست محدودة، وليست مجمدة البتة؛ وهي بالتالي قابلة للتوظيف الفوري، سواء جرى استثمارها من داخل سورية لكي تعطي ثمارها في الداخل السوري وتُرحّل إلى الخارج في آن معاً؛ أو جرى العكس: استثمار من الخارج إلى الداخل، حيث تكتسب من أسباب القوّة ما يجعلها قابلة للتصدير مجدداً إلى الخارج! وكان انتشار اللافتات والملصقات التي تحضّ على عودته مثيراً تماماً، وذا مغزى بالطبع، لأنّ المرء كان يعثر على بعضها ملصقة حتى على جدران فروع الأمن، ومداخل الوحدات العسكرية، وشواخص الطرقات العامة، في القرى والبلدات والمدن.

والعمّ ما يزال يتمتع بولاء شرائح واسعة من كوادره القديمة (السياسية والعسكرية، الرسمية وغير الرسمية) التي صعدت منذ أوائل الثمانينيات على يديه، بفضل منه، وحين كان الرجل الثاني في البلاد، أو ‘البلدوزر’ الذي يجرف ما يشاء، أنّى ومتى شاء. وتلك كوادر اضطرت ـ بعد تقليص سلطاته، وإبعاده خارج سورية إثر صراعات عام 1984، وحلّ ‘سرايا الدفاع′، ذراعه العسكرية الضاربة ـ إلى التقاعد أو الانزواء أو التأقلم مع الأوضاع الجديدة. وهي، أيّاً كانت مواقعها الراهنة، في مواقع الجيش الهامشية والإدارية الصرفة، أم في فروع المخابرات المختلفة، أم في ألوية الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري، أم في عشرات القرى الصغيرة والكبيرة (بعد حلّها، امتهن أفراد ‘سرايا الدفاع′ من رتبة ‘رقيب أوّل’ أو ‘مساعد’ وظائف مشايخ أو مخاتير في ضٍيَع الساحل السوري)… مستعدّة إلى الانضواء من جديد في كنف ‘القائد’.

كذلك فإنّ رفعت الأسد قادر على مصالحة النقائض، وتقريب الهوّة بين شيوخ السلطة وكهولها وشبّانها، وبين الخاسرين منهم والرابحين، وحيتان الفساد أسوة بالقطط السمان، والجوارح التي تقتات على الجيف مثل تلك التي تستأثر بالطرائد الأدسم. وهو عسكري سابق امتهن الـ ‘بزنس′ ذا العيار الثقيل، واستثماراته داخل سورية وخارجها تُحسب بالمليارات، وتحالفاته وثيقة مع التجّار ورجال الأعمال حتى جاء زمن عُدّ فيه ‘حامي التجّار’ بامتياز. وحين كان قويّاً، على رأس جيشه الخاصّ، النخبوي تماماً في تسليحه وامتيازات أفراده، يقود تحالفاً عجيباً من العسكر والتجّار والأكاديميين (إذْ لا ننسى أنه ‘دكتور’ في العلوم السياسية، ورئيس سابق لـ ‘رابطة خرّيجي الدراسات العليا’!)؛ أشاع رفعت الأسد ثقافة ‘عسكرة التجارة’، التي تجعل الضباط شركاء دون رساميل في أيّ وكلّ تجارة؛ بالتوازي مع ‘تَجْرَنة العسكر’، حيث ينقلب الضباط إلى تجار في كلّ وأيّ صنف، وسط ابتهاج مختلف فئات البرجوازية السورية الطفيلية.

وهذا، حين تقتضي الحال ويأزف ‘أوان’ لا ريب فيه، رجل بطش وإراقة دماء وهتك أعراض وإحراق أخضر ويابس؛ سجلّه شاهد على ما ارتكب في تدمر، بل وفي أربع رياح سورية، خلال السنوات التي شهدت ذروة صعوده، وأقصى تعطشه للدماء. وإذا بدا للبعض في صورة ‘المنقذ’ حقاً، وعلى أيّ نحو، فذلك لأنّ مزاج الرعب المطلق الذي يعصف بذهنية ذلك البعض لا يطيق رؤية أفق وطني سليم وصحّي يتيح تعايش السوريين بمختلف مذاهبهم وطوائفهم وأديانهم وإثنياتهم؛ بقدر ما يتشبث بسردية رهاب واحدة وحيدة، ترى الكابوس وحده، وتتشبث بعظام رميم، ولا تبصر إلا حافة الانهيار.

أو تهرع في خوفها إلى هاوية انتحار، استيهاميّ وذاتي أغلب الظنّ!

‘ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس

عقدة الساحل السوري المستعصية على الحل: عمر قدور

ما لم يسقط النظام فجأة في دمشق، وتمسك مقاليد السلطة حكومة قادرة، فإن معركة الساحل السوري آتية. يخطئ من يقفز على هذه الخلاصة، أو من يحشد الحجج النظرية لاستبعادها بدل الاشتغال على التقليل من آثارها السلبية المتوقعة. قد يكون فتح جبهة الساحل أخيراً مجرد إنذار صغير، وقد لا تنجح الكتائب المقاتلة حالياً، بإمكاناتها المتواضعة، في التقدم ضمن أرض وبيئة معاديتين، إلا أن فشلها لا يعني التوقف عن المحاولة كما حدث في مناطق عدة.

لن تمنع المعركةَ التحذيراتُ من الانزلاق إلى حرب طائفية معلنة، فالواقع يقول إن الحرب الطائفية بدأت فعلاً مع عمليات التطهير الطائفي التي باشرها شبيحة النظام وقواته في البيضا وبانياس في أيار (مايو) 2011، وأنجزها فيهما تماماً بعد سنتين، مروراً بتطهير الحفة قبل نحو سنة وشهرين، فضلاً عن عمليات التطهير المستمرة في مدينة حمص ومنطقة سهل الحولة. في كل تلك المناطق، لعب الشبيحة دوراً يفوق دور القوات النظامية في تأجيج الأحقاد الطائفية، فبالإضافة إلى مساهمتهم في الاقتحام العسكري لها ارتكبوا المجازر البشعة مستخدمين السكاكين، ونهبوا الممتلكات وأحرقوها. أهالي المناطق المنكوبة يعرفونهم، ويعرفون من أي جوار أتوا، وهم ليسوا بالقلة التي يصوّرها بعضهم إما للتهوين من شأن الأحقاد الطائفية وإما للتبرؤ اللفظي من أفعالهم.

من المرجّح ألا تغيّر معركة الساحل التي أُعلن عنها قبل أسبوع الوقائع على الأرض، وأن يكون أثرها الإعلامي أو النفسي أكبر من آثارها العملياتية، وبسبب تلك الآثار لا يُتوقع من النظام أن يفرّط بسهولة بالأمان الذي يوفره لأنصاره هناك، والذي بات شبه منعدم في بقية المناطق. لكن الوقائع الحالية، وما رافقها من ردود فعل وروايات، تصلح للدلالة على المنحى الذي ستأخذه المعركة الكبيرة التي لا يستبعدها ألدّ أعدائها، وربما تكون قد بدأت فعلاً على صعيد ردود الفعل والروايات المتناقضة حول ما يحدث.

حتى الآن لا توجد روايات منسوبة إلى جهة مستقلة ذات صدقية؛ وما عدا ذلك هناك سيل من الأخبار التي تتراوح بين ارتكاب الكتائب المهاجمة مجازر جماعية وبين عمليات انتحار جماعية لجأ إليها بعض السكان خوفاً من الانتقام الآتي. والأكيد أن المهاجمين أسروا عدداً من المدنيين في قرى بلوطة وكفرية وعرامو؛ المؤيدون يقولون إنهم يُستخدمون كدروع بشرية، لتجنب القصف الجوي الذي تلجأ إليه قوات النظام عادة إثر خسارتها لمناطق العمليات، بينما أشار ناشط إعلامي مرافق للقوات المهاجمة إلى أن الأسْر تم لمقايضتهم بأسرى في سجون النظام. على بعض صفحات التواصل الاجتماعي نُشرت صورة لمقاتل يدعى «الشيخ قحطان»، قيل إن عينيه دمعتا عندما طلبت منه طفلة أن يطلق النار على رأسها لتموت فوراً إن كانت هناك نية لقتلها، فاحتضنها وحملها إلى السيارة التي تحمل الأسرى الباقين؛ حسبما تروي صفحات محسوبة على المعارضة!

هيئة التنسيق الوطنية «فرع المهجر» سارعت إلى إدانة الهجوم، بينما باركه «الائتلاف الوطني». هذا ليس الانقسام الوحيد في صفوف المعارضين إزاء المعركة، فقد عمّت سريعاً حملات الاتهامات المتبادلة، بخاصة بين أولئك الذين يتحدّرون من المناطق المستهدفة وأبناء المناطق الأخرى. وما عدا أولئك الذين يعارضون بالمطلق عسكرة الثورة، والذين علت أصواتهم أكثر من قبل، برزت الخلافات التي لم تظهر سابقاً مع المعارك الأخرى، وظهرت إلى العلن المكبوتات الطائفية لدى بعضهم، وكالمعتاد أيضاً تمت التغطية على قسم منها بذرائع عمومية.

ولكي لا يحتل التأويل الطائفي كل المساحة لا بد من الإشارة إلى أن استشعار الخطر الشخصي كان له أثر على توجهات بعض المعارضين في مناطق أخرى، فليس جديداً أن ينتقد معارضون دخول المقاتلين إلى المناطق السكنية، لأنها ستكون عرضة لانتقام النظام، ومن البديهي أن يتضاعف الخوف إذا اقترن بالرعب من الانتقام العشوائي على خلفية طائفية. هذا الخوف ليس قابلاً للتبديد مع المناشدات أو بيانات التطمين، بما أن كل ما يقال وما لا يصرح به عن معركة الساحل يعزز منه. ولعل تلك الرواية، إن صحت، عن الطفلة التي تطالب بالقتل الرحيم تمثّل الواقع الحقيقي بلا تزويق؛ لا يقلل من دلالتها أن تكون الرواية ملفقة. أما الروايات عن قتل رجال عائلاتهم، ومن ثم قتل أنفسهم تحسباً للانتقام، فهي تعيد إلى الأذهان ما حدث في مجزرة عقرب أواخر العام الماضي، حين قتل الشبيحة النساء والأطفال خشية تعرضهم للأسر أو التنكيل.

يجادل بعض المعارضين بأن استهداف النظام ينبغي أن يكون في دمشق، وبصرف النظر عن كونهم هلّلوا سابقاً لتحرير مناطق أكثر بعداً من الساحل السوري عن العاصمة فإن كل الذرائع لا تبدو كافية لاستبعاد استحقاقات الحرب المتسعة باضطراد، بل إن المواقف التي تهوّل من خصوصية معارك الساحل تساهم في زيادة المخاوف التي كان النظام أول من بثّها في صفوف مواليه. ومن ناحية أخرى يبدو الإلحاح على خصوصية كل منطقة مدخلاً إلى التقسيم على الصعيدين النفسي والواقعي، وما لم تكن هناك إرادة دولية للتقسيم، لن يكون الحديث عن الخصوصيات سوى مدخل إلى مزيد من الاحترابات.

اللوحة قاتمة، وحتى إن تبين لأبناء المناطق الموالية عجز النظام عن حمايتهم فلن يدفعهم ذلك للتخلي عنه، لأن الشعور السائد أخيراً هو أنهم يدافعون أولاً عن أنفسهم وعن مناطقهم. الشبيحة هناك ليسوا معزولين عموماً، على رغم تسببهم في الخوف المتعاظم من الانتقام، لأنهم من جهة أخرى القوة الوحيدة الجاهزة للقتال. النظام غير قادر مستقبلاً على حماية الحلقة الضيقة من مؤيديه، والمعارضة لم تنجح في حماية المناطق الأخرى المحررة لتحمل عبء المناطق الموالية.

الحل يبدو سهلاً على مستوى الافتراضات النظرية التي يعوّل بعضها على سلوك أخلاقي عالٍ من كتائب المعارضة، ويحلم بعضها الآخر بانتفاضة «علوية» طال انتظارها، ولكن إذا نظرنا إلى المعركة الحالية كبروفة للمعركة الأكبر، فهذا على الأقل سيجنبنا مزيداً من الأوهام.

الحياة

عن معارك الساحل.. التحرير والاحتلال والرهانات الخسارة

صادق عبد الرحمن
يبدو اتجاه الثوار المسلحين في الجيش الحر والكتائب الأخرى المتواجدة في شمال محافظة اللاذقية إلى فتح معركة واسعة على تخوم معاقل النظام، وعلى أطراف البيئة الأهلية الحاضنة له، أمراً منطقياً تماماً، ولا شك أنه يتفق مع سير أية عمليات حربية. ذلك أن فتح جبهة جديدة يخفّف الضغط عن قوات الثورة في مناطق أخرى، فكيف إذا كانت المعركة تهدّد ما يعتبره النظام معقِله وربما حصنه الأخير؟ على أن الأمر في ظرف الثورة السورية المعقد ليس بهذه البساطة. ربما يكون واضحاً وبسيطاً من وجهة النظر العسكرية، وأما عندما نتحدث عن الثورة ومآلاتها ومآلات الوطن السوري فإن الأمر يغدو مختلفاً.

لا يتعلق الأمر هنا بالساحل السوري ولا باللحظة الراهنة فحسب، بل إن الأمر يتطلب عودة إلى الوراء، إلى بدايات الثورة السورية. ولكي نكون واضحين فإن علينا أن ندع حقوق الإنسان والقيم الوطنية السورية جانباً، ونبحث في الوقائع والأهداف والإمكانات. قبيل اندلاع الثورة السورية، على شكل انتفاضة كرامة بدأت من سهل حوران وتصاعدت وتدحرجت حتى أصبحت ثورة شعبية عارمة، كان النظام السوري نظاماً سياسياً متماسكاً يهيمن على كل شيء في البلاد، وعلى الرغم من احتلال العنف مكاناً واسعاً في أدوات هيمنته، فإنه لم يكن يهيمن عليها بالعنف وحده، لقد كان يهيمن عليها في الاقتصاد والخطاب والثقافة. لقد كان النظام السوري نظام الطغمة بامتياز، الطغمة التي تهيمن على السلطة والثروة والمجتمع كله، ولم يكن للحديث عن مدى شرعية النظام وقتها أي معنى، فالنظام كان يكتسب شرعيته التاريخية من استسلام المجتمع لنمط الحكم والحياة الذي يفرضه. ثم كانت الثورة التي جاءت نتيجة تراكب عاملَين: الأول عجز النظام وبنيته المهترئة وخطابه الأحادي المتخلف عن تلبية حاجات السوريين المتغيرة؛ والثاني تصدّع جدار الهيمنة وانهياره، ومن ثم انطلاق الحشود إلى الشوارع بحيث لم يعد يمكن للنظام حكم البيئات الأهلية الثائرة إلا بالعنف العاري… لتنتهي بذلك كل صور هيمنة النظام على مناطق واسعة من البلاد، باستثناء الهيمنة الناجمة عن احتكار العنف وعن القوة النارية غير المتكافئة، ولينتهي بذلك نظام الأسد كنظام سياسي سوري أيضاً، ويتحول في واقع الحال إلى قوة احتلال. إن محاولة أية قوة عسكرية للسيطرة على مناطق معينة رغم أنف سكانها تجعل منها موضوعياً قوة احتلال، قوة احتلال ستستجلب مقاومة دون أدنى شك. ولقد استخدمت القوة العسكرية للنظام –التي كانت تأتي على هيئة جيش نظامي أو قوى أمنية أو مليشيات طائفية– كل أنواع العنف، واستباحت بلا هوادة كل منطقة أعلنت عصيانها، ولم تتصرف باعتبارها جيشاً وطنياً أو قوات أمن وطنية ولو للحظة واحدة، وإنما ارتكبت كل ما ترتكبه قوات أي احتلال من بطش ونهب وتدمير للبيوت ومذابح جماعية. هكذا كان حتمياً أن يرفع الثوار السلاح على نطاق واسع في مواجهة النظام، وهكذا دخلت سورية في طور الحرب الأهلية رويداً رويداً، حرب أهلية مركبة ومعقدة ذات منحى طائفي واضح لا تخطئه عين.

ولكن من قال إن مصطلح حرب أهلية ينفي عن الثورة وصفها بأنها ثورة؟ كل ما في الأمر أنه يغير وصفها في الظرف السوري الذي تنقسم فيه الناس هوياتياً لا سياسياً، هي لم تعد ثورة وطنية سورية، أقله ضمن المفهوم السائد للوطنية السورية، المفهوم الذي يتجاهل الشروخات الهوياتية والبنية ما قبل الوطنية للمجتمع السوري. لقد عصفت الثورة بالوطنية السورية كلها أصلاً، وأظهرت هشاشتها وتهافت خطابها، لم يكن النظام وخطابه وأدواته وحده العاجز عن تلبية حاجات السوريين، كذلك المعارضة، كذلك السردية الوطنية السورية برمتها.

هكذا كان الرهان الخاسر لدى النظام وأنصاره ونخبه، هكذا كان حلمهم البائس في إعادة الهيمنة على كل البلاد انطلاقاً من محاولة فرض الإرادة بالقوة العسكرية الغاشمة، لم تكن محاولتهم السيطرة مرة أخرى على دوما مثلاً سوى محاولة احتلال عسكري بائسة لمدينةٍ سكانها برمّتهم يرفضون نظام الأسد ويعتبرونه عدواً، ولهذا كان مصيرها الفشل. لقد تمكن الجيش والمليشيات المرافقة له من الدخول والسيطرة على قلب المدينة، لكنه لم يلبث أن طُرد منها. هذه ليست أرضه ببساطة. هكذا يكون دخول الجيش الحر إلى دوما تحريراً ودخول الجيش النظامي إليها احتلالاً، وهكذا تبدو الصورة مرشحة للانعكاس في الساحل السوري.

لقد آن أوان الاعتراف بأننا لسنا في حضرة ثورة يقوم بها «شعب سوري واحد» في مواجهة «نظام سوري» فاشي، نحن أمام ثورة شعبية «للبيئات الأهلية السنية» في سورية ضد نظام طغمة طائفي نواته الصلبة «اعتبار العلويين أنه نظامهم». هكذا هي المسألة. ولأنها هكذا، يستقر في لاوعي السوريين الثائرين على النظام أن ثمة حرباً يشنها «علويون» انطلاقاً من أرضهم باتجاه أرض غيرهم، ولهذا يبدو منطقياً التفكير في نقل المعارك إلى أرض الخصم. على أن المقتل يكمن هنا في اعتبار هذه المعارك تحريراً، لأن هذا يشي برفض النخبة السورية الثائرة للخروج من صندوق السردية الوطنية السورية التقليدي، ويشي بقصورها عن إدراك عمق الصراع الذي يدور على الأرض السورية. ذلك أن السكان «العلويين» يرون في قوات الثورة عدواً، ربما عدواً وجودياً، وهذا ما يجعل سيطرة الجيش الحر على الساحل وهماً بعيد المنال. الجيش السوري الحر، الذي يعني ببساطة «السنة المسلحين» بالنسبة للأغلبية الساحقة من العلويين، لا يمكن أن يعني بالنسبة لهم جيش تحرير، هو بالنسبة لهم ودون شكّ جيش احتلال واجب المقاومة، وهو واقعياً سيتحول إلى قوات تتقدم في بيئة معادية، أي قوات سهلة الاستهداف. ولعل ما يدور اليوم في الشمال السوري يأتي تأكيداً واضحاً على هذا القول، إذ لم يكن تقدم قوات الثورة باتجاه المناطق الكردية تحريراً، ولم تكن سيطرة الجيش السوري الحر على «سري كانييه» شبيهة بسيطرته على مدينة الرقة مثلاً، ولقد كان الحراك الثوري الكردي أصلاً متمايزاً في الخلفيات والأهداف، ذلك لأن الهوية القومية الكردية والمظالم التاريخية للأكراد فعلت فعلها في كل مرحلة من مراحل الثورة.

لم يقدم النظام السوري مشروعاً سياسياً وخطاباً يواجه الحاجات المتجددة للمجتمع السوري عموماً، وللثوار وحاضنتهم على وجه الخصوص، وإنما لجأ إلى منطق «القوة العارية» التي لم تنجز شيئاً سوى التدمير على مرّ التاريخ، وهو لم يكن قادراً أصلاً على تقديم مشروع وخطاب كهذا بحكم بنيته المهترئة وخطابه المستند إلى سرديات تجاوزها واقع الحياة. وكذلك سيكون الرهان خاسراً أيضاً لدى الثوار ونخبهم إذا ما اعتقدوا أن «القوة العارية» يمكن أن تجلب لهم سورية موحدة في المستقبل. يجب أن يكون واضحاً أنه ما لم تترافق القوة مع مشروع سياسي وخطاب عقلاني جديد يعيد صياغة الهوية الوطنية السورية فإن معركة «تحرير» الساحل لن يُكتب لها النجاح بحال من الأحوال، ولن ينتهي المآل بالثورة السورية إلى سورية موحدة مطلقاً، ولعل الأداء العام للمعارضة لا يبشر بأن بُنيتها يمكن أن تنتج في المدى المنظور خطاباً ومشروعاً كهذا، هذه البنية المستندة أصلاً إلى بنية المجتمع السوري الهشّة، وإلى خطاب الوطنية السورية المهترئ الذي يصر على عدم رؤية بنية الشعب السوري على حقيقتها.

لا يتعلق الأمر هنا بإعلان موقفٍ ما من عمليات الثوار في الساحل السوري، فهي عمليات قد تكون مفيدةً لجهة تخفيف الضغط العسكري عن الثوار في جبهات القتال الأخرى، كما أنها يمكن أن تكون أيضاً ذريعةً لمذابح جديدة يتعرض لها «السنة» في الساحل على يد مليشيات النظام الطائفية، وهي في كلتا الحالتين عمليات مفهومة ومتوقعة في سياق الصراع السوري الدامي… وإنما يتعلق الأمر بضرورة بالبحث عن فهم صحيح ومختلف للصراع الدائر، ومن ثم البناء على هذا الفهم لاجتراح حل يُنهي المأساة السورية المستمرة ويؤسّس لمعرفة جديدة تفتح الطريق لتحقيق ما انتفض الثوار لأجله أصلاً، وأعني كرامة الفرد السوري وحريته وحقوقه.

موقع الجمهورية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“جميل حتمل” الذي لوّن حياتي ومضى غير عابئ/ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...